الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وبما أن هذا المستقبل غيب، فلا يصح محاولة استطلاعه إلا مِن قِبَلِ وحي الله عز وجل إلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وفي هذا الفصل نعرض اتجاهين سلكهما بعض العلماء جوابًا عن هذا السؤال؛ استنادًا إلى أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
المسلَكُ الأَوَّلُ: ستزداد غُربَةُ الإسلام حتى يظهرَ المهدي
، إن شاء الله
1 -
قال الشيخ محمد بشير السهسواني الهندي
-رحمه الله تعالى-: "وأما بعد قرن أتباع التابعين، فقد تغيرت الأحوال تَغَيُّرًا فاحشًا، وغلبت البدع، وصارت السنة غريبة، واتخذ الناس البدعة سنة، والسنة بدعة، ولا تزال السنة في المستقبل غريبة إلا ما استُثْني في زمان المهدي رضي الله عنه، وعيسى عليه السلام، إلى أن تقوم الساعة على شرار الناس"(1). اهـ.
2 -
وسئل
الشيخ عبد الله بن الصِّدِّيق
سؤالًا نصه:
إذا كانت القيامة تقوم على المهدي وعيسى، ودين الإسلام حسب ما ذكرنا، فما معنى قوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-:"الإِسْلَامُ غَرِيب، وَكمَا بَدَأَ يَعُودُ"؟
فأجاب: "تواتر عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أنه قال: «بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا (2)، وهو يشير إلى وقتنا
(1)"صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان"، ص (329).
(2)
رواه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مسلمٌ (145)، في الإيمان: باب بيان أن الإسلام بدأ غريبًا، وتتمته:"فطوبى للغرباء".
هذا؛ فإن الإسلام فيه غريب بمعنى الكلمة، وسيظل كذلك، بل ستزداد غربته إلى أن يأتي المهدي، فيُظهر الإسلام، ويحيي العدل، وتَزُولُ الفتن والإحن بين المسلمين، ويبقى الحال كذلك مدة المهدي، ومدة عيسى عليه السلام (1)، ثم بعد ذلك تأتي ريحٌ طيبة تأخُذ نَفْسَ كل مؤمن (3)،
(1) ومما يدل على أن زمن المهدي سيعم فيه الخير بكل أنواعه: ما رواه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لو لم يبقَ من الدنيا إلا يوم، لطوَّل الله ذلك اليوم، حتى يُبعث فيه رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا" رواه أبو داود (4282)، والترمذي (2231)، وقال:"حسن صحيح "، وانظر:"المهدي" للمؤلف ص (41). وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يخرج في آخر أمتي المهدي، يَسقيه الله الغيث، وتُخرج الأرض نباتها، ويعطي المال صحاحًا، وتكثر الماشية، وتعظم الأمة، يعيش سبعًا أو ثمانيًا -يعني: حِجَّةَ" رواه الحاكم في "المستدرك"(4/ 557)، وقال:"صحيح الإسناد، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي، وقال الألباني:"هذا سند صحيح، رجاله ثقات" كما في "الصحيحة" رقم (711).
لكن هذا الخير ستشوبه أخطر فتنة في تاريخ البشرية، وهي فتنة الدجال، كما أن الخير في عهد المسيح عليه السلام سيزاحمه شر يأجوج ومأجوج.
(كما ثبت عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "
…
ثم يبعث الله ريحًا طيبة فَتَوَفَّى كلً من في قلبه مثقال حبةِ خردلٍ من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم" رواه مسلم رقم (2907).
وفي "المسند" عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى يأخذ الله شَريطته من أهل الأرض، فيبقى فيها عَجاج، لا يعرفون معروفًا، ولا ينكرون منكرًا" رواه الإمام أحمد رقم (6964)، والحاكم في "المستدرك" رقم (8341)، وقال:"صحيح على شرط الشيخين، إن كان الحسن سمعه من عبد الله بن عمرو، وقال الهيثمي في "المجمع" (8/ 1): "رواه أحمد مرفوعَا وموقوفًا، ورجالهما رجال الصحيح ". اهـ. =
فلا يبقى على الأرض من يعرف الله أو يذكره (1)، وإنما يبقى أقوام يتهارجون كما تتهارج الْحُمُرُ، فعليهم تقوم الساعة كما جاء في صحيح مسلم، وغيره والله أعلم " (2). اهـ.
وقد يُستدل لهذا الْمَنْحَى بما رواه الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه موقوفًا: "ليس عام إلا والذي بعده شر منه"، قال الحافظ في "الفتح":"أخرجه الطبراني بسند جيد (3) ".
وعن ابن مسعود رضي الله عنه -موقوفًا أيضًا- بسند صححه الحافظ في "الفتح"(4): "أَمْسِ خَيْرٌ مِنَ الْيَوْمِ، وَالْيَوْمُ خَيْرٌ مِنْ غَدٍ، وَكَذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» (5).
= والشريطة هنا: الخيار من الناس، انظر:"النهاية"(2/ 460).
والعَجاج: الغوغاء، والأراذل، ومن لا خير فيه، واحدهم: عَجاجة، كما في "النهاية"(3/ 184).
(1)
فما من زمان خير إلا يشوبه بعض الشر، قال تعالى:{وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ} [البقرة: 251]، ولن يكون هناك زمان شر محض إلا الزمان الذي تقوم فيه الساعة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس" رواه مسلم (2949)، وابن حبان (6850)، وأحمد رقم (3735).
وفي رواية لمسلم: "فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع لا يعرفون معروفًا ولا بنكرون منكرًا، فيتمثل لهم الشيطان فيأمرهم بعبادة الأوثان، ثم يُنفخ في الصور"(2940).
(2)
"المهدي المنتظر"، ص (51، 52).
(3)
"فتح الباري"(13/ 20)، والحديث وراه الطبراني في "الكبير"(9/ 105/8550).
(4)
"الموضع السابق" نفسه.
(5)
رواه الطبراني في "الكبير"(9/ 154/8773)، وقال الهيثمي في "المجمع" (7/ 286):"رواه الطبراني، ورجاله وجال الصحيح".
وعن الزبير بن عدي قال: أتينا أنس بن مالك رضي الله عنه، فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا نَلْقَى مِنَ الحَجَّاجِ، فَقَالَ:«اصْبِرُوا، فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ، حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ» سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّكُمْ صلى الله عليه وسلم (1).
(1) رواه الإمام أحمد (3/ 132، 177، 179)، والبخاري، (7068)، (13/ 19، 20)، والترمذي، (3357)، وانظر:"فتح الباري"، (13/ 20 - 22).