الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سنة إحدى عشرة وستمائة
فيها توفي جمال الدّين أبو العبّاس أحمد بن محمد بن محمد بن الحسين بن الفرّاء الحنبلي البغدادي [1] القاضي بن القاضي أبي يعلى [بن القاضي] أبي حازم بن القاضي أبي يعلى الكبير.
ولد بواسط، إذ كان أبوه قاضيها [2] بعد الأربعين وخمسمائة بقليل، وسمع الكثير من أبي بكر بن الزّاغوني، وسعيد بن البنا، وأبي الوقت، وابن البطّي، وخلق كثير. وعني بالحديث، وكتب بخطّه الكثير لنفسه وللناس، وشهد عند ابن الدّامغاني.
قال ابن القادسي: كان خيّرا من أهل الدّين، والصّيانة، والعفّة، والدّيانة. وحدّث، وسمع منه ابن الدّبيثي وغيره، وتوفي ليلة الجمعة ثاني عشري شعبان ودفن عند أبيه بباب حرب.
وفيها الركن عبد السّلام بن عبد الوهاب بن عبد القادر الكيلاني [3] ويلقب بالرّكن، وتقدم ذكر أبيه وجدّه.
ولد ليلة ثامن ذي الحجة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، وسمع
[1] انظر «ذيل طبقات الحنابلة» (2/ 76- 77) وما بين الحاصرتين مستدرك منه.
[2]
في «ذيل طبقات الحنابلة» : «قاضيا بها» .
[3]
انظر «تاريخ الإسلام» (62/ 70- 71) و «سير أعلام النبلاء» (22/ 55- 56) و «ذيل طبقات الحنابلة» (2/ 71- 73) .
الحديث من جدّه، وابن البطّي، وشهدة وغيرهم. وقرأ وكتب، وتفقّه بجدّه، ودرّس بمدرسة جدّه. وكان حنبليا، وولي عدة ولايات، وكان أديبا، كيّسا، مطبوعا عارفا بالمنطق، والفلسفة، والتنجيم، وغير ذلك من العلوم الرديّة، وبسبب ذلك نسب إلى عقيدة الأوائل، حتى قيل: إن والده رأى عليه يوما ثوبا بخاريّا فقال: والله هذا عجيب [1] !! ما زلنا نسمع البخاريّ ومسلم، فأمّا البخاريّ وكافر [2] ، فما سمعناه. وكان أبوه كثير المجون والمداعبة، كما تقدم.
وكان عبد السّلام أيضا غير ضابط للسانه، ولا مشكور في طريقته وسيرته، يرمى بالفواحش والمنكرات، وقد جرت عليه محنة في أيام الوزير ابن يونس، فإنه كبس دار عبد السّلام هذا وأخرج منها كتبا من كتب الفلاسفة، ورسائل إخوان الصفا، وكتب السحر، والنارنجات [3] ، وعبادة النجوم، واستدعى ابن يونس العلماء، والفقهاء، والقضاة، والأعيان، وكان ابن الجوزي معهم، وقرئ في بعضها مخاطبة زحل يقول: أيها الكوكب المضيء المنير، أنت تدبّر الأفلاك، وتحيي وتميت، وأنت إلهنا، وفي حق المريخ من هذا الجنس، وعبد السلام حاضر، فقال ابن يونس: هذا حطّك؟
قال: نعم، قال: لم كتبته؟ قال: لأردّ [4] على قائله، ومن يعتقده، فأمر بإحراق كتبه، فجلس قاضي القضاة، والعلماء، وابن الجوزي معهم على سطح مسجد مجاور لجامع الخليفة يوم الجمعة، وأضرموا نارا عظيمة تحت المسجد، وخرج الناس من الجامع، فوقفوا على طبقاتهم والكتب على سطح المسجد، وقام أبو بكر بن المارستانية، فجعل يقرأ كتابا كتابا من مخاطبات الكواكب ونحوها، ويقول: العنوا من كتبه، ومن يعتقده [5] وعبد السلام
[1] في «آ» و «ط» : «هذا عجب» وما أثبته من «ذيل طبقات الحنابلة» .
[2]
يريد أن ثوبك ثوب بخاريّ واعتقادك اعتقاد الكفّار.
[3]
في «ذيل طبقات الحنابلة» : «والنارنجة» .
[4]
في «ذيل طبقات الحنابلة» : «الأرده» .
[5]
حاضر، فتصيح [1] العوام باللّعن، فتعدى اللّعن إلى الشيخ عبد القادر، بل وإلى الإمام أحمد، وظهرت الأحقاد الصّدرية [2] .
ثم حكم القاضي بتفسيق عبد السلام ورمى طيلسانه، وأخرجت مدرسة جدّه من يده ويد أبيه عبد الوهاب، وفوّضت إلى الشيخ أبي الفرج ابن الجوزي.
قال ابن القادسي- بعد ذكر ذلك-: ثم أودع عبد السلام الحبس مدة، ولما أفرج عنه أخذ خطّه بأنه يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأن الإسلام حقّ وما كان عليه باطل، وأطلق.
ثم لما قبض على ابن يونس، ردّت مدرسة الشيخ عبد القادر إلى ولده عبد الوهاب، وردّ ما بقي من كتب عبد السلام التي أحرق بعضها، وقبض على الشيخ أبي الفرج بسعي عبد السلام هذا، ونزل عبد السلام معه في السفينة إلى واسط، واستوفى بالكلام منه والشيخ ساكت. ولما وصل إلى واسط عقد مجلس حضره القضاة والشهود، وادعى عبد السلام على الشيخ بأنه تصرّف في وقف المدرسة، واقتطع من مالها، وأنكر الشيخ ذلك، وكتب محضر بما جرى، وأمر الشيخ بالمقام بواسط، ورجع عبد السلام.
وذكره ابن النجار في «تاريخه» وذمّه ذما بليغا، وذكر أنه لم يحدّث بشيء، وأنه توفي يوم الجمعة لثمان خلون من رجب، ودفن شرقي بغداد.
وفيها أبو محمد بن الأخضر الحافظ المتقن، مسند العراق، عبد العزيز بن محمود بن المبارك الجنابذي- بضم الجيم وفتح النون وموحدة
[1] في «ذيل طبقات الحنابلة» : «فيصيح» .
[2]
في «آ» و «ط» : «البدرية» والتصحيح من «ذيل طبقات الحنابلة» .
ثم معجمة، نسبة إلى جنابذ، ويقال كونابذ، قرية بنيسابور- الحنبلي ثم البغدادي [1] .
ولد يوم الخميس ثامن عشر رجب، سنة أربع وعشرين وخمسمائة ببغداد، وأول سماعه سنة ثلاث وخمسمائة. سمع بإفادة أبيه وأستاذه ابن بكروس من القاضي أبي بكر بن عبد الباقي، وأبي القاسم بن السّمرقندي، وخلق. وسمع هو بنفسه من أبي الفضل الأرموي، وابن الزّاغوني، وابن البنا، وابن ناصر الحافظ، وأبي الوقت، وطبقتهم، ومن بعدهم، وبالغ في الطلب، وقرأ بنفسه، وكتب بخطّه، وحصّل الأصول، ولازم أبا الحسن بن بكروس الفقيه، وابن ناصر، وانتفع بهما، ولم يزل يسمع ويقرأ على الشيوخ لإفادة الناس إلى آخر عمره.
قال ابن النجار: صنّف مجموعات حسنة في كل فنّ، ولم يكن في أقرانه أكثر سماعا منه ولا أحسن أصولا، كأنها الشمس وضوحا وعليها أنوار الصدق. وبارك الله له في الرّواية، حتّى حدّث بجميع مسموعاته [2] ومروياته.
صحبته مدة طويلة، وقرأت عليه الكثير من الكتب الكبار والأجزاء، وأكثر ما جمعه وخرّجه، وعلّقت عنه، واستفدت منه كثيرا، وكان ثقة حجة نبيلا، ما رأيت في شيوخنا سفرا و [لا] حضرا مثله، في كثرة مسموعاته ومعرفته بمشايخه، وحسن أصوله وحفظه وإتقانه.
وكان أمينا، متدينا، جميل الطريقة، عفيفا، أريد على أن يشهد عند القضاة فأبى ذلك، وكان من أحسن النّاس خلقا، وألطفهم طبعا، من محاسن البغداديين وظرفائهم، ما يملّ جليسه منه.
[1] انظر «العبر» (5/ 38) و «ذيل طبقات الحنابلة» (2/ 79- 82) .
[2]
لفظة «مسموعاته» لم ترد في «ذيل طبقات الحنابلة» .
وقال المنذري: حدّث نحوا من ستين سنة، وصنّف تصانيف مفيدة، وانتفع به جماعة، ولنا منه إجازة، وكان حافظ العراق في وقته.
وقال ابن رجب: ومن تصانيفه «المقصد الأرشد في ذكر من [1] روى عن [الإمام] أحمد» في مجلدين، وكتاب «تنبيه اللّبيب وتلقيح فهم المريب في تحقيق أوهام الخطيب» و «تلخيص وصف الأسماء في اختصار الرسم والترتيب» أجزاء كثيرة، رأيت منه الجزء العشرين.
وروى عنه ابن الجوزي، وابن الدّبيثي، وابن نقطة، وابن النجّار، والضياء المقدسي، والبرزالي، وابن خليل، وغيرهم من أكابر الحفّاظ، وتوفي ليلة السبت بين العشاءين، سادس شوال، ودفن بمقبرة باب حرب.
وفيها أبو محمد عبد المحسن بن يعيش بن إبراهيم بن يحيى الحرّاني [2] ، الفقيه الحنبلي. سمع بحرّان من أبي ياسر بن أبي حبّة، ورحل إلى بغداد، فسمع من ابن كليب، وابن الجوزي، وطبقتهما. وقرأ المذهب والخلاف، حتّى تميّز، وأقام ببغداد مدة، ثم عاد إلى حرّان، فأقام بها، ثم قدم بغداد حاجّا سنة عشر وستمائة، وحدّث بها، وسمع منه بعض الطلبة، ثم رجع إلى حرّان، فتوفي بها وهو شاب.
وفيها علي بن المفضّل بن علي الإمام الحافظ المفتي شرف الدّين أبو الحسن اللّخمي المقدسي ثم الإسكندراني [3] الفقيه المالكي.
ولد سنة أربع وأربعين وخمسمائة، وتفقه على أبي طالب صالح [بن إسماعيل] بن بنت معافى، وأبي طاهر بن عوف، وأكثر إلى الغاية عن
[1] في «آ» : «فيمن» .
[2]
انظر «ذيل طبقات الحنابلة» (2/ 82) .
[3]
انظر «العبر» (5/ 38- 39) و «تاريخ الإسلام» (62/ 77- 79) وما بين حاصرتين زيادة منه.
السّلفي والموجودين، ورحل سنة أربع وسبعين، فكتب عن الموجودين، وسكن في أواخر عمره بمصر، ودرّس بالصّاحبية، وصنّف التصانيف الحسان. توفي في غرة شعبان.
وفيها الخطيب المالقي أبو بكر عبد الله بن الحسن بن أحمد الأنصاري القرطبي، الحافظ المالكي. كان إماما من الثقات. قاله ابن ناصر الدّين [1] .
وفيها أبو المظفّر مهذّب الدّين محمد بن علي بن نصر بن البلّ الدّوري [2] الواعظ الحنبلي.
ولد سنة ست عشرة أو سبع عشرة وخمسمائة بالدّور- وهي دور الوزير ابن هبيرة بدجيل- ونشأ بها، ثم قدم بغداد واستوطنها، وسمع بها من ابن ناصر الحافظ، وابن الطّلّاية، والوزير ابن جهير، وابن الزّاغوني، وأبي الوقت وجماعة كثيرة، وقال الشعر، وفتح عليه في الوعظ، حتّى صار يضاهي ابن الجوزي ويزاحمه في أماكنه. ولما اعتقل ابن الجوزي بواسط خلا للدّوري الجو، فكان يعظ مكانه.
قال ابن نقطة [3] : سمعت منه وكان شيخا صالحا متعبدا.
وقال المنذري [4] : حدّث، وعمّر، وعجز عن الحركة، ولزم بيته إلى أن مات، وهو ابن أربع أو خمس وتسعين سنة، وكان شيخا صالحا متعبّدا.
[1] في التبيان «شرح بديعة البيان» (172/ ب) وزاد هناك: «ويكنى أيضا أبا عبد الله. حدّث عن عدة، منهم أبوه، وأبو بكر بن الجد، وأبو عبد الله بن رزقون. وعنه أبو القاسم بن الطيلسان وآخرون. حافظا متقنا، من الثقات، ذا معرفة بالجرح والتعديل ووجوه القراءات» .
[2]
انظر «تاريخ الإسلام» (62/ 83- 84) و «ذيل طبقات الحنابلة» (2/ 74- 76) .
[3]
انظر «تكملة الإكمال» (1/ 316) بتحقيق الدكتور عبد القيوم عبد رب النّبي.
[4]
انظر «التكملة لوفيات النقلة» (2/ 308- 309) .
والبلّ: بفتح الباء الموحدة وتشديد اللام. انتهى.
وقال ابن رجب: توفي يوم الثلاثاء ثاني عشر شعبان.
وكان له ولد اسمه محمد يكنى أبا عبد الله. كانت له معرفة جيدة بالحساب وأنواعه، والمساحة، والفرائض، وقسمة التركات. وأقرأ ذلك مدة، وسمع من ابن البطّي وغيره، وشهد عند ابن الشّهرزوري. توفي شابا في حياة أبيه يوم الاثنين رابع عشري شوال، سنة ثمان وتسعين وخمسمائة.
وفيها أبو بكر بن الحلاوي عماد الدّين محمد بن معالي بن غنيمة البغدادي [1] المأموني، المقرئ الفقيه الحنبلي الزاهد. سمع من أبي الفتح ابن الكروخي، وابن ناصر، وأبي بكر بن الزّاغوني، وغيرهم. وتفقّه على أبي الفتح بن المنّي، وبرع في المذهب، حتّى قال الذهبي: هو شيخ الحنابلة في زمنه ببغداد، وعليه تفقه الشيخ المجد جدّ شيخنا ابن تيمية.
وقال ابن القادسي: كانت له اليد الباسطة في المذهب والفتيا، وكان ملازما لزاويته في المسجد، قليل المخالطة إلّا لمن عساه أن [2] يكون من أهل الدّين، ما ألم بباب أحد من أرباب الدّنيا، وما قبل لأحد هدية، وكان أحد الأبدال الذين يحفظ الله بهم الأرض ومن عليها.
وقال النّاصح بن الحنبلي: كان زاهدا عالما فاضلا، مشتغلا بالكسب من الخياطة، ومشتغلا بالعلم، يقرئ القرآن احتسابا.
وقال ابن رجب: له تصانيف، منها:«المنير في الأصول» وعليه تفقّه مجد الدّين بن تيمية، ويحيى بن الصّيرفي. وسمع منه هو، وابن القطيعي، وتوفي ليلة الجمعة ثامن عشري رمضان، ودفن بباب حرب.
[1] انظر «العبر» (5/ 39) و «ذيل طبقات الحنابلة» (2/ 77- 79) و «شذرات من كتب مفقودة» ص (200) .
[2]
لفظة «أن» لم ترد في «ط» و «ذيل طبقات الحنابلة» .
وفيها أبو الحسن علي بن أبي بكر بن علي الهروي الأصل الموصلي المولد السائح [1] المشهور، نزيل حلب.
طاف البلاد، وأكثر من الزيارات.
قال ابن خلّكان [2] : لم يترك برّا ولا بحرا ولا سهلا ولا جبلا من الأماكن التي يمكن قصدها ورؤيتها إلّا رآها [3] . ولما سار ذكره بذلك واشتهر به، ضرب به المثل فيه.
وله مصنفات، منها: كتاب «الإشارات في [معرفة] الزيارات» وكتاب «الخطب الهروية» وغير ذلك.
وتوفي في العشر الأوسط من رمضان في مدرسته. انتهى ملخصا.
[1] انظر «تاريخ الإسلام» (62/ 79- 80) .
[2]
انظر «وفيات الأعيان» (3/ 346- 347) وما بين الحاصرتين زيادة منه.
[3]
في «وفيات الأعيان» : «إلا رآه» .