الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ملخص البحث الأول
نظرة الشريعة الإسلامية إلى المخدرات
تقدمة رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
تقدمت رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والإرشاد ببحث مستفيض في نظرة الشريعة الإسلامية إلى المخدرات يمكن تلخيص أغراضه المهمة فيما يأتي: أولا: مقدمة تناولت أن تسلسل البحث يقتضي الكلام على الفرق بين كل من المسكر والمخدر والمفتر على بدء ظهور المخدرات وانتشارها وعلى مهمة التشريع الإسلامي من ناحية الرحمة بالمكلفين ورعاية مصالحهم مع بيان المقصود بكل من الرحمة ورعاية المصلحة. ثم علاقة المصلحة بالتكاليف فيما يسميه الأصوليون بالضروريات والحاجيات والتحسينيات مع بيان المقصود بكل ذلك.
ثم أدلة تحريم كل ما يزيل العقل في كل من الخمر والمخدرات ووجه الارتباط بين الأمرين بما يدعم الحكم في المخدرات ويجعله واضحا ملموسا لا يحتمل اللبس. ثم النقول المختلفة من كتب الفقه وما تأثر به الفقهاء من الأدلة الشرعية الأصول في أحكامهم على المخدرات.
ثم نظرة العلم الحديث والقانون إلى هذه المخدرات بما يعزز وجهة نظر الشريعة. وقد تناول البحث بعد ذلك الفرق بين حقيقة كل من الخمر والمخدر والمفتر بما يبين أثر كل منهما فيمن يتعاطاه.
ثم تناول البحث مبدأ ظهور المخدرات وأنه كان في أواخر القرن السادس الهجري وأوائل القرن السابع حين ظهرت دولة التتار كما صرح بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية لما أظهر الناس ما نهاهم الله ورسوله عنه فسلط عليهم العدو ينتقم منهم به.
وقد تناول البحث بعد ذلك تبيين مهمة التشريع الإسلامي في جانب الرحمة وفي جانب المصلحة. فبين جانب الرحمة في هذا التشريع متمثلة فيما جاء به النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- فأخرج الناس من الظلمات إلى النور وأنقذهم مما
كانوا يتورطون فيه من المفاسد في العقيدة والسلوك وفيما أحل الله من الطيبات وحرم من الخبائث وفي تدرج التشريع تخفيفا على العباد كما عرف تحريم الخمر على فترات لا مرة واحدة من أول الأمر وأطال في هذا البيان.
وتعرض لجانب مصالح العباد في التشريع الإسلامي فأطنب في بيانه، ومما جاء فيه من عبارات الأصوليين ما جاء في كتاب الموافقات للشاطبي وهو قوله: " والمعتمد أننا استقربنا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد استقراء لا ينازع فيه أحد فإن الله تعالى يقول في بعثة الرسل: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} (1) النساء 165، ويقول:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (2).
ثم جاء في البحث أن التعاليل لتفاصيل الأحكام تبين جانب المصلحة بما يبعث المكلفين على الامتثال وهي أكثر من أن تحصى منها قوله سبحانه {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} (3)، وقوله:{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (4) وهكذا.
ثم عاد فبين ما تدور التكاليف الشرعية في فلكه مستندا إلى عبارة للشاطبي في موافقاته يقول فيها: " تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق وهي لا تعدو ثلاثة أقسام " أحدها " أن تكون ضرورية. والثاني: أن تكون حاجية. والثالث: أن تكون تحسينية " وشرح كل واحدة منها فبين أن الضرورية هي التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة.
ثم بين أن مجموع تلك الضروريات خمسة وهي حفظ الدين والنفس والنسل والمال والعقل وبعد أن بين الحاجيات والتحسينيات بما يبين أنها كلها مشروعة للمحافظة على الضروريات أورد أن من تتبع هذه الخمس واحدة واحدة ظهر له جليا أن هذه المخدرات جناية عليها ومقوضة لأركانها وهي أشد ما تكون جناية مباشرة على العقل وأسهب في بيان قيمة العقل ثم في أثر تلك المخدرات عليه وتعريضه للزوال التام في نهاية الأمر.
وتناول بعد ذلك تأثيرها على دين المرء في دينه بصده عن الذكر وعن الصلاة وإيقاع العداوة والبغضاء في الخمر والميسر والمخدرات عامة. ثم عرض البحث للمال وقيمته في نظر الإسلام بما يتجلى في قوله سبحانه في وصف الأموال {الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} (5)
وبين أن متعاطي المخدرات سفيه مبذر ينفق المال فيما يضره ويفسد حياته، ثم بين بعد ذلك أن مما يدعو إلى إضاعة الأنساب؛ لأنه يدعو إلى الشهوة دون حرص على حفظ الفرج فالطائش بالمخدر لا يتقي ما حرم الله ثم قال وأما حفظ النفس فإنه مفقود عند المدمن؛ لأنه يعرض بدنه للخلل والمفسدة ويلقي به إلى التهلكة.
ثم انتهى في هذه الناحية إلى أن المخدرات محادة لله ولرسوله وللأديان السماوية التي أمرت بحفظ الضروريات الخمس فأرخصتها هذه المخدرات وصيرتها بصدد الآفات وعند الله السلامة والعافية.
(1) سورة النساء الآية 165
(2)
سورة الأنبياء الآية 107
(3)
سورة المائدة الآية 6
(4)
سورة البقرة الآية 183
(5)
سورة النساء الآية 5
وينتقل البحث بعد ذلك إلى موضوع الأدلة الشرعية على منع المخدرات فبدأ بتمهيد تحدث فيه عن الخمر أولا باعتبار أنها أول ما تعورف بأنه يفسد العقل والبدن والدين وجعل هذا التمهيد ربطا قويا بين الخمر والمخدر يلتقيان به في الوصف الذي من أجله كان تحريم الخمر ولما كان المقصود الأساسي بالبحث هو المخدرات فقد اجتزأ بالإشارة العابرة إلى الخمر وإلى تغليظ الشارع في أمرها بما دل عليه النص القرآني الكريم من التحريم البات في آية المائدة وما اقترن به من بيان صفات الخمر من أنها رجس ومن عمل الشيطان وترتيب الفلاح على تركها واستغلال الشيطان ضعف الإنسان لإغوائه بها وإيقاعه العداوة بسببها وصده عن ذكر الله وعن الصلاة بعد توريط المسكين في تعاطيها. وأشار إلى أنه ورد من الأحاديث في التنفير منها بضعة وستون حديثا أوردها ابن حجر الهيثمي في (الزواجر) على عادته في الاستقصاء وقد أوردها أيضا الشيخ حمود بن عبد الله في كتابه الدلائل الواضحات وأورد البحث بعض هذه أحاديث منها ما رواه الشيخان وغيرهما.
عن أبي هريرة أن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- قال: «لا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن (1)» وما رواه أبو داود أن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- «لعن الخمر وشاربها وساقيها ومبتاعها وبائعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه (2)» .
وما رواه ابن حبان أن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- قال: «من لقي الله مدمن خمر لقيه كعابد وثن (3)» وما إلى ذلك مما هو جدير أن ينفر من هذا الرجس ثم يقول: والله سبحانه ما يريد ليعنت الناس ولكنهم يعنتون أنفسهم فيؤثرون متعا وهمية توقعهم في الخسران المبين.
وينتقل البحث إلى علاقة المخدرات بالخمر فيقول ما خلاصته: إن العلامة ابن حجر وهو يصور الدين وحكمه في هذه المخدرات يقول: إنها مسكرة كما صرح به النووي في بعضها وفسر الإسكار بتغطية العقل ثم قال إن ذلك لا ينافي أنها تسمى مخدرة، وانتقل البحث إلى أنها كلها تؤثر على العقل الذي أمر الشارع بحفظه وإن القليل منها يدعو إلى الكثير بالطبع والتجربة.
فمن قال من الفقهاء بجواز القليل منها فهو ضعيف يشبه القول بإباحة القليل من الأشربة المسكرة على خلاف قوله -صلى الله تعالى عليه وسلم- «وما أسكر كثيره فقليله حرام (4)» فإن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- قاله سدا لذريعة التمادي ومقاومة لمقدمة الشر وأصالة في التشريع ثم نقل البحث ما أورده صاحب عون المعبود في شرح سنن أبي داود عن أبي بكر القسطلاني مما لا يختلف عما أورده ابن حجر الهيثمي. . ثم نقل ما أورده شارح السنن عن الزركشي من أن هذه المخدرات تؤثر في متعاطيها المعنى الذي يدخله في حد السكر وأيد ذلك بما يدل عليه من تعريفات الفقهاء للسكران وانتقال إلى بيان وجه اعتبارها مسكرة بما لا يخرج عما سبق للهيثمي والقسطلاني والزركشي وأضاف إلى ذلك نص اللغة.
وفي غضون هذه الدراسة تعرض البحث لبيان أن طائفة من الفقهاء لا يكتفون في هذه المخدرة باعتبارها مسكرة بل يسمونها خمرا منهم شيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ الذهبي، ثم ذكر البحث أن ذلك المعنى صريح في بعض التعبيرات النبوية مثل قوله -صلى الله تعالى عليه وسلم- «كل مسكر خمر (5)» فإذا كان القرآن الكريم قد صرح بحكمه في الخمر التي كانت تشرب حين ينزل القرآن وطلب المسلمون فيها البيان فإن السنة لم تترك البيان الواضح فيما يشبه الخمر في تغطية العقل وأدمجته في الخمر.
ثم أورد البحث أن هذه المخدرات بناء على ذلك لها من شدة الارتباط بالخمر ولهذا قل أن تقرأ كتابا من كتب الفقه إلا وهو يذكر حكمها مع حكم الخمر تارة في حد الشرب وتارة في كتاب الأشربة المحرمة وتارة في أحكام النجاسة وأحيانا في المباح والمحرم من الأشربة.
(1) صحيح البخاري المظالم والغصب (2475)، صحيح مسلم الإيمان (57)، سنن النسائي قطع السارق (4871)، سنن أبو داود السنة (4689)، سنن ابن ماجه الفتن (3936)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 317)، سنن الدارمي الأشربة (2106).
(2)
سنن أبو داود الأشربة (3674)، سنن ابن ماجه الأشربة (3380)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 71).
(3)
سنن ابن ماجه الأشربة (3375).
(4)
سنن الترمذي الأشربة (1865)، سنن أبو داود الأشربة (3681)، سنن ابن ماجه الأشربة (3393)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 343).
(5)
صحيح مسلم الأشربة (2003)، سنن الترمذي الأشربة (1861)، سنن أبو داود الأشربة (3679)، سنن ابن ماجه الأشربة (3390)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 98)، سنن الدارمي الأشربة (2090).
ثم انتقل إلى ذكر أقوال الفقهاء في المذاهب الأربعة فبدأ بالفقه الحنبلي لوضوحه وخصوبته في هذا الموضوع، فأورد عدة فتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية نقلا عن مجموع الفتاوى من الجزء الرابع والثلاثين. وكان من بين هذه الفتاوى فتوى وردت بعنوان " باب حد المسكر " (1). جاء في هذه الفتوى أن اسم الخمر في لغة العرب الذين خوطبوا بالقرآن الكريم كان يتناول المسكر من التمر وغيره - إلى أن قال: اعلم أن اسم الخمر في كتاب الله عام لا يختص بعصير العنب. . . ثم قال وقد استفاضت الأحاديث عن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- بأن «كل مسكر خمر (2)» وهو حرام.
وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال: «قلت: يا رسول الله أفتنا في شرابين كنا نصنعهما باليمن.
قال: فكان رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم- قد أوتي جوامع الكلم بخواتمه. فقال: كل مسكر حرام (3)». وفي صحيح مسلم وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- قال: «كل مسكر خمر وكل خمر حرام (4)» وأطال في ذلك.
ثم قال: وأما الحشيشة الملعونة المسكرة فهي بمنزلة غيرها من المسكرات والمسكر منها حرام باتفاق العلماء بل كل ما يزيل العقل فإنه يحرم أكله ولو لم يكن مسكرا كالبنج فإن المسكر يجب فيه الحد وغير المسكر يجب فيه التعزير.
وأما قليل الحشيشة المسكرة فحرام عند جماهير العلماء كسائر القليل من المسكرات، وقول النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- «كل مسكر خمر وكل خمر حرام (5)» يتناول ما يسكر ولا فرق بين أن يكون المسكر مأكولا أو مشروبا أو جامدا أو مائعا.
فلو اصطبغ الخمر كان حراما ولو أماع الحشيشة وشربها كان حراما ونبينا -صلى الله تعالى عليه وسلم- بعث بجوامع الكلم فإذا قال كلمة جامعة كانت عامة في كل ما يدخل في لفظها ومعناها سواء كانت الأعيان موجودة في زمانه أو لم تكن ثم قال: وكانت هذه الحشيشة الملعونة من أعظم المسكرات وهي شر من الشراب المسكر من بعض الوجوه والمسكر شر منها من وجه آخر، فإنها مع كونها تسكر آكلها حتى يبقى مصطولا تورث التخنث والديوثة وتفسد المزاج فتجعل الكبير كالسفنجة وتوجب كثرة الأكل وتورث الجنون. وكثير من الناس صار مجنونا بسبب أكلها. . .
ثم قال: إن الفقهاء قالوا إنه يجب فيها الحد كما يجب في الخمر، ولكنهم تنازعوا في نجاستها على ثلاثة أوجه في مذهب أحمد وغيره فقيل هي نجسة مطلقا وقيل ليست بنجسة وقيل رطبها نجس كالخمر ويابسها ليس بنجس. والصحيح أن النجاسة تتناول الجميع كما تتناول النجاسة مائع الخمر وجامدها فمن سكر من شرب سكر أو حشيشة مسكرة لم يحل له قربان المسجد حتى يصحو ولا تصح صلاته حتى يعلم ما يقول ولا بد أن يغسل فمه ويديه وثيابه في هذا وهذا والصلاة فرض عليه ولكن لا يقبل منه حتى يتوب أربعين يوما واستدل على ذلك (6). . .
(1) جـ 34 مجموع فتاوى ابن تيمية
(2)
صحيح مسلم الأشربة (2003)، سنن الترمذي الأشربة (1861)، سنن أبو داود الأشربة (3679)، سنن ابن ماجه الأشربة (3390)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 98)، سنن الدارمي الأشربة (2090).
(3)
صحيح البخاري المغازي (4345)، صحيح مسلم الأشربة (1733)، سنن النسائي الأشربة (5604)، سنن أبو داود الأشربة (3684)، سنن ابن ماجه الأشربة (3391)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 417)، سنن الدارمي الأشربة (2098).
(4)
صحيح مسلم الأشربة (2003)، سنن الترمذي الأشربة (1861)، سنن أبو داود الأشربة (3679)، سنن ابن ماجه الأشربة (3390)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 98)، سنن الدارمي الأشربة (2090).
(5)
صحيح مسلم الأشربة (2003)، سنن الترمذي الأشربة (1861)، سنن أبو داود الأشربة (3679)، سنن ابن ماجه الأشربة (3390)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 98)، سنن الدارمي الأشربة (2090).
(6)
البحث ص 33