الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل
في قصة الحديبية
قال نافع: كانت سنةَ ستٍّ في ذي القعدة
(1)
، وهذا هو الصحيح. وهو قول الزهري، وقتادة، وموسى بن عقبة، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم
(2)
.
وقال هشام بن عروة عن أبيه: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية في رمضان، وكانت في شوال
(3)
. وهذا وهمٌ وإنما كانت غزاة الفتح في رمضان، وقد قال أبو الأسود عن عروة:«إنها كانت في ذي القعدة» على الصواب.
وفي «الصحيحين»
(4)
عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر أربعَ عُمَرٍ كلُّهن في ذي القعدة، فذكر منها عمرة الحديبية.
وكان معه ألف وخمسمائة، هكذا في «الصحيحين»
(5)
عن جابر، وعنه فيهما
(6)
: كانوا ألفًا وأربعمائة.
(1)
أخرجه البيهقي في «الدلائل» (4/ 91) و «السنن الكبرى» (4/ 341).
(2)
ذكره عنهم البيهقي في «الدلائل» (4/ 91). وانظر: «سيرة ابن هشام» (2/ 308) و «مغازي الواقدي» (1/ 5).
(3)
أخرجه البيهقي في «الدلائل» (4/ 92)، وكذا رواية أبي الأسود عن عروة الآتية.
(4)
البخاري (4148) ومسلم (1253) من رواية قتادة عن أنس رضي الله عنه.
(5)
البخاري (3576، 4152) من طريق حصين بن عبد الرحمن السلمي، ومسلم (1856/ 72، 73) من طريق حصين وعمرو بن مُرَّة؛ كلاهما عن سالم بن أبي الجعد عن جابر به.
(6)
أخرجه البخاري (4154، 4840) ومسلم (1856/ 71) من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر.
وأخرجه البخاري (5639) ومسلم (1856/ 74) من طريق الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن جابر.
وأخرجه مسلم (1856/ 67، 69) من طريقين عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه.
وفيهما
(1)
عن عبد الله بن أبي أوفى: كنا ألفًا وثلاثمائة.
قال قتادة: قلت
(2)
لسعيد بن المسيب: كم كان الذين شهدوا بيعة الرضوان؟ قال: خمس عشرة مائة، قال: قلت: فإن جابر بن عبد الله قال: كانوا أربع عشرة مائة، قال: يرحمه الله وهِم، هو حدَّثني أنهم كانوا خمس عشرة مائة
(3)
.
قلت: قد صح عن جابر القولان، وصح عنه أنهم نحروا عام الحديبية سبعين بدنةً، البدنة عن سبعةٍ، فقيل له: كم كنتم؟ قال: ألفًا وأربعمائة بخَيلنا ورِجالنا
(4)
ــ يعني: فارسهم وراجلهم ــ
(5)
. والقلب إلى هذا أميل. وهو قول البراء بن عازب، ومعقل بن يسار، وسلمة بن الأكوع في أصح الروايتين عنه
(6)
، وقول المسيب بن حَزْن؛ قال شعبة: عن قتادة عن سعيد بن المسيب
(1)
البخاري (4155) ومسلم (1857).
(2)
«قلت» من س، هامش ز، وسقط من سائر الأصول.
(3)
أخرجه البخاري (4153) وأبو عوانة (7644) والبيهقي في «الدلائل» (4/ 97) واللفظ له.
(4)
المطبوع: «رجِلنا» خلافًا للأصول ومصدر التخريج، و «رجال» جمع راجل.
(5)
أخرجه البيهقي في «الدلائل» (4/ 98)، وبعضه عند مسلم (1318/ 353).
(6)
قول البراء عند البخاري (4150)، وقول معقل عند مسلم (1858)، وقول سلمة في أصحّ الروايتين عنه عند مسلم (1729، 1807)، والرواية الأخرى عنه عند ابن أبي شيبة (38001) بلفظ:«سبع عشرة مائة» ، وفي إسناده موسى بن عُبيدة الرَّبَذي وهو ضعيف.
عن أبيه: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة ألفًا وأربعمائة
(1)
.
وغلط غلطًا بيِّنًا من قال: كانوا سبعمائة
(2)
، وعُذره أنهم نحروا يومئذ سبعين بدنةً، والبدنة قد جاء إجزاؤها عن سبعة وعن عشرة، وهذا لا يدل على ما قاله هذا القائل، فإنه قد صَرَّح
(3)
بأن البدنة كانت في هذه العمرة عن سبعة، فلو كانت السبعون عن جميعهم لكانوا أربعَمائةٍ وتسعين رجلًا، وقد قال في تمام الحديث بعينه:«إنهم كانوا ألفًا وأربعمائة» .
فصل
فلما كانوا بذي الحليفة قلَّد رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الهديَ وأشعره وأحرم بالعمرة، وبعث بين يديه عينًا له من خزاعة يخبره عن قريش، حتى إذا كان قريبًا من عُسفان أتاه عينه فقال: إني تركتُ كعبَ بن لؤي قد جمعوا لك الأحابيش وجمعوا لك جموعًا، وهم مقاتِلوك وصادُّوك عن البيت فاستشار النبيُّ صلى الله عليه وسلم أصحابَه فقال: «أترون أن نَمِيل إلى ذراريِّ هؤلاء الذين أعانوهم فنُصيبهم، فإن قعدوا قعدوا مَوتُورين محرُوبين
(4)
، وإن يَجُوا
(5)
تكن عنقًا
(1)
أخرجه البيهقي في «الدلائل» (4/ 98) من طريق الدُّوري عن ابن معين عن شبابة عن شعبة به، وهو في «تاريخ ابن معين» برواية الدوري (3/ 48).
(2)
هو قول ابن إسحاق كما في «سيرة ابن هشام» (2/ 309).
(3)
أي جابر في حديثه المتقدم آنفًا.
(4)
أي: منهوبين مسلوبين، تقول: حرَبه يحرُبه حَرْبًا، إذا سلب ماله.
(5)
طبعة الرسالة: «يجيئوا» خلافًا للرسم في الأصول، وكذا في مطبوعة «مصنف عبد الرزاق» خلافًا لأصله الخطي. وفي أكثر المصادر الأخرى المطبوعة (والرواية فيها من طريق عبد الرزاق):«نَجَوا» ، وهو ظاهر النقط في بعض أصول الزاد والطبعة الهندية، ولكن يشكل عليه جواب الشرط:«تكن عنقًا قطعها الله» ، وأيضًا ففي البخاري (4187) من غير طريق عبد الرزاق:«إن يأتونا» ، وعند الطبراني من طريق عبد الرزاق:«إن جاؤوا» . وهذا كلّه يقتضي ما أثبتناه، وهو على لغة مَن يحذف همزة «جاء» تخفيفًا فيقول:«جا، يجي، يجون» كما هو شائع في العاميّة الدارجة. انظر: «الكتاب» لسيبويه (3/ 556) و «ارتشاف الضرَب» لأبي حيان (1/ 284).
قطعها الله، أم ترون
(1)
أن نؤمَّ البيت فمن صدَّنا عنه قاتلناه؟» فقال أبو بكر: الله ورسوله أعلم، إنما
(2)
جئنا معتمرين ولم نجئ لقتال أحدٍ ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«فروحوا إذًا» ، فراحوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن خالد بن الوليد بالغَمِيم في جندٍ
(3)
لقريش طليعةً، فخُذُوا ذات اليمين»، فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هو بقَتَرةِ الجيش
(4)
فانطلق يركض نذيرًا لقريش.
وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنيَّة التي يُهبَط عليهم منها بركت راحلته فقال الناس: حَلْ! حَلْ! فألحَّت، فقالوا: خلأت القصواء خلأت القصواء! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابسُ الفيل» ، ثم قال:«والذي نفسُ محمدٍ بيده لا يسألوني خطةً يعظِّمُون فيها حرمات الله إلا أعطيتُهموها» ، ثم زجرها فوثبت به، فعَدَل حتى نزل بأقصى الحديبية على ثَمَدٍ قليلِ الماء إنما يتبرَّضه الناس تبرُّضًا
(5)
، فلم يلبث الناس
(1)
ز: «تريدون» ، تصحيف.
(2)
«إنما» من س، وهو الموافق لمصادر التخريج، وفي سائر الأصول:«إنا» .
(3)
كذا في الأصول. في المطبوع ومصادر التخريج: «خيلٍ» ..
(4)
أي بغُباره الذي أثاره الحوافر والخفاف.
(5)
الثَّمَد: حفرة تكون فيها ماء قليل. والتبرُّض: الأخذ قليلًا قليلًا.
أن نزحوه، فشَكَوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش، فانتزع سهمًا من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، قال: فوالله ما زال يجيش لهم بالرِّيِّ حتى صدروا عنه
(1)
.
وفزعت
(2)
قريشٌ لنزوله عليهم، فأحبَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليهم رجلًا من أصحابه، فدعا عمر بن الخطاب ليبعثه إليهم، فقال: يا رسول الله، ليس لي بمكة أحد من بني كعبٍ يغضب لي إن أوذيت فأرسِلْ عثمانَ بن عفانَ فإن عشيرته بها وإنه يُبلِّغ ما أردت، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان فأرسله إلى قريش وقال:«أخبِرْهم أنَّا لم نأتِ لقتالٍ وإنما جئنا عُمَّارًا، وادعُهم إلى الإسلام» وأمره أن يأتي رجالًا بمكة مؤمنين ونساءً مؤمناتٍ فيدخلَ عليهم ويبشِّرَهم بالفتح ويخبرَهم أن الله تعالى مُظهرٌ دينَه بمكة حتى لا يُستخفى فيها بالإيمان.
(1)
من أول الفصل إلى هنا جزء من حديث طويل رواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن المِسور بن مخرمة ومروان بن الحكم يُصَدِّق كلُّ واحد منهما حديث صاحبه. أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (9720)، ومن طريقه أحمد (18928) والبخاري (2731) وابن حبان (4872) والطبراني في «الكبير» (20/ 9) والبيهقي في «السنن الكبرى» (9/ 218) و «الدلائل» (4/ 99)، إلا أن لفظ البخاري ناقص الأول يبدأ من قوله: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن خالدًا بالغميم
…
»، وما قبله من أول الحديث أخرجه البخاري في موضع آخر (4178) من طريق ابن عيينة عن الزهري به.
هذا وقد بقي جزء كبير من هذا الحديث، وسيسوقه المؤلف بعد صفحتين من قوله: «وبينا هم كذلك إذ جاء بديل
…
» إلخ.
(2)
من هنا ينقل المؤلف من رواية ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة. أخرجها البيهقي في «الدلائل» (4/ 133).
فانطلق عثمان فمر على قريشٍ
(1)
فقالوا: أين؟ فقال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أدعوكم إلى الله وإلى الإسلام، وأخبركم أنا لم نأتِ لقتالٍ وإنما جئنا عُمَّارًا، فقالوا: قد سمعنا ما تقول
(2)
فانفُذْ لحاجتك، وقام إليه أبان بن سعيد بن العاص فرحَّب به وأسرج فرسه فحمل عثمان على الفرس
(3)
ورَدِفَه أبانُ حتى جاء مكة، وقال المسلمون قبل أن يرجع عثمان: خَلَص عثمان بن عفَّان من بيننا إلى البيت وطاف به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ما أظنه طاف بالبيت ونحن محصورون» ، قالوا: وما يمنعه يا رسول الله وقد خلص؟ قال: «ذلك ظني به أن لا يطوف بالكعبة حتى نطوف معًا» .
واختلط المسلمون بالمشركين في أمر الصلح
(4)
، فرمى رجل من أحد الفريقين رجلًا من الفريق الآخر فكانت مُعارَكةٌ وتراموا بالنَّبْل والحجارة، وصاح الفريقان كلاهما، وارتهن كلُّ واحدٍ من الفريقين من فيهم
(5)
، وبلغ
(1)
زِيد بعده في هامش س مصححًا عليه، ن:«بِبَلْدَحَ» نقلًا من مصدر المؤلف، وليس في عامّة الأصول. و «بلدح» وادٍ في مكة جهة المغرب، ويُسمَّى اليوم وادي أمِّ الجُود. انظر:«المعالم الجغرافية في السيرة» (ص 49).
(2)
ب: «سمعنا مقالتك» .
(3)
بعده في ن ومصدر التخريج: «وأجاره» ، وأُلحِقت في س بعد قوله:«وأسرج فرسه» .
(4)
وذلك بعد أن أتى سُهيل بن عمرو وغيره من وفد قريش. والمؤلف حذف ذكر ذلك هنا في رواية عروة، لأنه سيسوقه لاحقًا من رواية المسور ومروان.
(5)
أي: أخذ كل واحدٍ من الفريقين مَن فيهم من الفريق الآخر رهائن، «فارتهن المسلمون سهيل بن عمرو ومن أتاهم من المشركين، وارتهن المشركون عثمان بن عفّان» . «دلائل النبوة» (4/ 134).
رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عثمان قد قتل
(1)
فدعا إلى البيعة، فثار المسلمون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تحت الشجرة فبايعوه على أن لا يفرُّوا، فأخذ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بيد نفسه وقال:«هذه عن عثمان»
(2)
.
ولمّا تمت البيعة رجع عثمان فقال المسلمون له: اشتفَيتَ يا أبا عبد الله من الطواف بالبيت؟ فقال: بئس ما ظننتم بي! والذي نفسي بيده لو مكثتُ بها سنةً ورسول الله صلى الله عليه وسلم مقيم بالحديبية ما طفت بها حتى يطوفَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد دعتني قريش إلى الطواف بالبيت فأبيتُ، فقال المسلمون: رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أعلمَنا بالله وأحسنَنا ظنًّا
(3)
.
وكان عمرُ آخذًا بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم للبيعة وهو تحت الشجرة، فبايعه المسلمون كلهم إلا الجَدَّ بن قيس
(4)
.
وكان معقل بن يسار آخذًا بغُصْنها يرفعه عن
(5)
رسول الله صلى الله عليه وسلم
(6)
.
(1)
قوله: «وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عثمان قد قتل» ليس عند عروة، وإنما أضافه المؤلف من رواية ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم مرسلًا، كما في «الدلائل» (4/ 135). وانظر:«سيرة ابن هشام» (2/ 314 - 315).
(2)
أخرجه البخاري (3698، 4066) من حديث ابن عمر بلفظ: «هذه لعثمان» . وهذا أيضًا لم يذكره عروة في روايته.
(3)
هنا انتهى نقل المؤلف من رواية ابن لَهِيعة عن أبي الأسود عن عروة، مع بعض اختصار وتصرّف.
(4)
أخرجه مسلم في «صحيحه» (1856/ 69) من حديث جابر.
(5)
بعده في س، ث:«رأس» .
(6)
أخرجه مسلم (1858) من حديث معقل.
وكان أول من بايعه أبو سنان الأسدي
(1)
. وبايعه سلمة بن الأكوع ثلاث مرات: في أول الناس ووسطهم وآخرهم
(2)
.
فبينا
(3)
هم كذلك إذ جاء بُدَيل بن ورقاء الخُزاعي في نفر من خزاعة ــ وكانوا عَيبة نُصحِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم
(4)
من أهل تهامة ــ فقال: إني تركتُ كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد نزلوا أعدادَ مياهِ الحديبية
(5)
، معهم العُوذ المطافيل
(6)
، وهم مقاتلوك وصادُّوك عن البيت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّا لم نجئ لقتال أحدٍ ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشًا نهكتهم الحربُ وأضرَّت بهم فإن شاؤوا ماددتهم ويخلُّوا بيني وبين الناس، وإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جَمُّوا
(7)
، وإن أبوا إلا القتالَ فوالذي نفسي بيده لأقاتلنَّهم على أمري هذا حتى تنفردَ سالفتي
(8)
أو ليُنْفِذَنَّ اللهُ أمرَه».
(1)
أخرجه ابن أبي شيبة (33175، 36919) وابن سعد (2/ 96) والبيهقي في «الدلائل» (4/ 137) من مرسل الشعبي.
(2)
أخرجه مسلم (1807) من حديث سلمة.
(3)
من هنا رجع المؤلف إلى النقل من حديث المسور بن مخرمة ومروان الحكم الطويل، وقد سبق تخريجه قبل ثلاث صفحات.
(4)
أي: كانوا مَوضع النصحِ له والأمانةِ على سرِّه، تشبيهًا لهم بـ «العَيبة» التي هي وعاء يجعل فيه الرجل نفيسَ متاعه.
(5)
أي نزلوا على العيون والآبار، والأعداد: جمع «عِدٍّ» بكسر العين، وهو الماء الذي لا انقطاع له كماء العين والبئر.
(6)
العُوذ: جمع عائذ وهي الناقة التي وضعت ولدها حديثًا. والمطافيل: جمع مُطْفِل وهي الناقة التي معها ولدها. يريد أنهم جاؤوا بأجمَعِهم كبارهم وصغارِهم.
(7)
أي: وإن لم يريدوا الدخول فقد جَمُّوا، أي: استراحوا من الحرب.
(8)
كناية عن القتل، والسالفة هي صفحة العنق.
قال بديل: سأبلغهم ما تقول، فانطلق حتى أتى قريشًا فقال: إني قد جئتكم من عند هذا الرجل وسمعته يقول قولًا فإن شئتم عرضته عليكم، فقالت سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تحدِّثنا عنه بشيء، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعتَه يقول، قال: سمعته يقول كذا وكذا، فقال عروة بن مسعود الثقفي: إن هذا قد عرض عليكم خُطَّة رشدٍ فاقبلوها ودعوني آته، فقالوا: ائته، فأتاه فجعل يكلمه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم نحوًا من قوله لبديل، فقال عروة عند ذلك: أَيْ محمد أرأيت لو استأصلتَ قومَك هل سمعت بأحدٍ من العرب اجتاح أصلَه
(1)
قبلك؟ وإن تكن الأخرى فوالله إني لأرى وجوهًا وأرى أوشابًا من الناس خُلَقاء أن يفرُّوا ويدعوك. فقال أبو بكر: امصص بَضْرَ
(2)
اللات أنحن نفر عنه وندعه؟! قال: من ذا؟ قال: «أبو بكر» ، قال: أما والذي نفسي بيده لولا يدٌ كانت لك عندي لم أَجزِك بها لأجبتك، وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم وكلمَّا كلَّمه أخذ بلحيته، والمغيرةُ بن شعبة عند رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه السيف وعليه المِغْفَر، فكلما أهوى عروةُ إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنعل السيف وقال: أَخِّرْ يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم! فرفع عروة رأسه وقال: من ذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة.
فقال: أي غُدَر! أولستُ أسعى في غَدرتك؟! وكان المغيرة صحب قومًا في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم
(1)
المطبوع: «أهله» خلافًا للأصول وإن كان موافقًا لبعض نسخ «صحيح البخاري» ولمطبوعة: «معجم الطبراني» ، والمثبت من الأصول موافق لنسخة أبي ذر للصحيح ولسائر مصادر التخريج. انظر:«صحيح البخاري» الطبعة السلطانية (3/ 194) و «إرشاد الساري» (4/ 446).
(2)
كذا في الأصول بالضاد، وهي لغة في البظر. انظر:«تهذيب اللغة» (12/ 30، 14/ 378) و «تاج العروس» (7/ 188 - نظح).
جاء فأسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء» .
ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فوالله ما تنخَّم
(1)
النبي صلى الله عليه وسلم نخامةً إلا وقعت في كفِّ رجل منهم فدَلَك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدُّون إليه النظر تعظيمًا له، فرجع عروةُ إلى أصحابه فقال: أي قوم واللهِ لقد وفدتُ على الملوك على كسرى وقيصر والنجاشي، والله إنْ رأيت ملِكًا يُعظِّمه أصحابه ما يعظم أصحابُ محمدٍ محمدًا، والله إن تنخَّم نخامةً إلا وقعت في كفِّ رجلٍ منهم فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلَّم
(2)
خفضوا أصواتهم عنده وما يُحِدُّون إليه النظر تعظيمًا له، وقد عرض عليكم خطة رشدٍ فاقبلوها، فقال رجل من بني كنانة: دعوني آتِه، فقالوا: ايْته.
فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا فلان، وهو من قومٍ يُعظِّمون البُدْنَ فابعثوها له» ، فبُعثت له واستقبله القوم يُلَبُّون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله! ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيت، فرجع إلى أصحابه فقال: رأيت البُدن قد قُلِّدَت وأُشعرت، وما أرى أن يُصَدُّوا عن البيت، فقام مِكْرَز بن حفصِ فقال: دعوني آته، فقالوا: ائته، فلما أشرف عليهم قال النبي صلى الله عليه وسلم:«هذا مِكْرَز بن حفص، وهو رجل فاجر» ، فجعل يكلِّم
(1)
ص، ز، د:«انتخم» .
(2)
د، س:«تكلَّموا» ، وكذا في مطبوعة «الدلائل» في هذا الموضع، وفي «مصنف عبد الرزاق» ، و «مسند أحمد» مثله في الموضعين، هذا والذي سبق.
النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فبينا هو يكلمه إذ جاء سُهَيل بن عمروٍ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«قد سَهُل لكم مِن أمركم» فقال: هات اكتب بيننا وبينك كتابًا، فدعا الكاتب فقال:«اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم» ، فقال سهيل: أما «الرحمن» فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب:«باسمك اللهم» كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«اكتب: باسمك اللهم» ، ثم قال:«اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله» ، فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسولُ الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«إني رسول الله وإن كذبتموني، اكتب: محمد بن عبد الله» . فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «على أن تخلُّوا بيننا وبين البيت فنطوف به» ، فقال سهيل: واللهِ لا تتحدَّثُ العرب أنَّا أُخِذنا ضَغطةً، ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب فقال سهيل: على أن لا يأتيك مِنَّا رجلٌ وإن كان على دينك إلا رددتَه إلينا، فقال المسلمون: سبحان الله! كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟!
فبينا هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل قد خرج من أسفل مكة يَرْسُف
(1)
في قيوده حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن تردَّه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«إنا لم نقض الكتاب بعدُ» ، قال: فوالله إذًا لا أصالحك على شيء أبدًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«فأجزه لي» ، قال: ما أنا بمُجيزِه لك، قال:«بلى فافعل» ، قال: ما أنا بفاعل، قال مِكرَز: بلى قد أجزناه
(2)
، فقال أبو جندل: يا معشر المسلمين، أُردُّ إلى
(1)
أي يمشي مشيَ المقيَّد يقارب خُطاه.
(2)
كذا بالزاي في جميع مصادر التخريج، على أن السياق وما ورد في الروايات الأخرى يدل على أن إجازته بمعنى الإجارة، فلم تكن الإجازة في أن يذهب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بل في تأمينه من تعذيب أبيه له، ففي مغازي موسى بن عقبة ــ كما في «تاريخ دمشق» (25/ 298) ــ أن مكرزًا قال:«أنا له جار» وأخذ بيده فأدخله فسطاطًا. وفي «مغازي الواقدي» (2/ 608): قال مكرز وحويطب: «يا محمد نحن نجيره لك» فأدخلاه فسطاطًا فأجاراه، وكفَّ أبوه عنه.
المشركين وقد جئت مسلمًا؟ ألا ترون ما لقيت؟! وكان قد عُذِّب في الله عذابًا شديدًا.
قال عمر بن الخطاب: واللهِ ما شككت منذ أسلمتُ إلا يومئذٍ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله ألست نبي الله؟ قال: «بلى» ، قلت: ألسنا على الحقِّ وعدوُّنا على الباطل؟ قال: «بلى» ، فقلت: علامَ نعطي الدنيَّةَ في ديننا ونرجع ولمَّا يحكمِ اللهُ بيننا وبين أعدائنا
(1)
؟ فقال: «إني رسول الله وهو ناصري، ولست أَعصيه» . قلت: أولستَ كنتَ تحدثنا أنا سنأتي البيت ونَطَّوَّف به؟ قال: «بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه العام؟» ، قلت: لا، قال:«فإنك آتيه ومطوِّفٌ به» ، قال فأتيتُ أبا بكر فقلت له كما قلتُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ورد عليه
(2)
أبو بكر كما رد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم سواءً وزاد: «فاستمسك بغرزه حتى تموت، فوالله إنه لعلى الحق» ، قال عمر: فعملتُ لذلك أعمالًا.
(1)
قول عمر: «ونرجع
…
» إلخ ليس في حديث المسور ومروان. ولكنه ورد بنحوه في حديث سهل بن حُنيف عند البخاري (3182) ومسلم (1785/ 94) والبيهقي في «الدلائل» (4/ 148).
(2)
المطبوع: «عليَّ» هنا وفي الموضع الآتي خلافًا للأصول، وإنما وقع الالتفات من التكلم إلى الغيبة لأنه ليس نصَّ قول عمر، وإنما اختصار من المؤلف لما أجابه به أبو بكر رضي الله عنه.
فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قوموا فانحروا ثم احلقوا» ، قال: فوالله ما قام منهم رجل واحد حتى قال ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد قام فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا رسول الله، أتحب ذلك؟ اخرجْ ثم لا تكلِّمْ أحدًا
(1)
كلمةً حتى تنحر بُدنك وتدعوَ حالقك فيحلقك، فقام فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك: نحر بُدنه ودعا حالقه فحلقه، فلما رأى الناس ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًّا.
ثم جاءه نسوة مؤمنات فأنزل الله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ} حتى بلغ {بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} [الممتحنة: 10]، فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاويةُ والأخرى صفوان بن أمية.
ثم رجع إلى المدينة وفي مرجعه أنزل الله عليه: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا} [الفتح: 1 - 3]، فقال عمر: أوَفتحٌ هو يا رسول الله؟ قال: «نعم»
(2)
. فقال الصحابة: هنيئًا لك يا رسول الله فما لنا؟ فأنزل الله عز وجل: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ} الآية [الفتح: 4]
(3)
.
(1)
بعده في ب، المطبوع:«منهم» ، وليس في سائر الأصول، ولا في «الدلائل» والمؤلف صادر عنه.
(2)
هذا الخبر ليس في حديث المسور ومروان، وإنما أخرجه البخاري (3182) ومسلم (1785/ 94) والبيهقي في «الدلائل» (4/ 148) من حديث سهل بن حُنيف.
(3)
أخرجه الطبري في «تفسيره» (21/ 240) والحاكم (2/ 460) من طرق عن قتادة عن أنس موصولًا، وهو معلول، والصواب أنه عن قتادة عن عكرمة مرسلًا كما جاء موضّحًا في رواية شعبة عنه عند أبي يعلى (3252) وأبي عوانة (7256). وانظر:«الفصل للوصل المدرج في النقل» (1/ 460 - 473).
ولما
(1)
رجع إلى المدينة جاءه أبو بَصِير ــ رجل من قريش ــ مسلمًا، فأرسلوا في طلبه رجلين وقالوا: العهدَ الذي جعلتَ لنا، فدفعه إلى الرجلين فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة فنزلوا يأكلون من تمرٍ لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا جيدًا، فَسَلَتَه
(2)
الآخر فقال: أجل واللهِ إنه لجيد، لقد جرَّبتُ به ثم جربت، فقال أبو بصير: أَرِني أنظر إليه، فأمكنه منه، فضربه حتى برد وفرَّ الآخر يعدو حتى بلغ المدينة فدخل المسجد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه:«لقد رأى هذا ذُعْرًا» ، فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: قُتِل والله صاحبي، وإني لمقتول! فجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله، قد واللهِ أوفى اللهُ ذمتك، قد رددتَني إليهم فأنجاني الله منهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«ويلُ أمِّه! مِسْعَرُ حربٍ لو كان له أحد» ، فلما سمع ذلك عرف أنه سيردُّه إليهم فخرج حتى أتى سِيف البحر.
وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير، فلا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله لا يسمعون بِعِير لقريشٍ خرجت إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده اللهَ والرَّحِمَ لمَّا أرسل إليهم، فمن أتاه منهم فهو آمن، فأنزل الله عز وجل:{وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} حتى بلغ {حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ}
(1)
من هنا رجع النقل من حديث المسور ومروان.
(2)
النسخ المطبوعة: «فاستلَّه» ، وهما بمعنى.
[الفتح: 24 - 26] وحميَّتُهم أنهم لم يُقِرُّوا بـ «بسم الله الرحمن الرحيم» وحالوا بينهم وبين البيت
(1)
.
قلت: في «الصحيح» أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ومجَّ في بئر الحديبية من فمه فجاشت بالماء. كذلك قال البراء بن عازب وسلمة بن الأكوع في «الصحيحين»
(2)
.
وقال عروة: عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة أنه غرز فيها
(3)
سهمًا من كنانته، وهو في «الصحيحين»
(4)
أيضًا.
وفي مغازي أبي الأسود عن عروة
(5)
: توضأ في الدَّلْوِ ومضمض فاه ثم مجَّ فيه وأمر أن يُصبَّ في البئر، ونزع سهمًا من كنانته وألقاه في البئر، ودعا الله تعالى، ففارت بالماء حتى جعلوا يغترفون بأيديهم منها وهم جلوس على شَفَتِها
(6)
؛ فجمع بين الأمرين، وهذا أشبه. والله أعلم.
(1)
هنا انتهى حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم الطويل، مع بعض التصرف والزيادات من المؤلف في أثنائه.
(2)
حديث البراء عند البخاري (3577، 4150)، وحديث سلمة عند مسلم (1807/ 132) بلفظ:«إمَّا دعا وإما بصق فيها» على الشك.
(3)
«فيها» ساقط من ص، د.
(4)
البخاري (2731)، وليس عند مسلم.
(5)
كما في «الدلائل» (4/ 112) و «تاريخ الإسلام» للذهبي (1/ 252).
(6)
ص، ب، المطبوع:«شقِّها» تصحيف، وفي ز:«شفيرها» ، وفي مطبوعة «الدلائل»:«شفَتَيها» ، وهو تصحيف أيضًا. والمثبت موافق لمخطوطة «الدلائل» و «تاريخ الإسلام» . وشفة البئر وشَفاها وشفيرها وحافَتها وحرفها= واحد.
وفي «صحيح البخاري»
(1)
عن جابر قال: عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه رَكْوةٌ يتوضأ منها إذ جَهَش الناس نحوَه، فقال:«ما لكم؟» قالوا: يا رسول الله، ما عندنا ماء نشرب ولا ما
(2)
نتوضأ إلا ما بين يديك فوضع يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه أمثالَ العيون فشربوا وتوضَّؤوا، وكانوا خمس عشرة مائة. وهذه غير قصة البئر.
وفي هذه الغزوة أصابهم ليلةً مطر، فلمَّا صلى النبي صلى الله عليه وسلم الصبح قال:«أتدرون ماذا قال ربُّكم الليلةَ؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال:«أصبح من عبادي مؤمن وكافر، فأما من قال: مُطِرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مُطِرنا بِنَوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب»
(3)
.
فصل
وجرى الصلحُ بين المسلمين وأهل مكة على وضع الحرب عشر سنين، وأن يأمَنَ الناسُ بعضهم من بعضٍ، وأن يرجع عنهم عامَه ذلك حتى إذا كان العام المقبل قدمها وخلَّوا بينه وبين مكة فأقام بها ثلاثًا، وأن لا يدخلها إلا بسلاح الراكب والسيوف في القُرُب، وأن من أتانا من أصحابك لم نردَّه
(1)
برقم (3576) بنحوه، وهذا لفظ البيهقي في «الدلائل» (4/ 116).
(2)
مطبوعة «الدلائل» : «ماء» ، والمثبت مقتضى ما في ص، د حيث غوير بينها وبين ما قبلها بوضع علامة المد على الأولى دون الثانية. وفي س كلتاهما عليها علامة المد إلا أن الأولى كتبت معها همزة دون الثانية. وفي سائر النسخ هما سواء.
(3)
أخرجه البخاري (846، 1038) ومسلم (71).
عليك ومن أتاك من أصحابنا رددتَه علينا، وأنَّ بيننا وبينك عَيبةً مكفُوفةً
(1)
وأنه لا إسلال ولا إغلال
(2)
، فقالوا: يا رسول الله نعطيهم هذا؟ فقال: «من أتاهم منا فأبعده الله، ومن أتانا منهم فرددناه عليهم جعل الله له فرجًا ومخرجًا»
(3)
.
وفي قصة الحديبية أنزل الله عز وجل فدية الأذى لمن حلق رأسه بالصيام أو الصدقة أو النسك في شأن كعب بن عجرة
(4)
.
وفيها دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم للمُحلِّقين بالمغفرة ثلاثًا وللمُقصِّرين مرةً
(5)
.
وفيها نحروا البَدَنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة
(6)
.
(1)
العَيبة هي وعاء يجعل فيه الرجل نفيسَ مَتاعه، و «مكفوفة» أي: مشدودة على ما فيها مُقفلة. شُبِّهت بها الصدور للدلالة على أنه لا يدخلها الغل والغش فيما اتفقوا عليه من الصلح. وقيل: معناه أن يكون الشرُّ بينهم مكفوفًا، فكأنهم قد جعلوا الذُّحُول التي كانت بينهم في عَيبةٍ وأشرجوا عليها. انظر:«النهاية» (كفف).
(2)
الإسلال: السرقة الخفيَّة، وقيل: الغارة الظاهرة. والإغلال: الخيانة.
(3)
أخرجه أحمد (18910) وأبو داود مختصرًا (2766) والبيهقي في «الدلائل» (4/ 145) ــ واللفظ له ــ إلى قوله: «لا إسلال ولا إغلال» من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم بإسناد حسن، وما بعده فجزءٌ من حديث أنس عند مسلم (1784) وابن حبان (4870) والبيهقي في «الدلائل» (4/ 147) واللفظ له.
(4)
أخرجه البخاري (1815) ومسلم (1201) من حديث كعب بن عجرة.
(5)
أخرجه أحمد (3311، 4897، 11149) من حديث ابن عباس وابن عمر وأبي سعيد الخدري، وإسناد الأوّلين صحيح، وحديث ابن عمر متفق عليه دون ذكر الحديبية.
(6)
أخرجه مسلم (1318) من حديث جابر رضي الله عنه.
وفيها أهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جُملة هديه جملًا كان لأبي جهلٍ في أنفه بُرَة
(1)
من فضَّة؛ ليغيظ به المشركين
(2)
.
وفيها أنزلت سورةُ الفتح.
ودخلت خزاعةُ في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده، ودخلت بنو بكر في عقد قريش وعهدهم، وكان في الشرط أن من شاء أن يدخل في عقده صلى الله عليه وسلم دخل ومن شاء أن يدخل في عقد قريشٍ دخل
(3)
.
ولما رجع إلى المدينة جاءه نساء مؤمنات، منهن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، فجاء أهلها يسألونها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بالشرط الذي كان بينهم، فلم يَرجعها إليهم، ونهاه الله عن ذلك؛ فقيل: هذا نسخٌ للشرط في النساء، وقيل: تخصيص للسنة بالقرآن وهو عزيز
(4)
جدًّا، وقيل: لم يقعِ الشرط إلا على الرجال خاصةً وأراد المشركون أن يُعمِّمُوه في الصنفَين فأنزل
(5)
الله تعالى ذلك.
(1)
«البُرَة» بتخفيف الراء هي الحلقة في أنف البعير.
(2)
وكان قد استلبه النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدرٍ، كما في حديث ابن عباس أخرجه أحمد (2362، 2466) وابن خزيمة (2897، 2898) والحاكم (1/ 467).
(3)
أخرجه البيهقي في «الدلائل» (5/ 6) من حديث المسور ومروان بإسناد حسن.
(4)
هامش ز صححًا عليه، س، ن:«غريب» ، وكتب فوقه في س:«عزيز» معلمًا عليه بـ «خ» ، أي أنه في نسخة كذلك.
(5)
هامش ز معلمًا عليه بأنه في نسخة، س، ن:«فأبى» .