الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سنة تسع وأربعين وستمائة
فيها توفي إبراهيم بن سهل الإسرائيلي [1] الإسلامي. كان يهوديا فأسلم، وكان أديبا ماهرا، وله قصيدة مدح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يسلم، وكان يهوى صبيا يهوديا اسمه موسى، فمن قوله فيه من جملة أبيات [2] :
فما وجد أعرابيّة بان إلفها [3]
…
فحنّت إلى بان الحجاز ورنده
بأعظم من وجدي بموسى وإنما
…
يرى أنني أذنبت ذنبا بودّه
وله فيه [4] :
يقولون لو قبّلته لاشتفى الجوى
…
أيطمع في التقبيل من يعشق البدرا؟
إلى أن قال:
إذا فئة العذّال جاءت بسحرها
…
ففي وجه [5] موسى آية تبطل السّحرا
[1] انظر «الوافي بالوفيات» (6/ 5- 11) و «فوات الوفيات» (1/ 20- 30) .
[2]
البيتان من قصيدة طويلة انظرها في «ديوانه» بتحقيق بطرس البستاني ص (92- 94) طبع مكتبة صادر.
[3]
في «ديوانه» : «أهلها» .
[4]
انظر «ديوانه» ص (35) .
[5]
في «ديوانه» : «ففي لحظ» .
ثم إنه هوي بعد إسلامه صبيا اسمه محمد، فقال [1] :
تركت هوى موسى لحبّ محمد
…
ولولا هدى الرّحمن ما كنت أهتدي
وما عن قلى حبي تركت وإنما
…
شريعة موسى عطّلت بمحمد
مات غريقا، رحمه الله.
وفيها ابن العلّيق أبو نصر الأعزّ بن فضائل البغدادي البابصري [2] .
روى عن شهدة، وعبد الحق، وجماعة. وكان صالحا، تاليا لكتاب الله تعالى. توفي في رجب.
وفيها البشيريّ [3]- بفتح الموحدة وكسر المعجمة وبعد الياء راء، نسبة إلى قلعة بشير بنواحي الدوران من بلاد الأكراد- أبو محمد عبد الخالق بن الأنجب بن معمر الفقيه ضياء الدّين، شيخ ماردين. روى عن أبي الفتح بن شاتيل وجماعة، وكانت له مشاركة قويّة في العلوم.
قال الذهبي: قال شيخنا الدّمياطي: مات في الثاني والعشرين من ذي الحجّة، وقد جاوز المائة.
وقال الشريف عز الدّين في «الوفيات» : كان يذكر أنه ولد سنة سبع وثلاثين وخمسمائة. قاله في «العبر» .
[1] رواية البيتين في «ديوانه» ص (139) :
تسلّيت عن موسى بحبّ محمد
…
هديت، ولولا الله ما كنت أهتدي
وما عن قلى قد كان ذاك، وإنما
…
شريعة موسى عطّلت بمحمّد
[2]
انظر «العبر» (5/ 202) و «سير أعلام النبلاء» (23/ 238- 239) و «الإعلام بوفيات الأعلام» ص (271) .
[3]
تنبيه: كذا قيد المؤلّف- رحمه الله نسبته «البشيري» وهو وهم منه في قراءتها، والصواب «النّشتبري» كما في «سير أعلام النبلاء» (23/ 239) و «الإعلام بوفيات الأعلام» ص (271) و «العبر» (5/ 202) وقد ضبطت فيه بكسر النون المشدّدة.
وفيها الإمام رشيد الدّين عبد الظاهر بن نشوان الجذامي المصري [1] الضرير، شيخ الإقراء بالدّيار المصرية. كان عارفا بالنحو أيضا.
قال السيوطي في «حسن المحاضرة» : قرأ على أبي الجود، وسمع من أبي القاسم البوصيري، وبرع في العربية، وتصدّر للإقراء، وانتهت إليه رئاسة الفنّ في زمانه، وكان ذا جلالة ظاهرة، وحرمة وافرة، وخبرة تامّة بوجوه القراءات. مات في جمادى الأولى، وهو والد الكاتب البليغ محيي الدّين بن عبد الظّاهر. انتهى.
وفيها أبو نصر الزّبيدي عبد العزيز بن يحيى بن المبارك الرّبعي البغدادي [2] ولد سنة ستين وخمسمائة، وسمع من شهدة وغيرها، وتوفي سلخ جمادى الأولى.
وفيها نور الدّين أبو محمد عبد اللّطيف [بن علي] بن نفيس بن بورنداز [3] بن الحسام البغدادي الحنبلي المحدّث المعدّل.
ولد في صفر سنة تسع وثمانين وخمسمائة، وسمع من أبيه أبي الحسن، وأبي محمد جعفر بن محمد بن أموسان، وغيرهما. وعني بهذا الشأن. وقرأ الكثير على عمر بن كرم، ومن بعده. وكتب الكثير بخطّه.
قال الذهبي في «تاريخه» : هو الحافظ المفيد، كتب الكثير، وأفاد، وسمع منه الحافظ الدّمياطي، وذكره في «معجمه» .
[1] انظر «العبر» (5/ 202) و «معرفة القراء الكبار» (2/ 650) و «غاية النهاية في طبقات القراء» (2/ 391- 392) و «حسن المحاضرة» (1/ 500) .
[2]
انظر «العبر» (5/ 203) و «سير أعلام النبلاء» (23/ 251- 252) و «الإعلام بوفيات الأعلام» ص (271) .
[3]
في «ذيل طبقات الحنابلة» (2/ 247) : «ابن نورندان» وما بين الحاصرتين مستدرك منه.
وشهد عند محمود الزّنجاني [1] .
ثم إنه امتحن لقراءته شيئا من أحاديث الصفات بجامع القصر، فسعى به بعض المتجهمة، وحبس مديدة، وأسقطت عدالته، ثم أفرج عنه، وأعاد عدالته ابن مقبل، ثم أسقطت، ثم أعاد عدالته قاضي القضاة أبو صالح، فباشر ديوان الوكالة إلى آخر عمره.
توفي بكرة السبت ثالث عشري ربيع الآخر ودفن بباب حرب، وكان له جمع عظيم، وشدّ تابوته بالحبال، وأكثر العوام الصّياح في الجنازة: هذه غايات الصالحين. انتهى.
قال ابن السّاعي: ولم أر ممن كان على قاعدته فعل في جنازته مثل ذلك، فإنه كان كهلا يتصرف في أعمال السلطان، ويركب الخيل، ويحلّي فرسه بالفضة على عادة أعيان المتصرفين. انتهى.
وقال ابن رجب: حصل له ذلك ببركة السّنّة، فإن الإمام أحمد قال:
بيننا وبينهم [2] الجنائز.
وفيها ابن الجمّيزي العلّامة بهاء الدّين أبو الحسن علي بن هبة الله ابن سلامة بن المسلم بن أحمد بن علي اللّخمي المصري الشافعي [3] ، مسند الدّيار المصرية وخطيبها ومدرسها.
ولد بمصر يوم الأضحى سنة تسع وخمسين وخمسمائة، وحفظ القرآن سنة تسع وستين، ورحل به أبوه فسمّعه بدمشق من ابن عساكر، وببغداد من
[1] تصحفت نسبته في «آ» و «ط» إلى «الريحاني» والتصحيح من «ذيل طبقات الحنابلة» وانظر «سير أعلام النبلاء» (23/ 345) .
[2]
يعني أهل البدعة.
[3]
انظر «العبر» (5/ 203) و «سير أعلام النبلاء» (23/ 253- 254) و «الإعلام بوفيات الأعلام» ص (271) و «غاية النهاية في طبقات القراء» (1/ 583) .
شهدة وجماعة، وقرأ القراءات على أبي الحسن البطائحي. وقرأ كتاب «المهذب» على القاضي أبي سعد بن أبي عصرون. وقرأه أبو سعد على القاضي أبي علي الفارقي عن مؤلّفه، وسمع بالإسكندرية من السّلفي، وتفرّد في زمانه. ورحل إليه الطلبة، ودرّس وأفتى، وانتهت إليه مشيخة العلم بالدّيار المصرية. وهو آخر من قرأ القراءات في الدّنيا على البطائحي، بل وآخر من روى عنه بالسماع. وقرأ أيضا بالقراءات العشر على ابن أبي عصرون. وسمع منه الكثير، وهو آخر تلاميذه في الدّنيا. وكان رئيس العلماء في وقته، معظما عند الخاصة والعامة، وعليه مدار الفتوى ببلده. كبير القدر، وافر الحرمة.
روى عنه خلائق لا يحصون. توفي في الرابع والعشرين من ذي الحجّة.
وفيها السّديد أبو القاسم عيسى بن أبي الحرم مكّي بن حسين العامري المصري الشافعي المقرئ [1] ، إمام جامع الحاكم. قرأ القراءات على الشّاطبي وأقرأها مدة، وتوفي في شوال عن ثمانين سنة، وقرأ عليه غير واحد.
وفيها ابن المنّي أبو المظفّر سيف الدّين محمد بن أبي البدر مقبل بن فتيان بن مطر النّهرواني [2] ، المفتي الإمام. الفقيه الحنبلي، ابن أخي شيخ المذهب أبي الفتح بن المنّي.
ولد ببغداد في خامس رجب، سنة سبع، وقيل: تسع وستين وخمسمائة.
وقرأ بالروايات على ابن الباقلّاني بواسط. وروى عن جماعة، منهم:
[1] انظر «العبر» (5/ 203- 204) و «معرفة القراء الكبار» (2/ 652) و «الإعلام بوفيات الأعلام» ص (271) .
[2]
انظر «العبر» (5/ 204) و «سير أعلام النبلاء» (23/ 252- 253) و «ذيل طبقات الحنابلة» (2/ 248) .
شهدة، وعبد الحق اليوسفي. وتفقه على عمه ناصح الإسلام أبي الفتح بن المنّي. وتأدّب بالحيص بيص الشاعر وغيره. وناظر في المسائل الخلافية، وأفتى وشهد عند القضاة. وكان حسن المناظرة، متدينا، مشكور الطريقة، كثير التلاوة للقرآن الكريم.
وحدّث، وأثنى عليه ابن نقطة، وروى عنه ابن النجار، وابن السّاعي، وعمر بن الحاجب. وبالإجازة جماعة، آخرهم: زينب بنت الكمال المقدسية، وتوفي في سابع جمادى الآخرة ببغداد، ودفن بمقبرة باب حرب.
وفيها جمال الدّين بن مطروح الأمير الصّاحب أبو الحسين يحيى بن عيسى بن إبراهيم بن مطروح المصري [1] ، صاحب الشعر الرائق.
ولد بأسيوط يوم الاثنين ثامن رجب، سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة.
ونشأ هناك، وتنقلت به الأحوال والخدم والولايات، حتّى اتصل بخدمة السلطان الملك الكامل بن الملك العادل بن أيوب، وكان إذ ذاك نائبا عن أبيه بالدّيار المصرية. ولما اتسعت مملكة الكامل بالبلاد الشرقية، وصار له آمد، وحصن كيفا، وحرّان، والرّها، والرّقّة، ورأس عين، وسروج، وما انضم إلى ذلك، سيّر إليها ولده الملك الصالح نائبا عنه، وذلك في سنة تسع وعشرين وستمائة، فكان ابن مطروح في خدمته، ولم يزل ينتقل في تلك البلاد إلى أن وصل الملك الصّالح إلى مصر مالكا لها، وكان دخوله يوم الأحد السابع والعشرين من ذي القعدة، سنة سبع وثلاثين وستمائة. ثم وصل ابن مطروح إلى الدّيار المصرية في أوائل سنة تسع وثلاثين. فرتّبه السلطان ناظرا في الخزانة، ولم يزل يقرب منه ويحظى عنده، إلى أن ملك الصالح دمشق في
[1] انظر «وفيات الأعيان» (6/ 258- 266) و «العبر» (5/ 204) و «سير أعلام النبلاء» (23/ 273- 274) و «الإعلام بوفيات الأعلام» ص (271) و «النجوم الزاهرة» (7/ 27- 29) .
جمادى الأولى، سنة ثلاث وأربعين. فكان ابن مطروح في صورة وزير لها، ومضى إليها، فحسنت حاله، وارتفعت منزلته، ثم إن الصّالح توجّه إليها، فوصلها في شعبان، سنة ست وأربعين، وجهّز عسكرا إلى حمص لاستنقاذها من نواب الملك الناصر، فعزل ابن مطروح عن ولايته بدمشق، وسيّره مع العسكر، ثم بلغه أن الفرنج قد اجتمعوا في جزيرة قبرس [1] على عزم قصد الدّيار المصرية، فسيّر إلى العسكر المحاصرين حمص، وأمرهم أن يعودوا لحفظ الدّيار المصرية، فعاد العسكر وابن مطروح في الخدمة، والملك الصالح متغير عليه لأمور يفهمها منه [2] .
ولما مات الملك الصالح، وصل ابن مطروح إلى مصر، وأقام في داره إلى أن مات.
قال ابن خلّكان: كان ذا أخلاق رضية، وكان بيني وبينه مكاتبات ومودة أكيدة، وله ديوان شعر أنشدني أكثره، فمن ذلك قوله في أول قصيدة طويلة:
هي رامة فخذوا يمين الوادي
…
وذروا السّيوف تقرّ في الأغماد
وحذار من لحظات أعين عينها
…
فلكم صرعن بها من الآساد
من كان منكم واثقا بفؤاده
…
فهناك ما أنا واثق بفؤادي
يا صاحبيّ ولي بجرعاء الحمى
…
قلب أسير ما له من فادي
سلبته مني يوم بانوا مقلة
…
مكحولة أجفانها بسواد
وبحيّ من أنا في هواه ميّت
…
عين على العشّاق بالمرصاد
وأغنّ مسكيّ اللّمى معسوله
…
لولا الرقيب بلغت منه مرادي
كيف السّبيل إلى وصال محجّب
…
ما بين بيض ظبا وسمر صعاد
[1] كذا كانت تعرف في السابق ب «قبرس» بالسين المهملة آخر الحروف، وتعرف في أيامنا ب «قبرص» بالصاد آخر الحروف.
[2]
في «وفيات الأعيان» مصدر المؤلّف: «لأمور نقمها عليه» .
في بيت شعر نازل من شعره
…
فالحسن منه عاكف في بادي
حرسوا مهفهف قدّه بمثقّف
…
فتشابه الميّاس بالميّاد
قالت لنا ألف العذار بخدّه
…
في ميم مبسمه شفاء الصّادي
ومن شعره قوله:
وعلّقته من آل يعرب لحظه
…
أمضي وفتك من سيوف عريبه
أسكنته بالمنحنى من أضلعي
…
شوقا لبارق شوقه وعذيبه
يا عائبا ذاك الفتور بطرفه
…
خلّوه لي أنا قد رضيت بعيبه
لدن وما مرّ النّسيم بعطفه
…
أرج وما نفح العبير بجيبه
ونزل في بعض أسفاره بمسجد وهو مريض فقال:
يا ربّ قد عجز الطّبيب فداوني
…
بلطيف صنعك واشفني يا شافي
أنا من ضيوفك قد حسبت وإنّ من
…
شيم الكرام البرّ بالأضياف
وله بيتان ضمنهما بيت المتنبي وأحسن فيهما، وهما:
إذا ما سقاني ريقه وهو باسم
…
تذكّرت ما بين العذيب وبارق
ويذكرني من قدّه ومدامعي
…
مجر عوالينا ومجرى السوابق
وكان بينه وبين البهاء زهير محبة قديمة من زمن الصّبا وإقامتهما بالصعيد، حتى كانا كالأخوين وليس بينهما فرق في أمور الدّنيا. ثم اتصلا بخدمة الصالح وهما على تلك الحال والمودة.
وتوفي ليلة الأربعاء مستهل شعبان، ودفن بسفح المقطّم، وأوصى أن يكتب عند رأسه دو بيت نظمه في مرضه وهو:
أصبحت بقعر حفرتي [1] مرتهنا
…
لا أملك من دنياي إلّا كفنا
يا من وسعت عباده رحمته
…
من بعض عبادك المسيئين [2] أنا
[1] في «وفيات الأعيان» : «حفرة» .
[2]
في «آ» و «ط» : «المسيكين» وما أثبته من «وفيات الأعيان» .