الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من نظر في أدلة المخالفين وأنصف لهم لم يجد فيها قاطعًا. ثم إنما أمروا بالظن الغالب، فإن العلم إنما يحصل من تركيب مقدمات ضرورية تركيبًا ضروري الصحة. وأنه لا يحصل إلَّا لأحاد الناس. فتكليف الكل به حرج تام. ولأنا نعلم ضرورة أن الصحابة ما عرفوا هذه الأدلة والدقائق.
والجواب (1) عن شبهات الفلاسفة مع صحة إيمانهم. ثم لا نسلم أن المخطئ فيهم آثم، ولا يمكن دعوى الإجماع فيه، لأنه مختلف فيه وإنما (2) قتل عليه السلام الكفار لإصرارهم على ترك التعلم بعد مبالغته في الإرشاد إلى الحق.
وما ورد من ذم الكفار. فالكفر هو الستر وانما يتحقق الستر من المعاند دون العاجز عن الوصول إلى الحق بعد البحث التام.
ثم كونه (3) تعالى رؤوفًا رحيمًا ينفي التشديد المذكور ويؤيده استقراء أحكام الشرع.
والجواب: أن الجمهور ادعوا الإجماع على مذهبهم قبل حدوث هذا الخلاف.
"
المسألة السادسة
"
قال جمهور المتكلمين (4) منا كالأشعري والقاضي أبي بكر، ومن المعتزلة كأبي هذيل وأبي هاشم وأبي علي وأتباعهم كل مجتهدٍ في الأحكام الشرعية مصيب، أي ليس لله تعالى في الواقعة حكم معين قبل الاجتهاد، ثم منهم من يقول وجد فيها ما لو حكم اللُه فيها لما حكم إلَّا به، وهو القول بالأشبه.
(1) يعني إجابة الرسول صلى الله عليه وسلم عن شبهات الفلاسفة، مع أنَّه حكم بصحة إيمانهم يدل على أن التكليف ما وقع بالعلم، والفلاسفة هم المنكرون لكون كل مجتهدٍ في الأصول مصيب.
(2)
في "د" من قوله: وإنما قتل الى آخر المسألة تقديم وتأخير مخل بالمعنى.
(3)
هذا دليل للجاحظ القائل بأن كل مجتهد في الأصول مصيب، بمعنى نفي الإثم وهذا الدليل بالإضافة إلى رده على الفلاسفة.
(4)
سقط من "ب" منا.
قال بعض الفقهاء والمتكلمين: لله تعالى (1) في كلِّ واقعةٍ حكم معين، لكن ليس عليه إمارة ولا دلالة، والطالب يعثر عليه اتفاقًا فله أجران وللخائب أجرٌ واحد لتحمل المشقة.
وقال كافة الفقهاء (2): عليه أمارة فقط ولكن لم يكلف المجتهد بإصابتها لخفائها، فكان المخطئ معذورًا مأجورًا وينسب إلى الشافعي وأبي حنيفة. وقيل: مكلف بإصابته ولكن عند الخطأ تغير التكليف، فيكلف (3) بالعمل بظنه ويسقط الإثم تحقيقًا. وقيل: بل عليه دلالة والمجتهد مأمور بطلبها.
ثم قال بشر المريسي من المعتزلة: المخطئ مأثوم وأنكره الباقون.
وقال (4) الأصم (5): قضاؤه منقوض وأنكره الباقون.
والمختار أن لله تعالى في الواقعة حكمًا معينًا عليه أمارة فقط، والمخطئ معذور وقضاؤه لا ينقض.
لنا وجوه:
أ - إذا جزم كل من المجتهدين برجحان أمارته في نفس الأمر على أمارة خصمه، كان اعتقادهما أو اعتقاد أحدهما خطأ، بمعنى عدم المطابقة وهو من صور الخلاف ولأن الاعتقاد غير المطابق جهل. وأنه غير مأمور به وفاقًا فلا يكون آتيًا بما أمر به.
ب - المجتهد مكلف بالحكم بناءً على طريق، إذ الحكم بالتشهي باطل وفاقًا
(1) في "د"(فيه) بدل (الله).
(2)
في "ب"(العلماء) بدل (الفقهاء).
(3)
سقط من "ب" فيكلف.
(4)
سقط من "د" وقال الأصم قضاؤه منقوض وأنكره الباقون.
(5)
الأصم: هو أبو بكر بن عبد الرحمن بن كيسان الأصم، كان أفصح الناس وأفقههم وأورعهم.
حكى بأنه كان يخطئ عليًّا عليه السلام في كثير من أفعاله ويصوب معاوية في بعض أفعاله وكان يجرى منه حيف عظيم على علي رضي الله عنه. له تفسير عجيب كان الأصم جليل المقدار يكاتبه السلطان، وكان يصلي بمسجده بالبصرة ومعه ثمانون شيخًا. له مع أبي الهذيل مناظرات وكان أبو علي الجبائي لا يذكر أحدًا في تفسيره إلَّا الأصم وممن أخذ عنه ابن علية.
وذلك الطريق إن خلا عن المعارض تعين العمل به، وإلَّا فبالراجح إِن ترجح أحدهما وإلَّا تعين التخيير أو التساقط والرجوع إِلى غيرهما، وعلى كل تقدير يعين الحكم فمخالفه مخطئ.
فإن قيل: لم يوجد في المجتهد فيه طريق وإلَّا فتاركه تارك للمأمور به فيستحق العقاب، وأنه خلاف الإِجماع فلا يكلف بالحكم بناءً عليه. ثم إنما يجب (1) العمل بالراجح لو علم رجحانه، وقد يعتقد المكلف تعين المرجوح أو رجحانه.
والجواب (2) عن:
أ - أن إِجماع الأمة على الترجيح بأمور حقيقية المستدعي لأصل الطريق.
ب - أن مقدار الرجحان ممكن الاطلاع عليه. وإلَّا لم يكلف إلَّا بالقدر المشترك بين الأمارات. وحينئذ لا رجحان بالنسبة إِلى المكلف. هذا خلف ثم إنَّ لم يكلف بالوصول (3) إِليه إلى أقصى الإِمكان لم تكن التخطئة (4) عند بعض المراتب أولى. فكل من عمل بالظن ولو مع ألف تقصير مصيب. هذا خلف فهو مكلف به. فإذا لم يصل إليه كان مخطئًا.
ج - المجتهد مستدل والاستدلال بالدليل على المدلول متوقف على وجودهما والظن الحاصل منه متأخر عنه فهو متأخر عن المدلول فامتنع حصول المدلول بعده.
د - المجتهد طالب (5) فله مطلوب والمطلوب متقدم الوجود على الطلب.
فإن قلتَ المطلوب الظن لا الحكم قلت: ليس المطلوب ظن لا تقتضيه الأمارة وفاقًا، وما تقتضيه الأمارة متوقف على وجود الأمارة المتوقف على وجود المدلول.
(1) في "هـ"(يجعل) بدل (يجب).
(2)
هذان الجوابان عما ورد بعد قوله: فإن قيل المتقدم قبل سطرين وهي لم ترد مرقمة.
(3)
سقط من "أ، ب" إليه.
(4)
في "جـ، د" التخطئة فيه.
(5)
في "ب" فقط (طالب حكم).
احتجوا (1) بأمور:
أ - لو كان في الواقعة حكم وليس عليه دليل أو أمارة لزم تكليف ما لا يطاق، وإن كان تمكن المكلف من تحصيل العلم أو الظن به فالحاكم بغيره يكون حاكمًا بغير ما أنزل الله فكان كافرًا، لقوله تعالى:{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} (2). وفاسقًا لقوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} (3). ومستحقًا للعقاب لكونه تاركًا للمأمور به. ولو خصت هذه الأدلة بالنافي للحرج (4) هنا لخصت في المسائل الكلامية، لأن أدلتها أكثر غموضًا والخطأ فيها
كفر.
ب - ولكان (5) عليه دليل قاطع إذ لا بد من دليل، فإن أمكن وجوده بدون المدلول فاستلزامه له في صورة دون أخرى، إن لم يتوقف على أمرٍ آخر (6) لزم الترجيح بدون المرجح، وإن توقف كان المستلزم ذلك المجموع لا المفروض دليلًا، وأيضًا ذلك المجموع إن أمكن وجوده بدون المدلول (7) عاد الكلام وينتهي إلى حيث. لا يمكن وجوده بدون المدلول، وهو المعنى من القاطع.
فإن قلتَ: الدليل الظاهر مستلزم أولوية وجود (8) المدلول بغير (9) وجوبه، قلتُ الأولوية إن منعت العدم لزم الوجوب وإلَّا عاد الكلام.
ج - ولكان ما عداه باطلًا فلم يجز للصحابي تولية من يخالفه في المذهب، ولا التمكين من الفتوى لحرمة التمكين من ترويج الباطل، ولفسَّقوا
(1) القائلون بأنه لا حكم لله في الواقعة.
(2)
[المائدة: 44].
(3)
[المائدة: 47]
(4)
في جميع النسخ ما عدا "د" بالجرح.
(5)
والمعنى "لو وجد الحكم لكان عليه دليل قاطع".
(6)
سقط من "جـ، ب" آخر.
(7)
سقط من "د" من المدلول إلى المدلول.
(8)
في "ب" المدلول بالوجود دون الوجوب.
(9)
في "هـ"(دون) بدل (بغير).
مخالفيهم في الدماء والفروج إذ لا فرق بين القتل والفتوى به، والقتل كبيرة ولنقضوا أحكامهم بل أحكام أنفسهم واللوازم باطلة.
فإن قيل: لعل ذلك لأن الخطأ صغيرة أو كبيرة (1) والشبه سبب العذر، والفرق بيبن القتل والفتوى به أن التمسك بالشبهة (2) قد يكون سببًا للعفو ثم هو معارض بوجهين:
1 -
تصريح الصحابة بالتخطئة. قال أبو بكر رضي الله عنه في الكلالة: (وإن كان خطأ فمني)(3). وحكم عمر رضي الله عنه بحكم فقال رجل: (هو والله الحق). فقال عمر: (إن عمر لا يعلم أنَّه أصاب الحق لكنه لا يألو جهدًا). وقال علي لعمر في المجهضة: (وإن اجتهدوا فقد أخطؤوا)(4).
وقال ابن مسعود في المفوضة: (وإن كان خطأ فمني).
ب - أخطات الأنصار في طلب (5) الإمامة لمخالفتهم قوله عليه السلام: "الأئمة من قريش"(6) وبعض الصحابة أخطأ في المنع من قتال مانعي الزكاة لمخالفتهم النص (7). وقضى عمر في الحامل المقرة بالزنا بالرجم على خلاف النص ولم يفسقوا.
قلنا الجواب عن:
أ - أن تركه ترك المأمور به فيستحق به النار فيكون الخطأ (8) كبيرة لا سيما في الدم، لقوله عليه السلام:"من سعى في دم مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوبًا بين عينيه آيس من رحمة الله"(9). وغيره من الأحاديث.
(1) في "هـ" أو كثروا الشبه بسبب العذر.
(2)
في "أ، ب"(به) زائدة.
(3)
تقدم تخريج الأثر في صفحة (2/ 271) من هذا الكتاب.
(4)
تقدم تخريج الأثر في صفحة (2/ 221) من هذا الكتاب.
(5)
في "ب، جـ" مطالبة.
(6)
تقدم تخريج الأثر في صفحة (1/ 353) من هذا الكتاب.
(7)
تقدم تخريج الأثر في صفحة (1/ 353) من هذا الكتاب.
(8)
سقط من "جـ" الخطأ.
(9)
رواه ابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة، لقي =
ب - أن الشبه وغموض الأدلة في العقليات أكثر مع أن الخطأ فيها كفر وفسق.
ج - أن ترك التفسيق والتمكين من الفتوى والعمل (1) منقول عمن صرحوا بالتخطئة، إذ لا يمكن التوفيق بجعل الخطأ صغيرةً لما بيَّنا، بل تحمل التخطئة على صورة وجود القاطع وترك استقصاء المجتهد. وقوله إن يكن صوابًا أي استقصيت وإن يكن خطأ أي قصرت.
د - أن المخالفين ما كانوا سمعوا ذلك النص وههنا كل واحدٍ عرف حجة صاحبه فكان مصرًا على الخطأ.
د - ولما قطع بكون خطئه مغفورًا، لأنه يجوز إخلاله بنظر زائد واجب وإلَّا لم يكن مخطئًا، ولا نعلم أنَّه يغفر له ذلك الإخلال لأنه لو اقتصر على أول المراتب لم يغفر له ما بعده، ولا مرتبة إلَّا ويجوز أن لا يغفر ما بعدها، ولا تتميز المراتب المغفورة له عن غيرها لكن الإجماع المستمر إلى زماننا يفيد القطع بأنه مغفور له.
هـ - قوله عليه السلام: "أصحابي كالنجوم"(2). الحديث ولو كان بعضهم مخطئًا لكان عليه السلام حث على الخطأ.
و- أنَّه صوب حكم معاذ بالاجتهاد بلا فصل.
والجواب عن:
أ، ب، جـ - أن عندنا يتغير التكليف عند الخطأ، فيكون حاكمًا بما أنزل الله فلا يلزم شيء مما ذكرتم.
د - أن المرتبة المغفورة له أن يأتي بالمقدور بلا تقصير.
هـ - المعارضة بقوله عليه السلام: "من اجتهد وأخطأ فله أجر واحد"(3). ثم خبر الواحد لا يعارض القاطع وهو الجواب عن "و".
= الله مكتوبًا بين عينيه آيس من رحمة الله (وإسناده واهٍ ورواه ابن كثير في تفسيره). انظر الفتح الكبير 3/ 164، تفسير ابن كثير 1/ 535، مشكاة المصابيح (2/ 61).
(1)
في "أ"(العزل) بدل (العمل).
(2)
تقدم تخريج الحديث في صفحة (2/ 62) من هذا الكتاب.
(3)
متفق عليه من حديث عمرو بن العاص ولفظه: (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، =