الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكان كالتوكيل، فإن الوكيل لا يملك أن يوكل غيره فيما وكله به إلا إذا قيل له اعمل برأيك، بخلاف الإيداع والإبضاع؛ لأنه دونه فيتضمنه. وبخلاف الإقراض حيث لا يملكه وإن قيل له: اعمل برأيك لأن المراد منه التعميم فيما هو من صنيع التجار وليس الإقراض منه وهو تبرع كالهبة والصدقة فلا يحصل له به الغرض وهو الربح؛ لأنه لا تجوز الزيادة عليه. أما الدفع مضاربة فمن صنيعهم، وكذا الشركة والخلط بمال نفسه فيدخل تحت هذا القول.
قال: وإن خص له رب المال التصرف في بلد بعينه أو في سلعة بعينها لم يجز له أن يتجاوزها
ــ
[البناية]
والمستأجر فإنه يجوز للمستعير أن يعير، وللمستأجر أن يؤجر، وللمكاتب أن يكاتب، وكذا العبد المأذون له أن يؤذن عبده.
وأجيب: بأن الكلام في التصرف نيابة وهم لا يتصرفون بحكم المالية، لأن المستعير والمستأجر ملكا المنفعة، والمكاتب صار حرًا يدًا، والعبد المأذون يتصرف بحكم المالكية الأصلية، إذ الإذن بالتجارة فك الحجر، وأما المضارب فإنه يعمل بطريق النيابة؛ لأن فيها معنى الوكالة والوكيل لا يوكل غيره فكذا هذا م:(وكان كالتوكيل) ش: أي وكان أمر المضاربة كأمر التوكيل م: (فإن الوكيل لا يملك أن يوكل غيره فيما وكله به، إلا إذا قيل له اعمل برأيك) ش: فكذا المضارب لا يملك أن يضارب إلا إذا قيل له اعمل برأيك.
م: (بخلاف الإيداع والإبضاع، لأنه دونه) ش: أي لأن حكمهما دون حكم المضاربة م: (فيتضمنه) ش: أي إذا كان كذلك فيتضمن حكم المضاربة حكم الإيداع والإبضاع م: (وبخلاف الإقراض حيث لا يملكه) ش: أي المضارب لا يملك الإقراض.
م: (وإن قيل له اعمل برأيك لأن المراد منه التعميم فيما هو من صنيع التجار وليس الإقراض منه) ش: أي من صنيع التجار م: (وهو) ش: أي الإقراض م: (تبرع كالهبة والصدقة، فلا يحصل له به الغرض وهو الربح؛ لأنه لا تجوز الزيادة عليه) ش: أي على الإقراض عشرة، فإنه لو أقرض عشرة ليستوفي أحد عشر لا يجوز، فلما لم يحصل للربح به لا يكون من صنيع التجار فلا يتناوله التعميم.
م: (أما الدفع مضاربة فمن صنيعهم، وكذا الشركة والخلط بمال نفسه) ش: يعني من صنيعهم وبه قال الثوري ومالك وأحمد والشافعي: ليس له الشركة والخلط، ولو فعل يضمن م:(فيدخل تحت هذا القول) ش: وهو قوله: اعمل برأيك والضمير في يدخل يرجع إلى الشركة والخلط على تأويل كل واحد منهما.
[المضاربة المقيدة]
[خص رب المال للمضارب التصرف في بلد بعينه أو في سلعة بعينها]
م: (قال) ش: أي القدوري: م: (وإن خص له رب المال التصرف في بلد بعينه أو في سلعة بعينها لم يجز له أن يتجاوزها) ش: كل واحد من البلد والسلعة بعينها وبه قال أحمد - رحمه
لأنه توكيل، وفي التخصيص فائدة فيتخصص. وكذا ليس له أن يدفعه بضاعة إلى من يخرجها من تلك البلدة لأنه لا يملك الإخراج بنفسه فلا يملك تفويضه إلى غيره.
قال: فإن خرج إلى غير تلك البلدة فاشترى ضمن، وكان ذلك له وله ربحه؛ لأنه تصرف بغير أمره، وإن لم يشتر حتى رده إلى الكوفة، وهي التي عينها برئ من الضمان كالمودع إذا خالف في الوديعة ثم ترك ورجع المال مضاربة على حاله لبقائه في يده بالعقد السابق،
ــ
[البناية]
الله - قال الشافعي ومالك - رحمهما الله - إذا شرط أن لا يشتري إلا من رجل بعينه أو سلعة بعينها أو ما معهم وجوده لا تصح المضاربة. ويحترز بقوله في بلد بعينه عن السوق بعينه، فإنه لا يتقيد بذلك بالإجماع، إلا إذا صرح التخصيص بالمنهي بأن قال: لا يعمل في غير هذا السوق، فحينئذ يتقيد م:(لأنه توكيل) ش: أي لأن المضاربة توكيل، والتذكير باعتبار عقد المضاربة أو حكمها م:(وفي التخصيص فائدة فيتخصص) ش: والفائدة من وجوه:
أحدها: صيانة ماله من خطر الطريق، والثاني: صيانة ماله عن خيانة المضارب فإنه لو عين عليه بلدًا لو قصد الخيانة لمنعه عنها. والثالث: أن الأسعار بحسب الغلاء والرخص تختلف باختلاف البلدان وكذا النقود فكان الشرط مقيدًا. والرابع: أن المضارب ما دام في المصر لا يستحق المنفعة في مال المضارب وفي السفر يستحقها فيه.
م: (وكذا ليس له أن يدفعه بضاعة) ش: أي وكذا ليس للمضارب أن يدفع المال بضاعة، أراد ليس له الإبضاع م:(إلى من يخرجها) ش: أي البضاعة م: (من تلك البلدة) ش: أي البلدة التي عينها رب المال م: (لأنه لا يملك الإخراج بنفسه فلا يملك تفويضه إلى غيره) ش: أي تفويض الإخراج إلى غيره.
م: (قال) ش: أي في الجامع الصغير م: (فإن خرج إلى غير تلك البلدة فاشترى ضمن) ش: لأنه تصرف فيه بخلاف أمره، فكان غاصبًا، ولم يرد من قوله فاشترى ضمن أن الضمان يترتب على الشراء، لأن الضمان يجب عليه بمجرد الإخراج، وإنما مراده استقرار الضمان على ما يجيء في الكتاب م:(وكان ذلك له) ش: أي الذي اشتراه كان له م: (وله ربحه) ش: أي كان له ربحه الذي حصل منه ولكن يتصدق به على قولهما.
وعلى قول أبي يوسف يطيب له الربح فلا يلزمه التصدق م: (لأنه تصرف بغير أمره) ش: أي لأن الإخراج بتصرف في ملك غيره بغير أمره فيصير غاصبًا فلم يبق مضاربًا. م: (وإن لم يشتر حتى رده على الكوفة وهي) ش: أي والحال أن الكوفة هي م: (التي عينها) ش: أي رب المال م: (برئ) ش: أي المضارب م: (من الضمان كالمودع إذا خالف في الوديعة ثم ترك) ش: أي المخالفة م: (ورجع المال مضاربة على حاله لبقائه في يده بالعقد السابق) ش: الضمير في الموضعين
وكذا إذا رد بعضه واشترى ببعضه في المصر كان المردود والمشتري في المصر على المضاربة لما قلنا، ثم شرط الشراء بها هنا وهو رواية " الجامع الصغير ". وفي كتاب المضاربة ضمنه بنفس الإخراج، والصحيح أن بالشراء يتقرر الضمان لزوال احتمال الرد إلى المصر الذي عينه. أما الضمان فوجوبه بنفس الإخراج وإنما شرط الشراء للتقرر لا لأصل الوجوب
ــ
[البناية]
يرجع إلى المضاربة، والتذكير في الأول باعتبار العقد، وفي الثاني باعتبار المال.
فإن قيل: قوله ورجع المال صح مضاربة يدل على أنها زائلة، وإذا قال العقد لا يرجع إلا بالتجديد، أجيب: بأنه على رواية الجامع الصغير لم يزل، لأن الخلاف إنما يتحقق بالشراء والفرض خلافه وإنما قال: رجع بناء على أنه صار على شرف الزوال، وأما على رواية " المبسوط " فإنها زالت زوالاً موقوفًا حيث ضمنه بنفس الإخراج.
م: (وكذا إذا رد بعضه) ش: أي وكذا تكون المضاربة على حالها إذا رد المضارب بعض المال إلى الموضع الذي عينه م: (واشترى ببعضه في المصر) ش: أي والحال أنه قد اشترى ببعض المال في المصر الذي عينه م: (كان المردود والمشتري في المصر على المضاربة لما قلنا) ش: أشار به إلى قوله: لبقائه في يده بالعقد السابق في الإيضاح ما اشترى ببعضه فهو له، وما رد على المضاربة.
م: (ثم شرط الشراء بها هنا) ش: أي شرط في " الجامع الصغير " في الضمان الشراء، حيث قال فإن خرج إلى غير ذلك البلد فاشترى ضمن، والضمير في بها يرجع إلى المضاربة يعني المراد منه مال المضاربة. ثم فسر قوله ثم شرط الشراء بها هنا بقوله: م: (وهو رواية الجامع الصغير) ش: أي المذكور في شرط الشراء هو رواية " الجامع الصغير ".
م: (وفي كتاب المضاربة) ش: يعني في " المبسوط " م: (ضمنه بنفس الإخراج) ش: أي ضمن المضارب بنفس الإخراج مال المضاربة سواء اشترى بها أو لا م: (والصحيح أن بالشراء يتقرر الضمان لزوال احتمال الرد إلى المصر الذي عينه، أما الضمان فوجوبه بنفس الإخراج، وإنما شرط الشراء للتقرر لا لأصل الوجوب) ش: يعني لتقرر الوجوب لا لأصل وجوب الضمان.
حاصله أن الضمان يجب بنفس الإخراج ولكنه على شرف الزوال، فإذا اشترى به تقرر وتأكد، أشار له بقوله لزوال احتمال الرد. وأما إذا اشترى ببعضه فيه وببعض آخر في غيره فهو ضامن لما اشتراه في غيره وله ربحه وعليه وضيعته لتحقق الخلاف منه في ذلك القدر والباقي على المضاربة، إذ ليس من ضرورة صيرورته ضامنًا لبعض المال انتفاء حكم المضاربة فيما بقي، قيل: فيه نظر لأن الصفقة متحدة وفي ذلك تفريقها. قلنا: الجزء معتبر بالكل وتفريق الصفقة موضوع إذا استلزم ضررًا ولا ضرر عند الضمان.
وهذا بخلاف ما إذا قال على أن يشتري في سوق الكوفة حيث لا يصح التقييد؛ لأن المصر مع تباين أطرافه كبقعة واحدة فلا يفيد التقييد إلا إذا صرح بالنهي بأن قال اعمل في السوق ولا تعمل في غير السوق؛ لأنه صرح بالحجر والولاية إليه. ومعنى التخصيص أن يقول له على أن تعمل كذا
ــ
[البناية]
م: (وهذا بخلاف ما إذا قال على أن يشتري في سوق الكوفة حيث لا يصح التقييد) ش: أشار بهذا إلى قوله وإن خص له رب المال التصرف في بلد بعينه م: (لأن المصر مع تباين أطرافه كبقعة واحدة فلا يفيد التقييد إلا إذا صرح بالنهي بأن قال اعمل في السوق ولا تعمل في غير السوق، لأنه صرح بالحجر، والولاية إليه) ش: أي ولاية الحجر إليه، أي إلى رب المال.
فإن قيل: ينتقض هذا بما لو قال بع بالنسيئة ولا تبع بالنقد أو على العكس، حيث لو باعها بالنقد أو بالنسيئة لا يكون مخالفًا مع صريح النهي إذا كان السعر بالنقد والنسيئة لا يتفاوت.
الجواب عن هذا: مبني على أصل وهو أن القيد المقيد من كل وجه متبع وغير المقيد من كل وجه لغو، والمقيد من وجه دون وجه متبع عند النهي الصريح ولغو عند السكوت عنه.
فالأول: كالتخصيص ببلد وسلعة وقد تقدم، والثاني: كصورة النقض، فإن البيع نقدًا بثمن كان خيرًا، فكان التقييد مضرًا. والثالث كالنهي عن السوق فإنه مقيد من وجه من حيث إن البلدة ذات أماكن مختلفة حقيقة وهو ظاهر، وحكمًا فإنه إذا شرط الحفظ على المودع في محلة ليس له أن يحفظها في غيرها، وقد تختلف الأسعار أيضًا باختلاف أماكنه.
وغير مقيد من وجه وهو أن المصر مع تباين أطرافه جعل كمكان واحد كما إذا اشتراط الاثنان السلم بأن يكون في المصر ولم يبين المحلة، فاعتبرناه حالة التصريح بالنهي لولاية الحجر، ولم يعتبر عند السكوت.
م: (ومعنى التخصيص أن يقول له على أن تعمل كذا) ش: لما قال فيما مضى وإن خص له رب المال.... إلى آخره، شرع هنا يبين معنى التخصيص ما هو وذكر ألفاظًا تدل على التخصيص، والتقدير: ومعنى التخصيص يحصل بأن يقول كذا وكذا أي بهذه الألفاظ والغرض من ذكره التمييز بين ما يدل منها على التخصيص وما لا يدل، ومجموع ذلك ثمانية، ستة منها تقييد التخصيص، واثنان منها تعتبر مشورة.
والضابط لتمييز ما يفيد التخصيص عما لا يفيده، هو أن رب المال إذا أعقب لفظ المضاربة كلامًا لا يصح الابتداء به ويصح متعلق بما تقدم، جعل متعلقًا به لئلا يلغو، وإذا أعقب ما يصلح الابتداء لم يجعل متعلقًا بما تقدم لانتفاء الضرورة، وعلى هذا إذا قال خذ هذا المال على أن تعمل كذا، يكون تخصيصًا، لأنه أعقب لفظ المضاربة ما لا يصح الابتداء، حيث لا يصح أن