الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأوَّل الطائر الذي خرج من فمه بروحه، فإنها كالطائر المحبوس في البدن، فإذا خرجت منه كانت كالطائر الذي فارق حبسه فذهب حيث شاء، ولهذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن نسمة المؤمن طائر يَعْلُق في شجر الجنة
(1)
.
وهذا هو الطائر الذي رُئي داخلًا في قبر ابن عباس لما دُفِن وسمع قارئ يقرأ: {يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} [الفجر: 27 - 28]
(2)
. وعلى حسب بياض هذا الطائر وسواده وحُسنه وقبحه تكون الروح. ولهذا كانت أرواح آل فرعون في صُوَر طيرٍ سُودٍ ترد النار بكرةً وعشيةً
(3)
.
وأوَّل طلب ابنه له باجتهاده في أن يلحق به في الشهادة وحَبْسِه عنه هو مدةَ حياته بين وقعة اليمامة واليرموك. والله أعلم.
فصل
في قدوم وفد نجران عليه صلى الله عليه وسلم
-
قال ابن إسحاق
(4)
: ووفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفدُ نصارى نجران
(1)
أخرجه مالك (643) وأحمد (15776) والترمذي وصححه (1641) والنسائي في «الكبرى» (2211) وابن حبان (4657) وغيرهم من حديث كعب بن مالك بإسناد صحيح.
وقوله: «يعلق في شجر الجنة» أي: يأكل من ثمارها. يقال: عَلَقت البهائم من الشجر تَعْلُق عَلْقًا وعُلُوقًا، إذا تناولت بأفواهها من ورق الشجر، وكذلك الطير من الثمر.
(2)
أخرجه أبو القاسم البغوي في «معجم الصحابة» (2017) وابن أبي حاتم في «تفسيره» (10/ 3431) والطبراني في «الكبير» (10/ 290) والحاكم (3/ 543) عن سعيد بن جبير بإسناد جيّد.
(3)
كما ذكره هُزَيل بن شُرَحبيل ــ وهو من كبار التابعين ــ والسُّدِّي وكعب الأحبار، وروي أيضًا عن ابن مسعود. انظر:«تفسير الطبري» (20/ 337، 338) و «البعث والنشور» للبيهقي (206) و «تفسير عبد الرزاق» (2/ 181، 182).
(4)
كما في «دلائل النبوة» (5/ 382).
بالمدينة، فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير
(1)
قال: لمَّا قدم وفد نجران على رسول الله صلى الله عليه وسلم دخلوا عليه مسجدَه بعد العصر، فحانت صلاتُهم فقاموا يصلون في مسجده، فأراد الناس منعهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«دعُوهم» ، فاستقبَلوا المشرق فصلَّوا صلاتهم.
قال: وحدثني بريدة
(2)
بن سفيان عن ابن البَيلماني عن كُرْز بن علقمة
(3)
قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نصارى نجران ستون راكبًا، منهم: أربعة وعشرون رجلًا من أشرافهم، والأربعة والعشرون منهم ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم:
- العاقب: أمير القوم وذو رأيهم وصاحبُ مشورتهم، والذي لا يصدرون إلا عن رأيه وأمره، واسمه: عبد المسيح.
- والسيد: ثِمالُهم
(4)
وصاحب رحلهم ومجتمعهم، واسمه: الأَيهم.
- وأبو حارثة بن علقمة أخو بني بكر بن وائل: أُسْقُفُّهم وحَبرهم وإمامهم وصاحب مِدْراسهم. وكان أبو حارثة قد شَرُف فيهم ودرس كتبهم،
(1)
ابن العوَّام القرشي، من فقهاء أهل المدينة وعلمائهم، عاصر صغار التابعين ولكن لم يثبت له رواية عن أحد من الصحابة. وقد تحرّف اسمه في مطبوعة «الدلائل» ــ وما أكثر التحريف فيها ــ إلى:«محمد بن جعفر بن الندي» !
(2)
في الأصول والمطبوعات: «يزيد» وهو تصحيف.
(3)
الخزاعي، له صحبة، إلا أن الإسناد إليه ضعيف، بريدة بن سفيان وابن البيلماني ضعيفان.
(4)
الثِّمال: الغِياث الذي يقوم بأمر قومه.
وكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرَّفوه وموَّلوه وأخدموه، وبنوا له الكنائس وبسطوا عليه الكرامات لِما يبلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم.
فلما وجَّهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نجران جلس أبو حارثة على بغلةٍ له موجهًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى جنبه أخ له يقال له: كُرْز بن علقمة يسايره، إذ عثرت بغلة أبي حارثة فقال له كرز: تَعِس الأبعد! يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له أبو حارثة: بل أنت تعست! فقال: ولم يا أخي؟ فقال: والله إنه النبي الأمي الذي كنا ننتظره، فقال له كرز: فما يمنعك
(1)
وأنت تعلم هذا؟ فقال: ما صنع بنا هؤلاء القوم، شرَّفونا وموَّلونا وأكرمونا، وقد أبوا إلا خلافَه، ولو فعلت نزعوا منا كلَّ ما ترى؛ فأضمر عليها منه أخوه كرز بن علقمة حتى أسلم بعد ذلك.
قال ابن إسحاق
(2)
: وحدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال: حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس قال: اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديًّا، وقالت النصارى: ما كان إلا نصرانيًّا، فأنزل الله عز وجل فيهم: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ
(1)
زِيد بعده في النسخ المطبوعة: «من اتباعه» ، وليس في شيء من الأصول، ولا في مصدر النقل.
(2)
كما في «دلائل النبوة» (5/ 384)، ومحمد بن أبي محمد فيه جهالة حال، وقد تفرّد بالرواية عنه ابن إسحاق، ذكره البخاري وابن أبي حاتم فلم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وأورده ابن حبان في «الثقات» . وقد أكثر الطبري وابن أبي حاتم في «تفاسيرهما» من إيراد أقوال ابن عباس بهذا الإسناد من طريق ابن إسحاق.
بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (65) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (66) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران:65 - 68]، فقال رجل من الأحبار: أتريد منا يا محمَّد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟ وقال رجل من نصارى نجران: وذلك تريد يا محمد وإليه تدعونا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «معاذ الله أن أَعبد غيرَ الله أو آمُرَ بعبادة غيره، ما بذلك بعثني ولا أمرني» ، فأنزل الله عز وجل في ذلك مِن قولهما
(1)
:
{مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 79 - 80]، ثم ذكر ما أخذ عليهم وعلى آبائهم من الميثاق بتصديقه وإقرارهم به على أنفسهم فقال:{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ} إلى قوله: {مِنَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران: 81].
وحدثني محمد بن سهلٍ ابنُ أبي أمامة
(2)
قال: لما قدم وفد نجران على رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه عن عيسى ابن مريم نزل فيهم فاتحة آل عمران إلى رأس الثمانين منها.
(1)
«من قولهما» سقط من طبعة الرسالة مع ثبوته في جميع الأصول والطبعة الهندية ومصدر النقل ..
(2)
«ابن أبي أمامة» بدل من «محمد» ، فإنه محمد بن أبي أمامة أسعدَ بن سهل بن حُنيف الأنصاري، نسبه ابن إسحاق إلى جدّه أوّلًا ثم إلى أبيه.
ورُوينا عن أبي عبد الله الحاكم
(1)
، عن الأصمِّ، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن سلمة بن عبد يَشُوع
(2)
، عن أبيه، عن جدّه ــ قال يونس: وكان نصرانيًّا فأسلم ــ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل نجران: «باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب. أما بعد، فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العِباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم فقد آذنتكم بحرب. والسلام» .
فلما أتى الأسقف الكتاب فقرأه فظع به وذَعَره ذعرًا شديدًا، فبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له شُرَحبيل بن وَداعة، وكان مِن هَمْدان، ولم يكن أحدٌ يدعى إذا نزل مُعضِلة
(3)
قبلَه لا الأَيهمُ ولا السيِّدُ
(4)
ولا العاقب، فدفع الأُسقُف كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه فقرأه، فقال الأسقف: يا أبا مريم ما رأيك؟ فقال شرحبيل: قد علمتُ ما وعد الله إبراهيم في ذريَّة إسماعيل من النبوة، فما يُؤمَن أن يكون هذا هو ذلك الرجل، ليس لي في النبوة رأي، لو كان من أمر الدنيا أشرتُ عليك فيه برأي وجهدت لك فيه، فقال الأُسقُفُّ: تنحَّ فاجلِسْ، فتنحَّى شرحبيل فجلس ناحيةً، فبعث الأسقف إلى رجلٍ
(5)
من أهل نجران
(1)
من رواية البيهقي عنه في «الدلائل» (5/ 385).
(2)
كذا في ف، د بالشين تبعًا للدلائل. ويُضبَط أيضًا بالسين:«عبد يسوع» كما في المطبوع، وكذا في «البداية والنهاية» (7/ 263) و «الإصابة» (12/ 433).
(3)
رسمه في الأصول: «معظلة» بالظاء المُشالة.
(4)
كذا في هذا الخبر، وظاهره أن السيد غير الأيهم، والذي سبق (ص 793) في خبر ابن إسحاق أن السيد اسمه الأيهم.
(5)
«من أمر الدنيا
…
إلى رجل» سقط من المطبوع هنا لانتقال النظر من «مِن» إلى مثلها، ثم جاء بعضه محالًا عن موضعه، فاختل السياق.
يقال له عبدُ الله بن شُرَحبيل، وهو من ذي أَصْبَحَ من حِمْيَر فأقرأه الكتاب وسأله عن الرأي فيه فقال مثلَ قول شرحبيل، فقال له الأسقف: تنحَّ فاجلس، فتنحَّى فجلس ناحيةً، فبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له جبَّار بن فَيضٍ من بني الحارث بن كعب، فأقرأه الكتاب وسأله عن الرأي فيه، فقال له مثل قول شرحبيل وعبد الله، فأمره الأسقف فتنحَّى.
فلما اجتمع الرأي منهم على تلك المقالة جميعًا أمر الأسقف بالناقوس فضرب به ورُفِعت المُسُوح
(1)
في الصَّوامع، وكذلك كانوا يفعلون إذا فزعوا بالنهار، وإذا كان فزعهم ليلًا ضربوا بالناقوس ورفعت النيران في الصوامع، فاجتمع حين ضُرِب بالناقوس ورُفِعت المسوح أهلُ الوادي أعلاه وأسفله، وطول الوادي مسيرة يوم للراكب السريع وفيه ثلاثة
(2)
وسبعون قريةً، وعشرون ومائةُ ألفِ مقاتلٍ، فقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألهم عن الرأي فيه فاجتمع رأي أهل الوادي منهم على أن يبعثوا شُرَحبيل بن وداعة الهَمْداني، وعبدَ الله بن شرحبيل، وجبَّار بن فيضٍ الحارثي، فيأتونهم بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فانطلق الوفد حتى إذا كانوا بالمدينة وضعوا ثياب السفر عنهم ولبسوا حُللًا لهم يجرُّونها من الحِبَرة وخواتيمَ الذهب، ثم انطلقوا حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلَّموا عليه، فلم يردَّ عليهم السلام، وتصدَّوا لكلامه نهارًا طويلًا فلم يكلِّمهم وعليهم تلك الحلل والخواتيم الذهب، فانطلقوا يتبعون عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف ــ وكانا معرفةً لهم؛ كانا يُخرجان
(1)
المسوح: جمع المِسْح وهو ثوب من الشَّعر غليظ.
(2)
كذا في جميع الأصول، وهو في مخطوطة:«الدلائل» (نسخة الكوبريلي) كذلك. وفي المطبوع من الكتابين: «ثلاث» على الجادّة.
العِير في الجاهلية إلى نجران فيُشترى لهما من بُرِّها وثمرها وذُرَتها ــ فوجدوهما في ناسٍ من المهاجرين والأنصار
(1)
في مجلس، فقالوا: يا عثمان ويا عبد الرحمن، إن نبيكم كتب إلينا بكتابٍ فأقبلنا مجيبين له، فأتيناه فسلَّمنا عليه فلم يَرُدَّ
(2)
سلامنا، وتصدَّينا لكلامه نهارًا طويلًا فأعيانا أن يكلمنا، فما الرأي منكما أنعود؟ فقالا لعلي بن أبي طالب وهو في القوم: ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم؟ فقال علي لعثمان وعبد الرحمن: أرى أن يضعوا حللهم هذه وخواتيمهم ويلبسوا ثيابَ سفرهم ثم يأتوا إليه، ففعل الوفد ذلك ووضعوا حللهم وخواتيمهم، ثم عادوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلَّموا عليه فردَّ سلامهم، ثم سألهم وسألوه، فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا له: ما تقول في عيسى؟ فإنا نرجع إلى قومنا ونحن نصارى فيسرُّنا إن كنت نبيًّا أن نعلم ما تقول فيه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما عندي فيه شيء يومي هذا، فأقيموا حتى أخبركم بما يقال لي في عيسى» ، فأصبح الغد وقد أنزل الله عز وجل:{إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [آل عمران: 59 - 61] فأَبَوا أن يُقِرُّوا بذلك.
فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد بعدما أخبرهم الخبر أقبل مشتملًا على الحسن والحسين في خميل له وفاطمة تمشي عند ظهره للمباهلة، وله يومئذٍ
(1)
د، ث، ن، المطبوع:«الأنصار والمهاجرين» . وكذا في ف إلا أنه رسم فوق كلتا الكلمتين «مـ» إشارة إلى المقدم والمؤخر.
(2)
زِيد بعده في ث، المطبوع:«علينا» . وهو كذلك في د إلا أنه كُتب فوقه علامة الحذف «حـ» . وليس في مصدر النقل ..
عدَّة نسوة، فقال شرحبيل لصاحبيه: يا عبد الله بن شرحبيل ويا جبار بن فيض، قد علمتما أن الوادي إذا اجتمع أعلاه وأسفله لم يَرِدوا ولم يصدروا إلا عن رأيي، وإني والله أرى أمرًا مقبلًا، والله إن كان هذا الرجل مَلِكًا مبعوثًا فكنا أول العرب طعنًا في عينه وردَّ عليه أمرَه، لا يذهب لنا من صدره ولا من صُدور قومه حتى يصيبونا بجائحة وإنَّا لأدنى العرب
(1)
منهم جوارًا، وإن كان هذا الرجل نبيًّا مرسلًا فلاعنَّاه لا يبقى على وجه الأرض منا شَعرةٌ ولا ظفر إلا هلك! فقال له صاحباه: فما الرأي؟ فقد وضعتك الأمورُ على ذراعٍ فهاتِ رأيك، فقال: رأيي أن أحكِّمه فإني أرى رجلًا لا يحكم شَطَطًا أبدًا، فقالا له: أنت وذاك. فلقي شرحبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني قد رأيت خيرًا من ملاعنتك، فقال:«وما هو؟» قال شرحبيل: حكمك اليوم إلى الليل وليلتَك إلى الصباح، فمهما حكمت فينا فهو جائز، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لعل وراءك أحدًا يُثرِّب عليك» ، فقال شرحبيل له: سل صاحبيَّ، فسألهما فقالا: ما يَرِد الوادي ولا يصدُر إلا عن رأي شرحبيل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«كافر ــ أو قال: جاحد ــ موفق» .
فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلاعنهم، حتى إذا كان من الغد أتوه فكتب لهم هذا الكتاب: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما كتب محمد النبي رسول الله لنجران: إذ كان عليهم حكمُه في كل ثمرة وفي كل صفراء وبيضاء وسوداء ورقيق، فأفضل عليهم وترك ذلك كلَّه على ألفَي حُلَّةٍ حُلَلِ الأواقي
(2)
، في كل رجبٍ ألفُ حلة وفي كل صفرٍ ألفُ حلة وكلُّ حلةٍ أوقية،
(1)
«وإنا لأدنى العرب» تحرّف في الأصول إلى: «وإني لأرى القرب» .
(2)
«حلل الأواقي» ساقط من المطبوع. رسمه في الأصول: «الأوقى» دون ألف التكسير بعد الواو، وكذا في مخطوطة «الدلائل» . والظاهر أنه كان هكذا في أصل كتاب النبي صلى الله عليه وسلم فحافظ الرواة على رسمه، وذلك أنه في الرسم القديم لم يكونوا يكتبون ألف التكسير في بعض الجموع، كما يدل عليه رسم «الأصحاب» و «الأنعام» و «المساجد» وغيرها في المصحف. وأضيفت الحلل إلى الأواقي لأن ثمن كل حُلَّة منها كان أوقية، كما في «المُغرب في ترتيب المُعرب» (2/ 367).
ما زادت على الخَرْج
(1)
أو نقصت عن الأواقي فبحسابٍ، وما قضوا من دروعٍ أو خيلٍ أو ركابٍ أو عَرَضٍ أُخِذ منهم بحساب. وعلى نجران مثواةُ رسلي ومُتْعَتُهم ما
(2)
عشرين فدونه، ولا يُحبَس رسول فوقَ شهر. وعليهم عاريةُ ثلاثين دِرعًا وثلاثين فرسًا وثلاثين بعيرًا إذا كان كَيدٌ باليمن ذو مغدرةٍ
(3)
، وما هلك مما أعاروا رسولي من دروع أو خيل أو ركاب فهو ضمان على رسولي حتى يؤديه إليهم. ولنجران وحاشيتها
(4)
جوار الله وذمَّةُ محمدٍ النبي على أنفسهم وملتهم وأرضهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم وعشيرتهم وبِيَعهم
(5)
، وأن لا يُغيَّروا مما كانوا عليه ولا يُغيَّر حقٌّ مِن حقوقهم ولا ملتهم، ولا يغيَّر أُسقُفٌ من أسقفيَّته ولا راهب من رهبانيته ولا
(1)
ز، والنسخ المطبوعة:«الخراج» .
(2)
ف، د، ن، المطبوع:«بها» .
(3)
د، ب، المطبوع:«ومغدرةٌ» .
(4)
رسمه في الأصول ومخطوطة «الدلائل» : «وحشيتها» من دون ألف اسم الفاعل على ما كان عليه الرسم القديم، ومنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم عند مسلم (2933) في وصف الدجال:«مكتوب بين عينيه كافر» ثم تهجَّاها فقال: «ك ف ر، يقرؤه كلُّ مسلم» . وقد تصحَّف في النسخ المطبوعة إلى «وحسبها» مع أنه مضبوط بالنقط في عامة الأصول ..
(5)
ف، ب، د، ث:«تبعهم» ، وكذا كان في ز ثم أُصلح إلى المثبت. وهو الموافق لمصادر التخريج.
واقِهٌ
(1)
عن وقاهيته، وكلُّ ما تحت أيديهم من قليل أو كثير. وليس عليهم ريبة ولا دم جاهلية، ولا يُحشَرون ولا يُعشَرون، ولا يطأ أرضَهم جيشٌ. ومن سأل فيهم حقًّا فبينهم النَّصَف غير ظالمين ولا مظلومين. ومن أكل ربًا مِن ذي قَبَلٍ
(2)
فذمتي منه بريئة. ولا يؤخذ منهم رجل بظلمِ آخرَ. وعلى ما في هذه الصحيفة جوار الله وذمة محمد النبي رسولِ الله حتى يأتي الله بأمره ما نصحوا وأصلحوا فيما عليهم غير منقلبين
(3)
بظلم.
شهد أبو سفيان بن حرب، وغيلان بن عمرٍو، ومالك بن عوف، والأقرع بن حابس الحنظلي، والمغيرة وكتب»
(4)
.
حتى إذا قبضوا كتابهم وانصرفوا
(5)
إلى نجران فتلقَّاهم الأسقف ووجوه نجران على مسيرة ليلةٍ، ومع الأسقف أخ له من أمِّه وهو ابن عمه من النسب يقال له: بِشر بن معاوية وكنيته أبو علقمة، فدفع الوفد كتاب
(1)
الواقِه: قيِّم البِيعة، ويُروى بالفاء وهو الأشهر. انظر:«تاج العروس» (36/ 548 - 549). ورسمه في الأصول ومخطوطة «الدلائل» : «الوقه» من دون ألف اسم الفاعل.
(2)
«من ذي قِبَل» كجَبَلٍ وعِنَبٍ، أي: فيما يُستقبل.
(3)
غير محرّر في ف. والمثبت من ز، ث، ن موافق لمخطوطة «الدلائل». وفي د:«مُثقَلين» ، وهو كذلك في مطبوعة «الدلائل» و «طبقات ابن سعد» (1/ 229، 249).
(4)
روى نحوَ هذا الكتاب البَلاذُري في «فتوح البلدان» (ص 86 - 88) عن يحيى بن آدم (ت 203) أنه نسخه من كتاب رجل عن الحسن بن صالح (ت 169)، قال يحيى: وقد رأيت كتابًا في أيدى النجرانيين كانت نسخته شبيهة بهذه النسخة. ولمضمون الكتاب شواهد مرسلة سبق ذكرها (ص 181 - 182).
(5)
ن، والنسخ المطبوعة:«انصرفوا» دون واو العطف على أنه جواب «إذا» ، وهو في «الدلائل» كذلك.
رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الأسقف، فبينا هو يقرؤه وأبو علقمة معه وهما يسيران إذ كبَّت ببشرٍ ناقتُه فتعَّس بِشرٌ
(1)
ــ غير أنه لا يكني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ــ
(2)
، فقال له الأسقف عند ذلك: قد واللهِ تعَّستَ نبيًّا مرسلًا! فقال بشر: لا جَرَم واللهِ لا أحُلُّ عنها عقدًا حتى آتيه، فضرب وجه ناقته نحو المدينة، وثنى الأسقف ناقته عليه فقال له: افهم عنِّي، إنما قلت هذا ليَبلُغَ
(3)
عني العربَ مخافةَ أن يقولوا: إنا أخذنا حمقةً
(4)
أو بَخَعْنا
(5)
لهذا الرجل بما لم تَبْخَع به العرب ونحن أعزهم وأجمعهم دارًا، فقال له بِشر: لا واللهِ لا أُقيلك ما خرج من رأسك أبدًا، فضرب بِشرٌ ناقتَه وهو موَلٍّ ظهره للأسقف وهو يقول:
إليك تغدو قَلِقًا وَضِينُها
…
معترضًا في بطنها جنينُها
مخالفًا دين النصارى دينُها
حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يزل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى استشهد أبو علقمة بعد ذلك.
ودخل الوفد نجران فأتى الراهبَ ابنَ أبي شمر الزبيدي وهو في رأس صومعة له، فقال له: إن نبيًّا قد بُعِث بتهامة وإنه كتب إلى الأسقف فأجمع رأيَ أهل الوادي أن يُسيِّروا إليه شرحبيل بن وداعة، وعبد الله بن شرحبيل، وجبار بن فيض، فيأتونهم بخبره، فساروا حتى أتوه فدعاهم إلى المباهلة
(1)
تَعَّس: دعا بالهلاك على أحد فقال: تَعِسَ فلان.
(2)
أي: أنه ذكره باسمه صُراحًا.
(3)
كذا ضبط بالياء في د، ب، ن، و «الدلائل». وفي النسخ المطبوعة:«لتُبلِّغ» .
(4)
في مطبوعة «الدلائل» : «حقَّه» .
(5)
أي: أذعنَّا وخضعنا له. ويحتمل: «نخعنا» كما في المطبوع، وهو مثله وزنًا ومعنى.
فكرهوا ملاعنته، وحكَّمه شرحبيل فحكم عليهم حكمًا وكتب لهم كتابًا، ثم أقبل الوفد بالكتاب حتى دفعوه إلى الأسقف، فبينا الأسقف يقرؤه وبِشر
(1)
معه إذ
(2)
كبَّت ببشر ناقته فتعَّسه فشهد الأسقف أنه نبي مرسل، فانصرف أبو علقمة نحوه يريد الإسلام، فقال الراهب: أنزلوني وإلا رميت نفسي من هذه الصومعة، فأنزلوه فانطلق الراهب بهديةٍ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، منها هذا البرد الذي يلبسه الخلفاء والقَعْب والعصا، وأقام الراهب بعد ذلك يسمع كيف ينزل الوحي والسنن والفرائض والحدود، وأبى اللهُ للراهب الإسلام فلم يُسلم، واستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرجعة إلى قومه وقال: إن لي حاجةً ومعادًا إن شاء الله، فرجع إلى قومه فلم يَعُد حتى قُبِض رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإن الأسقف أبا الحارث أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ومعه السيد والعاقب ووجوه قومه، وأقاموا عنده يستمعون ما ينزل الله عليه، فكتب للأسقف هذا الكتاب ولأساقفةِ نجرانَ بعده: «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد النبي للأسقف أبي الحارث وأساقفة نجران وكَهَنتِهم ورَهابِينهم
(3)
وأهلِ بيَعهم ورقيقهم
(4)
(1)
غير محرّر في عامّة الأصول يشبه «يسير» أو «بشير» ، والمثبت من س، و «الدلائل» .
(2)
في النسخ المطبوعة: «حتى» بدل «إذ» خلافًا للأصول ومصدر النقل.
(3)
الرَّهابين: جمع الرُّهبان إذا أريد به الواحد، فإن الرُّهبان قد يكون جمعًا للراهب وقد يكون واحدًا. وفي س، والنسخُ المطبوعة ومطبوعة «الدلائل»:«رُهبانهم» . وفي د، ث، ن:«رهبانيتهم» ، تصحيف.
(4)
كذا في الأصول و «الدلائل» . وكُتب في هامش مخطوطة «الدلائل» (نسخة كوبريلي): «صوابه: ووَفْهِيَّتهم» . وهو وجيه، فإن الوفهيَّة هي رُتبة «الوافِه» الذي هو قيِّم البيعة، وقد سبق بلفظ «الواقِه» .
وملَّتهم وسواطتهم
(1)
، وعلى كل ما تحت أيديهم من قليل وكثير= جِوارُ الله ورسوله، لا يُغيَّر أسقفٌّ من سُقْفَتِه
(2)
ولا راهب من رهبانيته
(3)
ولا كاهن من كهانته، ولا يُغيَّر حقٌّ من حقوقهم ولا سلطانهم، ولا مما كانوا عليه؛ على ذلك جوار الله ورسوله أبدًا ما نصحوا وأصلحوا عليهم غير مثقلين
(4)
بظالم
(5)
ولا ظالمين.
وكتب المغيرة بن شعبة».
فلما قبض الأسقف الكتاب استأذن في الانصراف إلى قومه ومن معه فأذن لهم فانصرفوا
(6)
.
وروى البيهقي
(7)
بإسناد صحيح إلى ابن مسعود: أن السيد والعاقب أتيا
(1)
كذا مضبوطًا في ف، ب، د، الطبعة الهندية. وفي طبعة الرسالة:«سوقتهم» ، تحريف. وفي مخطوطة «الدلائل»:«سواطيتهم» ، وفي مطبوعته:«متواطئهم» ! و «السواطة» لم أجدها في المعاجم، ولعل المراد بسواطتهم: أخلاطهم أو مَن يُخالِطهم مِن غيرهم، فالسَّوط هو الخلط، يُقال: ساط الشيء يسوطه إذا خلَطَه.
(2)
في المطبوع: «أسقفته» خلافًا للأصول، وكذا في مطبوعة «الدلائل» خلافًا لمخطوطته.
(3)
ف، ب، ز:«رهابته» ، والمثبت من سائر الأصول موافق لـ «الدلائل» .
(4)
ن: «منفلتين» . الطبعة الهندية: «متقلبين» . طبعة الرسالة: «منقلبين» . والمثبت موافق لـ «الدلائل» .
(5)
كذا في جميع الأصول. وفي «الدلائل» : «بظلم» .
(6)
هنا انتهي حديث سلمة بن عبد يَشُوع عن أبيه عن جدِّه.
(7)
في «الدلائل» (5/ 392)، وأخرجه أيضًا أحمد (3930) والنسائي في «الكبرى» (8140) والحاكم (3/ 267)، من طرق عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن صلة بن زُفر عن ابن مسعود. إسناده صحيح كما قال المؤلف إلا أن إسرائيل اختلف عليه فيه، فرواه عنه يحيى بن آدم ــ كما عند البخاري (4380) ــ فجعله عن حذيفة بدل ابن مسعود. وقد تابع إسرائيلَ على هذا الوجه شعبة والثوري فروياه عن أبي إسحاق عن صلة عن حذيفة. أخرجه البخاري (4381) عن شعبة، ومسلم (2420) عنه وعن الثوري. فكون الحديث من مسند حذيفة أصح.
رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يُلاعنهما فقال أحدهما لصاحبه: لا تلاعنه، فوالله لئن كان نبيًّا فلاعنتَه لا نفلح نحن ولا عقبُنا مِن بعدنا؛ قالوا له: نعطيك ما سألتَ فابعث معنا رجلًا أمينًا ولا تبعث معنا إلا أمينًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«لأبعثن معكم رجلًا أمينًا حقَّ أمينٍ» ، فاستشرف لها أصحابُه، فقال:«قُم يا أبا عبيدة بن الجراح» ، فلما قام قال:«هذا أمين هذه الأمة» .
ورواه البخاري في «صحيحه»
(1)
من حديث حذيفة بنحوه.
وفي «صحيح مسلم»
(2)
من حديث المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نجران فقالوا فيما قالوا: أرأيت ما تقرأون: {يَاأُخْتَ هَارُونَ} [مريم: 28]، وقد كان بين عيسى وموسى ما قد علمتم، قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال:«أفلا أخبرتَهم أنهم كانوا يُسمُّون ــ يعني ــ بأسماء أنبيائهم والصالحين الذين كانوا قبلهم» .
ورُوينا
(3)
عن يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب إلى أهل نجران ليجمع صدقاتهم ويَقْدَمَ عليه بجزيتهم.
(1)
برقم (4380)، وهو عند مسلم (2420) مختصرًا.
(2)
برقم (2135)، واللفظ للبيهقي في «الدلائل» (5/ 393).
(3)
أي: من طريق البيهقي في «الدلائل» (5/ 394).