الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فما رأيت الناس فرحوا بشيء فرَحَهم به حتى رأيتُ النساء والصبيان والإماء يقولون: هذا رسول الله قد جاء
(1)
.
وقال أنس: شهدتُه يوم دخل المدينة، فما رأيت يومًا قطُّ كان أحسنَ ولا أضوأ من يوم دخل المدينة علينا، وشهدته يوم مات فما رأيت يومًا قط كان أقبحَ ولا أظلمَ من يوم مات
(2)
.
فأقام في منزل أبي أيوب حتى بنى حُجرته ومسجده.
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في منزل أبي أيوب زيدَ بن حارثة وأبا رافع ــ وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم ــ إلى مكة، فقدما عليه بفاطمة وأم كلثوم ابنتيه، وسودةَ بنتِ زمعة زوجته، وأسامة بن زيد وأمِّه أم أيمن. وأما زينب فلم يُمكِّنْها زوجُها أبو العاص بن الربيع من الخروج. وخرج عبد الله بن أبي بكر معهم بعيال أبي بكر وفيهم عائشة، فنزلوا في بيت حارثة بن النُّعمان
(3)
.
فصل
في بناء المسجد
قال الزهري
(4)
: بركت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موضع مسجده، وهو
(1)
أخرجه البخاري (4941).
(2)
أخرجه ابن سعد (1/ 201) وأحمد (13522) والدارمي (89) والحاكم (3/ 57) وصححه على شرط مسلم، واختاره الضياء (5/ 66).
(3)
ذكره الواقدي بأسانيده كما في «طبقات ابن سعد» (1/ 203)، (10/ 62 - 63، 158).
(4)
أسنده عنه الواقدي كما في «طبقات ابن سعد» (1/ 205 - 206) بطوله، إلا بيتًا ارتجزه بعض الصحابة، وسيأتي التنبيه عليه. وسيأتي أيضًا ذكر بعض الشواهد لفقرات هذا الخبر.
يومئذ يصلي فيه رجال من المسلمين، وكان مِرْبدًا لسهلٍ وسهيلٍ غلامين يتيمين من الأنصار، وكانا في حِجر أسعد بن زرارة، فساوم رسول الله صلى الله عليه وسلم الغلامين بالمربد ليتخذه مسجدًا، فقالا: بل نَهَبُه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ابتاعه منهما بعشرة دنانير، وكان جدارًا ليس له سقف وقبلته إلى بيت المقدس، وكان يصلي فيه ويجمِّع أسعدُ بن زرارة قبل مَقْدَمِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان فيه شجرُ غرقدٍ ونخل وقبور للمشركين، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقبور فنُبِشت، وبالنخل والشجر فقطعت وصُفَّت في قبلة المسجد، وجُعِل طولُه مما يلي القبلة إلى مؤخَّره مائةَ ذراع، وفي الجانبين مثل ذلك أو دونه، وجُعل أساسُه قريبًا من ثلاثة أذرع، ثم بنوه باللَّبِن وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يبني معهم وينقل اللبن والحجارة بنفسه ويقول:
اللهم لا عيشَ إلا عيشُ الآخرهْ
…
فاغفر للأنصار والمهاجرهْ
وكان يقول:
هذا الحِمال لا حِمالُ خيبر
…
هذا أبرُّ ربَّنا وأطهر
(1)
وجعلوا يرتجزون وهم ينقلون اللَّبِن، ويقول بعضهم في رجزه:
لئن قعدنا والرسول يعملُ
…
لذاك منا العمل المُضَلَّلُ
(2)
(1)
إلى هنا أخرجه البخاري (3906) وعبد الرزاق (9743) من حديث الزهري عن عروة بنحوه مختصرًا. وأخرج البخاري (428) ومسلم (524) بعضَه من حديث أنس، وليس فيه هذا البيت الأخير.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «هذا الحمال
…
» أي الحجارة التي تُحمل للبناء أفضل عند الله مما يُحمَل مِن خيبر من التمر ونحوه.
(2)
هذا البيت ذكره ابن إسحاق كما في «سيرة ابن هشام» (1/ 496)، وليس في خبر الزهري عند الواقدي.
وجَعَل قبلتَه إلى بيت المقدس، وجعل له ثلاثةَ أبواب: بابًا في مؤخَّره، وبابًا يقال له باب الرحمة، والباب الذي يدخل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجَعل عُمُدَه الجذوع، وسُقِف بالجريد، وقيل له: ألا نَسْقُفُه؟ فقال: «لا، عريش كعريش موسى»
(1)
، وبنى بيوتًا إلى جانبه بيوتَ الحُجَر باللَّبِن، وسَقَفها بالجذوع والجريد، فلمّا فرغ من البناء بنى بعائشة في البيت الذي بناه لها شرقيَّ المسجدِ يليه، وهو مكان حجرته اليوم، وجعل لسودة بنت زمعة بيتًا آخر.
فصل
ثم آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في دار أنس بن مالك، وكانوا تسعين رجلًا: نصفُهم من المهاجرين، ونصفهم من الأنصار؛ آخى بينهم على المواساة، ويتوارثون بعد الموت دون ذوي الأرحام إلى حين وقعة بدر، فلما أنزل الله عز وجل:{وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الأنفال: 75] ردَّ التوارثَ إلى الرَّحِم دون عقد الأخوة
(2)
.
وقد قيل: إنه واخى
(3)
بين المهاجرين بعضهم مع بعض مواخاةً ثانيةً
(1)
أخرجه عبد الرزاق (5135) عن خالد بن معدان مرسلًا، وأخرجه ابن أبي شيبة (3162) من مرسل الحسن. وله شواهد أخرى مرسلة وموصولة يصحُّ بمجموعها. انظر:«الصحيحة» للألباني (616).
(2)
«طبقات ابن سعد» (1/ 204) عن الواقدي. وانظر حديث عقد المؤاخاة في دار أنس عند البخاري (2294) ومسلم (2529) من حديث أنس؛ وحديث التوارث بها ونَسْخه عند الطيالسي (2798) والدارقطني (4127) من حديث ابن عباس، وعند الدارقطني (4158) والحاكم (4/ 345) من حديث الزبير بن العوام.
(3)
ث، ع، النسخ المطبوعة:«آخى» . والمثبت من سائر الأصول لغة فيه.
واتَّخذ فيها عليًّا أخًا لنفسه
(1)
، والثبت الأول. والمهاجرون كانوا مستغنين بأخوة الإسلام وأخوة الدار وقَرابة النسب عن عقد مواخاةٍ، بخلاف المهاجرين مع الأنصار
(2)
.
ولو واخى بين المهاجرين لكان أحقَّ الناس بأخوته أحبُّ الخلق إليه ورفيقُه في الهجرة، وأنيسُه في الغار، وأفضل الصحابة، وأكرمُهم عليه: أبو بكر الصديق، وقد قال:«لو كنتُ متخذًا من أهل الأرض خليلًا، لاتخذت أبا بكر خليلًا ولكن أخوة الإسلام أفضل»
(3)
، وفي لفظ:«ولكن أخي وصاحبي»
(4)
.
(1)
أخرجه الترمذي (3720) والحاكم (3/ 14) وابن عدي في «الكامل» (2/ 166) من حديث ابن عمر قال ــ واللفظ للحاكم ــ: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بين أصحابه، فآخى بين أبي بكر وعمر، وبين طلحة والزبير، وبين عثمان وعبد الرحمن بن عوف، فقال علي: يا رسول الله إنك قد آخيتَ بين أصحابك فمن أخي؟ قال: «أما ترضى يا عليُّ أن أكون أخاك؟» . وإسناده واه، ووسمه شيخ الإسلام بالكذب. انظر:«منهاج السنة» (5/ 71) و «الضعيفة» (351).
(2)
ولكن مع هذا، لا يمنع أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين أفراد قلائل من المهاجرين بعضهم مع بعض تنزيلًا لذوي السعة واليسار منهم منزلةَ الأنصار، لا سيما وأن بعضهم لم يكن من قريش حتى يستغني بقرابة النسب عن عقد المؤاخاة؛ فقد ثبت من غير وجه أن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين عبد الله بن مسعود والزبير بن العوّام. انظر:«سير أعلام النبلاء» (1/ 467) و «الفتح» (7/ 271) و «الصحيحة» (3166).
هذا، وسيأتي في قصة عمرة القضية (ص 455) إثبات المؤلف لمواخاة المهاجرين بعضهم مع بعض قبل الهجرة على الحق والمواساة، فإما أن المؤلف تغيّر رأيه هناك، أو أن مقصوده بالنفي هنا هو نفي أن يكون آخى بينهم بعد الهجرة.
(3)
أخرجه البخاري (3657) من حديث ابن عباس، وأخرجه أيضًا هو (466، 3654) ومسلم (2382) من حديث أبي سعيد الخدري.
(4)
أخرجه البخاري (3656) من حديث ابن عباس، ومسلم (2383/ 4) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
وهذه الأخوة في الإسلام وإن كانت عامةً كما قال: «وددت أنَّا قد رأينا إخواننا» ، قالوا: ألسنا إخوانك؟ قال: «أنتم أصحابي، وإخواني قوم يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يَرَوني»
(1)
= فلِلصِّديق من هذه الأخوة أعلى مراتبها، كما له من الصحبة أعلى مراتبها، فالصحابة لهم الأخوة ومزيَّةُ الصحبة، ولأتباعه بعدَهم الأخوة دون الصحبة.
فصل
ووادع رسول الله صلى الله عليه وسلم مَن بالمدينة من اليهود، وكتب بينه وبينهم كتابًا
(2)
، وبادَرَ حَبْرُهم وعالمُهم عبد الله بن سلام فدخل في الإسلام، وأبى عامتُهم إلا الكفر
(3)
.
وكانوا ثلاث قبائل: بنو قَينُقاع، وبنو النَّضِير، وبنو قُريظة؛ وحاربتْه الثلاثة، فمنَّ على بني قينقاع، وأجلى بني النضير، وقَتل بني قريظة وسبى ذريتهم، ونزلت سورة الحشر في بني النضير، وسورةُ الأحزاب في بني قريظة.
فصل
وكان يصلي إلى قبلة بيت المقدس ويحبُّ أن يُصْرَف إلى الكعبة، وقال لجبريل:«وددتُ أن الله صرف وجهي عن قبلة اليهود» ، فقال: إنما أنا عبد، فادعُ ربك وسَلْه؛ فجعل يُقلِّب وجهَه في السماء يرجو ذلك، حتى أنزل الله
(1)
أخرجه مسلم (249) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
انظر خبر الموادعة عند موسى بن عقبة كما في «البداية والنهاية» (6/ 36 - 37)، وابن إسحاق كما في «سيرة ابن هشام» (1/ 501)، والواقدي في «مغازيه» (1/ 176).
(3)
انظر خبر عبد الله بن سلام واليهود عند البخاري (3329، 3911) من حديث أنس.
عليه: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 144]
(1)
. وذلك بعد ستة عشر شهرًا من مقدمه المدينةَ، قبلَ وقعةِ بدرٍ بشهرين
(2)
.
قال محمد بن سعد
(3)
: أخبرنا هاشم بن القاسم، قال: حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي قال:«ما خالف نبيٌّ نبيًّا قطُّ في قبلةٍ ولا في سُنَّة، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استقبل بيت المقدس حين قدم المدينة ستة عشر شهرًا» ، ثم قرأ:{شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا} الآية [الشورى: 13].
وكان في جَعْل القبلة إلى بيت المقدس ثم تحويلِها إلى الكعبة حِكَمٌ عظيمة، ومحنةٌ للمسلمين والمشركين واليهود والمنافقين.
فأما المسلمون فقالوا: سمعنا وأطعنا، وقالوا: آمنا به كل من عند ربنا، وهم الذين هدى الله ولم تكن كبيرةً عليهم.
وأما المشركون فقالوا: كما رجع إلى قبلتنا يوشك أن يرجع إلى ديننا، وما رجع إليها إلا لأنها الحق.
(1)
أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (1/ 208) عن الواقدي بإسناده إلى ابن عباس وغيره. وله شاهد من حديث البراء عند البخاري (399) بنحوه دون ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل وجوابه.
(2)
نصّ عليه سعيد بن المسيِّب كما في «الطبقات» (1/ 208). وفي حديث البراء عند البخاري: «صلى نحو بيت المقدس ستة عشر ــ أو سبعة عشر ــ شهرًا» . أي: إن تحويل القبلة كان في رجب أو شعبان، قبل وقعة بدر بشهر أو شهرين.
(3)
في «الطبقات» (1/ 209).
وأما اليهود فقالوا: خالف قبلةَ الأنبياء قبله، ولو كان نبيًّا لكان يصلي إلى قِبلة الأنبياء.
وأما المنافقون فقالوا: ما يدري محمد أين يتوجَّه؛ إن كانت القبلة الأولى حقًّا فقد تركها، وإن كانت الثانية هي الحقَّ فقد كان على باطل. وكثرت أقاويل السفهاء من الناس، وكانت ــ كما قال الله ــ كبيرةً إلا على الذين هدى الله، وكانت محنةً من الله امتحن بها عبادَه ليرى من يتَّبع الرسولَ منهم ممن ينقلب على عقبَيه.
ولمّا كان أمرُ القبلة وشأنُها عظيمًا وطَّأَ سبحانه قبلها أمرَ النسخ وقُدرتَه عليه، وأنه يأتي بخيرٍ من المنسوخ أو مثلِه
(1)
، ثم عقَّب ذلك بالتوبيخ لمن تَعَنَّت رسولَه ولم يَنْقَدْ له، ثم ذكر بعده اختلافَ اليهود والنصارى وشهادةَ بعضهم على بعضٍ بأنهم ليسوا على شيء، وحذَّر عبادَه من موافقتهم واتِّباع أهوائهم، ثم ذكر كفرَهم وشركَهم به وقولَهم: إن له ولدًا، سبحانه وتعالى عما يقولون.
ثم أخبر أن له المشرق والمغرب وأينما يولي عبادُه وجوهَهم فثَمَّ وجهُه، وهو الواسع العليم، فلِعَظَمته وسعته وإحاطته أينما توجَّه العبدُ فثَمَّ وجه الله.
ثم أخبر أنه لا يسأل رسوله عن أصحاب الجحيم الذين لا يتابعونه ولا
(1)
وذلك في قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106]، وكذلك سيشير المؤلف إلى الآيات التي بعدها إلى الآية (134) التي تليها آياتُ تحويل القبلة.
يصدِّقونه، ثم أعلمه أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى لن يَرْضَوا عنه حتى يتبع ملَّتَهم، وأنه إن فعل ــ وقد أعاذه الله من ذلك ــ فما له من الله من ولي ولا نصير.
ثم ذكَّر أهلَ الكتاب بنعمته عليهم، وخوَّفهم من بأسه يومَ لقائِه.
ثم ذكَر خليلَه بانيَ بيتهِ الحرام وأثنى عليه ومدحه، وأخبر أنه جعله إمامًا للناس يأتمُّ به أهل الأرض، ثم ذكر بيتَه الحرام وبناءَ خليله له، وفي ضمن هذا أن بانيَ البيتِ كما هو إمام الناس فكذا
(1)
البيت الذي بناه إمام لهم، ثم أخبر أنه لا يرغب عن ملَّة هذا الإمام إلا أسفهُ الناس، ثم أمر عباده أن يأتمُّوا به، ويؤمنوا بما أنزل إليهم وإلى إبراهيم وإلى سائر النبيين، ثم رد على من قال: إن إبراهيم وأهل بيته كانوا يهودًا أو نصارى؛ وجعل هذا كله توطئةً ومقدِّماتٍ بين يدي تحويل القبلة، ومع هذا كلِّه فكَبُر ذلك على الناس إلا من هدى الله منهم.
وأكَّد سبحانه هذا الأمر مرةً بعد مرة بعد ثالثة، وأمر به حيث ما كان رسولُه ومن حيث خرج، وأخبر أن الذي يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم هداهم إلى هذه القبلة، وأنها هي القبلة التي تليق بهم وهم أهلها، لأنها أوسطُ القِبَل وأفضلُها، وهم أوسط الأمم وخيارهم، فاختار أفضل القِبَل لأفضل الأمم، كما اختار لهم أفضلَ الرُّسُل وأفضلَ الكتب، وأخرجهم في خير القرون، وخصَّهم بأفضل الشرائع، ومَنَحهم خيرَ الأخلاق وأسكنهم خيرَ الأرض، وجعل منازلَهم في الجنة خيرَ المنازل، ومَوقِفَهم في القيامة خير
(1)
ز، ع:«فكذلك» .
المواقف، فهم على تَلٍّ عالٍ والناس تحتهم
(1)
، فسبحان من يختصُّ برحمته من يشاء، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
وأخبر سبحانه أنه فعل ذلك لئلا يكونَ للناس عليهم حجة، ولكن الظالمون الباغون يحتجُّون عليهم بتلك الحجج التي ذُكِرَت، ولا تُعارَض الرسل إلا بها وبأمثالها من الحجج الداحضة، وكلُّ من قدَّم على أقوال الرسول سواها فحجَّتُه من جنس حجج هؤلاء.
وأخبر سبحانه أنه فعل ذلك ليُتمَّ نعمتَه عليهم وليهديَهم، ثم ذكَّرهم نِعَمه عليهم بإرسال رسوله إليهم وإنزال كتابه عليهم ليزكِّيَهم به ويُعلِّمَهم الكتاب والحكمة ويعلِّمَهم ما لم يكونوا يعلمون. ثم أمرهم بذكره وشكره، إذ بهذين الأمرين يستوجبون إتمامَ نِعَمه والمزيدَ من كرامته، ويستجلبون ذِكْرَه لهم ومحبَّته لهم، ثم أمرهم بما لا يتم لهم ذلك إلا بالاستعانة به، وهو الصبر والصلاة، وأخبرهم
(2)
أنه مع الصابرين.
فصل
وأتمَّ نعمته عليهم مع القبلة بأن شرع لهم الأذان في اليوم والليلة خمس مرات وزادهم في الظهر والعصر والعشاء ركعتين أُخرَيين بعد أن كانت ثنائيةً
(3)
، وكل هذا كان بعد مَقدَمه المدينة.
(1)
جاء ذلك في حديث كعب بن مالك عند أحمد (15783) وابن حبان (6479) والحاكم (2/ 363)، وفي حديث جابر عند مسلم (191/ 316) بمعناه.
(2)
م، ق، ب، ث:«وأخبر» دون ضمير النصب.
(3)
قالت عائشة: «فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأُقِرَّت صلاة السفر وزِيد في صلاة الحضر» . أخرجه البخاري (350) ومسلم (685).
فصل
فلما استقر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وأيده الله بنصره وبعباده المؤمنين، وألَّف بين قلوبهم بعد العداوة والإحن التي كانت بينهم، فمنعته أنصارُ الله وكتيبة الإسلام من الأسود والأحمر، وبذلوا نفوسهم دونه، وقدَّموا محبَّته على محبَّةِ الآباء والأبناء والأزواج، وكان أولى بهم من أنفسهم= رَمَتْهم العربُ واليهود عن قوسٍ واحدة، وشمَّروا لهم عن ساق العداوة والمحاربة، وصاحوا بهم من كل جانب، والله تعالى يأمرهم بالصبر والعفو والصفح حتى قويت الشوكة واشتدَّ الجَناح، فأذن لهم حينئذ في القتال ولم يَفرضْه عليهم فقال تعالى:{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ}
(1)
[الحج: 39].
وقد قالت طائفة: إن هذا الإذن كان بمكةَ والسورةُ مكية. وهذا غلط لوجوه:
أحدها: أن الله لم يأذن بمكة لهم في القتال، ولا كان لهم شوكة يتمكَّنُون بها من القتال بمكة.
الثاني: أن سياق الآية يدلُّ على أن الإذنَ بعد الهجرة وإخراجِهم من ديارهم، فإنه قال:{الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} [الحج: 40]، وهؤلاء هم المهاجرون.
(1)
كذا ضبطت الآية في م بكسر التاء من {يُقَاتِلُونَ} ، وهي قراءة أبي عمرو بن العلاء وغيره، وقرأ حفص عن عاصم وغيره بفتح التاء. انظر:«النشر» (2/ 326).
الثالث: أن قوله تعالى: {اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا} [الحج: 19]، نزلت في الذين تبارزوا يومَ بدرٍ من الفريقين
(1)
.
الرابع: أنه قد
(2)
خاطبهم في آخرها بقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
…
} [الحج: 77]، والخطاب بذلك كلُّه مدني، وأمّا الخطاب بـ {يَاأَيُّهَا النَّاسُ} فمشترك.
الخامس: أنه أمر فيها بالجهاد الذي يعمُّ الجهادَ باليد وغيره، ولا ريب أن الأمر بالجهاد المطلق إنما كان بعد الهجرة، وأمّا جهاد الحجَّة فأمر به في مكة، كقوله:{(51) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ} أي: بالقرآن {بِهِ جِهَادًا} [الفرقان: 52] فهذه سورة
(3)
مكية، والجهاد فيها هو التبليغ وجهاد الحجة، وأما حقُّ الجهاد المأمور به في سورة الحجِّ فيدخل فيه الجهاد بالسيف.
السادس: أن الحاكم روى في «مستدركه»
(4)
من حديث الأعمش عن
(1)
كما في «صحيح البخاري» (3965، 3966) من حديث علي وأبي ذرّ، وسيأتي في أحداث الغزوة.
(2)
«قد» ليست في م، ق، ب، ث.
(3)
ج: «السورة» .
(4)
(2/ 246). وأخرجه أحمد (1865) والترمذي (3171) والنسائي (3085) والبزار (1/ 69، 194) والطبري (16/ 574) وابن حبان (4710) والطبراني في «الكبير» (12/ 16) والحاكم (2/ 66، 3/ 7) والضياء في «المختارة» (10/ 359) من طرق عن الأعمش به. وصححه ابن حبان والحاكم والضياء والمؤلف، وحسَّنه الترمذي والبزّار، إلا أن الترمذي ذكر أنه رواه غير واحد عن الثوري عن الأعمش عن مسلم عن سعيد بن جبير مرسلًا. وانظر:«العلل» للدارقطني (22).
مسلم البَطِين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لمّا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة قال أبو بكر: أخرَجُوا نبيهم إنا لله وإنا إليه راجعون، ليَهْلِكُنَّ؛ فأنزل الله عز وجل:{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} [الحج: 39]، وهي أول آية نزلت في القتال. وإسناده على شرط «الصحيحين» .
وسياق السورة يدل على أن فيها المكيَّ والمدنيَّ، فإن قصة إلقاء الشيطان في أُمنيَّةِ الرسول مكية، والله أعلم.
فصل
ثم فَرَض عليهم القتال بعد ذلك لمن قاتلهم دون من لم يقاتلهم فقال: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} [البقرة: 190].
ثم فرض عليهم قتال المشركين كافَّةً؛ وكان محرَّمًا، ثم مأذونًا فيه، ثم مأمورًا به لمن بدأهم
(1)
بالقتال، ثم مأمورًا به لجميع المشركين، إما فرض عينٍ على أحد القولين، أو فرض كفاية على المشهور.
والتحقيق أن جنس الجهاد فرض عين: إما بالقلب، وإما باللسان، وإما بالمال، وإما باليد؛ فعلى كل مسلم أن يُجاهِد بنوعٍ من هذه الأنواع.
وأما الجهاد بالنفس ففرض كفاية، وأما الجهاد بالمال ففي وجوبه قولان، والصحيح وجوبه لأن الأمر بالجهاد به وبالنفس في القرآن سواء، كما قال تعالى:{انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [التوبة: 41].
(1)
ص، ز:«بادأهم» .
وعلَّق النجاةَ من النار
(1)
به ومغفرةَ الذنب ودخولَ الجنة فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [الصف: 10 - 12]. وأخبر أنهم إن فعلوا ذلك أعطاهم ما يحبون من النصر والفتح القريب فقال: {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا} أي: ولكم خصلة أخرى تحبونها في الجهاد، وهي:{نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ} [الصف: 13].
وأخبر سبحانه أنه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم، وأعاضهم
(2)
عليها
(3)
الجنة، وأن هذا العقد والوعد قد أودعه أفضلَ كتبه المنزلةِ من السماء، وهي التوراة والإنجيل والقرآن، ثم أكّد ذلك بإعلامهم
(4)
أنه لا أحدَ أوفى بعهده منه تبارك وتعالى
(5)
، ثم أكد ذلك بأنْ أمرهم بأن يستبشروا ببيعهم الذي عاقدوه عليه، ثم أعلمهم أن
(6)
ذلك هو الفوز العظيم
(7)
.
(1)
ث، ع:«النيران» ، وتصحّف في م، ق إلى «القرآن» ! وهو ساقط من ب.
(2)
ص، ز:«أعطاهم» .
(3)
م، ص:«عليهما» ، وهو محتمل في ق، ب.
(4)
ص، ز، ع:«بإعلامه» .
(5)
من قوله: «ثم أكد ذلك
…
» إلى هنا سقط من ق لانتقال النظر.
(6)
م، ق، ب، ث:«بأن» .
(7)
فليتأمل المعاقد
(1)
مع ربه عقدَ هذا التبايُع ما أعظمَ خطرَه وأجلَّه، فإن الله عز وجل هو المشتري، والثمنُ: جنات النعيم والفوز برضاه والتمتع برؤيته هناك، والذي جرى على يده هذا العقد أشرفُ رسله وأكرمهم عليه من الملائكة ومن البشر. وإن سلعةً هذا شأنها لقد هُيِّئت لأمرٍ عظيم وخطب جسيم:
قد هَيَّأوك لأمرٍ لو فَطِنْتَ له
…
فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهَمَلِ
(2)
مهر المحبّة والجنة بَذْلُ النفس والمال لمالكهما الذي اشتراهما من المؤمنين، فما لِلجَبان المُعْرِض المُفلس وسومَ هذه السلعة؟! تالله ما هُزِلت فيستامها المفلسون، ولا كسدت فيُنفِّقُها بالنسيئة المُعْسرون؛ لقد أقيمت للعرض في سوقِ مَن يزيد
(3)
، فلم يرضَ ربُّها لها بثمنٍ دونَ بذل النفوس
(4)
، فتأخر البطَّالون وقام المحبون ينظرون أيُّهم يصلح أن تكون نفسُه الثمنَ، فدارت السلعة بينهم ووقعت في يدِ {وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى} [المائدة: 54].
لمَّا كَثُر المدَّعُون للمحبة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى، فلو يُعطى الناس بدعواهم لادَّعى الخليُّ حُرقة الشجيِّ
(5)
، فتنوع المدعون في الشهود، فقيل: لا تثبت هذه الدعوى إلا ببينةِ {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي
(1)
ق، ن:«العاقد» ، وتصحّف في ج إلى:«العاقل» .
(2)
البيت من لامية العجم للطُّغْرائي، والرواية فيها:«قد رشَّحُوك» .
(3)
النسخ المطبوعة: «يريد» بالراء، خطأ.
(4)
ز، ع:«النفس» .
(5)
أي لادّعى الفارغ الخالي من المحبّة أنه ممن شجاه هموم الوصل وأحزان الشوق.
يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31]، فتأخر الخلق كلُّهم، وثبت أتباعُ الرسول في أفعاله وأقواله وهديه وأخلاقه فطولبوا بعدالة البينة وقيل: لا تُقبَل العدالةُ إلا بتزكيةِ {الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} [المائدة: 54]، فتأخر أكثر المُدَّعِين للمحبة، وقام المجاهدون فقيل لهم: إن نفوس المحبين وأموالهم ليست لهم فسَلِّمُوا ما وقع عليه العقد فـ {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة: 111]، وعقدُ التبايع يوجب التسليم من الجانبين؛ فلما رأى التجّار عظمةَ المشتري، وقدرَ الثمن، وجلالةَ مَن جرى عقد التبايع على يديه، ومقدارَ الكتاب الذي أثبت فيه هذا العقد= عرفوا أن للسلعة قدرًا وشأنًا ليس لغيرها من السِّلَع، فرأوا من الخسران البيِّن
(1)
والغَبن الفاحش أن يبيعوها بثمن بخسٍ دراهمَ معدودةٍ تذهب لذتُها وشهوتها وتبقى تبِعَتُها وحسرتُها، وأنَّ
(2)
فاعل ذلك معدود في جملة السفهاء، فعقدوا مع المشتري بيعةَ الرِّضوان رضًى واختيارًا من غير ثبوت خيار، وقالوا: واللهِ لا نُقيلك ولا نَستقيلك، فلما تمَّ العقدُ وسلَّموا المبيعَ قيل لهم: قد صارت نفوسكم وأموالكُم لنا، والآن فقد رددناها عليكم أوفرَ ما كانت وأضعافَ أموالِكم معها؛ {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169] لم نُثامِنْكم بنفوسكم
(3)
وأموالكم طلبًا للربح عليكم، ولكن ليظهر أثرُ الجود والكرم في قبول المعيب والإعطاءِ عليه أجلَّ الأثمان، ثم جمعنا لكم بين الثمن والمُثْمَن.
(1)
ج: «المبين» .
(2)
أي رأوا أن فاعل ذلك
…
إلخ. وفي ز: «فإن» ..
(3)
المطبوع: «لم نبتعْ منكم نفوسكَم» خلافًا للأصول.
وتأمل هاهنا قصة جابر، وقد اشترى منه النبي صلى الله عليه وسلم بعيرَه ثم وفَّاه الثمن وزاده وردَّ عليه البعير
(1)
، وكان أبوه قد قُتِل مع النبي صلى الله عليه وسلم في وقعة أُحُدٍ، فذكَّره بهذا الفعل حالَ أبيه مع الله، وأخبره أن الله أحياه وكلَّمه كِفاحًا وقال:«يا عبدي تمنَّ عليَّ»
(2)
.
فسبحان من عَظُم جودُه وكرمه عن
(3)
أن يحيط به علم الخلائق؛ لقد أعطى السِّلْعة وأعطى الثمن ووفَّق لتكميل العقد، وقَبِل المبيعَ على عيبه وأعاض عليه أجلَّ الأثمان، واشترى عبده من نفسه بماله، وجمع له بين الثمن والمثمن، وأثنى عليه ومدحه بهذا العقد، وهو الذي وفَّقه له وشاءه منه.
فحيَّهلًا إن كنتَ ذا همةٍ فقد
…
حدا بك حادي الشوق فاطْوِ المراحلا
وقُل لمنادي حبِّهم ورضاهم
…
إذا ما دعا: لبيك ألفًا كواملا
ولا تنظر الأطلال من دونهم فإنْ
…
نظرتَ إلى الأطلال عُدن حوائلا
ولا تنتظر بالسير رفقةَ قاعدٍ
…
ودَعْه فإن الشوق يكفيك حاملا
وخذ منهمُ زادًا إليهم وسِرْ على
…
طريق الهدى والحبِّ تصبحُ واصلا
(1)
أخرجه البخاري (2097) ومسلم (715).
(2)
أخرجه الترمذي (3010) وابن ماجه (190) وابن حبان (7022) والحاكم (3/ 204)، وقال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه، وصححه ابن حبان والحاكم والمؤلف في «حادي الأرواح» (2/ 671). وروي بنحوه من طريق آخر عند أحمد (14881) وأبي يعلى (2002) وغيرهما، وإسناده حسن أيضًا. وانظر:«الصحيحة» (3290) و «أنيس الساري» (3/ 2318).
(3)
«عن» ليست في م، ق، ب، ث، المطبوع.
وأحْيِ بذكراهم سُراكَ إذا وَنَتْ
(1)
…
ركابُك فالذِّكْرى تُعيدك عاملا
وإمّا تخافَنَّ الكَلال فقل لها
…
أمامكِ وِرْد الوَصْلِ فابغي المَناهلا
وخذ قبَسًا من نورهم ثم سِرْ به
…
فنورهمُ يهديك ليس المشاعِلا
وحيَّ على وادي الأراك فقِلْ به
…
عساك تراهم ثَمَّ إن كنتَ قائلا
وإلا ففي نَعمانَ عند مُعرِّفِ الـ
…
أحبَّة فاطلبهم إذا كنتَ سائلا
وإلا ففي جمعٍ بليلته فإنْ
…
تَفُت فمنًى يا ويحَ من كان غافلا
وحيَّ على جنات عدنٍ فإنها
…
منازلُك الأُولى بها كنت نازلا
ولكنْ سَباك الكاشحون لأجل ذا
…
وقفتَ على الأطلال تبكي المنازلا
وحيَّ على يوم المزيد بجنة الـ
…
خلود فجُدْ بالنفس إن كنتَ باذلا
فدَعْها رسومًا دارساتٍ فما بها
…
مَقِيلٌ وجاوِزْها فليست منازلا
رسومًا عفت ينتابها الخلق كم بها
…
قتيل وكم فيها لذا الخلق قاتلا
وخذ يمنةً عنها على المنهج الذي
…
عليه سرى وفد المحبَّة آهلا
وقل ساعدي يا نفسُ بالصبر ساعةً
…
فعند اللِّقا ذا الكدُّ يصبح زائلا
فما هي إلا ساعة ثم تنقضي
…
ويصبح ذو الأحزان فرحانَ جاذِلا
(2)
لقد حرَّك الداعي إلى الله وإلى دار السلام النفوسَ الأبية والهممَ العالية، وأَسْمَعَ منادي الإيمان من كانت له أذن واعية، أسمَعَ ــ واللهِ ــ من كان حيًّا، فهزَّه السماعُ إلى منازل الأبرار وحدا به في طريق سيره، فما حطَّت رحالُه إلا بدار القرار؛ فقال: «انتدب الله لمن خرج في سبيله ــ لا يخرجه إلا إيمان بي
(1)
ص، ج، ز، ع، ن:«دَنَتْ» ، تصحيف، وهو على الصواب في هامش ز. و «سُراك» تصحّف في المطبوع إلى «شراك». والسُّرى: سير الليل.
(2)
يبدو أن الأبيات للمؤلف، وهي في «مدارج السالكين» (3/ 8).
أو
(1)
تصديق برسلي ــ أن أَرْجِعَه بما نال من أجرٍ أو غنيمة، أو أُدخِله الجنة؛ ولولا أن أشقَّ على أمتي ما قعدتُ خلف سرّيةٍ، ولوَدِدتُ أنِّي أُقتَل في سبيل الله ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل
(2)
»
(3)
.
وقال: «مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صيامٍ ولا صلاةٍ حتى يرجعَ المجاهد في سبيل الله، وتوكَّل اللهُ للمجاهد في سبيله بأن يتوفّاه أن يُدخله الجنة أو يَرْجِعَه سالمًا مع ما نال مِن
(4)
أجر أو غنيمة»
(5)
.
وقال: «غدوة في سبيل الله أو رَوحة خير من الدنيا وما فيها»
(6)
.
وقال فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى: «أيُّما عبدٍ من عبادي خرج مجاهدًا في سبيلي ابتغاءَ مرضاتي ضمنتُ له أن أَرْجِعَه بما أصاب من أجر أو
(1)
هكذا في جميع الأصول، وهو الذي في صُلب النسخة اليونينية كما يظهر من فروعها المختلفة، وهو موافق لما عند الكرماني في «شرحه» (1/ 155)، والذي في أكثر نسخ البخاري:«وتصديق» ، وهو كذلك في سائر مصادر التخريج.
(2)
«ثم أقتل» من ث، ز، ع. وسقط من سائر الأصول.
(3)
أخرجه أحمد (7157، 8980) والبخاري (36) ــ واللفظ له ــ ومسلم (1867/ 103) والنسائي (5030) وابن ماجه (2753) من حديث أبي زرعة البجلي عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(4)
«ما نال من» ساقط من ج، ن، المطبوع.
(5)
أخرجه البخاري (2787، 3123) ومسلم (1878) من طرق عن أبي هريرة، وسياق المؤلف مجموع من الروايات الثلاث.
(6)
متفق عليه من حديث أنس وأبي هريرة وسهل بن سعد رضي الله عنهم بألفاظ متقاربة. البخاري (2792 - 2794) ومسلم (1880 - 1882).
غنيمة، وإن قبضتُه أن أغفر له وأرحمَه وأُدخلَه الجنة»
(1)
.
وقال: «جاهدوا في سبيل الله، فإن الجهاد في سبيل الله باب من أبواب الجنة ينجي الله به من الهمِّ والغمِّ»
(2)
.
(3)
.
وقال: «من قاتل في سبيل الله من رجل مسلم فُواقَ ناقةٍ وجبت له الجنة»
(4)
.
(1)
أخرجه أحمد (5977) والنسائي (3126) والضياء في «المختارة» (13/ 156) من حديث الحسن البصري عن ابن عمر. وقد روي عن الحسن مرسلًا، كما أخرجه ابن أبي شيبة (19776) وذكره الدارقطني في «العلل» (2882) من طريقين عنه، ولعله أشبه. ولكن الحديث صحيح بشواهده، منها حديث أبي هريرة المتفق عليه المتقدّم آنفًا.
(2)
أخرجه أحمد (22680، 22719) وابن حبان (4855) والحاكم (2/ 75، 3/ 49) والضياء في «المختارة» (8/ 273، 281) من حديث عُبادة بن الصامت. وهو حديث حسن بمجموع طرقه. انظر: «الصحيحة» (670، 1941، 1942).
(3)
أخرجه النسائي (3133) وابن حبان (4619) والحاكم (2/ 71) من حديث فَضالة بن عبيد بإسناد صحيح.
(4)
وأخرجه أحمد (22014، 22050، 22110) وأبو داود (2541) والترمذي (1657) والنسائي (3141) وابن حبان (4618) والحاكم (2/ 77) من طرق عن مالك بن يُخامِرَ عن معاذ بن جبل رضي الله عنه.
قال الترمذي: هذا حديث صحيح، وصححه ابن حبان والحاكم، وله شاهد من حديث أبي هريرة عند أحمد (9762) وغيره، وسيأتي.
(1)
.
وقال لأبي سعيد: «من رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا وجبت له الجنة» ، فعجب لها أبو سعيد وقال: أَعِدْها عليَّ يا رسول الله، ففعل، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«وأخرى يرفع الله بها العبد مائة درجة في الجنة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض» ، قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: «الجهاد في سبيل الله»
(2)
.
وقال: «من أنفق زوجين في سبيل الله دعاه خزنةُ الجنة كلُّ خزنةِ بابٍ: أَيْ فُلُ
(3)
هلمَّ، فمن كان من أهل الصلاة دُعِي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان»، فقال أبو بكر: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما على من دُعي من تلك الأبوابِ من ضرورة، فهل
(1)
أخرجه البخاري (2790، 7423) من حديث أبي هريرة.
(2)
أخرجه مسلم (1884) من حديث أبي سعيد الخدري.
(3)
م، ق، ب، ث، ز، ع، هامش ص:«أي عبد الله» . والمثبت من ص، ج، ن موافق لرواية أبي سلمة عن أبي هريرة. وفي رواية حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة:«يا عبد الله هذا خير» .
يُدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ فقال: «نعم وأرجو أن تكون منهم»
(1)
.
وقال: «من أنفق نفقةً فاضلةً في سبيل الله فبسبعمائة، ومن أنفق على نفسه وأهله أو
(2)
عاد مريضًا أو مازَ
(3)
أذًى عن طريق فالحسنة بعشر أمثالها، والصوم جُنَّة ما لم يَخْرِقها، ومن ابتلاه الله في جسده فهو له حِطَّة»
(4)
.
وذكر ابن ماجه
(5)
عنه: «من أرسل بنفقةٍ في سبيل الله وأقام في بيته فله بكل درهم سبعمائة درهم، ومن غزا بنفسه في سبيل الله وأنفق في وجهه ذلك فله بكل درهم سبعمائة ألف درهم» ، ثم تلا هذه الآية:{وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 261].
(1)
أخرجه البخاري (2841) ومسلم (1027/ 86) من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة. وأخرجه البخاري (1897) ومسلم (1027/ 85) من حديث حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة. وسياق المؤلف ملفّق من الروايتين.
(2)
في الأصول: «وعاد» ، والمثبت من مصادر التخريج الآتية. وقد سقط «أو عاد مريضًا» من م، ب، ث.
(3)
ز، ن، المطبوع:«أماط» ، والمثبت من سائر الأصول موافق لمصادر التخريج.
(4)
أخرجه أحمد (1690، 1700) والنسائي (2233) وأبو يعلى (878) وابن خزيمة (1892) والحاكم (3/ 265) والضياء في «المختارة» (3/ 317، 318) من حديث أبي عُبَيدة بن الجرّاح. والحديث صححه ابن خزيمة والحاكم والضياء، وضعّفه الألباني في «الضعيفة» (6438) لجهالة حال بعض رواته، ولكن لجميع فقراته شواهد تعضده وتقوّيه.
(5)
برقم (2761) من طريق الخليل بن عبد الله، عن الحسن البصري، عن سبعة من الصحابة! قال ابن كثير في «تفسيره»: هذا حديث غريب. وقال الحافظ ابن عبد الهادي ــ كما في «تهذيب التهذيب» (3/ 167) ــ: هو حديث منكر، و الخليل بن عبد الله لا يُعرَف. ولعل إيراد المؤلف له بهذه الصيغة يوحي بضعفه ــ وسيأتي له نظائر ــ، بخلاف الأحاديث التي ذكرها بصيغة الجزم:«وقال» .
وقال: «من أعان مجاهدًا في سبيل الله، أو غارمًا
(1)
في غُرْمه
(2)
، أو مكاتبًا في رقبته أظلَّه الله في ظلِّه يومَ لا ظلَّ إلا ظله»
(3)
.
وقال: «من اغبرَّت قدماه في سبيل الله حرَّمهما اللهُ على النار»
(4)
.
وقال: «لا يجتمع شُحٌّ وإيمان في قلب رجلٍ، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخانُ جهنَّمَ في وجه عبد» ، وفي لفظ:«في قلب عبد» ، وفي لفظ:«في جوف امرئ» ، وفي لفظ:«في مَنخَرَي مسلم»
(5)
.
(1)
م، ث:«غازيا» ، تصحيف.
(2)
كذا في الأصول، وفي مصادر التخريج:«عُسْرته» .
(3)
أخرجه أحمد (15987) والطبراني في «الكبير» (6/ 86) والحاكم (2/ 89، 217) وابن عساكر في «معجم الشيوخ» (606) من حديث سهل بن حُنَيف.
قال الحاكم: صحيح الإسناد، وقال ابن عساكر: حسن غريب. قلت: في إسناده عبد الله بن محمد بن عقيل، وقد ضعّفه الجمهور لسوء حفظه، وقوّاه البخاري فقال: هو مقارب الحديث. ويشهد لحديثه حديثُ عمر عند أحمد (126) وغيره: «من أظلَّ رأس غازٍ أظله الله يوم القيامة» ، وحديث أبي اليَسَر عند مسلم (3006):«من أنظر مُعسِرًا أو وضع عنه أظله الله في ظله» .
(4)
أخرجه أحمد (15935) ــ واللفظ له ــ والبخاري (907) من حديث أبي عَبْس الأنصاري البدري رضي الله عنه.
(5)
أخرجه أحمد (7480، 8479، 8512، 9693) والنسائي (3009 - 3115) وابن حبان (3251) والحاكم (2/ 72) من طرق فيها اختلاف واضطراب، والصواب منها: عن صفوان بن أبي يزيد عن ابن اللَّجلاج عن أبي هريرة. وهو ضعيف لجهالة حال صفوان بن أبي يزيد وابن اللجلاج.
وقد روي موضع الشاهد منه ــ دون ذكر الشحّ والإيمان ــ عند أحمد (10560) والترمذي (1633) والنسائي (3107، 3108) وابن ماجه (2774) وابن حبان (4607) والحاكم (4/ 260) من طرق عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن عيسى بن طلحة، عن أبي هريرة. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وذكر الإمام أحمد
(1)
عنه: «من اغبرَّت قدماه في سبيل الله ساعةً من نهار فهما حرام على النار» .
وذكر
(2)
عنه أيضًا: «لا يجمعُ اللهُ في جوف رجلٍ غبارًا في سبيل الله ودخانَ جهنم، ومن اغبرَّت قدماه في سبيل الله حرَّم الله سائرَ جسده على النار، ومن صام يومًا في سبيل الله باعد الله عنه النار مسيرةَ ألفِ سنةٍ للراكب المستعجل، ومن جُرِح جراحةً في سبيل الله ختم
(3)
بخاتم الشهداء، له نور يوم القيامة لونها لونُ الزعفران وريحها ريحُ المسك، يعرفه بها الأولون والآخرون يقولون: فلان عليه طابع الشهداء، ومن قاتل في سبيل الله فُواقَ ناقةٍ وجبت له الجنة».
وذكر ابن ماجه
(4)
عنه: «من راح روحةً في سبيل الله كان له بمثل ما
(1)
برقم (21962) من حديث جابر بإسناد صحيح، وتقدَّم نحوه من حديث أبي عبس عند البخاري.
(2)
أي الإمام أحمد في «مسنده» (27503) من حديث خالد بن دُريك عن أبي الدرداء. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (5/ 288): «رجاله ثقات إلا أن خالد بن دريك لم يسمع من أبي الدرداء ولم يدركه» . قلتُ: لكنه صحيح بشواهده إلا قوله: «ومن صام يومًا في سبيل الله باعد الله عنه النار مسيرةَ ألفِ سنةٍ للراكب المستعجل» ، فإن الثابت في البخاري (2840) ومسلم (1153) من حديث أبي سعيد الخدري: «
…
باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا».
(3)
زيد بعده في ث: «له» ،، وكذا في ع بخط مغاير. وهو في عامّة نسخ «المسند» كذلك كما ذكره محققوه في هامش التحقيق (45/ 495).
(4)
برقم (2775)، وأخرجه أيضًا البزّار (7517)، من حديث شَبِيب بن بِشر عن أنس. وشبيب مختلف فيه، وثّقه ابن معين وليّنه أبو حاتم، والحديث حسّنه الألباني في «الصحيحة» (2338).
أصابه من الغبار مسكًا يوم القيامة».
وذكر أحمد
(1)
عنه: «ما خالط قلبَ امرئ وَهَجٌ
(2)
في سبيل الله إلا حرَّم اللهُ عليه النار».
وقال: «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها»
(3)
.
(4)
.
(5)
.
وقال: «رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل»
(6)
.
(1)
برقم (24548)، وأخرجه أيضًا ابن أبي عاصم في «الجهاد» (122، 123)، من حديث عائشة. ورجاله ثقات كما قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (5/ 279)، إلا أن الدارقطني أعلّه في «العلل» (3536). وله شواهد صحيحة، وقد تقدّم بعضها.
(2)
كذا في عامّة الأصول. وفي ج: «رَهَج» ، وهو الموافق للفظ الحديث. والوهج: حرُّ الشمس، والرهج: الغبار.
(3)
أخرجه البخاري (2892) من حديث سهل بن سعد الساعدي.
(4)
أخرجه مسلم (1913) من حديث سلمان الفارسي.
(5)
أخرجه أحمد (23951) وأبو داود (2500) وأبو عوانة في «المستخرج» (7463، 7464) وابن حبّان (4624) والحاكم (2/ 79، 144) من حديث فَضالة بن عبيد بإسناد صحيح.
(6)
برقم (1667)، وأخرجه أيضًا أحمد (470) والترمذي (1667) والنسائي (3169) وابن حبان (4609) والحاكم (2/ 143) والضياء في «المختارة» (1/ 451)، من حديث أبي صالح مولى عثمان عن مولاه عثمان بن عفّان رضي الله عنه. قال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه، وصححه ابن حبان والحاكم والضياء، وحسّنه الألباني.
وذكر الترمذي
(1)
عنه: «من رابط ليلةً في سبيل الله كانت له كألف ليلةٍ صيامِها وقيامِها» .
وقال: «مُقام أحدكم في سبيل الله خير من عبادةِ أحدكم في أهله ستِّين سنةً، أما تحبون أن يغفر اللهُ لكم وتدخلون الجنة؟ جاهِدوا في سبيل الله، مَن قاتل في سبيل الله فُواقَ ناقةٍ
(2)
وجبت له الجنة»
(3)
.
وذكر أحمد
(4)
عنه: «من رابط في شيء من سواحل المسلمين ثلاثة أيام
(1)
كذا في الأصول، وهو سهو أو سبق قلم، والصواب:«ابن ماجه» كما أُثبت في المطبوع دون تنبيه، فقد أخرجه هو (2766) وابن أبي عاصم في «الجهاد» (150) والحاكم (2/ 81) من حديث مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، عن جدّه عبد الله بن الزبير، عن عثمان بن عفّان رضي الله عنهم.
وهذا الإسناد أعلّه الدارقطني في «العلل» (270)، وصوّب رواية من رواه عن مصعب بن ثابت عن عثمان بلا واسطة، كما هي عند أحمد (433) وسيأتي لفظها، وعلى كلّ فالحديث ضعيف لضعف مصعب وانقطاعه، فإنه لم يُدرك جدّه عبد الله بن الزبير فضلًا عن عثمان بن عفّان رضي الله عنه.
(2)
م، ق، ث:«ناقته» .
(3)
أخرجه أحمد (9762، 10786) والترمذي (1650) والحاكم (2/ 68) من حديث أبي هريرة. وفي إسناده هشام بن سعد المدني، وهو صدوق فيه لين، ولكن للحديث شواهد تعضده، لا سيّما لشطره الأخير، وقد قال الترمذي: هذا حديث حسن. وانظر: «الصحيحة» للألباني (902).
(4)
برقم (27040) من حديث أم الدرداء بإسناد ضعيف.
أجزأت عنه رباطَ سنة».
وذكر
(1)
عنه أيضًا: «حَرَسُ ليلةٍ في سبيل الله أفضل من ألف ليلةٍ يُقام ليلُها ويصام نهارُها» .
(2)
.
وذكر أحمد
(3)
وقال لرجل حرس المسلمين ليلةً في سفرهم من أوَّلِها إلى الصباح على ظهر فرسه لم ينزل إلا لصلاةٍ أو قضاء حاجةٍ: «قد أوجبتَ، فلا عليك أن لا تعملَ بعدها»
(4)
.
(1)
أي الإمام أحمد في «مسنده» (433، 463) من حديث مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، عن عثمان بن عفّان. وإسناده ضعيف كما تقدّم قريبًا.
(2)
أخرجه أحمد (17213) واللفظ له، والدارمي (2445) والنسائي (3117) والحاكم (2/ 83) من حديث أبي ريحانة الأزدي رضي الله عنه. وفي إسناده لين لجهالة حال أحد رواته، ولكن له شواهد تعضده وتقوّيه. انظر:«الصحيحة» (2673) و «أنيس الساري» (4/ 2879 - 2890).
(3)
برقم (15612)، وأخرجه أيضًا أبو يعلى (1490) والطبراني في «الكبير» (20/ 185) وابن عدي في «الكامل» (3/ 152)، من حديث معاذ بن أنس الجُهَني بإسناد ضعيف جدًّا.
(4)
أخرجه أبو داود (2501) والنسائي في «الكبرى» (8819) وأبو عوانة في «المستخرج» (7481) والحاكم (2/ 84) من حديث سهل ابن الحنظلية. قال الحافظ في «الإصابة» (1/ 260): «إسناده على شرط الصحيح» .
والصحابي الذي حرسهم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ذلك هو أنس بن أبي مَرثَد الغَنَوي.
وقال: «من بلغ بسهمٍ
(1)
في سبيل الله فله درجة في الجنة»
(2)
.
وقال: «من رمى بسهم في سبيل الله فهو عِدلُ مُحَرَّرٍ، ومن شاب شيبةً في سبيل الله كانت له نورًا يوم القيامة»
(3)
.
وعند الترمذي
(4)
تفسير الدرجة بمائة عام، وعند النسائي
(5)
تفسيرها
(1)
ص: «سهمًا» ، وهو لفظ النسائي في «الكبرى» .
(2)
أخرجه أحمد (17022) وأبو داود (3965) والنسائي في «المجتبى» (3143) و «الكبرى» (4336) وابن حبان (4615) والحاكم (2/ 121)، (3/ 50) من حديث أبي نَجِيح عمرو بن عبسة السُّلمي رضي الله عنه بإسناد صحيح.
(3)
هو جزء من الحديث السابق عند أحمد والحاكم (3/ 50)، وأخرجه الترمذي (1638) مقتصرًا على الشطر الأول منه وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(4)
المطبوع: «النسائي» خلافًا للأصول. وهو عند أحمد (7923) والترمذي (2529) من حديث شريك بن عبد الله، عن محمد بن جُحادة، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة مرفوعًا، وقال الترمذي:«حسن صحيح» . وقد اختُلف في لفظه، فأخرجه ابن أبي داود في «كتاب البعث» (62) والطبراني في «الأوسط» (5765) وغيرهما بلفظ:«خمسمائة عام» ، وبهذا اللفظ ذكره الدارقطني في «العلل» (2148) وأعلّه بأن مالك بن مِغْوَل رواه عن ابن جُحادة عن عطاء من قوله مقطوعًا، قال: وهو أصح.
وجاء ذكر «مائة عام» أيضًا في حديث كعب بن مرّة، ومعاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، ولكن في أسانيدها مقال. وأصحّ شيء في الباب حديث أبي هريرة عند البخاري (2790) أن «ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض» ، ومثله حديث أبي سعيد عند مسلم (1884) وقد سبق بتمامه.
(5)
لم أجده عند النسائي، وقد سبق تخريجه والكلام عليه. وقوله: «وعند النسائي
…
خمسمائة عام» ساقط من المطبوع.
بخمسمائة عام.
(1)
.
وعند ابن ماجه
(2)
(1)
أحمد (17321) وأبو داود (2513) والترمذي (1637) والنسائي في «الكبرى» (4404) وابن ماجه (2811) وابن خزيمة مختصرًا (2478) والحاكم (2/ 95) من حديث زيد بن خالد (أو: عبد الله بن زيد الأزرق) عن عقبة بن عامر الجُهَني.
وفي إسناده ضعف لجهالة الراوي عن عقبة، وبه أعلَّه ابن حزم في «المحلَّى» (9/ 55)، ولكنه قد توبع في آخر فقرة منه، تابعه عبد الرحمن بن شِماسة عن عقبة بن عامر عند مسلم (1919) بلفظ:«من عَلِم الرمي ثم تركه فليس منا ــ أو قال: قد عصى ــ» . ولسائره شاهد من مرسل عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين عند الترمذي (1637) وغيره، انظر:«العلل» لابن أبي حاتم (905). ولوسطه شاهد من حديث عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله وجابر بن عمير الأنصاريين أن أحدهما قال للآخر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل شيء ليس من ذكر الله فهو سهو ولهو إلا أربعًا
…
» فذكر بنحوه وزاد: «وتعلُّمَ السباحة» ، أخرجه النسائي في «الكبرى» (8889 - 8891) والطبراني في «الكبير» (2/ 193). فبمجموع هذه الشواهد يتقوّى الحديث ويعتضد، وقد حسّنه الترمذي وصحّحه ابن خزيمة والحاكم.
(2)
برقم (2814) من حديث عقبة بن عامر بإسناد ضعيف، وله متابعة عند مسلم (1919) بنحوه، وقد سبق لفظها في التعليق السابق.
وذكر أحمد
(1)
عنه أن رجلًا قال له: أوصني، قال: «أوصيك بتقوى الله، فإنه رأسُ كلِّ شيء، وعليك بالجهاد فإنه رهبانيَّةُ الإسلام، وعليك بذكر الله وتلاوةِ القرآن فإنه رَُوحك
(2)
في السماء وذكر لك في الأرض».
وقال: «ذروة سنام الإسلام الجهاد»
(3)
.
(4)
.
(1)
برقم (11774)، وأخرجه أيضًا أبو يعلى (1000) والطبراني في «الصغير» (949)، عن أبي سعيد الخدري بإسنادين فيهما لين، حسّنه بمجموعهما الألباني في «الصحيحة» (555).
(2)
م، ق، ب، ث، ع، هامش ز:«نور لك» ، وهو لفظ أبي يعلى والطبراني، والمثبت لفظ أحمد. قال السندي في «حاشيته»: قوله: (روحك في السماء) بضم الراء، أي سبب حياتك عند الله، قال تعالى:{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} [الشورى: 52]؛ أو بفتح الراء، أي سبب رحمتك؛ والوجه الأول. اهـ باختصار.
(3)
أخرجه أحمد (22017) بهذا اللفظ، وهو في الأصل جزء من حديث معاذ الطويل، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم:«رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد» . أخرجه أحمد (22016، 22068، 22122) والترمذي (2616) والنسائي في «الكبرى» (11330) وابن حبان مختصًرا (214) والطبراني في «الكبير» (20/ 73) والحاكم (2/ 76، 412) من طرقٍ عن معاذ بن جبل، بعضُها مُعلَّة وسائرها فيها لين أو انقطاع، والحديث محتمل للتحسين بمجموعها. انظر:«العلل الدارقطني» (988)، و «جامع العلوم والحكم» (الحديث التاسع والعشرون)، و «إرواء الغليل» (413)، و «الصحيحة» (1122، 3284).
(4)
أخرجه أحمد (7416) والترمذي (1655) والنسائي (3120) وابن حبان (4030) والحاكم (2/ 160) من حديث أبي هريرة. قال الترمذي: هذا حديث حسن.
وقال: «من مات ولم يَغزُ ولم يُحدِّث به نفسه
(1)
مات على شعبة من نفاق»
(2)
.
وذكر أبو داود
(3)
عنه: «من لم يغز، أو يجِّهز غازيًا، أو يَخْلُف غازيًا في أهله بخير أصابه الله بقارعةٍ قبل يوم القيامة» .
وقال: «إذا ضنَّ الناسُ بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعَيْن
(4)
، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاءً فلم يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم»
(5)
.
وذكر ابن ماجه
(6)
عنه: «من لقي الله عز وجل وليس له أثر في سبيله لقي
(1)
م، ق، ب:«ولم يُحدّث نفسه بالجهاد» ، إلا أنه في م أُلحق «به» في الهامش مصحَّحًا عليه دون الضرب على «بالجهاد» فاختلَّ السياق. وفي ز، ع، ن:«لم يحدّث نفسه بغزوٍ» ، وهو لفظ أحمد والنسائي، والمثبت لفظ مسلم.
(2)
أخرجه أحمد (8865) ومسلم (1910) وأبو داود (2502) والنسائي (3097) من حديث عمر بن محمد بن المنكدر، عن سُميٍّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.
(3)
برقم (2503)، وأخرجه أيضًا الدارمي (2462) وابن ماجه (2762) والروياني (1201) والطبراني في «الكبير» (8/ 211) من حديث أبي أمامة بإسناد حسن.
(4)
هامش ز، المطبوع:«بالعِينة» ، والمثبت من سائر الأصول هو لفظ أحمد.
(5)
أخرجه أحمد (4825) من حديث عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر. وقد اختُلف في سماع عطاء من ابن عمر، وللحديث طرق أخرى يعتضد ويتقوَّى بها. انظر:«تهذيب السنن» للمؤلف (2/ 465 - 467 بتخريجي).
(6)
برقم (2763)، وأخرجه أيضًا الترمذي (1666) والحاكم (2/ 79)، من حديث إسماعيل بن رافع، عن سُميٍّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. وإسماعيل بن رافع ضعيف، وقد تابعه عمر بن محمد بن المنكدر عن سميٍّ به، ولكن بلفظ:«من مات ولم يغزُ ولم يُحدِّث به نفسه مات على شعبة من نفاق» ، وقد تقدّم آنفًا.
الله وفيه ثُلمة».
وقال تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195]، وفسَّر أبو أيوب الإلقاء باليد إلى التهلكة بترك الجهاد
(1)
.
وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم: «إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف»
(2)
.
وصحَّ عنه: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله»
(3)
.
وصح عنه أن النار أول ما تُسَعَّر بالعالم والمُنفق والمقتول في الجهاد إذا فعلوا ذلك ليُقال
(4)
.
وصح عنه أن من جاهد يبتغي عرض الدنيا فلا أجر له
(5)
.
(1)
أخرجه أبو داود (2512) والترمذي (2972) والنسائي في «الكبرى» (10961) وابن حبان (4711) والحاكم (2/ 84 - 85). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.
(2)
أخرجه مسلم (1902) من حديث أبي موسى الاشعري. وأخرجه البخاري (2818) ومسلم (1742) من حديث عبد الله بن أبي أوفى بنحوه.
(3)
أخرجه البخاري (123) ومسلم (1904) من حديث أبي موسى الأشعري.
(4)
كما في حديث أبي هريرة الطويل عند مسلم (1905) ولفظه: «إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه
…
»، والتصريح بأن «أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعَّر بهم النار يوم القيامة» روي من طريق آخر عند الترمذي (2382) والنسائي في «الكبرى» (11824) وابن خزيمة (2482) وابن حبان (408) والحاكم (1/ 419)، وقال الترمذي: حسن غريب.
(5)
أخرجه أحمد (7900) وأبو داود (2516) وابن حبان (4637) والحاكم (2/ 85) من حديث ابن مِكرَز عن أبي هريرة. إسناده ضعيف لجهالة ابن مكرز. وله شاهد من حديث أبي أمامة عند النسائي (3140) فيمن يغزو يلتمس الأجر والذكر، وإسناده حسن كما قال العراقي في «تخريج الأحياء» (2/ 1177).
وصح عنه أنه قال لعبد الله بن عمرو: «إن قاتلت صابرًا محتسبًا بعثك الله صابرًا محتسبًا، وإن قاتلت مرائيًا مكاثرًا بعثك الله مرائيًا مكاثرًا؛ يا عبد الله بن عمرو، على أي حال قاتلت أو قُتِلتَ بعثك الله على تلك الحال»
(1)
.
فصل
(2)
وكان صلى الله عليه وسلم يَستحِبُّ القتالَ أول النهار، كما يستحب الخروج للسفر أولَه
(3)
. فإذا لم يقاتل أولَ النهار أخَّر القتال حتى تزول الشمسُ وتَهُبَّ الرياح وينزل النصر
(4)
.
(1)
أخرجه أبو داود (2519) والحاكم (2/ 85، 112) من حديث العلاء بن عبد الله بن رافع، عن حنان بن خارجة، عن عبد الله بن عمرو. وإسناده ضعيف، فإن العلاء ليس مشهورًا بالثقة وإنما قال عنه أبو حاتم: شيخ يُكتب حديثه، وحنان مجهول لم يروِ عنه غير العلاء. والحديث ضعّفه ابن القطان في «بيان الوهم» (4/ 36) والألباني في «ضعيف سنن أبي داود - الأم» (2/ 306).
(2)
هنا ورد هذا الفصل في الأصول والمطبوع، وموضعه المناسب أن يكون بعد الفصل الآتي، فإن المؤلف سرد أحاديث فضل الجهاد في الفصل السابق، وأحاديثَ فضل الشهادة في الفصل الآتي، ثم شرع بعده في ذكر هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد، فهناك موضعه اللائق به. وأخشى أن يكون ألحقه المؤلف في الهامش فأُثبت في غير محلّه.
(3)
أخرج أحمد (15443) وأبو داود (2606) والترمذي وحسّنه (1212) وابن حبان (4754) عن صخر الغامدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم بارك لأمتي في بكورها» ، قال:«وكان إذا بعث سرية أو جيشًا بعثهم من أول النهار» . وقد سبق تخريجه مفصَّلًا في فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في سفره (1/ 584).
(4)
أخرجه أحمد (23744) والبخاري مختصرًا (3160) وأبو داود (2655) والنسائي في «الكبرى» (8583) وابن حبان (4757) من حديث النعمان بن مُقرِّن.
فصل
(1)
.
وفي الترمذي
(2)
عنه: «ليس شيء أحبَّ إلى الله من قطرتين أو
(3)
أثرين: قطرة دمعٍ مِن
(4)
خشية الله، وقطرةُ دمٍ تُهَراق في سبيل الله؛ وأما الأثران: فأثر في سبيل الله، وأثر في فريضةٍ من فرائض الله».
وصح عنه أن «ما من عبد يموت له عند الله خير
(5)
يسرُّه أن يرجع إلى الدنيا وأنَّ له الدنيا وما فيها، إلا الشهيد لِما يرى من فضل الشهادة، فإنه يسرُّه أن يرجع إلى الدنيا فيُقتَل مرةً أخرى». وفي لفظ:«فيُقتَل عشرَ مراتٍ لِما يرى من الكرامة»
(6)
.
وقال لأمِّ حارثة بن النعمان
(7)
وقد قُتل ابنها معه يوم بدرٍ فسألتْه أين
(1)
أخرجه البخاري (2803) ومسلم (1876) من حديث أبي هريرة.
(2)
برقم (1669)، وأخرجه ابن أبي عاصم في «الجهاد» (108) والطبراني في «الكبير» وابن عدي في «الكامل» (8/ 280)، من حديث أبي أمامة. وفي إسناده لين، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
(3)
كذا في الأصول، والذي في مصادر التخريج واو العطف.
(4)
ص، ز، ج، ع، ن:«في» .
(5)
كذا في ج، ن، وهو الموافق لمصادر التخريج، وفي سائر الأصول:«شيء» . وأُقحِم في المطبوع بعده: «لا» ففسد المعنى.
(6)
أخرج اللفظين البخاري (2795، 2817) ومسلم (1877/ 108، 109) من حديث أنس بن مالك.
(7)
ن، المطبوع:«بنت النعمان» ، خطأ. و «حارثة بن النعمان» وهم من المؤلف، إنما هو حارثة بن سُراقة، الأنصاري الخزرجي النجّاري. وأما حارثة بن النعمان ــ وهو أنصاري خزرجي نجّاري أيضًا ــ فقد شهد بدرًا وأُحُدًا والمشاهد كلَّها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعاش إلى خلافة معاوية. وقد ذكره المؤلف على الصواب في كتاب «الروح» (1/ 292)، وممّن وقع في هذا الوهم أيضًا ابن حبّان في «الثقات» (3/ 79). وانظر:«الإكمال» لابن ماكولا (2/ 7)، و «الإصابة» (2/ 421، 427، 3/ 85).
هو؟ قال: «إنه في الفردوس الأعلى»
(1)
.
وقال: «أرواحُ الشهداء في جوف طيرٍ خُضْرٍ، لها قناديلُ معلقة بالعرش، تسرح من
(2)
الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطَّلع إليهم ربُّك اطِّلاعةً فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: أيُّ شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟ ففعل بهم ذلك ثلاث مراتٍ، فلمّا رأوا أنهم لم يُترَكوا من أن يُسألوا قالوا: يا رب، نريد أن تَردَّ أرواحَنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرةً أخرى، فلما رأى أنْ ليس لهم حاجة تُرِكوا»
(3)
.
وقال: «إن للشهيد عند الله خصالًا
(4)
: أن يغفر له في أول دفقةٍ
(5)
من
(1)
أخرجه البخاري (6567، ومواضع أخرى) من حديث أنس بن مالك.
(2)
ص، ز، ح، ن:«في» ، وهو لفظ الترمذي وغيره، والمثبت لفظ مسلم.
(3)
أخرجه مسلم (1887) والترمذي (3011) وابن ماجه (2801) وغيرهم من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
(4)
«خصالًا» ساقط من ق، ب. ومكانه بياض في م. وفي ز بعده:«ستة» فوق السطر. وفي ث: «ستّ خصال» ، وكذا أُصلح في ع، وهو لفظ الترمذي وابن ماجه وأحمد عن أحد شيخيه في الإسناد. وفي الطبراني:«تسع خصال ــ أو قال: عشر خصال ــ» . وعند سعيد بن منصور وغيره كالمثبت دون عدد. والمذكورة في الحديث هنا ثمان خصال.
(5)
في النسخ المطبوعة: «دفعة» ، وهو لفظ الترمذي وغيره. والمثبت من الأصول هو لفظ أحمد على ما في بعض نُسَخ «المسند» . انظر هامش طبعة المَكنِز (7/ 3818).
دمه، ويُرى مقعدَه من الجنة، ويحلى حُلَّة الإيمان، ويُزوَّج من الحور العين، ويُجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاجُ الوقار: الياقوتةُ منه خيرٌ من الدنيا وما فيها، ويُزوَّج اثنتين وسبعين من الحور العين، ويشفَّعُ في سبعين إنسانًا من أقاربه». ذكره أحمد وصححه الترمذي
(1)
.
وقال لجابر: «ألا أخبرك ما قال الله لأبيك؟» قال: بلى، قال:«ما كلَّم الله أحدًا إلا من وراء حجابٍ، وكلَّم أباك كِفاحًا فقال: يا عبدي تمنَّ عليَّ أُعطِك، قال: يا رب، تحييني فأُقتَلَ فيك ثانيةً، قال: إنه سبق مني أنهم إليها لا يُرجَعون، قال: يا ربِّ، فأبلغ مَن ورائي، فأنزل الله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169]»
(2)
.
وقال: «لما أصيب إخوانكم بأُحُدٍ جعل الله أرواحَهم في أجواف طيرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أنهارَ الجنة وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديلَ من ذهبٍ في ظلِّ
(1)
أحمد (17182) والترمذي (1663)، وأخرجه أيضًا ابن ماجه (2799) وعبد الرزاق (9559) وسعيد بن منصور (2562) والطبراني في «الكبير» (20/ 266)، كلهم من حديث مقدام بن معديكرب.
وروي أيضًا من حديث قيس الجُذامي عند أحمد (17783) والطبراني في «مسند الشاميين» (204) وأبي نعيم في «معرفة الصحابة» (5722، 5723).
وفي أسانيدهما اختلاف، وأصحّ منهما حديث مكحول موقوفًا عليه عند ابن أبي شيبة (19729، 19815) بإسناد صحيح. وانظر: «علل ابن أبي حاتم» (976) و «الصحيحة» للألباني (3213) و «أنيس الساري» (3/ 1890).
(2)
حديث حسن، وقد سبق تخريجه (ص 90).
العرش، فلما وجدوا طِيبَ مأكلِهم ومشرَبِهم وحُسْنَ مقيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا، لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب، فقال الله: أنا أبلِّغُهم عنكم»، فأنزل الله على رسوله هذه الآيات:{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا} »
(1)
.
وفي «المسند»
(2)
مرفوعًا: «الشهداء على بارقِ نهرٍ بباب الجنة في قبةٍ خضراءَ، يخرج عليهم رزقُهم من الجنة بكرةً وعشيةً» .
وقال: «لا تَجِفُّ الأرض من دم الشهيد حتى يبتدرَه زوجتاه، كأنهما ظِئران أَظَلَّتا
(3)
فصيلَيهما بِبَراحٍ من الأرض، بيد كل واحدة منهما حلَّة خيرٌ من الدنيا وما فيها»
(4)
.
(1)
أخرجه أبو داود (2520) وأبو يعلى (2331) والحاكم (2/ 88) واختاره الضياء (10/ 349) من حديث أبي الزبير عن سعيد بن جُبَير عن ابن عباس مرفوعًا. وإسناده حسن، إلا أن أبا الزبير قد خولف في رفعه، خالفه سالم الأفطس فرواه عن سعيد بن جبير من قوله موقوفًا عليه، أخرجه ابن أبي شيبة (19782).
(2)
برقم (2390)، وأخرجه أيضًا أبن حبان (4658) والحاكم (2/ 74) من حديث ابن عباس بإسناد حسن، واختاره الضياء (13/ 58).
(3)
«ظئران» : الظاء لم تُنقط في الأصول فصار في النسخ المطبوعة: «الطيران» ، ولا يصحّ بحال، فإن «الفصيل» هو ولد الناقة ولا يُطلق على فَرْخ الطائر. والظِّئر: الناقة تعطف على ولد غيرها، و «أظلّتا» هكذا في جميع الأصول، وفي المطبوع:«أضلّتا» ، وفي «المسند»:«أظلَّتا ــ أو قال: أضلَّتا ــ» ، ولكليهما وجه.
(4)
أخرجه أحمد (7955) وابن ماجه (2798) وابن أبي شيبة (19668) من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف.
وفي «المسند»
(1)
والنسائي مرفوعًا: «لأن أُقتلَ في سبيل الله أحبُّ إلي من أن يكون لي المَدَر والوَبَر
(2)
».
وفيهما
(3)
: «ما يجد الشهيدُ من القتل إلا كما يجد أحدُكم مسَّ
(4)
القَرْصة».
وفي «السنن»
(5)
: «يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته» .
وفي «المسند»
(6)
: «أفضل الشهداء الذين إن
(7)
يلقَوا في الصفِّ لا يلتفتون حتى يُقتَلوا، أولئك يتلبَّطُون
(8)
في الغُرَف العُلى من الجنة، ويضحك
(1)
في النسخ المطبوعة: «المستدرك» ، خطأ مخالف للأصول. والحديث أخرجه أحمد في «المسند» (17894) والنسائي (3153) عن ابن أبي عَمِيرة رضي الله عنه بإسناد حسن.
(2)
المطبوع: «أهل المدر والوبر» ، وهو لفظ النسائي، والمثبت من الأصول لفظ «المسند» .
(3)
«مسند أحمد» (7953) و «سنن النسائي» (3161)، وأخرجه أيضًا الترمذي (1668) والدارمي (2452) وابن ماجه (2802) وابن حبان (4655) من حديث أبي هريرة. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب.
(4)
م، ق، ب، ث:«مِن» ، والمثبت هو لفظ «المسند» .
(5)
«سنن أبي داود» (2522)، وأخرجه أيضًا ابن حبان (4660) من حديث أبي الدرداء. وهو صحيح بشواهده، منها ما تقدّم ضمن حديث المقدام بن معديكرب: «إن للشهيد عند الله خصالًا
…
».
(6)
برقم (22476)، وأخرجه أيضًا سعيد بن منصور (2566) وأبو يعلى (6855) والطبراني في «مسند الشاميين» (1167) من حديث نُعَيم بن همَّار بإسناد حسن.
(7)
«إن» سقطت من ص، ز، ج.
(8)
ج: «يتطلّعون» ، تصحيف. ومعنى «يتلبّطون»: يتمرَّغون ويتقلّبون.
إليهم ربُّك، وإذا ضحك ربُّك إلى عبدٍ في الدنيا فلا حساب عليه».
وفيه
(1)
:
«الشهداء ثلاثة
(2)
: رجل مؤمن جيِّدُ الإيمان لقي العدوَّ فصدق الله حتى قُتِل، فذاك الذي يرفع الناس إليه أعناقَهم ــ فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه حتى وقعت قَلَنْسُوَته ــ؛ ورجل مؤمن جيِّدُ الإيمان لقي العدوَّ فكأنَّما يُضرَب جِلده بشَوك الطَّلْح
(3)
أتاه سهم غَرْبٌ فقتله، هو في الدرجة الثانية؛ ورجل جيد الإيمان خلط عملًا صالحًا وآخر سيِّئًا لقي العدوَّ فصدق الله حتى قُتِل، فذاك في الدرجة الثالثة؛ ورجل مؤمن أسرف على نفسه إسرافًا كثيرًا لقي العدو فصدق الله حتى قُتِل، فذاك في الدرجة الرابعة».
(1)
«المسند» (146، 150)، وأخرجه أيضًا الترمذي (1644) والطيالسي (45) وأبو يعلى (252) وغيرهم من طرق (منهم ابن المبارك) عن ابن لهيعة، عن عطاء بن دينار، عن أبي يزيد الخَولاني، عن فَضالة بن عُبيد، عن عمر مرفوعًا.
قال علي بن المديني: «هذا إسناد مصري صالح» ، كما نقله ابن كثير في «تفسيره» (الحديد: 19) وفي «مسند الفاروق» (2/ 295). وقال الترمذي: حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عطاء بن دينار.
(2)
المطبوع: «أربعة» خلافًا للأصول. والحديث ورد في «المسند» في موضعين متقاربين، ولفظ الأول: «الشهداء ثلاثة
…
فذلك في الدرجة الثالثة»، ولفظ الثاني: «الشهداء أربعة
…
» بنحو لفظ الأول مع زيادة الرابع: «ورجل مؤمن أسرف
…
» إلخ. واللفظ المذكور هنا فيه تداخل بين اللفظين، والظاهر أن منشأه من انتقال النظر، إما من المؤلف وإما من ناسخ نسخة «المسند» التي نقل منها المؤلف.
(3)
زاد في الترمذي وغيره: «من الجُبن» . والمعنى أنه اقشعرّ جلده وارتعدت فرائصه من الجبن والفزع عند رؤية العدو حتى كأنما ضُرب جلده بشوك الطلح. انظر: «عارضة الأحوذي» (7/ 145)، و «تحفة الأحوذي» (5/ 226).
وفي «المسند» و «صحيح ابن حبان»
(1)
: «القتل
(2)
ثلاثة: رجل مؤمن جاهَدَ بماله ونفسه في سبيل الله حتى إذا لقي العدو قاتلهم حتى يُقتَل، فذلك الشهيد المُمتَحَن في خيمة الله تحت عرشه، لا يفضله النبيون إلا بدرجة النبوة؛ ورجل مؤمن قَرَف
(3)
على نفسه من الذنوب والخطايا، جاهد بنفسه وماله في سبيل الله، حتى إذا لقي العدوَّ قاتل حتى يُقتَل، فمَصْمَصةٌ
(4)
مَحَتْ
(5)
ذنوبه وخطاياه ــ إنَّ السيف مَحَّاء الخطايا ــ وأُدخل من أيِّ أبواب الجنة شاء، فإن لها ثمانيةَ أبواب ــ ولجهنَّمَ سبعةُ أبواب ــ وبعضها أفضل من بعض؛ ورجل منافق جاهد بنفسه وماله حتى إذا لقي العدوَّ قاتل في سبيل الله حتى يُقتل، فإن ذلك في النار، إن السيف لا يمحو النفاق».
وصحَّ عنه: «لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبدًا»
(6)
.
وسُئل أي الجهاد أفضل؟ فقال: «من جاهد المشركين بماله ونفسه» ،
(1)
«المسند» (17657) وابن حبان (4663)، وأخرجه أيضًا الطيالسي (1363) والدارمي (2455) من حديث عُتبة بن عبد السُّلمي. ورواته ثقات كما قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (5/ 294) والحافظ في «بذل الماعون» (ص 194).
(2)
ن، والنسخ المطبوعة:«القتلى» ، وهو لفظ ابن حبان. والمثبت من عامَّة الأصول لفظ أحمد.
(3)
ن، ص، ز، ج، ع، النسخ المطبوعة:«فَرِق» ، تصحيف.
(4)
أي الشهادة غَسْلَةٌ له، وأصل المصمصة: صبُّ الماء في الإناء ثم خضخضته حتى يطهر ثم إراقته، ومصمصة الفم كالمضمضة. وفي المطبوع:«فتلك مُمَصْمِصة» خلافًا للأصول وللمسند.
(5)
م، ق، ب:«تحتُّ» ، تصحيف.
(6)
أخرجه مسلم (1891/ 130) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
قيل: فأي القتل أشرف؟ قال: «من أُهرِيقَ دمُه وعُقِر جوادُه»
(1)
.
وفي «سنن ابن ماجه»
(2)
: «إن من أعظم الجهاد كلمةَ عدلٍ عند سلطان جائر» . وهو لأحمد والنسائي مرسلًا
(3)
.
وصحّ عنه أنه لا تزالُ طائفة من أمته يُقاتِلون على الحق لا يضرُّهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة
(4)
. وفي لفظ: «حتى يُقاتِلَ آخرُهم المسيحَ الدجال»
(5)
.
(1)
أخرجه أحمد (15401) وأبو داود (1449) والنسائي (2526) والدارمي (1464) من حديث عبيد بن عمير عن عبد الله بن حُبْشي الخثعمي رضي الله عنه. وظاهر إسناده أنه حسن وقد اختاره الضياء (9/ 236)، ولكن قد اختلف في إسناده على عبيد بن عمير وصلًا وإرسالًا. انظر:«العلل» لابن أبي حاتم (1941).
(2)
برقم (4011) من حديث عطيّة العوفي عن أبي سعيد الخدري بنحوه. وأخرجه أيضًا الترمذي (2174) ــ واللفظ المذكور له ــ وأبو داود (4344) وغيرهما. قال الترمذي: «حسن غريب من هذا الوجه» . قلتُ: إسناده ضعيف لضعف العوفي، ولكن له متابعات وشواهد تعضده. انظر:«الصحيحة» للألباني (491).
(3)
أخرجه أحمد (18828) والنسائي (4209) بإسناد صحيح عن طارق بن شهاب مرسلًا، وإرساله لا يضرّ إن شاء الله، فإن طارق بن شهاب رأى النبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يسمع منه، فروايته مرسل صحابي، وقد اختار الضياء حديثه هذا (8/ 110). وانظر:«المراسيل» لابن أبي حاتم (ص 98).
(4)
أخرجه مسلم (1923 - 1924) بنحوه من حديث جابر ومعاوية وعقبة رضي الله عنهم. وحديث معاوية أخرجه البخاري (71، 3116، 3641، 7460) أيضًا ولكن دون ذكر القتال.
(5)
أخرجه أحمد (19920) وأبو داود (2484) والحاكم (2/ 71) من حديث عمران بن حُصين رضي الله عنهما بإسناد صحيح.
فصل
وكان صلى الله عليه وسلم يبايع أصحابه في الحرب على أن لا يفرُّوا، وربما بايعهم على الموت، وبايعهم على الجهاد، كما بايعهم على الإسلام، وبايعهم على الهجرة قبل الفتح، وبايعهم على التوحيد والتزام طاعة الله ورسوله.
وبايع نفرًا من أصحابه أن لا يسألوا الناس شيئًا، فكان السوط يسقط من يد أحدهم فينزل يأخذه ولا يقول لأحد: ناولني إياه
(1)
.
وكان يشاور أصحابه في أمر الجهاد ولقاء العدو وتخيُّرِ المنازل، وفي «المسند»
(2)
عن أبي هريرة: «ما رأيت أحدًا أكثر مشورةً لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم» .
وكان يتخلَّف في ساقتهم في المسير فيُزجي الضعيفَ ويُردف المنقطعَ
(3)
، وكان أرفق الناس بهم في السير.
وكان إذا أراد غزوةً ورى بغيرها
(4)
؛ فيقول مثلًا إذا أراد غزوة خيبر: كيف طريق نجدٍ ومياهُها؟ ومَن بها من العدو؟ ونحو ذلك.
(1)
كما في حديث عوف بن مالك الأشجعي عند مسلم (1043).
(2)
النسخ المطبوعة: «المستدرك» ، خطأ مخالف للأصول. والحديث في «المسند» (18928) ضمن خبر غزوة الحديبية الطويل الذي رواه الزهري عن عروة عن عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، ففي أثنائه قال الزهري: وكان أبو هريرة يقول (فذكره). قال الحافظ في «الفتح» (13/ 340): رجاله ثقات إلا أنه منقطع.
(3)
كما في حديث جابر عند أبي داود (2639) والحاكم (2/ 115). وقوله: «يُزجي الضعيف» أي: يسوق ويدفع المركوب الضعيف ليُلحقه بالرِّفاق.
(4)
أخرجه البخاري (2947) ومسلم (2769/ 54) من حديث كعب بن مالك.
وكان يقول: «الحرب خَدعة»
(1)
.
وكان يبعث العيون يأتونه بخبر عدوِّه، ويُطْلِع الطلائع، ويبثُّ الحرس.
وكان إذا لقي عدوَّه وقف ودعا واستنصر الله، وأكثرَ هو وأصحابُه من ذكر الله، وخفضوا أصواتهم
(2)
.
وكان يُرتِّب الجيش
(3)
والمقاتِلةَ، ويجعل
(4)
في كل
(5)
جنبةٍ كفؤًا لها، وكان يبارَز بين يديه بأمره.
وكان يلبس للحرب عُدَّته، وربما ظاهَر بين دِرعين، وكان له الألوية والرايات.
وكان إذا ظهر على قوم أقام بِعَرْصَتهم ثلاثًا ثم قفل
(6)
.
وكان إذا أراد أن يُغِير انتظر، فإن سمع في الحيِّ مؤذنًا لم يُغِرْ، وإلا أغار
(7)
. وكان ربما بيَّتَ
(8)
عدوَّه، وربما فاجأهم نهارًا.
(1)
أخرجه البخاري (3028، 3030) ومسلم (1740، 1739) من حديث أبي هريرة وحديث جابر رضي الله عنهما.
(2)
أخرج ابن أبي شيبة (34102) بإسناد صحيح عن قيس بن عبَّاد ــ وهو مخضرم من كبار التابعين ــ أنه قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يستحبون خفض الصوت عند ثلاث: عند القتال، وعند القرآن، وعند الجنائز.
(3)
ص، ز، ج، ع، ن:«ورتَّبوا الجيش» معطوفًا على «خفضوا» .
(4)
ص، ز، ج، ع، ن:«جعل» .
(5)
«كل» سقط من م، ق، ب.
(6)
أخرجه البخاري (3065) من حديث أنس. والعرصة: الساحة.
(7)
أخرجه البخاري (610) ومسلم (382) من حديث أنس.
(8)
ص، ز، ج، ن:«يبيِّت» . والتبييت: الإغارة ليلًا.
وكان يحب الخروج يوم الخميس بكرة النهار
(1)
.
وكان العسكر إذا نزل انضمَّ بعضهم
(2)
إلى بعضٍ حتى لو بُسط عليهم كساءٌ لعمَّهم
(3)
.
وكان يرتب الصفوف ويُعَبِّيْهم عند القتال بيده، ويقول:«تقدم يا فلان، تأخر يا فلان»
(4)
.
وكان يستحب للرجل منهم أن يقاتِل تحت راية قومه
(5)
.
وكان إذا لقي العدوَّ يقول: «اللهم مُنْزِلَ الكتاب، ومُجريَ السحاب، وهازم الأحزاب، اهزِمْهم وانصرنا عليهم»
(6)
. وربما قال: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} [القمر: 45 - 46]
(7)
.
(1)
تحرّيه صلى الله عليه وسلم للسفر يوم الخميس أخرجه البخاري (2949) من حديث كعب بن مالك. وأخرج أحمد (15443) وأبو داود (2606) والترمذي وحسّنه (1212) من حديث صخر الغامدي قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية أو جيشًا بعثهم أول النهار.
(2)
ق، ن، المطبوع:«بعضه» .
(3)
كما في حديث أبي ثعلبة الخُشني عند أحمد (17736) وأبي داود (2628) وابن حبان (2690) والحاكم (2/ 115).
(4)
انظر: «مغازي الواقدي» (1/ 221).
(5)
أخرجه أحمد (18316) وأبو يعلى (1641) والحاكم (2/ 106) من حديث عمَّار بن ياسر بإسناد ضعيف. ولكن يشهد له ما استفاض في السير والمغازي من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجعل للمهاجرين راية وللأنصار راية في بعض غزواته.
(6)
أخرجه البخاري (2966) ومسلم (1742) من حديث ابن أبي أوفى.
(7)
قاله يوم بدر كما في حديث ابن عبّاس عند البخاري (2915).
وكان يقول: «اللهم أنزل نصرَك»
(1)
، وكان يقول:«اللهم أنت عَضُدي وأنت نصيري، وبك أقاتل»
(2)
.
وكان إذا اشتد البأس وحمي الحربُ وقصَدَه العدوُّ يُعْلِم بنفسه ويقول:
أنا النبي لا كذب
…
أنا ابن عبد المطلب
(3)
وكان البأس إذا اشتد اتَّقَوا به صلى الله عليه وسلم وكان أقربَهم إلى العدو
(4)
.
وكان يجعل لأصحابه شعارًا في الحرب يُعرَفون به إذا تكلموا، وكان شعارهم مرةً:«أَمِتْ أَمِتْ» ، ومرةً:«يا منصور» ، ومرةً:«حم لا ينصرون»
(5)
.
وكان يلبس الدِّرْع والخُوذة ويتقلد السَّيف، ويحمل الرُّمحَ والقوس
(1)
أخرجه مسلم (1776/ 79) من حديث البراء في غزوة حُنين.
(2)
أخرجه أحمد (12909) وأبو داود (2632) والترمذي (3584) وابن حبان (4761) من حديث أنس.
(3)
أخرجه البخاري (3042) ومسلم (1776) من حديث البراء في غزوة حُنين.
(4)
أخرجه مسلم (1776/ 79) من حديث البراء في غزوة حُنين.
(5)
الأول كان شعارًا للمسلمين في سريّة بعثها النبي صلى الله عليه وسلم إلى هوازن، كما في حديث سلمة بن الأكوع بإسناد صحيح عند أحمد (16498) وأبي داود (2596) وابن حبان (4744) وغيرهم. وروي أنه كان شعارًا في غزوة أحد أيضًا، كما سيأتي في موضعه (ص 229).
والثاني كان شعارًا للمسلمين في غزوة المريسيع مضافًا إليه الشعار الأول. انظر: «مغازي الواقدي» (1/ 407) و «المعجم الكبير» (7/ 101) و «الأوسط» (6015) كلاهما للطبراني.
والثالث كان شعارًا في غزاة الخندق، كما سيأتي في خبرها (ص 319).
العربية، وكان يُتَرِّس
(1)
بالترس.
وكان يحبُّ الخُيَلاء في الحرب، وقال: «إن منها ما يحبه الله، ومنها ما يُبغِض؛ فأما الخيلاء التي يحبُّ
(2)
اللهُ فاختيالُ الرجل نفسَه عند اللقاء واختيالُه عند الصدقة، وأما التي يبغض الله عز وجل فاختياله في البغي والفخر
(3)
»
(4)
.
وقاتل مرةً بالمَنْجَنيق نصبه على أهل الطائف
(5)
.
وكان ينهى عن قتل النساء والوِلدان
(6)
، وكان ينظر في المقاتِلة فمن رآه أنبت قَتَله، ومن لم ينبت استحياه
(7)
.
وكان إذا بعث سريةً يُوصيهم بتقوى الله ويقول: «سيروا بسم الله وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، ولا تمثِّلُوا ولا تَغدِروا، ولا تقتلوا وليدًا»
(8)
.
وكان ينهى عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو
(9)
.
(1)
م، ق، ب، المطبوع:«يتترَّسُ» ، وهما بمعنى.
(2)
م، ق، ب، ث:«يحبُّها» . والمثبت هو لفظ عامّة مصادر التخريج.
(3)
م، ق، ب، ث، هامش ز:«والفجور» ، والمثبت موافق لمصادر التخريج.
(4)
أخرجه أحمد (23747، 23752) وأبو داود (2659) والنسائي (2558) وابن حبان (295) من حديث جابر بن عتيك رضي الله عنه.
(5)
في ثبوته نظر، كما سيأتي في موضعه (ص 620).
(6)
أخرجه البخاري (3014) ومسلم (1744) من حديث ابن عمر.
(7)
كما سيأتي في حكم بني قريظة لمّا غدروا.
(8)
أخرجه مسلم (1731) من حديث بريدة.
(9)
أخرجه البخاري (2990) ومسلم (1869) من حديث ابن عمر.
وكان يأمر أمير سريَّته أن يدعو عدوَّه قبلَ القتال، إما إلى الإسلام والهجرة، أو للإسلام
(1)
دون الهجرة ويكونوا كأعراب المسلمين ليس لهم في الفيء نصيب، أو بذل الجزية؛ فأيّها
(2)
أجابوا إليه قُبِل منهم، وإلا استعان بالله وقاتلهم
(3)
.
وكان إذا ظفر بعدوِّه أمر مناديًا فجمع الغنائم كلَّها، فبدأ بالأسلاب فأعطاها لأهلها
(4)
، ثم أخرج خُمس الباقي فوضعه حيث أراه الله وأمره به من مصالح الإسلام، ثم يرضخ من الباقي لمن لا سهم له من النساء والصبيان والعبيد
(5)
، ثم قسم الباقي بالسويَّة بين الجيش، للفارس ثلاثةُ أسهم: سهم له وسهمان لفرسه، وللرَّاجِل سهم
(6)
، هذا هو الصحيح الثَّبْت
(7)
عنه.
(1)
م، ب:«الإسلام» ، وهو محتمل في ق.
(2)
ز، ن، المطبوع:«فإنْ هم» . ص، ج، ع:«فأيّهم» . ب: «فأيما» . والمثبت من ق، م.
(3)
جاء ذلك في حديث بريدة عند مسلم (1731)، وقد سبق جزء منه آنفًا.
(4)
وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل قتيلًا له عليه بينة فله سَلَبه» . أخرجه البخاري (3142) ومسلم (1751) من حديث أبي قتادة. وأخرج أبو داود (2721) من حديث عوف بن مالك وخالد بن والوليد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالسَّلَب للقاتل ولم يُخمِّس السلب. وفي الباب أحاديث أخرى.
(5)
انظر: حديث ابن عباس عند مسلم (1812)، وحديث عُمير مولى آبي اللحم عند أبي داود (2730) والترمذي (1557).
(6)
أخرجه البخاري (2863، 4228) ومسلم (1762) وأبو داود (2733) والترمذي (1554) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
(7)
ز، ع، طبعة الرسالة:«الثابت» . ج، ن، الطبعة الهندية:«المثبت» .
وكان يُنفِّل مِن صُلب الغنيمة بحسب ما يراه من المصلحة. وقيل: بل كان النفل من الخُمس. وقيل ــ وهو أضعف الأقوال ــ: بل كان من خمس الخمس.
وجمع لسلمة بن الأكوَع في بعض مغازيه بين سهم الراجل والفارس فأعطاه خمسة أسهم
(1)
لعظم غَنائه في تلك الغزوة
(2)
.
وكان يُسوِّي بين الضعيفِ والقويِّ في القسمة ما عدا النفل
(3)
.
وكان إذا أغار في أرض العدوِّ بعث سريَّةً بين يديه، فما غنِمت أخرج خُمسه، ونفَّلها ربعَ الباقي، وقسم الباقي بينها وبين سائر الجيش، وإذا رجع فعل ذلك ونفَّلها الثُّلُث، ومع ذلك فكان يكره النَّفْل ويقول:«ليَرُدَّ قويُّ المؤمنين على ضعيفهم»
(4)
.
وكان له صلى الله عليه وسلم سهم من الغنيمة يُدعى «الصَّفِيَّ» إن شاء عبدًا وإن شاء أمةً
(5)
وإن شاء فرسًا، يختاره قبلَ الخمس
(6)
.
(1)
كذا في جميع الأصول. والظاهر أنه وهم، والصواب:«أربعة أسهم» كما في المطبوع بلا تنبيه، لأن الراجل له سهم والفارس له ثلاثة أسهم كما سبق آنفًا.
(2)
وهي غزوة ذي قَرَد التي استنقذ فيها سلمةُ لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم من يد المشركين وحدَه. قال سلمة ــ كما عند مسلم (1807) ــ: «أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمين: سهمَ الفارس وسهمَ الراجل، فجمعهما لي جميعًا» .
(3)
انظر: حديث سعد بن أبي وقاص عند أحمد (1493) والبخاري (2896).
(4)
أخرجه أحمد (22762) والترمذي (1561) والدارمي (2529) وابن حبان (4855) من حديث عُبادة بن الصامت. وقال الترمذي: حديث حسن.
(5)
«وإن شاء أمة» سقط من م، ق، ب، ث.
(6)
هذا نصُّ مُرسَل عامر بن شراحيل الشعبي، أخرجه أبو داود (2991) بإسناد صحيح.
قالت: عائشة: «وكانت صفيةُ من الصفي» ، رواه أبو داود
(1)
.
ولهذا في كتابه إلى بني زُهَير بن أُقَيش: «إنكم إن شهدتم أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وأدَّيتم الخمس من المغنم وسهمَ النبي صلى الله عليه وسلم وسهمَ الصفيِّ= أنتم آمنون بأمان الله ورسوله»
(2)
.
وكان سيفه ذو الفقار من الصفي
(3)
.
وكان يُسهِم لمن غاب لمصلحة المسلمين، كما أسهم لعثمان سهمَه من بدرٍ ولم يحضرها، لمكان تمريضه لامرأته ابنةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:«إن عثمان انطلق في حاجة الله وحاجة رسوله» ، فضرب له بسهمه وأجره
(4)
.
وكانوا يشترون معه في الغزو ويبيعون، وهو يراهم ولا ينهاهم، وأخبره رجل أنه ربح ربحًا لم يربح مثلَه أحدٌ، فقال:«وما هو؟» قال: ما زلت أبيع وأبتاع حتى ربحت ثلاثمائة أوقية، فقال:«أنا أنبئك بخير رجل ربحًا» ، قال:
(1)
برقم (2994)، وأخرجه أيضًا ابن حبان (4822) والحاكم (2/ 128).
(2)
أخرجه أحمد (20737، 20740) وأبو داود (2999) والنسائي (4146) وابن حبان (6557) بإسناد صحيح عن أعرابي من بني زُهَير بن أُقَيش الذي كتب له النبي صلى الله عليه وسلم هذا الكتاب. وقيل: هو النَّمِر بن تَولَب بن زُهير بن أقيش، الشاعر المعروف.
(3)
وذلك من غنائم بدر. أخرجه أحمد (2445) والترمذي عقب الحديث (1561) وابن ماجه (2808) والحاكم (2/ 129) من حديث ابن عبّاس. وانظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (33983).
(4)
أخرجه أبو داود (2726) والطبراني في «الأوسط» (8494) من حديث ابن عمر بإسناد حسن، وهو في البخاري (3130، 3698) دون قوله: «إن عثمان انطلق في حاجة الله وحاجة رسوله»
ما هو يا رسول الله؟ قال: «ركعتين بعد الصلاة»
(1)
.
وكانوا يستأجرون الأُجَراء للغزو على نوعين:
أحدهما: أن يَخرج الرجلُ ويستأجر من يخدمه في سفره.
والثاني: أن يستأجر من ماله مَن يخرج في الجهاد ويسمُّون ذلك الجعائل. وفيها قال: النبي صلى الله عليه وسلم: «للغازي أجرُه، وللجاعل أجره وأجرُ الغازي»
(2)
.
وكانوا يتشاركون في الغنيمة على نوعين أيضًا:
أحدهما: شركة الأبدان.
والثاني: أن يدفع الرجل بعيرَه إلى الرجل أو فرسَه يغزو عليه على النصف مما يغنم، حتى ربَّما اقتسما السهم فأصاب أحدُهما قِدْحَه والآخرُ نَصْلَه ورِيشَه.
وقال ابن مسعود: اشتركت أنا وعمَّار وسعد فيما نصيب يوم بدرٍ، فجاء سعد بأسيرَين، ولم أجئ أنا وعمَّار بشيء
(3)
.
(1)
أخرجه أبو داود (2785) عن عبيد الله بن سلمان عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. وإسناده ضعيف لجهالة عبيد الله بن سلمان.
(2)
أخرجه أحمد (6624) وأبو داود (2526) وأبو عوانة في «مستخرجه» (7994) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص بإسناد صحيح.
(3)
أخرجه أبو داود (3388) والنسائي (3937) وابن ماجه (2288) من حديث أبي عُبيدة ــ وهو ابن عبد الله بن مسعود ــ عن أبيه. والحديث حسن، فإن أبا عُبيدة ــ وإن لم يسمع من أبيه ــ كان عالمًا بحديث أبيه وصحَّتها ولم يأت فيها بحديث منكر، ولذا استجاز أهل العلم إدخاله في الحديث المسند المتصل. انظر:«شرح علل الترمذي» لابن رجب (1/ 298) و «فتاوى شيخ الإسلام» (6/ 404).
وكان يبعث السريَّة فرسانًا تارةً، ورَجَّالةً أخرى، وكان لا يُسهم لمن قَدِم من المدد بعد الفتح.
فصل
وكان يعطي سهم ذي القربى في بني هاشم وبني المطلب دون إخوتهم من بني عبد شمس وبني نوفل، وقال:«إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد» وشبَّك بين أصابعه، وقال:«إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام»
(1)
.
فصل
وكان المسلمون يصيبون معه في مغازيهم العسلَ والعنب والطعام فيأكلونه ولا يرفعونه في المغانم؛ قال ابن عمر: «إن جيشًا غنموا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم طعامًا وعسلًا فلم يؤخذ منهم الخمس» ، ذكره أبو داود
(2)
.
وتفرَّد عبد الله بن مُغَفَّلٍ يومَ خيبرَ بجِرابِ شحمٍ وقال: «لا أعطي اليوم أحدًا من هذا شيئًا» ، فسمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فتبسَّم ولم يقل له شيئًا
(3)
.
(1)
أخرجه أحمد (16741) وأبو داود (2980) والنسائي (4137) وأبو يعلى (7399) والبيهقي في «السنن الكبرى» (6/ 341) و «دلائل النبوة» (4/ 240) من حديث جُبير بن مُطعِم بإسناد حسن. وهو عند البخاري (3140) دون ذكر التشبيك ودون قوله: «إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام» .
(2)
برقم (2701)، وأخرجه أيضًا ابن حبان (4825)، من طريقين عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر. وقد أُعلَّ بالإرسال كما في «العلل» للدارقطني (2760). ولكن قد صحَّ عند البخاري (3154) من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر أنه قال:«كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب فنأكله ولا نرفعه» .
(3)
أخرجه مسلم (1772/ 72) وأبو داود (2702) والنسائي (4435). وهو عند البخاري (3153) ومسلم (1772/ 73) من وجه آخر ظاهره أنه استحيى من النبي صلى الله عليه وسلم فلم يأخذ الجِراب.
وقيل لابن أبي أوفى: هل كنتم تخمِّسون الطعام في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: «أصبنا طعامًا يوم خيبر فكان الرجلُ يجيء فيأخذ منه مقدار ما يكفيه ثم ينصرف»
(1)
.
وقال بعض الصحابة: «كنا نأكل الجوز
(2)
في الغزو ولا نَقْسِمه، حتى إن كنا لنرجعُ إلى رِحالنا وأخرِجَتُنا
(3)
منه مملوءة
(4)
.
فصل
وكان ينهى في مغازيه عن النُّهبة والمُثلة وقال: «من انتهب نهبةً فليس منا»
(5)
.
(1)
أخرجه أحمد (19124) وأبو داود (2704) ــ واللفظ له ــ والحاكم (2/ 126، 133) والبيهقي (9/ 60) بإسناد صحيح.
(2)
كذا في جميع الأصول، وفي ع كُتب عليه:«كذا» وفي الهامش: «لعله: الجَزَر» . قلتُ: وهو الذي في جميع مصادر التخريج.
(3)
م، ق، ب، ث، هامش ز، طبعة الرسالة:«وأجرِبَتنا» ، والمثبت من سائر الأصول والطبعة الهندية موافق لمصادر التخريج. والأَخرِجة جمع الخُرْج، وهو وعاء مثل الجُوالِق.
(4)
أخرجه سعيد بن منصور (2739)، وعنه أبو داود (2706)، ثم من طريقه البيهقي في «السنن الكبرى» (9/ 61)، وإسناده ضعيف كما قال البيهقي وابن القطّان وغيرهما. انظر:«معرفة السنن والآثار» (13/ 189) و «بيان الوهم» (2/ 593).
(5)
أخرجه أحمد (20619) من حديث عبد الرحمن بن سمرة بإسناد جيّد. وأخرجه هو (14351) وأبو داود (4391) وابن حبان (4456) من حديث أبي الزبير عن جابر. روي أيضًا من حديث أنس، وعمران بن حصين، وابن عباس؛ إلا أن في أسانيدها مقالًا. انظر:«أنيس الساري» (3540).
وأمر بالقدور التي طبخت من النُّهبى فأُكفئت
(1)
.
وذكر أبو داود
(2)
عن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فأصاب الناس حاجة شديدة وجَهد، وأصابوا غنمًا فانتهبوها، فإن قدورنا لتغلي إذ جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي على قوسه فأكفأ قدورنا بقوسه، ثم جعل يرمّل اللحم بالتراب ثم قال:«إن النُّهبة ليست بأحلَّ من الميتة» أو: «إن الميتة ليست بأحلَّ من النهبة» .
وكان ينهى أن يركب الرجل دابةً من الفيء حتى إذا أعجفها ردَّها فيه، وأن يلبس ثوبًا من الفيء حتى إذا أخلقه ردَّه فيه
(3)
؛ ولم يمنع من الانتفاع به حال الحرب.
فصل
وكان يشدد في الغلول جدًّا ويقول: «هو عار ونار وشَنار على أهله يوم القيامة»
(4)
.
(1)
كما في حديث رافع بن خَدِيج عند البخاري (2488) ومسلم (1968). وأصرح منه حديث ثعلبة بن الحكم عند ابن ماجه (3938) والحاكم (2/ 134) وغيرهما بإسناد حسن، وكذا الحديثُ الآتي.
(2)
برقم (2705)، وأخرجه أيضًا سعيد بن منصور (2636) وابن أبي شيبة (22762)، وإسناده جيّد.
(3)
أخرجه أحمد (16997) وأبو داود (2708) والدارمي (2531) وابن حبان (4850) والطبراني في «الكبير» (5/ 26، 27) من حديث رويفع بن ثابت الأنصاري بإسناد جيّد. وقد صحَّح الحديث ابن الملقن في «البدر المنير» (9/ 137) وحسَّنه الحافظ في «الفتح» (6/ 256).
(4)
أخرجه أحمد (6729) والنسائي (3688) ومالك (1319) وعبد الرزاق (9498) وسعيد بن منصور (2754) وابن أبي شيبة (38117) والطبراني في «الأوسط» (1864، 7376) والبيهقي في «السنن» (6/ 336، 7/ 17) من طرق عن عمرو بن شعيب، بعضها عنه عن أبيه عن جدّه مسندًا، وبعضها عنه مرسلًا، والمرسل أشبه. ولكن له شاهد من حديث عُبادة بن الصامت عند أحمد (22699، 22714) وابن ماجه (2850) وابن حبان (4855) والحاكم (3/ 49) من طرق يقوي بعضها بعضًا. وآخر من حديث العِرباض بن سارية عند أحمد (17154) بإسناد لا بأس به.
ولمّا أُصيب غلامُه مِدْعَم قال بعض الصحابة
(1)
: هنيئًا له الجنة، فقال:«كلَّا، والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبرَ من المغانم لم تُصِبْها المقاسمُ لتشتعل عليه نارًا» ، فجاء رجل بشِراك أو شِراكين لما سمع ذلك فقال:«شراك ــ أو: شراكان ــ من نار»
(2)
.
وقال أبو هريرة: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الغلول فعظَّمَه وعظَّم أمره فقال: «لا أُلفِيَنَّ أحدَكم يوم القيامة على رقبته شاة لها ثُغاء، على رقبته فرس له حَمحَمة، يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتُك؛ على رقبته صامت فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك؛ على رقبته رِقاع تَخفِق فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد أبلغتك»
(3)
.
وقال لمن كان على ثَقَله وقد مات: «هو في النار» ، فذهبوا ينظرون
(1)
ج، ن، المطبوع:«قالوا» مكان «قال بعض الصحابة» .
(2)
أخرجه البخاري (4234) ومسلم (115) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3)
أخرجه البخاري (3073) ومسلم (1831)، واللفظ للبخاري. والصامت من المال هو الذهب والفضة، والرقاع هي الثياب.
فوجدوا عَباءةً قد غلَّها
(1)
.
وقالوا في بعض غزواتهم: فلان شهيد، وفلان شهيد، حتى مروا على رجل فقالوا: وفلان شهيد، فقال:«كلَّا، إني رأيته في النار في بردةٍ غلَّها ــ أو: عباءة ــ» ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«يا ابنَ الخطاب اذهبْ فنادِ في الناس: إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون»
(2)
.
وتوفِّي رجل يومَ خيبرَ فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «صلُّوا على صاحبكم» ، فتغيرت وجوه الناس لذلك، فقال: «إن صاحبكم غلَّ في سبيل الله شيئًا
(3)
»، ففتَّشُوا متاعَه فوجدوا خَرَزًا من خرز يهود لا يساوي درهمين
(4)
.
وكان إذا أصاب غنيمةً أمر بلالًا فنادى في الناس فيجيئون بغنائمهم، فيُخمِّسها ويَقْسِمها
(5)
، فجاء رجل بعد ذلك بزمام من شعر فقال:«سمعتَ بلالًا نادى ثلاثًا؟» قال: نعم، قال:«فما منعك أن تجيء به؟» فاعتذر، فقال:
(1)
أخرجه البخاري (3074) من حديث عبد الله بن عمرو. قوله: «كان على ثَقَله» أي كان مأمونًا على حفظ أمتعة النبي صلى الله عليه وسلم في السفر.
(2)
أخرجه مسلم (114) من حديث ابن عباس عن عمر.
(3)
«شيئًا» مكانه بياض في م، وسقط من ق، ب، ث.
(4)
أخرجه أحمد (17031) وأبو داود (2710) والنسائي (1959) وابن ماجه (2848) وابن حبان (4853) والحاكم (1/ 364) من حديث أبي عمرة عن زيد بن خالد الجُهَني رضي الله عنه. وقد ضعّف الألباني إسنادَه لجهالة حال أبي عمرة الجهني، ولكن يقوِّي أمرَه قول الحاكم عقب الحديث: أبو عمرة هذا رجل من جهينة معروف بالصدق، وعليه فالإسناد محتمل للتحسين. انظر:«إرواء الغليل» (726).
(5)
ص، ز، ج، ع، ن:«فيخمسه ويقسمه» وهو لفظ أبي داود، ثم أُصلح في ز، ع إلى المثبت، وهو لفظ ابن حبان وغيره.
«كن أنت تجيء به يوم القيامة، فلن أقبَلَه عنك»
(1)
.
فصل
وأمر بتحريق متاع الغالِّ وضَرْبِه
(2)
، وحرَّقه الخليفتان الراشدان بعده
(3)
.
فقيل: هذا منسوخ بسائر الأحاديث التي ذكرت، فإنه لم يجئ التحريقُ في شيءٍ منها.
وقيل ــ وهو الصواب ــ: إن هذا من باب التعزير والعقوباتِ المالية الراجعة إلى اجتهاد الأئمة بحسب المصلحة، فإنه حرَّق وترك، وكذلك خلفاؤه من بعده.
(1)
أخرجه أحمد (6996) وأبو داود (2712) وابن حبان (4809) والحاكم (2/ 127) من حديث عبد الله بن عمرو بإسناد حسن.
(2)
جاء ذلك عند أبي داود (2713) والترمذي (1461) والحاكم (2/ 128) وغيرهم من حديث سالم بن محمد بن زائدة، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب. وإسناده ضعيف؛ قال الترمذي: «هذا الحديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه
…
وسألت محمدًا (أي البخاري) عن هذا الحديث، فقال: إنما روى هذا صالح بن محمد بن زائدة، وهو أبو واقد الليثي، وهو منكر الحديث. قال محمد: وقد روي غيرُ حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في الغال ولم يأمر فيه بحرق متاعه». وانظر: «العلل الكبير» للترمذي (ص 237) و «سنن أبي داود» (2714) و «العلل» للدارقطني (103) و «الأباطيل والمناكير» للجورقاني (2/ 247).
(3)
أخرجه أبو داود (2715) والحاكم (2/ 131) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه، إلا أن إسناده إلى عمرو ضعيف. وعقَّبه أبو داود بروايته عن عمرو بن شعيب موقوفًا عليه من قوله، وهو أشبه. وكذا أخرجه ابن أبي شيبة (29279) من طريق آخر عن عمرو بن شعيب موقوفًا عليه، قال في آخره:«وبلغني أن أبا بكر وعمر كانا يفعلانه» . وانظر: «ضعيف سنن أبي داود - الأم» للألباني (2/ 350).