الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومن قتله أهل الحرب أو أهل البغي أو قطاع الطريق فبأي شيء قتلوه لم يغسل؛ لأن شهداء أحد ما كان كلهم قتيل السيف والسلاح،
وإذا استشهد الجنب غسل عند أبي حنيفة رحمه الله وقالا: لا يغسل؛ لأن ما وجب بالجنابة سقط بالموت، والثاني: لم يجب للشهادة. ولأبي حنيفة رحمه الله أن الشهادة عرفت مانعة غير رافعة،
ــ
[البناية]
السادس: إن لم يكن صلى عليهم في ذلك اليوم صلى عليهم في يوم آخر؛ لأنه لا يعتبر عليهم بمرور السن كما ذكرناه.
السابع: قد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم صلى على غيرهم من الشهداء، ويقولون: لا تشرع الصلاة على شهيدنا.
الثامن: أن الذي ذهبنا إليه أحوط في الدين، وفيه تحصيل الأجر والثواب العظيم، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«من صلى على ميت فله قيراط» ، ولم يفصل بين ميت وميت. م:(ومن قتله أهل الحرب أو أهل البغي أو قطاع الطريق فبأي شيء قتلوه لم يغسل) ش: عندنا، خلافا للشافعي ومالك وأحمد رضي الله عنهم في غير أهل الحرب وقالت الشافعية: قتيل أهل البغي يغسل ويصلى عليه في أصح القولين. وفي قتيل قطاع الطريق طريقان، وكذا في قتيل اللصوص طريقان. ولو أمر الكافر مسلما وقتلوه صبرا ففي غسله والصلاة عليه وجهان: أصحهما أنه ليس بشهيد، وعندنا شهيد، وبه قال مالك وأحمد رضي الله عنهما، ولما كان في قتال أهل الحرب ليتمم الآلة، فكذا في قتال أهل البغي وقطاع الطريق؛ لأنهم في حكم القتال كأهل الحرب حتى لا يضمنون ما أتلفوا.
م: (لأن شهداء أحد ما كان كلهم قتيل السيف والسلاح) ش: لأن منهم من دفع بالحجر، ومنهم من قتل بالعصا، وغير ذلك، وعمم النبي صلى الله عليه وسلم في حق ترك غسلهم.
[تغسيل الشهيد الجنب]
م: (وإذا استشهد الجنب غسل عند أبي حنيفة رحمه الله) ش: وبه قال أحمد وسحنون. ومن المالكية ابن شريح وابن أبي هريرة رحمهم الله من الشافعية، وهو قول الأوزاعي.
م: (وقالا: لا يغسل) ش: أي قال أبو يوسف ومحمد: لا يغسل، وبه قال الشافعي وأشهب م:(لأن ما وجب بالجنابة) ش: الذي هو الغسل م: (سقط بالموت) ش: للعجز عنه م: (والثاني) ش: أي الغسل الثاني م: (لم يجب للشهادة) ش: أي لأجل كونه شهيدا، إذا للشهادة تمنعه؛ لأن قوله صلى الله عليه وسلم:«زملوهم بكلومهم ودمائهم» لا يفصل بين الشهيد الجنب وغيره.
م: (ولأبي حنيفة أن الشهادة عرفت مانعة) ش: وجوب غسل الميت م: (غير رافعة) ش: لقد وجب عليه قبل موته، ألا ترى أنه لو كان في ثوب الشهيد نجاسة تغسل تلك النجاسة ولا يغسل عنه الدم؟
فلا ترفع الجنابة، وقد صح أن حنظلة لما استشهد جنبا غسلته الملائكة،
ــ
[البناية]
فإن قلت: لو لم يكن رافعا لوضوء الحدث إذا استشهد، واللازم باطل، فكذا الملزوم، قلت: لا يلزم من أن لا يكون رافعا للأعلى أن يكون رافعا للأدنى.
م: (وقد صح أن حنظلة لما استشهد جنبا غسلته الملائكة) ش: روي هذا من حديث ابن عباس رضي الله عنه رواه الطبراني في "معجمه " عنه، قال: أصيب حمزة بن عبد المطلب، وحنظلة بن الراهب وهما جنبان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" إني رأيت الملائكة تغسلهما ". وحديث ابن الزبير رواه ابن حبان في "صحيحه " والحاكم في " المستدرك " من حديث يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن عبد الله عن جده قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قتل حنظلة بن عامر الثقفي أن صاحبكم حنظلة غسلته الملائكة، فسألوا صاحبته، فقالت: خرج وهو جنب لما سمع الهاتفة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لذلك غسلته الملائكة» . قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم وليس عنده فاسألوا صاحبته.
قال السهيلي في " الروض الأنف ": وصاحبته هي زوجته جميلة بنت أبي ابن سلول أخت عبد الله بن أبي، وكان قد بنى بها تلك الليلة فرأت في منامها كأن بابا من السماء فتح فدخل وأغلق دونه، فعرفت أنه مقتول من الغد، فلما أصبحت دعت برجال من قومها وأشهدتهم أنه دخل بها خشية أن يقع في ذلك نزاع، ذكره الواقدي، وذكر غيره أنه وجد بين قتلى يقطر رأسه ماء؛ تصديقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال ابن سعد في " الطبقات ": قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني رأيت الملائكة تغسل حنظلة بن أبي عامر بين السماء والأرض بماء نزل في صحاف الفضة» .
وحديث محمود بن لبيد رواه ابن إسحاق في " المغازي " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن صاحبكم - يعني حنظلة بن أبي عامر - لتغسله الملائكة " فسألوا أهله ما شأنه؟ فقالت: إنه خرج وهو جنب حين سمع الهاتفة» بالتاء المثناة من فوق والفاء، ويقال: الهايعة بالتاء آخر الحروف وبالعين المهملة، والهيعة الصوت الشديد عند الفزع. وحنظلة بن أبي عامر عمرو بن صيفي بن زيد الأنصاري الأوسي، يعرف أبوه بالراهب في الجاهلية، فسماه النبي صلى الله عليه وسلم الفاسق؛ لأنه يروح من المدينة إلى مكة، ثم قدم قريش يوم أحد محاربا، وكان بمكة إلى أن فتحت، فهرب إلى هرقل فمات هناك كافرا سنة تسع أو عشر، وأولاد حنظلة يسمون أولاد غسيل الملائكة.
فإن قلت: الواجب غسل بني آدم دون الملائكة، ولو كان ذلك واجبا لأمر عليه السلام بإعادة
وعلى هذا الخلاف الحائض والنفساء إذا طهرتا، وكذا قبل الانقطاع في الصحيح من الرواية،
وعلى هذا الخلاف الصبي. لهما أن الصبي أحق بهذه الكرامة. وله أن السيف كفى عن الغسل في حق شهداء أحد بوصف كونه طهرة عن الذنوب، ولا ذنب على الصبي فلم يكن في معناهم
ــ
[البناية]
غسله.
قلت: الواجب هو الغسل، وأما الغاسل فيجوز كائنا من كان، ألا ترى أن الملائكة لما غسلوا آدم عليه السلام، فأدي به الواجب ولم يعد أولاده غسله.
م: (وعلى هذا الخلاف) ش: أي الخلاف المذكور بين أبي حنيفة وصاحبيه م: (الحائض والنفساء إذا طهرتا) ش: عندهما لا يغسلان؛ لأن الغسل الأول سقط بالموت، والثاني أنه لم يجب بالشهادة، وعنده يغسلان؛ لأن الشهادة عرفت مانعة غير رافعة م:(وكذا قبل الانقطاع) ش: أي وكذا يغسلان إذا قتلتا قبل انقطاع الدم م: (في الصحيح من الرواية) ش: عن أبي حنيفة رضي الله عنه وهي رواية الحسن عنه، واحترز به عن رواية المعلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة رضي الله عنهما أنهما لا يغسلان؛ لأنه لم يكن الغسل واجبا حالة الحياة قبل الانقطاع، فلم يجب بالموت غسل آخر.
وجه الصحيح من الرواية أن حكم الحيض انقطع بالموت، فصار كأن انقطاع الحيض قبل الموت. وعندهما لا يغسلان بكل حال. وفي الجنازية هذا الحديث في النفساء يجري على إطلاقه؛ لأن أقل النفساء لا حد له. أما الحائض فتصور فيه فيما إذا استمر بها الدم ثلاثة أيام، ثم قتلت قبل الانقطاع، أما لو رأت يوما أو يومين، ثم قتلت لا تغسل بالإجماع، ذكره التمرتاشي بعدم كونها حائضا.
م: (وعلى هذا الخلاف) ش: أي الخلاف المذكور م: (الصبي) ش: إذا استهل يغسل عند أبي حنيفة رضي الله عنه خلافا لهما وللشافعي أيضا م: (لهما) ش: أي لأبي يوسف ومحمد م: (أن الصبي أحق بهذه الكرامة) ش: وهي سقوط الغسل؛ لأن سقوط الغسل لإبقاء أثر مظلوميته في الغسل وكان إكراما له، والمظلومية في حق الصبي أشد، فكان أحق بهذه الكرامة.
م: (وله) ش: أي ولأبي حنيفة رحمه الله م: (أن السيف كفى عن الغسل في حق شهداء أحد بوصف كونه طهرة عن الذنوب، ولا ذنب على الصبي، فلم يكن في معناهم) ش: أي في معنى شهداء أحد، فإذا لم يكن في معناهم يغسل، وكذلك الخلاف في المجنون إذا استشهد. وفي " المبسوط ": الصبي غير مكلف ولا يخاصم بنفسه في حقوقه، والخصم عنه في حقوقه في الآخرة هو الله تعالى، فلا حاجة إلى بقاء أثر الشهادة لعلهم يدلونه.