الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الاجتهاد (1) في اللغة: استفراغ الوسع في الفعل.
وعند الفقهاء: (استفراغ الوسع في النظر فيما لا يلحقه لوم مع استفراغ الوسع فيه)(2)، ولهذا تسمى مسائل الفروع مسائل الاجتهاد دون مسائل الأصول.
"
المسألة الأولى
"
قال الشافعي وأبو يوسف - رحمهما الله - يجوز فيِ أحكام الرسول صلى الله عليه وسلم ما صدر عن اجتهاده. ومنع منه أبو هاشم وأبو علي مطلقًا. وجوَّز بعضهم في الآراء والحروب دون أحكام الدين.
لنا وجوه:
أ - قوله تعالى: {فَاعْتَبِرُواْ} وتناول الآية له أولى لاختصاصه بقوة البصيرة (3)، والاطلاع (4) على شرائط القياس.
ب - دليل العقل المتقدم في القياس.
جـ - العمل بالاجتهاد أشق منه بالوحي، والأشق أكثر فضيلة ولأنه يظهر فيه أثر
(1) في جميع النسخ "هو" أبدلتها بالاجتهاد.
(2)
عرفه الجرجاني (باستفراغ الفقيه الوسع ليحصل له ظن بحكم شرعي) صفحة 5.
(3)
في "أ"(البصر) بدل (البصيرة).
(4)
في "د"(الإطلاق) بدل (الاطلاع) والصواب الإطلاع تبعًا للمحصول 2/ 3/ 4.
دقة النظر وجودة الخاطر، فلا يجوز خلوه عن هذه الفضيلة وإلا ترجحت عليه أمته فيها واختصاصه بمنصب الوحي لا يمنع من مشاركته في منصب آخر.
د - قوله عليه الصلاة والسلام: "العلماء ورثة الأنبياء"(1). وإنما يرثوا منه الاجتهاد لو كان مجتهدًا وتقييده بأركان الشرع خلاف الأصل.
هـ - بعض الأحكام مضاف إليه وذلك يشعر بكونه من اجتهاده، إذ لا يقال مذهب الشافعي وجوب الصلوات الخمس. وأما في الحروب والآراء فقد اجتهد في أخذ الفداء عن أسارى بدر، وكان يراجعهم فيه ولا ذلك إلَّا بالاجتهاد.
احتجوا بوجوه:
أ - قوله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} (2).
ب - راجعه بعض (3) الصحابة في منزل نزله وقال: إن كان هذا وحيًا فالسمع والطاعة وإلَّا فليس بمنزل مكيدة، وأنه يدل على جواز مراجعته في اجتهاده ولا يجوز مراجعته في أحكام الشرع (4) فليس فيها ما هو باجتهاده.
ج - أنَّه قادر على تلقي الحكم من الوحي ولا يجوز العمل بالظن مع القدرة على العلم.
د - مخالف حكم النبي عليه الصلاة والسلام يكفر لقوله تعالى: {فَلَا وَرَبُّكَ
(1) رواه أحمد والأربعة وآخرون عن أبي الدرداء مرفوعًا بزيادة (إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا إنما ورثوا العلم)، وصححه ابن حبان والحاكم وغيرهما وحسنه حمزة الكتاني وضعفه غيرهم لاضطراب سنده لكن له شواهد منها:(أكرموا العلماء فإنهم ورثة الأنبياء)، رواه ابن عساكر عن ابن عباس والخطيب والديلمي عن جابر (كشف الخفا 2/ 64).
(2)
[النجم: 3].
(3)
الَّذي راجعه من الصحابة هو الحباب بن المنذر وذلك في غزوة بدر، وفعلًا نزل الرسول صلى الله عليه وسلم على رأي الحباب، ولم تذكر كتب السنة والسير التي روت القصة أن أحدًا كان معه في المراجعة في هذه الحادثة، فكذلك كان أولى أن يقول "أحد" بدل "بعض" والقاضي الأرموي في هذه العبارة متابع للإمام الرازي في المحصول.
(4)
سقط من "أ" الشرع.
لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} (1). ومخالف المجتهد لا يكفر إذ المجتهد المخطئ له أجر واحد بالنص.
هـ - لو جاز له الاجتهاد لما توقف في شيء من أحكام الشرع إلى نزول الوحي، لعلمه بحكم العقل وطرق القياس وقد توقف في حكم الظهار واللعان.
و- لو جاز له لجاز لجبريل عليه السلام، وحينئذٍ لا نعرف أن ما نزل به نص الله تعالى أو اجتهاده.
والجواب عن:
أ - أنَّه لما دل الوحي على العمل بالقياس كان العمل به عملًا بالوحي.
ب - أن ذلك كان في الآراء والحروب.
ج - أنَّه إنما يجتهد حيث لا يجد نصًا.
د - أنَّه يجوز أن يصير الحكم المظنون مقطوعًا به بفتواه كما في الإجماع الصادر عن الاجتهاد.
هـ- أنَّه كان يتوقف بمقدار ما يعرف (2) أنَّه لا ينزل فيه وحي.
و- أن ذلك الاحتمال مدفوع بالإجماع.
" فرع"
إذا جوزنا له الاجتهاد فلا يجوز أن يخطئ فيه وجوزه قوم بشرط أن لا يقر عليه.
لنا: أنا مأمورون باتباعه في الحكم لقوله تعالى: {فَلَا وَرَبُّك لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ} (3). الآية، وذلك ينافي كونه خطأ.
احتجوا بقوله تعالى: {عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} (4) وقوله تعالى في
(1)[النساء: 65].
(2)
في "أ" يعلم بدل يعرف وفي المحصول يعرف 3/ 142.
(3)
[النساء: 65].
(4)
[التوبة: 43].