المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصلفي الإشارة إلى بعض ما تضمنته هذه الغزوة من الفقه والفوائد - زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم - جـ ٣

[ابن القيم]

فهرس الكتاب

- ‌فصلفي هديه في الجهاد والغزوات

- ‌فصلفي مبدأ الهجرة التي فرق الله فيها بين أوليائه وأعدائه

- ‌فصلفي بناء المسجد

- ‌فصلفي هديه في الأسارى

- ‌فصلفي هديه فيمن جسَّ عليه

- ‌ أنَّ من أسلم على شيءٍ في يده فهو له

- ‌فصلفي هديه في الأرض المغنومة

- ‌فصلفي ترتيب سياق هديه مع الكفار والمنافقينمن حين بُعث(3)إلى حين لقي الله عز وجل

- ‌فصلفي سياق مغازيه وبعوثه على وجه الاختصار

- ‌فصلفي قتل كعب بن الأشرف

- ‌فصلفي غزوة أحد

- ‌فصلفيما اشتملت عليه هذه الغزاة من الأحكام والفقه

- ‌فصلفي ذكر بعض الحكم والغايات المحمودة التي كانت في وقعة أُحُد

- ‌فصلفي غزوة دُومة الجندل

- ‌ سنة خمس

- ‌فصلفي غزوة المُرَيسِيع

- ‌فصلفي غزوة الخندق

- ‌فصلفي سريّة نجد

- ‌فصلفي غزوة الغابة

- ‌ سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القَصَّة

- ‌ سرية زيد بن حارثة إلى الطَّرَف

- ‌ سريةُ عبد الرحمن بن عوف إلى دُومة الجندل

- ‌فصلفي قصة الحديبية

- ‌فصلفي بعض ما في قصة الحديبية من الفوائد الفقهية

- ‌فصلفي الإشارة إلى بعض الحكم التي تضمنتها هذه الهدنة

- ‌فصلفي غزوة خيبر

- ‌فصلفيما كان في غزوة خيبر من الأحكام الفقهية

- ‌ جواز إجلاء أهل الذمة من دار الإسلام إذا استُغني عنهم

- ‌ جواز عتق الرجل أمتَه وجعلِ عتقها صداقًا لها

- ‌فصلفي فقه هذه القصة

- ‌ سرية أبي بكر الصديق إلى نجد قِبَلَ بني فزارة

- ‌ سرية بَشير بن سعد الأنصاري إلى بني مُرَّة بفَدَكٍ

- ‌فصلفي سرية عبد الله بن حُذافة السَّهمي

- ‌فصلفي عمرة القضية

- ‌فصلفي غزوة مؤتة

- ‌ سنة ثمان

- ‌فصلفي غزوة ذات السُّلاسل

- ‌فصلفي سرية الخَبَط

- ‌فصلفي فقه هذه القصة

- ‌ جواز أكل ميتة البحر

- ‌فصلفي الفتح الأعظم الذي أعز الله به دينه ورسوله وجنده وحَرَمه الأمينواستنقذ به بلده وبيته الذي جعله هدًى للعالمين من أيدي الكفار والمشركين

- ‌ذكر سرية خالد بن الوليد إلى بني جَذِيمة

- ‌فصلفي الإشارة إلى ما في هذه الغزوة من الفقه واللطائف

- ‌فصلفيما في خطبته العظيمة ثاني يوم الفتح من أنواع العلم

- ‌«إن مكة حرَّمها الله ولم يحرمها الناس»

- ‌«فلا يحل لأحد أن يسفك بها دمًا»

- ‌فصلفي غزاة حنين

- ‌فصلفي الإشارة إلى بعض ما تضمنته هذه الغزوة من المسائل الفقهيةوالنكت الحُكمية

- ‌ جواز انتظار الإمام بقَسْم الغنائمِ إسلامَ الكفار

- ‌فصلفي غزوة الطائف في شوال سنة ثمان

- ‌ سنةُ تسعٍ

- ‌فصلفي السرايا والبعوث في سنة تسع

- ‌ذكر سرية عيينة بن حصن الفزاري إلى بني تميم

- ‌فصلذكر سرية قُطبة بن عامر بن حَدِيدة إلى خَثْعَمَ

- ‌فصل(2)ذكر سرية الضحاك بن سفيان الكِلابي إلى بني كلاب

- ‌فصلذِكر سرية علقمة بن مُجَزِّزٍ المُدْلِجي إلى الحبشة

- ‌ذكر سرية علي بن أبي طالب إلى صنم طَيِّئٍ ليهدمه

- ‌ذكر قصة كعب بن زُهَير مع النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي غزوة تبوك

- ‌فصلفي بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى أُكَيدِرِ دُومةَ

- ‌فصلفي خطبته صلى الله عليه وسلم بتبوك وصلاته

- ‌فصلفي جمعه بين الصلاتين في غزوة تبوك

- ‌فصلفي رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك وما همَّ المنافقون به من الكيد به

- ‌فصلفي أمر مسجد الضِّرار الذي نهى الله رسوله أن يقوم فيه

- ‌فصلفي الإشارة إلى بعض ما تضمنته هذه الغزوة من الفقه والفوائد

- ‌ ما اشتملت عليه قصة الثلاثة الذين خلفوا من الحكم والفوائد الجمة

- ‌فصلفي قدوم وفود العرب وغيرهم على النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌ذكر وفد بني عامر ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم على عامر بن الطفيل وكفاية الله له(3)شرَّه وشرَّ أَرْبَدَ بن قيسٍ بعد أن عصم منهما نبيه

- ‌فصلفي قدوم وفد عبد القيس

- ‌فصلفي قدوم وفد بني حنيفة

- ‌فصلفي فقه هذه القصة

- ‌فصلفي قدوم وفد طيِّئٍ على النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي قدوم وفد كِندة على رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي قدوم الأشعريين وأهل اليمن

- ‌فصلفي قدوم وفد الأزد على رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي قدوم وفد بني الحارث بن كعب على رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي قدوم وفد هَمْدان عليه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي قدوم وفد مُزَينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي قدوم وفد دَوسٍ على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك بخيبر

- ‌فصلفي فقه هذه القصة

- ‌فصلفي قدوم وفد نجران عليه صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي فقه هذه القصة

- ‌فصلفي قدوم رسول فروة بن عمرو الجُذامي ملك عربِ الروم

- ‌فصلفي قدوم وفد بني سعد بن بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي قدوم طارق بن عبد الله وقومه على النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي قدوم وفد تُجيب

- ‌فصلفي قدومِ وفد بني سعدِ هُذَيمٍ من قُضاعة

- ‌فصلفي قدوم وفد بني فَزارة

- ‌فصلفي قدوم وفد بني أسد

- ‌فصلفي قدوم وفد بَهْراء

- ‌فصلفي قدوم وفد عُذْرة

- ‌فصلفي قدوم وفد بَلِيٍّ

- ‌فصلفي قدوم وفد ذي مُرَّة

- ‌فصلفي قدوم وفد خَولان

- ‌فصلفي قدوم وفد مُحارب

- ‌فصلفي قدوم وفد صُداءٍ في سنة ثمان

- ‌فصلفي فقه هذه القصة

- ‌فصلفي قدوم وفد غسَّان

- ‌فصلفي قدوم وفد سَلامان

- ‌فصلفي قدوم وفد بني عَبْس

- ‌فصلفي قدوم وفد غامد

- ‌فصلفي قدوم وفد الأزد على رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي قدوم وفد بني المُنتفِق(1)على رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌فصلفي قدوم وفد النَّخَع على رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌ذكر هديه صلى الله عليه وسلم في مكاتباته إلى الملوك وغيرهم

- ‌فصلفي كتابه إلى الحارث بن أبي شِمر الغَسَّاني

الفصل: ‌فصلفي الإشارة إلى بعض ما تضمنته هذه الغزوة من الفقه والفوائد

‌فصل

في الإشارة إلى بعض ما تضمنته هذه الغزوة من الفقه والفوائد

فمنها: جواز القتال في الشهر الحرام إن كان خروجه في رجب محفوظًا على ما قاله ابن إسحاق، ولكن هاهنا أمر آخر وهو أن أهل الكتاب لم يكونوا يُحرِّمون الشهر الحرام بخلاف العرب فإنها كانت تحرمه، وقد تقدم

(1)

أن في نسخ تحريم القتال فيه قولان

(2)

، وذكرنا حجج الفريقين.

ومنها: تصريح الإمام للرعية وإعلامُهم بالأمر الذي يضرهم سَترُه وإخفاؤه ليتأهَّبوا له ويُعِدُّوا له عُدَّتَه، وجواز سَتر غيرِه عنهم والكناية عنه للمصلحة.

ومنها: أن الإمام إذا استنفر الجيش لزمهم النفير ولم يَجُز لأحدٍ التخلُّف إلا بإذنه، ولا يُشترط في وجوب النفير تعيينُ كل واحد منهم بعينه، بل متى استنفر الجيش لزم كلَّ واحدٍ منهم الخروجُ معه. وهذا أحد المواضع الثلاثة التي يصير فيها الجهاد فرضَ عين، والثاني: إذا حضر العدو البلد، والثالث: إذا حضر بين الصفَّين.

ومنها: وجوب الجهاد بالمال كما يجب بالنفس، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد

(3)

، وهي الصواب الذي لا ريب فيه، فإن الأمر بالجهاد بالمال

(1)

(ص 407 - 409).

(2)

ن، والنسخ المطبوعة:«قولين» وهو الجادّة.

(3)

نصَّ على وجوبه في رواية ابن الحكم، واختارها شيخ الإسلام. انظر:«مجموع الفتاوى» (28/ 87) و «الاختيارات» للبعلي (ص 445).

ص: 701

شقيق الأمر بالجهاد بالنفس في القرآن وقرينه، بل جاء مقدمًا على الجهاد بالنفس في كل موضع إلا موضعًا واحدًا

(1)

، وهذا يدل على أن الجهاد به أهم وآكد من الجهاد بالنفس، ولا ريب أنه أحد الجهادين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:«من جَهَّز غازيًا فقد غزا»

(2)

، فيجب على القادر عليه كما يجب على القادر بالبدن، ولا يتم الجهاد بالبدن إلا ببذله، ولا ينتصر إلا بالعَدَد والعُدَد، فإن لم يقدر أن يُكثر العدد وجب عليه أن يُمدَّ بالمال والعُدَّة، وإذا وجب الحج بالمال على العاجز بالبدن فوجوب الجهاد بالمال أولى وأحرى.

ومنها: ما برز به عثمان بن عفان من النفقة العظيمة في هذه الغزوة وسبق به الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«غفر الله لك يا عثمان ما أسررت وما أعلنت وما أخفيت وما أبديت»

(3)

ثم قال: «ما ضَرَّ عثمان ما فعل بعد اليوم»

(4)

، وكان قد أنفق ألف دينار وثلاثمائة بعير بعُدَّتها وأحلاسها وأقتابها.

(1)

وذلك في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} [التوبة: 111].

(2)

أخرجه البخاري (2843) ومسلم (1895) من حديث زيد بن خالد الجهني.

(3)

أخرجه ابن عدي في «الكامل» (1/ 340) والدارقطني في «الأفراد» (ص 110) ــ ومن طريقهما ابن عساكر في «تاريخه» (39/ 65) ــ وأبو نعيم في «فضائل الخلفاء» (77) من حديث حذيفة بإسناد ضعيف، فيه إبراهيم بن إسحاق الثقفي. قال ابن عدي: هذا الحديث بهذا الإسناد غير محفوظ، إسحاق بن إبراهيم هذا أحاديثه غير محفوظة. وقال الدارقطني: هذا حديث غريب، تفرد به إسحاق بن إبراهيم الكوفي.

(4)

روي في تتمة الحديث السابق بلفظ: «ما يبالي عثمان ما عمل بعد هذا» . وروي باللفظ المذكور من حديث عبد الرحمن بن سمرة بإسناد لا بأس به، وقد سبق تخريجه في أول الغزوة (ص 661).

ص: 702

ومنها: أن العاجز بماله لا يُعذَر حتى يبذل جُهدَه ويتحقَّق عجزُه، فإن الله سبحانه إنما نفى الحرج عن هؤلاء العاجزين بعد أن أتوا رسولَه ليحملهم فقال:«لا أجد ما أحملكم عليه» ، فرجعوا يبكون لما فاتهم من الجهاد؛ فهذا العاجز الذي لا حرج عليه.

ومنها: استخلاف الإمام إذا سافر رجلًا من الرعية على الضعفاء والمعذورين والنساء والذرية، ويكون نائبُه من المجاهدين لأنه من أكبر العون لهم. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستخلف ابنَ أمِّ مكتوم فاستخلفه بضع عشرة مرةً، وأما في غزوة تبوك فالمعروف عند أهل الأثر أنه استخلف عليَّ بن أبي طالب، كما في «الصحيحين»

(1)

عن سعد بن أبي وقاص قال: خلَّف رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًّا في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله، تخلفني مع النساء والصِّبيان؟ فقال:«أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غيرَ أنه لا نبي بعدي» .

ولكن هذه كانت خلافةً خاصةً على أهله صلى الله عليه وسلم، وأما الاستخلاف العام فكان لمحمد بن مسلمة الأنصاري، ويدل على هذا أن المنافقين لما أرجفوا به وقالوا: خلَّفه استثقالًا أخذ سلاحه ثم لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال:«كذبوا ولكن خلَّفتُك لما تركت ورائي فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك»

(2)

.

ومنها: جواز الخرص للرُّطَب على رؤوس النخل، وأنه من الشرع، والعملُ بقول الخارص، وقد تقدم في غزاة خيبر، وأن الإمام يجوز أن

(1)

البخاري (4416) ومسلم (2404).

(2)

ذكره ابن إسحاق، وقد سبق.

ص: 703

يخرص بنفسه كما خرص رسول الله صلى الله عليه وسلم حديقة المرأة.

ومنها: أن الماء الذي بآبار ثمود لا يجوز شُربه، ولا الطبخ به والعجين به

(1)

، ولا الطهارة به، ويجوز أن يُسقى البهائمَ؛ إلا ما كان من بئر الناقة، وكانت معلومةً باقيةً إلى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استمر علم الناس بها قرنًا بعد قرنٍ إلى وقتنا هذا فلا يَرِد الركوب بئرًا غيرها، وهي مطوية محكمة البناء واسعة الأرجاء، آثار العتق عليها بادية، لا تشتبه بغيرها.

ومنها: أن مَن مرَّ بديار المغضوب عليهم والمُعذَّبين لم ينبغِ له أن يدخلها ولا يقيمَ بها، بل يُسرع السيرَ ويتقنع بثوبه حتى يجاوزها، ولا يدخل عليهم إلا باكيًا معتبرًا. ومن هذا إسراع النبي صلى الله عليه وسلم السير في وادي مُحسِّر بين منًى ومزدلفة

(2)

، فإنه المكان الذي أهلك الله فيه الفيل وأصحابه.

ومنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الصلاتين في السفر، وقد جاء جمع التقديم في هذه القصة في حديث معاذ كما تقدَّم، وذكرنا علَّةَ الحديث ومن أنكره، ولم يجئ جمعُ التقديم عنه في سفر إلا هذا. وصحَّ عنه جمع التقديم بعُرَنة

(3)

قبل دخوله إلى عرفة، فإنه جمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر؛

(1)

ص، د، ز، ن:«ولا العجين به» .

(2)

في الأصول والمطبوعات: «منى وعرفة» ، ولعله سبق قلم من المؤلف، فإن محسِّرًا بين منًى ومزدلفةَ، وقد سبق في الحج (2/ 311) قول المؤلف: إنه «برزخ بين منى وبين مزدلفة» . وإسراع النبي صلى الله عليه وسلم فيه روي من غير وجه، منها حديث جابر عند أحمد (14218) وأبي داود (1944) والترمذي (886) والنسائي (3021) وابن خزيمة (2862)؛ وقال الترمذي: حديث جابر حديث حسن صحيح.

(3)

رسمه في د، س، ث يشبه «عرفة» ، وإليه تحرّف في المطبوع.

ص: 704

فقيل: ذلك لأجل النسك كما قاله أبو حنيفة، وقيل: لأجل السفر الطويل كما قاله الشافعي وأحمد

(1)

، وقيل: لأجل الشغل وهو اشتغاله بالوقوف واتِّصالُه إلى غروب الشمس. قال أحمد

(2)

: يجمع للشغل، وهو قول جماعة من السلف والخلف، وقد تقدم.

ومنها: جواز التيمُّم بالرمل، فإن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قطعوا الرمال التي بين المدينة وتبوك ولم يحملوا معهم ترابًا بلا شك، وتلك مفاوز مُعطِّشة شَكَوا فيها العطش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقطعًا كانوا يتيممون بالأرض التي هم نازلون فيها؛ هذا كلُّه مما لا شك فيه، مع قوله صلى الله عليه وسلم:«فحيثما أدركت رجلًا من أمتي الصلاةُ فعنده مسجدُه وطهوره»

(3)

.

ومنها: أنه صلى الله عليه وسلم أقام بتبوك عشرين يومًا يَقصُر الصلاة، ولم يقل للأمة: لا يقصر رجلٌ الصلاة إذا أقام أكثر من ذلك، ولكن اتفق إقامته هذه المدة، وهذه الإقامة في حال السفر لا تَخرج عن حكم السفر سواءٌ طالت أو قصرت إذا كان غيرَ مستوطنٍ ولا عازم على الإقامة بذلك الموضع.

وقد اختلف السلف والخلف في ذلك اختلافًا كثيرًا، ففي «صحيح البخاري»

(4)

عن ابن عباس قال: «أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره تسع

(1)

انظر: «الأصل» للشيباني (1/ 124) و «المجموع» (8/ 91) و «المغني» (5/ 265).

(2)

في رواية ابن مُشيش. انظر: «الإنصاف» (5/ 90 - 91).

(3)

أخرجه أحمد (22137) والطبراني في «الكبير» (8/ 308) والبيهقي في «السنن» (1/ 222) من حديث أبي أمامة بإسناد لا بأس به. وله شاهد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه، أخرجه أحمد (7068) والبيهقي في «السنن» (1/ 222).

(4)

برقم (1080، 4299).

ص: 705

عشرة يصلي ركعتين، فنحن إذا أقمنا تسع عشرة نصلي ركعتين، وإن زدنا على ذلك أتممنا». وظاهر كلام أحمد أن ابن عباس أراد مدة مقامه بمكة زمن الفتح، فإنه قال

(1)

: «أقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ثمان عشرة زمن الفتح، لأنه أراد حُنينًا ولم يكن ثَمَّ إجماعُ المُقام، وهذه إقامته التي رواها ابن عباس» . وقال غيره: بل أراد ابن عباس مُقامَه بتبوك، كما قال جابر بن عبد الله:«أقام النبي صلى الله عليه وسلم بتبوك عشرين يومًا يقصر الصلاة» . رواه الإمام أحمد في «مسنده»

(2)

.

وقال المسور بن مخرمة: أقمنا مع سعد ببعض قرى الشام أربعين ليلةً يَقصُرها سعد ونُتِمُّها

(3)

.

(1)

أي الإمام أحمد، كما في «المغني» (3/ 150) والمؤلف صادر عنه. وانظر:«مسائل أحمد» رواية الكوسج (1/ 611).

(2)

برقم (14139)، وأخرجه أيضًا أبو داود (1235) وابن حبان (2749) والبيهقي (3/ 152) من حديث محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن جابر. ورجاله رجال الشيخين، وقد صححه ابن حبان وابن حزم والنووي، ولكن أعله أبو داود والبيهقي بالإرسال، وأخرجه البيهقي من وجه آخر عن جابر فيه «بضعة عشر» ورجاله ثقات. انظر:«المحلّى» (5/ 25) و «خلاصة الأحكام» للنووي (2/ 733) و «التلخيص الحبير» (606).

(3)

أخرجه سعيد بن منصور ــ كما في «المغني» (3/ 154) ــ والطبري في «تهذيب الآثار- مسند عمر» (1/ 242) والبيهقي في «معرفة السنن» (4/ 274) بإسناد صحيح. وكان مع المسور في هذا السفر ابنه عبد الرحمن، وروي عنه الخبر أيضًا بنحوه، أخرجه عبد الرزاق (4350) وابن أبي شيبة (8284) والطبري في «تهذيب الآثار- مسند عمر» (1/ 243) وابن المنذر في «الأوسط» (4/ 418) وغيرهم من طرُق عن حبيب بن أبي ثابت عن عبد الرحمن، وفيه أنهم سألوا سعدًا عن ذلك فقال:«نحن أعلم» . وروي أيضًا من وجه آخر عن عبد الرحمن بن المسور أنه خرج هو وأبوه وعبد الرحمن بن الأسود مع سعد بن أبي وقاص إلى الشام فأقاموا خمسين ليلةً ودخل عليهم رمضان فكان أبوه وعبد الرحمن بن الأسود يصومان ويأبى سعدٌ أن يصوم، فسأله عبد الرحمن بن المسور عن ذلك فقال:«إني أنا أفقه منهما» . أخرجه الطبري في «تهذيب الآثار- مسند ابن عباس» (1/ 129) والبيهقي في «السنن» (3/ 153) من طريق الزهري عن عبد الرحمن بن المسور.

ص: 706

وقال نافع: أقام ابن عمر بأَذْرَبِيجان ستة أشهر يصلي ركعتين وقد حال الثلج بينه وبين الدخول

(1)

.

وقال حفص بن عبيد الله: أقام أنس بن مالك بالشام سنتين

(2)

يصلي صلاة المسافر

(3)

.

(1)

كذا في الأصول تبعًا «للمغني» (3/ 154) وهو مصدر المؤلف، والظاهر أنه تصحيف والصواب:«بينه وبين القُفول» أي: الرجوع، كما في «الأوسط» (4/ 416) بلفظه وفي مصادر التخريج بمعناه. وقد أخرجه عبد الرزاق (4339) والطبري في «تهذيب الآثار - مسند عمر» (1/ 249) وأبو الفضل الزهري في «حديثه» (699) والبيهقي في «السنن» (3/ 152) من طرق عن نافع به.

(2)

كذا في الأصول تبعًا للمغني (3/ 154)، والذي في مصادر التخريج:«الشهرين» على أنه قد روي من طريق الحسن البصري عن أنس أنه أقام بنيسابور ــ أو: بسابور ــ سنة أو سنتين يصلّي ركعتين. أخرجه ابن أبي شيبة (5141، 8288) والطبري في «تهذيب الآثار- مسند عمر» (1/ 257) وابن المنذر (4/ 417).

(3)

أخرجه عبد الرزاق (4354) ــ ومن طريقه ابن المنذر في «الأوسط» (4/ 417) ــ والبيهقي في «السنن» (15213) من طريقين عن يحيى بن أبي كثير عن حفص بن عبيد الله ــ وهو ابن أنس بن مالك ــ به.

تنبيه: تصحّف «حفص بن عبيد الله» إلى «جعفر بن عبد الله» في جميع مطبوعات «مصنف عبد الرزاق» . والذي رأيته في بعض نسخه الخطية: «جعفر بن عبيد الله» ، وهو تصحيف بلا شك فإنه ليس في الرواة أحد بهذا الاسم في هذه الطبقة، نعم هناك «جعفر بن عبد الله» له رواية عن أنس ولكن لم يذكروا في الرواة عنه يحيى بن أبي كثير، فما جاء عند ابن المنذر من طريق عبد الرزاق هو الصواب.

ص: 707

وقال أنس: أقام أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم برامَهُرْمُزَ سبعةَ أشهرٍ يقصرون الصلاة

(1)

.

وقال الحسن: أقمت مع عبد الرحمن بن سمرة بِكابُلَ سنتين يَقْصُر الصلاة ولا يُجَمِّع

(2)

.

وقال إبراهيم: كانوا يقيمون بالرَّي السنة وأكثر من ذلك، وبسجستان السنتين

(3)

.

فهذا هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كما ترى وهو الصواب.

وأما مذاهب الناس، فقال الإمام أحمد

(4)

: إذا نوى إقامة أربعة أيام أتمَّ وإن نوى دونها قصر، وحمل هذه الآثار على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم

(1)

أخرجه البيهقي في «السنن» (3/ 152) من طريق يحيى بن أبي كثير عن أنس ولفظه: «تسعة أشهر» ، وهو مرسل فإن يحيى قد رأى أنسًا ولكن لا يثبت له سماع منه. انظر:«المراسيل» لابن أبي حاتم (ص 240 - 244).

(2)

أخرجه عبد الرزاق (4352، 4353) وابن أبي شيبة (5140) وابن المنذر في «الأوسط» (4/ 36، 417) من طريقين صحيحين عن الحسن به. وقوله: «لا يُجمِّع» أي: لا يصلِّي الجمعة.

(3)

تمامه: «لا يُجَمِّعُون ولا يصومون» كما في «المغني» (3/ 154)، أو «لا يجمِّعُون ولا يُشرِّقون» كما في «المغني» (3/ 216) معزوًّا إلى سعيد بن منصور. وقوله:«لا يُشرِّقون» أي لا يصلُّون العيد. وأخرجه ابن أبي شيبة (5142) عن إبراهيم بلفظ: «كان أصحابنا يغزوه فيقيمون السنة أو نحو ذلك يقصرون الصلاة ولا يُجَمِّعُون» .

(4)

انظر: «مسائله» رواية الكوسج (1/ 171، 611) وابنه صالح (1/ 138).

ص: 708

يُجمعوا الإقامةَ البتة بل كانوا يقولون: اليوم نخرج، غدًا نخرج. وفي هذا نظر لا يخفى، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة ـ وهي ما هي ـ وأقام فيها يؤسس قواعد الإسلام ويهدم قواعد الشرك ويُمهِّد أمر ما حولها من العرب، ومعلوم قطعًا أن هذا يحتاج إلى إقامة أيام لا يتأتَّى في يوم واحد ولا يومين، وكذلك إقامته بتبوك فإنه أقام ينتظر العدوَّ، ومن المعلوم قطعًا أنه كان بينه وبينهم عدة مراحل تحتاج إلى أيام، وهو يعلم أنهم لا يُوافون في أربعة أيام، وكذلك إقامة ابن عمر بأَذْرَبِيجان ستة أشهرٍ يقصُر الصلاةَ من أجل الثلج، ومن المعلوم أن مثل هذا الثلج لا يتحلَّل ويذوب في أربعة أيام بحيث تنفتح الطرق، وكذلك إقامة أنس بالشام سنتين يقصر، وإقامة الصحابة برَامَهُرْمُزَ سبعة أشهر يقصرون، ومن المعلوم أن مثل هذا الحصار والجهاد يُعلَم أنه لا ينقضي في أربعة أيام، وقد قال أصحاب أحمد: إنه لو أقام لجهاد عدوٍّ أو حبس سلطانٍ أو مرضٍ قصر، سواءٌ غلب على ظنه انقضاء الحاجة في مدة يسيرة أو طويلة، وهذا هو الصواب، لكن شرطوا فيه شرطًا لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا عملِ الصحابة فقالوا: شرطُ ذلك احتمالُ انقضاء حاجته في المدة التي لا تَقطع حكمَ السفر وهي ما دون الأربعة أيامٍ

(1)

، فيقال: من أين لكم هذا الشرط؟ والنبي صلى الله عليه وسلم لما أقام زيادةً على الأربعة أيام يَقصُر بمكة وتبوك لم يقل لهم شيئًا، ولم يبين لهم أنه لم يعزم على إقامة أكثر من أربعةٍ

(2)

،

وهو يعلم أنهم يقتدون به في صلاته ويتأسون به في قصرها في مدة

(1)

انظر: «الإنصاف» (5/ 76).

(2)

د، ز، س، ن، المطبوع:«أربعةِ أيامٍ» .. وكتبت «أيام» في ص أيضًا ولكن جعل عليها علامة الحذف «حـ» .

ص: 709

إقامته، فلم يقل لهم حرفًا واحدًا

(1)

: لا تقصروا فوق إقامة أربع ليال، وبيانُ هذا من أهمِّ المهمات، وكذلك

(2)

اقتدى الصحابةُ به بعدَه ولم يقولوا لمن صلى معهم شيئًا من ذلك.

وقال مالك والشافعي: إذا نوى إقامةَ أربعةِ أيامٍ أتم وإن نوى دونها قصر

(3)

.

وقال أبو حنيفة: إن نوى إقامة خمسة عشر يومًا أتمَّ وإن نوى دونها قصر، وهو مذهب الليث بن سعد

(4)

. وروي عن ثلاثة من الصحابة: عمر وابنه وابن عباس

(5)

.

وقال سعيد بن المسيب: إذا أقمت أربعًا فصل أربعًا، وعنه كقول أبي حنيفة

(6)

.

وقال علي بن أبي طالب: إن

(7)

أقام عشرًا أتم. وهو رواية عن

(1)

ف، ب، س، ث:«حرف واحد» .

(2)

في ف، ب، ص يحتمل:«لذلك» .

(3)

انظر: «المدونة» (1/ 119 - 122) و «الأم» للشافعي (2/ 367).

(4)

انظر: «الأصل» للشيباني (1/ 78، 232) و «الأوسط» لابن المنذر (4/ 414).

(5)

قول عمر لم أجده. وأما أثر ابنه فأخرجه عبد الرزاق (4343) وابن أبي شيبة (8301) والطبري في «تهذيب الآثار- مسند عمر» (1/ 248) من طريقين عنه. وأثر ابن عباس عند ابن أبي شيبة (8283) بإسناد حسن.

(6)

قوله الأول أخرجه عبد الرزاق (4346) وابن أبي شيبة (8303) وأحمد في «العلل» رواية عبد الله (5461، 5462، 5478). وأما الرواية الثانية فأخرجها ابن أبي شيبة (8296). وعنه روايتان أخريان. انظر: «الأوسط» (4/ 415).

(7)

ص، د، ز:«إذا» .

ص: 710

ابن عباس

(1)

.

وقال الحسن: يقصر ما لم يقدم مِصرًا

(2)

.

وقالت عائشة: يقصر ما لم يضع الزاد والمزاد

(3)

.

والأئمة الأربعة متفقون على أنه إذا أقام لحاجة ينتظر قضاءَها يقول: اليوم أخرج، غدًا أخرج= فإنه يقصر أبدًا، إلا الشافعي في أحد قوليه فإنه يقصر عنده إلى سبعة عشر أو ثمانية عشر

(4)

ولا يقصر بعدها

(5)

. وقد قال ابن المنذر في «إشرافه»

(6)

: أجمع أهل العلم أن للمسافر أن يقصر ما لم يُجْمِع إقامةً وإن أتى عليه سنون.

(1)

أخرجه ابن أبي شيبة (8297، 8298) عن علي، وفي سنده انقطاع. وأخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (4/ 413) عن ابن عباس، وفي إسناده لين. قال ابن المنذر:«وليس ذلك بثابت عنهما» .

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة (8310) بنحوه، وأخرجه (8265) أيضًا من وجهٍ آخر بلفظ أتمَّ يوضحِّ مقصوده، فإنه قال: يصلِّي المسافر ركعتين حتى يرجع، إلا أن يأتي مصرًا من الأمصار فيصلِّي بصلاتهم.

(3)

أخرجه ابن أبي شيبة (8306) بنحوه، وفي إسناده لين. وأخرج (8237) عن ابن سيرين أنه قال:«كانوا يقولون: السفر الذي تقصر فيه الصلاة الذي يُحمَل فيه الزاد والمزاد» .

(4)

بعده في ن، والنسخ المطبوعة:«يومًا» .

(5)

انظر: «البيان» للعمراني (2/ 476 - 477) و «المجموع» (4/ 359 - 363).

(6)

لم أجده في مطبوعته فإن ثَمَّة سقطًا في أثناء كتاب صلاة المسافر منه. والمؤلف صادر عن «المغني» (3/ 153).

ص: 711

فصل

ومنها: جوازُ بل استحبابُ حنثِ الحالف في يمينه إذا رأى غيرها خيرًا منها، فيكفر عن يمينه ويفعل الذي هو خير، وإن شاء قدَّم الكفارة على الحنث وإن شاء أخرها. وقد روي حديث أبي موسى هذا:«إلا أتيت الذي هو خير وتحلَّلتُها» ، وفي لفظ:«إلا كفَّرتُ عن يميني وأتيت الذي هو خير» ، وفي لفظ:«إلا أتيت الذي هو خير وكفرتُ عن يميني» ؛ وكل هذه الألفاظ في «الصحيحين»

(1)

، وهي تقتضي عدم الترتيب.

وفي «السنن»

(2)

من حديث عبد الرحمن بن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا حلفتَ على يمين فرأيتَ غيرها خيرًا منها فكفِّرْ عن يمينك ثم ائت الذي هو خير» ، وأصله في «الصحيحين» .

فذهب أحمد ومالك والشافعي إلى جواز تقديم الكفارة على الحنث، واستثنى الشافعي التكفير بالصوم فقال: لا يجوز تقديمه، ومنع أبو حنيفة تقديم الكفارة مطلقًا

(3)

.

فصل

ومنها: انعقاد اليمين في حال الغضب إذا لم يُخرج بصاحبه إلى حدٍّ لا

(1)

الأول عند البخاري (3133، 5518، 6649، 6680، 6721) ومسلم (1649/ 9)، والثاني عند البخاري (6623، 6718) ومسلم (1649/ 7)، والثالث عند البخاري (6623، 6719) على شك الراوي بينه وبين اللفظ الثاني.

(2)

لأبي داود (3278)، وأخرجه البخاري (6622) ومسلم (1652) بنحوه.

(3)

انظر: «مسائل أحمد» برواية صالح (3/ 242) والكوسج (1/ 621)، و «الأم» (8/ 155)، و «المدوَّنة» (3/ 116)، و «الأصل» للشيباني (2/ 285 - 296).

ص: 712

يَعلم معه ما يقول، وكذلك ينفذ حكمه وتصحُّ عقوده، فلو بلغ به الغضب إلى حدِّ الإغلاق لم تنعقد يمينه ولا طلاقه. قال أحمد في رواية حنبل

(1)

في حديث عائشة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا طلاق ولا عتاق في إغلاق»

(2)

: يريد الغضب.

فصل

ومنها: قوله: «ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم» قد يتعلق به الجبري، ولا متعلَّق له به، وإنما هذا مثل قوله:«واللهِ لا أعطي أحدًا شيئًا ولا أمنع وإنما أنا قاسمٌ أَضَع حيث أُمرت»

(3)

، فإنه عبد الله ورسوله؛ إنما يتصرف بالأمر، فإذا أمره ربُّه بشيء نفَّذه، فالله هو المعطي والمانع والحامل، والرسولُ منفِّذٌ لما أمر به.

وأما قوله تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17]، فالمراد به القبضة من الحصا

(4)

التي رمى بها وجوه المشركين فوصلت إلى عيون جميعهم، فأثبت سبحانه له الرمي باعتبار النبذ والإلقاء فإنه فعله، ونفاه عنه باعتبار الإيصال إلى جميع المشركين، وهذا فعل الرب تعالى لا تصل

(1)

نقلها أبو بكر غلام الخلال في «زاد المسافر» (3/ 273) وفي «الشافي» ، كما في «أعلام الموقعين» للمؤلف (2/ 507).

(2)

أخرجه أحمد (26360) وأبو داود (2193) وابن ماجه (2046) والحاكم (2/ 198) من حديث عائشة بإسناد ضعيف، وقد تعقّب الذهبي على الحاكم تصحيحه. وانظر:«البدر المنير» (8/ 84) و «أنيس الساري» (4433).

(3)

أخرجه أحمد (10257) والبخاري (3117) بنحوه.

(4)

ز، س، ن، المطبوع:«الحصباء» .

ص: 713

إليه قدرةُ العبد؛ والرمي يطلق على الحذف وهو مَبدؤه، وعلى الإيصال وهو نهايته.

فصل

ومنها: تركه قتل المنافقين، وقد بلغه عنهم الكفرُ الصريح، فاحتج به من قال: لا يقتل الزنديق إذا أظهر التوبة، لأنهم حلفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم ما قالوا، وهذا إن لم يكن إنكارًا فهو توبة وإقلاع. وقد قال أصحابنا

(1)

وغيرهم: ومن شُهِد عليه بالردة، فشَهِد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله= لم يُكشَف عن شيء

(2)

. وقال بعض الفقهاء: إذا جحد الردة كفاه جحدُها.

ومن لم يقبل توبة الزنديق قال: هؤلاء لم يقم عليهم بينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحكم عليهم بعلمه، والذين بلغ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عنهم قولُهم لم يُبلِّغه إياه نصابُ البينة، بل شهد به عليهم واحد فقط، كما شهد زيد بن أرقم وحدَه على عبد الله بن أُبيٍّ

(3)

، وكذلك غيره أيضًا إنما شهد عليه واحد.

وفي هذا الجواب نظر، فإن نفاق عبد الله بن أبي وأقواله في النفاق كانت

(1)

كالخرقي في «مختصره» (12/ 286 - 287 مع المغني)، وبنحوه قال الشافعي فيما نقله المزني في «مختصره» (13/ 177 مع الحاوي الكبير).

(2)

أي: لم يُكشف عن صحة ما شُهِد عليه به وخُلِّي سبيلُه ولا يُكلَّف الإقرار بما نسب إليه؛ قاله أبو محمد في «المغني» . ولفظ الشافعي: «لم يكشف عن غيره» ، قال الماوردي: إنه يحتمل تأويلين: لم يكشف عمّا شهد به الشهود من ردَّته، والثاني: لم يكشف عن باطن معتقده.

(3)

وذلك في غزاة بني المصطلق، كما تقدَّم (ص 314).

ص: 714

كثيرةً جدًّا، كالمتواترة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وبعضُهم أقرَّ بلسانه وقال: إنما كنا نخوض ونلعب، وقد واجهه بعض الخوارج في وجهه بقوله: إنك لم تعدل

(1)

، والنبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له: ألا نقتلهم؟ لم يقل: ما قامت عليهم بينة، بل قال:«لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه» .

فالجواب الصحيح إذن أنه كان في ترك قتلهم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم مصلحة تتضمن تأليفَ القلوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمعَ كلمة الناس عليه، وكان في قتلهم تنفيرًا

(2)

والإسلام بعدُ في غربة؛ ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم أحرص شيء على تأليف الناس، وأتركُ شيءٍ لِما ينفِّرهم عن الدخول في طاعته.

وهذا أمر كان يختص بحال حياته صلى الله عليه وسلم، وكذلك تَرَك قتلَ من طعن عليه في حكمه بقوله: أنْ كان ابنَ عمَّتك

(3)

، وفي قَسْمه بقوله: إن هذه لَقسمةٌ ما أريد بها وجه الله، وقولِ الآخر له: إنك لم تعدل؛ فإن هذا محض حقِّه، له أن يستوفيه وله أن يتركه، وليس للأمة بعده تركُ استيفاء حقِّه، بل يتعين عليهم استيفاؤه ولا بد، ولتقرير هذه المسائل موضعٌ آخر، والغرض التنبيه والإشارة.

فصل

ومنها: أن أهل العهد والذمة إذا أحدث أحد منهم حدثًا فيه ضرر على الإسلام انتقض عهدُه في ماله ونفسه، وأنه إذا لم يقدر عليه الإمام فدمه وماله

(1)

وذلك عند قسم غنائم حنين بالجعرانة، كما تقدّم (ص 542).

(2)

كذا بالنصب في جميع الأصول.

(3)

أخرجه البخاري (2359) ومسلم (2357) من حديث ابن الزبير في قصةٍ لأبيه حكم له النبي صلى الله عليه وسلم فيها على خصمه فقال ذلك.

ص: 715

هدر وهو لمن أخذه، كما قال في صلح أهل أيلة:«فمن أحدث منهم حدثًا فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وهو لمن أخذه من الناس» ، وهذا لأنه بالإحداث صار محاربًا حكمُه حكم أهل الحرب

فصل

ومنها: جواز الدفن بالليل كما دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذا البجادين ليلًا. وقد سئل أحمد عنه فقال

(1)

: وما بأس بذلك، وقال: أبو بكر دُفِن ليلًا، وعلي دَفَن فاطمة ليلًا

(2)

، وقالت عائشة: سمعنا صوت المساحي من آخر الليل في دفن النبي صلى الله عليه وسلم

(3)

. انتهى. ودُفِن عثمان وعائشة وابن مسعود ليلًا

(4)

.

وفي الترمذي

(5)

عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل قبرًا ليلًا فأُسرج له سراج، فأخذ

(6)

من قِبَل القبلة وقال: «رحمك الله، إن كنت لأوَّاهًا تلَّاءً للقرآن» . قال الترمذي: حديث حسن.

(1)

كما في «المغني» (3/ 503).

(2)

الأثرين أخرجهما البخاري (1387، 4240).

(3)

أخرجه أحمد (24333، 26349) وعبد الرزاق (6551).

(4)

انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (11952، 11955) و «طبقات ابن سعد» (3/ 73 - 74، 10/ 75 - 76) و «الأوسط» لابن المنذر (5/ 510 - 511).

(5)

برقم (1057). وأخرجه أيضًا الطبراني في «الكبير» (11/ 141) والبيهقي في «سننه» (4/ 55) بإسناد ضعيف كما قال البيهقي. وحسَّن الترمذي الحديث، وذلك ــ والله أعلم ــ لشواهده، منها حديث جابر، أشار إليه الترمذي بقوله: وفي الباب، وأخرجه أبو داود (3164) والحاكم (1/ 368) بنحو حديث ابن عباس، وإسناده لا بأس به في المتابعات والشواهد.

(6)

لفظ الترمذي: «أخذه» .

ص: 716

وفي البخاري

(1)

: أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل عن رجل فقال: «من هذا؟» قالوا: فلان دُفن البارحة، فصلى عليه.

فإن قيل: فما تصنعون بما رواه مسلم في «صحيحه»

(2)

أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب يومًا فذكر رجلًا من أصحابه قُبض فكُفِن في كفنٍ غير طائل ودُفِن ليلًا، فزجر النبي صلى الله عليه وسلم أن يُقبَر الرجل بالليل

(3)

إلا أن يُضطرَّ إنسان إلى ذلك. قال الإمام أحمد

(4)

: إليه أذهب.

قيل: نقول بالحديثين بحمد الله ولا نردُّ أحدهما بالآخر، فنكره الدفن بالليل بل نزجر عنه إلا لضرورةٍ أو مصلحةٍ راجحةٍ، كميت مات مع المسافرين بالليل ويتضررون بالإقامة به إلى النهار، وكما إذا خيف على الميت الانفجار، ونحوِ ذلك من الأسباب المرجحة للدفن ليلًا. وبالله التوفيق

(5)

.

فصل

ومنها: أن الإمام إذا بعث سريةً فغنمت غنيمةً أو أسرت أسيرًا أو فتحت حصنًا، كان ما حصل من ذلك= لها بعد تخميسه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قسم ما

(1)

برقم (1340) من حديث ابن عباس، وهو عند مسلم (954) أيضًا.

(2)

برقم (943)، والمؤلف صادر عن «المغني» (3/ 503).

(3)

زِيد في المطبوع بعده: «حتى يصلَّى عليه» ــ وليس في الأصول ــ نقلًا من «صحيح مسلم» .

(4)

كما في «المغني» (3/ 503).

(5)

وانظر: «تهذيب السنن» للمؤلف (2/ 356 - 359).

ص: 717

صالح عليه أكيدرَ من فتح دومة الجندل بين السرية الذين بعثهم مع خالد، وكانوا أربعمائة وعشرين فارسًا، وكانت غنائمهم ألفي بعير وثمانمائة رأس، فأصاب كلُّ رجلٍ منهم خمس فرائض. وهذا بخلاف ما إذا خرجت السريةُ من الجيش في حال الغزو فأصابت ذلك بقوة الجيش، فإن ما أصابوه يكون غنيمةً

(1)

بعد الخُمْس والنفل

(2)

، وهذا كان هديه صلى الله عليه وسلم

فصل

ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم: «إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم» ، فهذه المعية هي بقلوبهم وهممهم، لا كما يظنه طائفة من الجهال أنهم معهم بأبدانهم، فهذا محال، لأنهم قالوا له: وهم بالمدينة؟ قال: «وهم بالمدينة حبسهم العذر» ، فكانوا معه بأرواحهم وبدار الهجرة بأشباحهم. وهذا من الجهاد بالقلب، وهو أحد مراتبه الأربع وهي: القلب واللسان والمال والبدن، وفي الحديث:«جاهدوا المشركين بألسنتكم وقلوبكم وأموالكم»

(3)

.

(1)

بعده في النسخ المطبوعة: «للجميع» ، ولم يرد في شيء من الأصول.

(2)

انظر ما سبق (ص 121).

(3)

كذا ذكره المؤلف، ولفظ الحديث:«بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم» ، وفي بعض الروايات زيادة:«وأيديكم» ، وليس في شيء منها موضع الشاهد:«وقلوبكم» . أخرجه أحمد (12246، 12555) وأبو داود (2504) والدارمي (2475) والنسائي (3096) وابن حبان (4708) والحاكم (2/ 81) والضياء في «المختارة» (5/ 271) من طرق عن حماد بن سلمة عن حميد الطويل عن أنس. وإسناده على شرط مسلم كما قال الحاكم.

ص: 718

فصل

ومنها: تحريق أمكنة المعصية التي يُعصى الله ورسوله فيها وهدمُها، كما حرَّق رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجد الضرار وأمر بهدمه ــ وهو مسجد يصلَّى فيه ويذكر الله فيه ــ لمَّا كان بناؤه ضرارًا وتفريقًا بين المؤمنين ومأوًى للمنافقين؛ وكل مكان هذا شأنه فواجب على الإمام تعطيلُه إما بهدم وتحريقٍ، وإما بتغيير صورته وإخراجه عما وضع له. وإذا كان هذا شأن مساجد

(1)

الضرار، فمشاهد الشرك التي تدعو سدنتها إلى اتخاذ مَن فيها أندادًا من دون الله أحقُّ بالهدم وأوجب، وكذلك محالُّ المعاصي والفسوق كالحانات وبيوت الخمارين وأرباب المنكرات. وقد حرَّق عمر بن الخطاب قريةً بكمالها يُباع فيها الخمر

(2)

، وحرَّق حانوت رُويشد الثقفي وسمَّاه «فويسقًا»

(3)

، وحرَّق قصر سعدٍ عليه لما احتجب فيه عن الرعية

(4)

.

(1)

النسخ المطبوعة: «مسجد» .

(2)

لم أجده عن عمر، وإنما أخرجه أبو عبيد في «الأموال» (291) وعنه ابن زنجويه (411) عن علي بن أبي طالب بإسناد فيه لين.

(3)

أخرجه عبد الرزاق (10051، 17035) وأبو عبيد في «الأموال» (290) وابن سعد في «الطبقات» (7/ 60) وابن زنجويه في «الأموال» (409، 410) والدولابي في «الكنى والأسماء» (1041) بأسانيد صحيحة.

(4)

أخرجه أحمد في «المسند» (390) وابن المبارك في «الزهد» (513) من رواية عَباية بن رِفاعة بن رافع بن خَدِيج بنحوه، وفيه أن عمر بعث محمد بن مسلمة ليُحرق على سعدٍ باب قصره فقط. قال الحافظ ابن كثير في «مسند الفاروق» (1/ 395): إسناده صحيح، إلا أن عباية بن رفاعة لم يدرك عمر. قلتُ: له طريق آخر عند ابن سعد في «الطبقات» (7/ 66) عن شيخه الواقدي.

ص: 719

وهمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحريق بيوت تاركي حضور الجمعة والجماعة

(1)

، وإنما منعه مَن فيها من النساء والذرية الذين لا تجب عليهم كما أخبر هو عن ذلك

(2)

.

ومنها: أن الوقف لا يصح على غير برٍّ ولا قربة، كما لم يصح وقف هذا المسجد. وعلى هذا فيهدم المسجد إذا بُني على قبر، كما ينبش الميت إذا دفن في المسجد، نص على ذلك الإمام أحمد

(3)

وغيره؛ فلا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر، بل أيهما طرأ على الآخر مُنع منه وكان الحكم للسابق، فلو وضعا معًا لم يَجُز ولا يصح هذا الوقف، ولا تجوز الصلاة في هذا المسجد لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ولعنه من اتخذ القبر مسجدًا أو أوقد عليه سراجًا

(4)

؛ فهذا دين الإسلام الذي بعث الله به رسوله، وغربتُه بين الناس كما ترى.

فصل

ومنها: جواز إنشاد الشعر للقادم فرحًا وسرورًا به، ما لم يكن معه مُحرَّم

(1)

حديث تاركي الجماعة أخرجه البخاري (644) ومسلم (651) عن أبي هريرة رضي الله عنه. وحديث تاركي الجمعة أخرجه مسلم (652) عن ابن مسعود رضي الله عنه.

(2)

أخرجه أحمد (8796) والطيالسي (2443) من حديث أبي هريرة، وإسناده ضعيف.

(3)

انظر: «الفروع» (3/ 389).

(4)

لعنه صلى الله عليه وسلم لمن اتخذ القبر مسجدًا أخرجه البخاري (435) ومسلم (531) من حديث عائشة وابن عباس. وأما لعن من أوقد عليه السرج فأخرجه أحمد (2030) وأبو داود (3236) والترمذي وحسنه (320) والنسائي (2043) وابن حبان (3179) والحاكم (1/ 374) من حديث ابن عباس. وهو حديث ضعيف، قد ضعفه أحمد ومسلم وغيرهما. انظر:«فتح الباري» لابن رجب (2/ 402).

ص: 720