الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الاستسقاء الذبح والتقرب إلى الله بنزول المطر، هل ورد في السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك أم يعتبر ذلك بدعة؟ (1)
ج: لا أصل لهذا إلا في عيد الأضحى، يضحي بالضحية، وفي أيام منى، النحر، أما كونه في عيد الفطر فما فيه ذبح، أما إذا كان عنده ضيوف أو دعا أقاربه وجعل لهم ضيافة لأجل أن دعاهم للغداء عنده يتغدون، أو جاءه ضيوف فلا بأس، أما اتخاذ هذا تعبدا، يذبح ذبائح في عيد الفطر أو بعد صلاة الاستسقاء يرى أنها قربه، فهذا ليس له أصل.
(1) السؤال السادس عشر من الشريط رقم (385).
276 -
بيان أسباب عدم نزول المطر
س: كثيرا ما أسمع أن عدم نزول القطر من السماء متعلق بالعبادة، فإذا كان كذلك فهل الذي في الهند وغيرهم الذين يأتيهم المطر باستمرار يعبدون الله أكثر مما نحن نعبده، أو أن المسألة دوران فلك؟ أرجو توضيح ذلك لو تكرمتم، والواقع يشغل هذا سماحة الشيخ أذهان كثير من الناس. (1)
ج: على المؤمن وعلى كل مسلم أن يعلم أن الله سبحانه خلق الخلق وتكفل بأرزاقهم، سواء كانوا كفارا أو مسلمين، قال عز وجل:
(1) السؤال الثالث عشر من الشريط رقم (78).
{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} (1) وقال سبحانه: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (2){مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ} (3){إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} (4) وقال سبحانه: {وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ} (5) فهو سبحانه خلق الخلق من جن وإنس وكفار ومسلمين، وتكفل بأرزاقهم، فهو ينزل الأمطار ويجري الأنهار في البلاد الإسلامية وغيرها، ويرزق هؤلاء وهؤلاء، لكنه سبحانه يؤدب عباده المسلمين إذا فعلوا ما يخالف شرعه، وعصوا أمره، قد يؤدبهم ويعاقبهم لينتبهوا، وليحذروا أسباب غضبه، فيمنع القطر كما منع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أصلح الناس، عهد النبي أصلح الناس، وأصلح العهود؛ فالنبي أصلح الناس وصحابته أصلح العباد، ومع هذا ابتلوا بالقحط والجدب حتى طلب المسلمون من الرسول أن يستغيث، وقالوا: يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله أن يغيثنا. فاستغاث فرفع يديه وقال:«اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا (6)» فأنزل الله المطر وهو على المنبر عليه الصلاة والسلام، أنشأ الله السحاب سبحانه وهو على المنبر، ثم اتسعت وأمطرت، فخرج الناس تهمهم نفوسهم من شدة المطر، فلم يزل المطر حتى جاءت الجمعة الأخرى،
(1) سورة هود الآية 6
(2)
سورة الذاريات الآية 56
(3)
سورة الذاريات الآية 57
(4)
سورة الذاريات الآية 58
(5)
سورة العنكبوت الآية 60
(6)
أخرجه البخاري في كتاب الاستسقاء، باب في خطبة الجمعة غير مستقبل القبلة، برقم (1014)، ومسلم في كتاب صلاة الاستسقاء، باب الدعاء في الاستسقاء، برقم (897).
فجاءوا إليه وقالوا: يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله أن يمسكها عنا، فضحك عليه الصلاة والسلام من ضعف بني آدم، في الجمعة الأولى يطلبون الغيث، وفي الجمعة الأخرى يطلبون الإمساك، فرفع يديه، وقال:«اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر (1)» قال أنس: فتمزق السحاب في الحال، وصارت المدينة مثل الجوبة، يمطر هاهنا وهاهنا، المقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم استغاث، وأصيب الناس بالجدب في زمانه، وأصاب أصحابه الجدب وهم خير الناس؛ تأكيدا وتنبيها حتى ينتبه الناس وحتى يضرعوا إلى ربهم، ويسألوه من فضله سبحانه وتعالى؛ لأن تأديبهم فيه خير لهم، يتنبهون ويعبدونه بالدعاء ويضرعون إليه، ويعلمون أنه الرازق، فهكذا البلاد الإسلامية، وإن كانت بلادهم أصلح من بلاد الكفار، وهم خير من الكفار، وهم أعبد الناس لربهم سبحانه وتعالى، لكن يبتليهم بالسراء والضراء، بالسراء حتى يشكروا، وبالضراء حتى ينتبهوا ويصبروا، وحتى يجازيهم بالأجر العظيم على صبرهم، وبالأجر العظيم على شكرهم، فإذا لم ينتبهوا أصيبوا بالجدب والقحط، أو بتسليط الأعداء أو بغير هذا حتى ينتبهوا وحتى يرجعوا إلى الله، وحتى
(1) أخرجه البخاري في كتاب الاستسقاء، باب في خطبة الجمعة غير مستقبل القبلة، برقم (1014)، ومسلم في كتاب صلاة الاستسقاء، باب الدعاء في الاستسقاء، برقم (897).
يتوبوا إليه، كما قال سبحانه:{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} (1) وقال في قصة أحد لما أصابهم ما أصابهم من الهزيمة، قال سبحانه:{أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا} (2) يعني يوم بدر: {قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} (3) فالمسلمون في بدر نصروا على الكفار، وهزم الله الكفار وأسروا منهم سبعين وقتلوا سبعين من الكفار، وصارت الدائرة على الكفار والنصر للمسلمين، وفي يوم أحد جرى على المسلمين مصائب بأسباب أنفسهم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر الرماة أن يلزموا الثغر الذي خلف المسلمين، وكانوا خمسين، أمر عليهم عبد الله بن جبير، وقال لهم: لا تبرحوا مكانكم ولو رأيتمونا تخطفنا الطير سواء نصرنا أو لم ننتصر، لا تبرحوا مكانكم. فلما نصر الله المسلمين وهزم الكفار ظن الرماة أنها الفيصلة، وأن الأمر انتهى، وأنه ما بقي إلا جمع الغنائم، فانصرفوا من مكانهم، فأمرهم أميرهم أن يبقوا، وذكرهم بقول الرسول صلى الله عليه وسلم فامتنعوا عليه وقالوا: إن الأمر انتهى، والكفار انهزموا. فلما فعلوا ذلك جاءت خيل الكفار من خلف المسلمين ودخلوا مع هذا الثغر الذي أهملوه وصارت المصيبة على المسلمين بأسبابهم، فالمقصود أن المسلمين قد
(1) سورة الشورى الآية 30
(2)
سورة آل عمران الآية 165
(3)
سورة آل عمران الآية 165
يبتلون بأمور فيها تذكير لهم، وفيها مصالح لهم، وربك أحكم وأعلم سبحانه وتعالى لينتبهوا وليعلموا أن النصر بيد الله، وأن كونهم عبدوا الله وكونهم فيهم رسول الله لا يكفي، بل لا بد من العمل بطاعة الله، لا بد من القيام بأمر الله، لا بد من الصبر على جهاد أعداء الله؛ ولهذا نبههم بقوله سبحانه وتعالى:{أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} (1) فإذا كان الرسول وأصحابه تصيبهم عقوبات الذنوب، ويبتلون كما يبتلى غيرهم، فكيف بغيرهم؟ أما أولئك الكفرة فقد فرغ منهم، قد أطاعوا الشيطان، وتابعوا الشيطان في الهند وفي غير الهند، وفي أمريكا وفي إنجلترا وفي كل مكان، فإذا أجرى الله عليهم النعم، وأدر عليهم الأرزاق وجاءتهم الأمطار فهو استدراج لهم، والعاقبة وخيمة كما قال عز وجل:{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً} (2) فقد تنزل بهم عقوبات كما نزلت بهم الحرب العظمى الأولى والثانية، نزلت فيهم عقوبات بأسباب الكفر والذنوب، فالله سبحانه وتعالى يملي ولكن لا يغفل سبحانه وتعالى:{وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} (3) ويقول سبحانه:
(1) سورة آل عمران الآية 165
(2)
سورة الأنعام الآية 44
(3)
سورة البقرة الآية 74
{وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} (1) فقد يملي للكفرة، ويتابع عليهم النعم من الأمطار، وجري الأنهار، وأصول الثمار، ثم يأخذهم إذا شاء أخذ عزيز مقتدر سبحانه وتعالى، ثم هم بعد ذلك مستدرجون، فكلما زادت النعم واستمر الأمن وهم في معاصي الله صار عذاب يوم القيامة أكبر، وصار أشد عليهم يوم القيامة مما لو أخذوا في الدنيا ببعض الشيء، فينبغي للعاقل أن لا يغتر بهذه الأمور، وينبغي للمسلم أن ينتبه لهذه الأمور، وأن المسلمين قد يبتلون، ثم تكون لهم العاقبة الحميدة، ثم بلواهم تنفعهم إن بلوا بالسراء فشكروا نفعهم ذلك، وإن بلوا بالضراء واستكانوا لله وصبروا وسألوه واستغاثوا به وتابوا إليه نفعهم ذلك، نسأل الله للجميع التوفيق والهداية.
(1) سورة الأعراف الآية 183