الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وسماهم أهل مكة جيش السويق حيث قالوا لهم: إنما خرجتم تشربون السويق وفي ذلك يقول كعب بن مالك:
وعدنا أبا سفيان بدرا فلم نجد
…
لميعاده صدقا وما كان وافيا
فأقسم لو وافيتنا فلقيتنا
…
لأبت ذميما وافتقدت المواليا
آب: رجع، افتقدت: فقدت، الموالي: قصد بها القرابة.
غزوة الخندق أو الأحزاب
وقدم نفر من اليهود على قريش ودعوهم إلى حرب محمد واستئصال قوته، وكان ذلك في شوال سنة خمس، فخرجت قريش وعلى رأسها أبو سفيان، وخرجت غطفان وعلى رأسها عيينة بن حصن، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بخروجهم ضرب الخندق حول المدينة، وأقبلت قريش في عشرة آلاف ومعهم الأحابيش وأهل كنانة وتهامة فنزلوا بمجتمع الأسيال وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد فنزلوا إلى جانب أحد، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فجعلوا ظهورهم إلى سلع (جبل بالمدينة) وكان عدتهم ثلاثة آلاف، واشتد خوف المسلمين حين أتاهم أعداؤهم في تلك الجموع الكثيفة من فوقهم ومن أسفل منهم، وطال الحصار ولم يقع خلاله إلا بعض مبارزات بين أفراد من المشركين اقتحموا الخندق وبين بعض أبطال المسلمين.
وأوقع الله الفتنة بين قريش وغطفان من جانب وبين بني قريظة (اليهود) من جانب آخر، ثم بعث الله عليهم الريح في ليال شاتية البرد فكفأت قدورهم وأطارت خيامهم فطاروا مع الريح وطارت معها شوكتهم، وشتت الله شملهم ثم خرج الرسول صلوات الله وسلامه عليه إلى بني قريظة فحاصرهم ثم حكم فيهم سعد بن معاذ، فحكم بقتلهم، وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة.
وقد صور كعب بن مالك غزوة الخندق في قصيدة مطلعها:
وسائلة تسائل ما لقينا
…
ولو شهدت أرتنا صابرينا
ومنها:
بباب الخندقين كأن أسدا
…
شوابكهن يحمين العرينا
إلى قوله:
كما قد ردكم فلا شريدا
…
بغيظكم خزايا خائبينا
خزايا لم تنالوا ثم خيرا
…
وكدتم أن تكونوا دامرينا
بريح عاصف هبت عليكم
…
فكنتم تحتها متكمهينا
* الشوابك: التي يتشبث بها فلا يفلت * الفل: المنهزمون * الشديد: الطريد * الدامر: الهالك * المتكمه: الأعمى الذي لا يبصر.
بهذا النص يكشف الشاعر عن حقيقة رواها التاريخ وهي رجوع الأحزاب دون حرب، وقد شردوا في الآفاق وكادوا يهلكون، ويلتقي البيت الأخير مع قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا} (1)
ويصور الشاعر في الشطر الأخير حالة الأحزاب وقد عميت أبصارهم حينما هبت عليهم الريح العاصفة.
* * *
وقال كعب في غزوة الخندق كذلك من قصيدة طويلة:
من سره ضرب يمعمع بعضه
…
بعضا كمعمعة الأباء المحرق
فليأت مأسدة تسن سيوفها
…
بين المذاذ وبين جزع الخندق
دربوا بضرب المعلمين وأسلموا
…
مهجات أنفسهم لرب المشرق
في كل سابغة تخط فضولها
…
كالنهي هبت ريحه المترقرق
بيضاء محكمة كأن قتيرها
…
حدق الجنادب ذات شك موثق
* المعمعة: صوت التهاب النار * الأباء: العصب * المأسدة: موضع الآساد * المعلمون: الذين ميزوا أنفسهم في الحروب بعلامة * السابغة: الدرع * تخط فضولها: ينجر على الأرض ما فضل منها * النهي: بتشديد النون المكسورة الغدير * المترقرق: الذي تصفقه الريح فيجيء ويذهب * القتير: مسامير الدرع * الجنادب: ذكور الجراد * الشك: إحكام السرد.
قدم الشاعر في هذه الأبيات صورة لبعض ما وقع من ضروب المبارزة بين الشجعان الأقوياء، ورأى أن ذلك الضرب العنيف يسر الشجعان حيث يشد أنظارهم وأسماعهم صليل السيوف وحركتها، وفي قعقعة أصواتها ما يشبه قعقعة القصب حين تلتهمه ألسنة اللهب، فمن شاء رؤية ذلك فليأت تلك المأسدة التي تسن سيوف أصحابها بين مراتع الخيول والوادي الذي لا شجر فيه عند الخندق، فأولئك تدربوا على ضرب الذين علموا أنفسهم بعلامة يعرفون بها وكأنهم دربوا على ضرب من يتحداهم وقد أسلموا أرواحهم لربهم وإنهم ليلبسون الدروع السابغة التي انحطت فضولها حتى انجرت على الأرض وهي تروح وتجيء كأمواج الغدير التي حركتها الريح، وإنها محكمة النسج وكأن مساميرها حدق ذكر الجراد، وهي ذات إحكام وتوثيق.
(1) سورة الأحزاب الآية 9
وله في الخندق قصيدة مطلعها:
ألا أبلغ قريشا أن سلعا
…
وما بين العريض إلى الصماد
ومنها:
فلم نر عصبة فيمن لقينا
…
من الأقوام من قار وباد
أشد بسالة منها إذا ما
…
أردناه وألين في الوداد
إذا ما نحن أشرجنا عليها
…
جياد الجدل في الأرب الشداد
قذفنا في السوابغ كل صقر
…
كريم غير معتلث الزناد
أشم كأنه أسد عبوس
…
غداة بدا ببطن الجزع غادي
يغشى هامة البطل المذكى
…
صبي السيف مسترخي النجاد
لنظهر دينك اللهم إنا
…
بكفك فاهدنا سبل الرشاد
سلع: جبل بالمدينة * العريض: واد بالمدينة * الصماد: جبل * القاري: من كان من أهل القرى والباد من كان من أهل البادية * البسالة: الشجاعة * أشرجنا: ربطنا * الجدل: الدروع المحكمة * الأرب: العقدة الشديدة * السوابغ: الدروع * اعتلث الرجل زندا: أخذه من شجر لا يدري أيوري أم لا؟ * الأشم: العالي العزيز * المذكى: الذي بلغ الغاية في القوة * صبي السيف: وسطه، * النجاد: حمائل السيف.
إن الشاعر ليفخر بقومه حيث لا يرى بسالة أشد من بسالتهم بين القرى والبوادي إذا ما أرادوا الضرب الذي تحدث عنه في أبيات سابقة وهم إلى جانب سطوتهم وقوتهم ألين في حبهم من غيرهم فهم البسلاء إذا ما ضربوا واللينون إذا ما أحبوا، وبسالتهم تتجلى حين يربطون الدروع ويشدون عقدها، وكأنهم يقذفون في الدروع كل صقر كريم مستعد للحرب عالي الأنف، كأنه الأسد في عبوسه حين يغدو ببطن الجزع، وحين يضرب بوسط سيفه هامة البطل الذي بلغ غاية قوته، وقد بدا نجاده الطويل المسترخي إلى جانبه يشير إلى طوله، كل ذلك يكون لإظهار دين الله وإعلاء كلمته، ثم ختم قصيدته بالدعاء إلى الله أن يهديهم في حياتهم ومعاركهم سبل الرشاد.
* * *
وقد تناول كعب بن مالك تصوير يوم ذي قرد وخيبر والطائف، ونسوق بعض أبيات من قوله في غزوة الطائف:
قال منها:
قضينا من تهامة كل ريب
…
وخيبر ثم أجممنا السيوفا
نخيرها ولو نطقت لقالت
…
قواطعهن: دوسا أو ثقيفا
ومنها:
فلست لحاضن إن لم تروها
…
بساحة داركم منا ألوفا
ويأتيكم لنا سرعان خيل
…
يغادر خلفه جمعا كثيفا
إذا نزلوا بساحتكم سمعتم
…
لها مما أناخ بها رجيفا
بأيديهم قواضب مرهفات
…
يزدن المصطلين بها الحتوفا
ومنها:
وكم من معشر ألبوا علينا
…
صميم الجذم منهم والحليفا
أتونا لا يرون لهم كفاء
…
فجدعنا المسامع والأنوفا
بكل مهند لين صقيل
…
نسوقهم بها سوقا عنيفا
وتنسى اللات والعزى وود
…
ونسلبها القلائد والشنوفا
* * *
الريبة: الشك * أجممنا: أرحنا ومنه الاستجمام * نخيرها: نعطيها الخيرة * الحاضن: المرأة التي تحضن ولدها * السرعان: المتقدمون * الكثيف: الملتف: الرجيف: الصوت المضطرب * القواضب: السيوف القواطع * المرهفات: الحادة القاطعة * المصطلون بها: الذين باشروها واصطلوا بحرها * الحتوف جمع حتف: الموت * ألبوا: جمعوا * الصميم: الخالص * الجذم: بكسر الجيم: الأصل * الجدع: القطع * المهند: السيف * اللين مخفف لين بتشديد الياء * الصقيل: المصقول * الشنوف جمع شنف بفتح الشين وهو قرط يعلق في أعلى الأذن، وما يعلق في أسفلها هو القرط، واللات والعزى وود (آلهة كانت تعبد. . .). .
بين الشاعر في هذه الأبيات أنهم انتهوا من معارك تهامة وخيبر ثم أراحوا السيوف حينا، ثم خيروها بمن تبدأ بعد ذلك، ولو نطقت لهتفت: أريد دوسا أو ثقيفا، وبعد أبيات بدأ تهديده لهم فقال لست لامرأة حضنتني وربتني أو لحاصن بالصاد وهي العفيفة أي: لست ابن عفيفة راشدة إن لم تفاجئكم السيوف وإن لم تروا بأفناء دوركم ألوفها تجز الأعناق والنواصي، واستطرد في وعيده بأنهم ستأتيهم طلائع الخيل ووراءها الجموع الكثيفة من جيوش المسلمين فإذا نزلوا ستسمع الساحة اضطرابا شديدا، يشير بذلك إلى الكثرة التي تتهددهم ثم كشف عن قوة سيوفهم التي تزير كل من يتصدى للمسلمين ساحة الموت.
ثم راح الشاعر يخوفهم فعرض عليهم صورة القبائل التي جمعت جموعها وألقت في المعارك بأصولها وحلفائها وظنوا حين شنوا غاراتهم علينا بأننا لسنا أكفاء لهم فلم يقتلوا بأيدينا فحسب، بل قطعنا آذانهم وأنوفهم (لم يرو التاريخ أن المسلمين مثلوا بجثث قتلاهم في معركة من المعارك الإسلامية، أتراها مبالغة شعرية من شاعرنا؟ أم تراه التهديد والإرهاب؟ أم تراها القافية حكمت بهذا التخيل؟ حيث لم يثبت في التاريخ الإسلامي ذلك التمثيل). وقد ساقوهم سوقا عنيفا بكل سيف لين مصقول وأنسوهم آلهتهم التي طالما