الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إن رصيد الأوراق النقدية وإن كان مختلفا، فبعضه ذهب أو فضة وآخر منه عقار أو أوراق مالية من أسهم وأسناد إلا أن ما كان منه عقارا أو أوراقا مالية لم يعتبر رصيدا بنفسه، وإنما اعتبر بما قدر به من العمل المتعامل بها سابقا في دولة الإصدار، ذهبا كانت أم فضة، وكذا ما كان أوراقا وثيقية عمادها التزام سلطة الإصدار ليست قيمتها من مجرد سن الدولة التعامل بها، لما سبق في بيان السبب الثاني من أسباب سر قابلية النقد وسيطا في التبادل، وإنما كسبت الأوراق الوثيقية ثقة الناس بها وقبولها إياها وسيطا في التعامل من ملاءة سلطة الإصدار القائمة مقام الذهب أو الفضة مع سنها التعامل بها، فعاد الأمر إلى قيم ما كان به مليئا من ذهب أو فضة أو ما يقدر بهما، وبذلك كان بعض الرصيد ذهبا أو فضة بالفعل، وبعضه الآخر في حكم الذهب أو الفضة تبعا لنوع العمل المتعارف عليها في الدولة قبل إصدار الأوراق النقدية أما ما قيل من أن هذا الرأي يستلزم الحرج والمشقة في مسائل الصرف؛ لاشتراط المماثلة في الجنس فغير مسلم، فإن ما اشترط من المماثلة في حال معاوضة بديل الذهب مثلا بعضه ببعض قد اشترط في حال معاوضة الذهب نفسه بعضه ببعض ولم يعتبر ذلك حرجا، فكذا لا يعتبر اشتراط المماثلة في حال المعاوضة في البديل حرجا، ويؤيد ما ذكر من البديلة واعتبار الرصيد قائما أن قيمة الأوراق النقدية لا تخضع في صعودها وهبوطها لحالة السوق التجارية عرضا وطلبا فقط، بل تخضع في ذلك أيضا لحالة رصيدها قوة وضعفا، فإن كان لها نسبة معتبرة من الرصيد مع ملاءة الدولة أو ارتبطت بعملة لدولة أخرى مليئة معتبرة، كعملة الدولار أو الإسترليني في الوقت الحاضر أثبتت وجودها وعلت قيمتها، وإلا تزلزلت وهبطت قيمتها، ومن هنا قيل هذه عملة صعبة وقيل في أخرى ليست صعبة ويشهد لذلك حالة الورق النقدي في بعض الدول العربية حينما انفصل عن الإسترليني فهبط بعد أن كان صاعدا مرتفعا سعره في السوق العالمية، ويؤيد اعتبار الرصيد أيضا، وأنه لم يزل قائما أن الدولة إذا أبطلت نوعا من الأوراق النقدية لزمها تعويض من بيده الأوراق إما بأصل الرصيد أو بأوراق أخرى تقوم مقام نصيبها من الرصيد، وإنما منعت الدولة التعويض عن الأوراق بما يقابلها من نفس الرصيد محافظة على خاماتها الثمينة وحماية لها من تلاعب الناس فيها أو تهريبها إلى غير هذا من أنواع العبث، وقد يكون احتفاظها بالرصيد لمعنى اقتصادي جعل الدولة تحل الأوراق محل الذهب أو الفضة.
* * *
الأوراق النقدية نقد قائم بنفسه
القول الخامس: يتلخص هذا القول في أن الورق النقدي نقد قائم بنفسه كالذهب والفضة وغيرهما من الأثمان مما يلقى قبولا عاما كوسيط للتبادل بين الناس، وإن العملات الورقية أجناس تتعدد بتعدد جهات إصدارها.
توجيه هذا القول:
ويمكن أن يوجه هذا القول بما يأتي:
1 -
ما عليه البلاد من حال اقتصادية.
2 -
ثقة الناس بها ثقة تامة جعلتها صالحة لتكون مستودعا عاما للادخار، وقوة للشراء، ومقياسا للقيم (1).
3 -
قانونيتها بسن الدولة لها وحمايتها إياها والاعتراف بذلك أكسبها قوة الإبراء العام (2).
4 -
لا يحتم قانون إصدار الأوراق النقدية تغطيتها جميعها، فيكفي تغطية بعضها بغطاء مادي له قيمة في نفسه ولو لم يكن ذهبا ولا فضة، على أن يكون الباقي أوراقا وثيقية لا غطاء لها إلا التزام سلطة الإصدار بما سجل عليها عند إبطالها.
5 -
التعهد المسجل على هذه الأوراق لا يقصد إلا تذكير المسئولين عن مسئوليتهم تجاهها والحد من الإفراط في الإصدار دون استكمال أسباب الثقة بها، وإذن فليست أسنادا وليس التعهد بها سر قبولها.
6 -
ليس للأوراق النقدية قيمة في نفسها، وإنما قيمتها في أمر خارج عنها فليست عروضا.
7 -
رجحان القول بأن علة الربا في النقدين الثمنية مع الاعتراف بثمنية الأوراق النقدية.
8 -
تحقق الشبه بينها وبين الذهب والفضة المسكوكتين في الثمنية وفي وقوع الظلم والعدوان والاضطراب في المعاملات إذا جعل كل من هذه الأثمان سلعا كالعروض تباع وتشتري فأعطيت حكمها لا حكم العروض.
9 -
اختلاف جهات الإصدار فيما تتخذه من أسباب الثقة بالأوراق النقدية لتحل محل الذهب والفضة وتكسب قبولا عاما وإبراء تاما، واختلاف هذه الجهات أيضا قوة وضعفا وسعة وضيقا في الاقتصاد والسلطان، وغير ذلك مما يقضي بأنها أجناس مختلفة باختلاف جهات إصدارها، فكما أن الذهب والفضة جنسان لاختلاف كل منهما عن الآخر في القيمة الذاتية فكذلك العملات الورقية أجناس لاختلاف كل منها عن الأخرى بما تقدرها به جهات إصدارها وفيما تتخذه من أسباب لقبولها وإحلال الثقة بها.
10 -
في القول بتفرع الأوراق النقدية عن الذهب والفضة مجانبة للواقع، وفي العمل به حرج ومشقة حينما تعتبر الأوراق النقدية جنسا واحدا، وحيث كان سر قبول الأوراق النقدية ثقة الناس به لا التعهد المسجل على كل ورقة بتسليم حاملها ما سجل
(1) انظر ص 6 و 7 من الموجز في اقتصاديات النقود للأستاذ جـ. ف. كراوذ.
(2)
انظر ص 98 و 99 من كتاب قصة النقود.
عليها وقت الطلب، ولا أن جميعها مغطى بذهب أو فضة، ولا لأن سلطة الإصدار ألزمت الناس التعامل بها، وحيث إنها أشبهت الذهب والفضة في الثمنية وتقويم الأشياء بها، واطمئنان النفوس إلى تمولها وادخارها، وفي اضطراب أحوال المعاملات وانتشار الظلم والعدوان باتخاذها سلعا تباع وتشترى، وكان الراجح في علة جريان الربا في الذهب والفضة الثمنية، وتبين أنها ليست أسنادا ولا عروضا وأن الفلوس جارية مجرى الذهب والفضة في أحكامها، وأنها ليست متفرعة عن الذهب والفضة، وإن قيمة الأوراق الثمنية وقوتها الشرائية تختلف باختلاف جهات الإصدار في حالتها الاقتصادية وقوتها وضعفها، وسعتها وضيقها في الاحتياط لحفظ كيان هذه الأوراق وفي نوع ما تسندها ثبت أنها نقد قائم بنفسه، وأنها أجناس مختلفة تبعا لاختلاف جهات إصدارها، وأن لها ما للذهب والفضة من أحكام.
مستلزمات هذا القول:
يستلزم هذا القول الأحكام الشرعية الآتية:
أ - جريان بنوعيه فيها كما يجري الربا بنوعيه في الذهب والفضة وغيرهما من الأثمان.
ب - عدم جواز بيع الجنس الواحد بعضه ببعض أو بيع جنس منها بغيره من الأجناس الثمينة الأخرى من ذهب أو فضة أو غيرهما نسيئة.
جـ - عدم جواز بيع الجنس الواحد بعضه ببعض متفاضلا سواء كان ذلك نسيئة أو يدا بيد.
د - جواز بيع الأوراق النقدية بعضها ببعض متفاضلا إذا اختلف الجنس وكان يدا بيد فيجوز بيع الريال الفضة بريالين من الورق مثلا وبيع الليرة بريال سعودي فضة كان أو ورقا، وبيع الدولار بخمسة ريالات أو أقل أو أكثر إذا كان يدا بيد.
هـ - وجوب زكاتها إذا بلغت أدنى النصابين من ذهب أو فضة إذا كانت مملوكة لأهل وجوبها وحال عليها الحول.
وجواز السلم بها.
مناقشة هذا القول:
ويمكن أن تناقش هذه التوجيهات بما يأتي:
أما الأول فيناقش بأن تغير أسعار الورق النقدي ونحوه ارتفاعا وانخفاضا لا يخضع فقط لحالة السوق
التجارية وعرضا وكثرة الإنتاج وقلته وكثرة الأثمان وقلتها بل يخضع أيضا لحالة رصيد هذه الأوراق قوة وضعفا، فإذا كان لها نسبة معتبرة من الرصيد مع ملأة الدولة أو ارتبطت بعملة أخرى مليئة، ولها رصيد معتبر كعملة الدولار والإسترليني في الوقت الحاضر أثبتت وجودها وغلت قيمتها وإلا تزلزلت وهبط سعرها في الأسواق العالمية، ومن هنا قيل عملة صعبة وعملة ليست صعبة، ويشهد لذلك واقع الورق النقدي في بعض الدول العربية حينما انفصل عن الإسترليني فهبط بعد أن كان مرتفعا سعره في السوق العالمية.
ويناقش الثاني والثالث بأن ثقة الناس بها، وقانونيتها بسن الدولة لها وحمايتها والاعتراف بذلك إنما أكسبها قوة الشراء والإبراء العام وجعلها مقياسا للقيم من أجل ما استندت إليه من رصيد لا يزال اعتباره قائما يدل على ذلك ما جاء في التوجيه الرابع والخامس والسادس والتاسع وما تقدم في بيان سر قابلية النقد الورقي للتبادل والإبراء العام.
ويناقش الرابع بأنه وإن لم يتعين تغطية الأوراق النقدية بالذهب أو الفضة، لكن لا بد من التغطية ولو بعقار يقدر بالعملة المتعارف عليها في دولة الإصدار حتى يمكن الوقوف عند حد معقول اقتصاديا في إصدار الأوراق النقدية يتناسب مع الرصيد، وما كان غير مغطى منها قام فيه التزام جهة الإصدار المليئة مقام الغطاء بالعملة المتعارف عليها سابقا، وبذلك كان الغطاء من عقار والتزام مثلا في حكم الذهب والفضة وكانت ثقة الناس بهذه الأوراق وكانت قوة الشراء والإبرام العام.
(انظر التعليق على مناقشة القول الرابع):
ويناقش الخامس بأنه يحمل رده في طيه حيث ذكر فيه أن مما يقصد بالتعهد المسجل على الأوراق الحد من الإفراط في الإصدار دون استكمال أسباب الثقة، واستكمال أسباب الثقة إنما يكون بزيادة الرصيد بنسبة ما يراد زيادة إصداره من الأوراق النقدية، وبذلك يتبين أن اعتبار الرصيد ولو اختلف نوعه لا يزال قائما، وإنما لم يسلم العوض ذهبا أو فضة عند إبطال عملة الأوراق، واكتفى بتسليم عملة أخرى من الأوراق لمصلحة رآها ولي الأمر كالمحافظة على المعادن النفيسة من تهريبها مثلا أو الرغبة في الانتفاع بها فيما يعود على الدولة بالخير مع قيام أوراق نقدية لا تكلفه شيئا سوى إصدارها مع دعمها بالتزام الوفاء ورصيد يتصرف فيه رجاء فائدة تعود إلى الحكومة والأمة.
ويناقش السادس بأنه يحمل رده في طيه أيضا كالخامس بل هذا أوضح، حيث صرح فيه بأن قيمة الأوراق النقدية في أمر خارج عنها لا في نفسها، فدل ذلك على اعتبار الرصيد قائما وإن لم يستجب إلى من طلبه من حملة الأوراق النقدية ولم يدفع إليه شيء من الرصيد بعينه لما تقدم بيانه في رد الوجه الخامس.