الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال الأستاذ (ص 38): «يقول فيه البخاري: إنه منكر الحديث. ويقول أبو زُرْعة: «في حديثه خطأ كثير» .
أقول: وثَّقه إسحاق بن راهويه ويحيى بن معين، ووثقه أيضًا ابن سعد والدارقطني ووصفاه بكثرة الخطأ، ولخَّص محمد بن نصر المروزي حاله فقال:«إذا انفرد بحديث وجب [1/ 486] أن يتوقف فيه ويتثبت؛ لأنه كان سيئ الحفظ كثير الغلط» .
فحدُّه أن لا يحتج به إلا فيما توبع فيه، وفيما ليس من مظان الخطأ.
254 - مؤمَّل بن إهاب:
راجع «الطليعة» (ص 68)
(1)
. وحاصل ذلك أن الأستاذ قال في «التأنيب» (ص 65): «ضعَّفه ابن معين على ما حكاه الخطيب» . فبينتُ أن الخطيب إنما حكى عن ابن الجنيد قال: «سئل يحيى بن معين ــ وأنا أسمع ــ عن مؤمل بن إهاب، فكأنه ضعَّفه» . وقد وثَّقه جماعة.
فقال الأستاذ في «الترحيب» (ص 45): «فقول القائل: (كأنه ضعَّفه) لا يفرق كثيرًا من قوله: (ضعفه)، لكون الحكم على الأحاديث بالصحة أو الضعف، وعلى الرجال بالثقة أو الضعف، في أخبار الآحاد مبنيًّا على ما يبدو للناظر
(2)
، لا على ما في نفس الأمر. فظهر أن ذلك عبارة عن غلبة الظن فيما لا يقين فيه، وسبق أن نقلنا عن أحمد في الرمادي: كأنه يغيِّر الألفاظ. وقد بنى عليه الذمَّ الشديد باعتبار أن ظنَّ الناظر ملزم».
(1)
(ص 51).
(2)
كذا في (ط) وفي «الترحيب» : «للناقد» .
أقول: ابن الجنيد هنا راوٍ لا ناظر، وباب الرواية اليقين. فإن كان قد يكفي الظن، فذاك الظن الجازم، وآيتُه أن يجزم الراوي الثقة. فأما قوله:«أظن» مثلًا، فإنه يصدق بظن ما، وقد قال الله تعالى:{إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات: 12] فما بالك بقوله: «فكأنه ضعَّفه» . وأصل كلمة «كأن» للتشبيه، والتشبيه يستلزم كون المشبَّه غير المشبه به. فأما معناها الثاني فعبَّر عنه في «مغني اللبيب»
(1)
بقوله: «الشك والظن» فدل ذلك على أنها دون «أظنه» . وفي ترجمة الحسن بن موسى الأشيب من «مقدمة الفتح»
(2)
مثل هذه الكلمة «كأنه ضعيف» ، فدفعها الحافظ ابن حجر بقوله:«هذا ظن لا تقوم به حجة» .
هذا وترددُ ابن الجنيد يحتمل وجهين أظهرهما: أن يكون جرى من ابن معين عندما سئل عن مؤمّل ما يُشعر بأنه لم يُعجبه مؤمل. ولا ندري ما الذي جرى منه وما قدرُ دلالته؟ على أنهم مما يقولون: «ضعَّفه فلان» مع أن الواقع من فلان تليين يسير، كما تقدمت الإشارة إليه في القاعدة السادسة من قسم القواعد
(3)
، فما بالك بقوله:«فكأنه ضعَّفه» ؟ وإنما ينقل أهل العلم أمثال هذه الكلمة لاحتمال أن يوجد تضعيف صريح، فيكون مما يعتضد به. فأما هنا فلا يوجد إلا التوثيق. نعم، الثقات يتفاوتون في درجات التثبت، ويظهر أن مؤملًا لم يكن في أعالي [1/ 487] الدرجات ففي الرواة من هو أثبت منه،
(1)
(ص 253).
(2)
(ص 397) والعبارة فيه: «كأنه ضعّفه» .
(3)
(1/ 87 وما بعدها).
وإنما يظهر أمر ذلك عند التخالف والتعارض عند الأولين.
فأما كلمة الإمام أحمد في إبراهيم بن بشار الرمادي، فقد تقدم لفظها في ترجمة إبراهيم
(1)
، فراجِعْها يتبيَّنْ لك أن أحمد كان جازمًا بأن إبراهيم كان يملي على الناس على خلاف ما سمعوا، وأنه إنما لامه وذمَّه على ذلك. وإنما قال:«كأنه يغيِّر الألفاظ» لأحد أمرين:
الأول: أن يكون أحمد جوَّز أن تكون العبارة التي ساقها إبراهيم هي عبارة ابن عيينة نفسه قبل ذلك المجلس، وأن تكون عبارة إبراهيم نفسه بأن غيَّر ألفاظ ابن عيينة وعبَّر عن المعنى، وكانت نفس أحمد مائلة إلى هذا الاحتمال الثاني فقال:«كأنه يغيِّر الألفاظ» أي من عنده.
الأمر الثاني: أن يكون أحمد قد علم جملةً حين سمع في ذاك المجلس عبارة سفيان ثم عبارة إبراهيم اختلافَ العبارتين، ولم يحقق حينئذ وجه الاختلاف، ثم لما أخبر بذلك مال إلى أن الوجه هو تغيير الألفاظ.
وعلى كلا الأمرين، فأحمد محقِّق لاختلاف العبارتين جازم به، وعلى ذلك بنى اللوم والذم، لا على مجرد احتمال أن إبراهيم يغيِّر الألفاظ.
فإن قيل: اختلاف العبارتين مستلزم لتغيير الألفاظ. قلت: إنْ صح هذا استعمل أحمد «كأن» في التحقيق بدليل ما قبلها، وذلك خلاف المعنى المتبادر منها. وليس في نقل ابن الجنيد ما يوجب صرفها عن أصل معناها الذي تقدم بيانه. وإذا اشتبه الأمر في المنقول عن إمام، وجب الرجوع إلى
(1)
رقم (2).