الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
موقف
الشريعة الإسلامية من المسكرات والمخدرات
إعداد الشيخ سعود بن سعد بن دريب
المستشار بمكتب وزير العدل
تضمن هذا البحث ما يلي: - بيان المقصود من الشريعة الإسلامية
فورد أن المقصود من هذه الشريعة مصلحة الإنسان باعتباره خليفة في المجتمع الذي هو منه ويتضح ذلك باستقرائنا لأحكام الله تعالى، وأورد أدلة تؤيد ذلك من القرآن الكريم والسنة النبوية ثم قال: أن التتبع دل على أن الشارع الإسلامي ما قصد إلا حفظ ضروريات الناس وحاجياتهم وتحسيناتهم ثم نقل فقرة عن الشاطبي يقول: وإن الظواهر والعمومات والمقيدات والجزئيات الخاصة في أعيان مختلفة ووقائع في كل أبواب الفقه يؤخذ منها أن التشريع دائر حول هذه الثلاث التي هي أسس مصالح الناس.
ثم تناول محافظة الشريعة الإسلامية على مقاصدها بما يقيم أركانها وذلك بمراعاتها من جانب الوجود، وبما يدرأ عنها الاختلال وذلك بمراعاتها من جانب العدم،. . ثم أوضح ذلك بأن الدين شرع الإيمان والتعلق بالشاهدتين وبقية أركان الإسلام لحفظه وكفالة بقائه، وشرع الجهاد لمحاربة من يقف عقبة في سبيل الدعوة إليه، وشرع الطعام والشراب والمسكن لبقاء الحياة، وشرع القصاص والدية لحفظ النفس من العدوان عليها، وشرع لحفظ النسل من حيث الوجود والنكاح والتناسل، ومن حيث المنع حرمة الزنا والقذف ووضع الحد لمرتكبها.
وشرع لحفظ المال من حيث الوجود الضرب في الأرض بطلب الرزق، ومن حيث المنع حرم السرقة والربا وأكل أموال الناس بالباطل.
والعقل شرع لحفظه من حيث الوجود ما شرع لحفظ النفس من تناول الغذاء الذي يتوقف على البقاء كما شرع لحفظه من حيث المنع تحريم المسكرات والمخدرات مع عقوبة من تناول شيئا من ذلك.
ثم قال: لهذا جاءت الشريعة الإسلامية بتحريم المسكرات والمخدرات لمفاسدها بالنسبة إلى الفرد وإلى المجتمع سواء في الدين أو النفس أو العرض، أو العقل أو المال، ثم تناول بيان حقيقة كل من المسكر والمخدر وحقيقة الخمر وقال إنها كل ما اختمر وأسكر من عصير العنب أو التمر أو الشعير أو غير ذلك.
ثم ذكر أن الاصطلاح الفقهي يختلف: -
فالحنفية يعرفون الخمر بأنها ماء العنب إذا غلى واشتد وقذف بالزبد، وجمهور العلماء من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار يقولون: إنها كل شراب يسكر سواء أكان من عصير العنب أو غيره ويدخل في ذلك جميع المواد الكحولية التي تحدث الإسكار وبهذا يقول محمد صاحب أبي حنيفة: وهذا هو الراجح المتمشي مع اللغة والأحاديث الصحيحة، وساق أحاديث كثيرة تدل على ذلك.
ثم قال: يستنتج من الأحاديث أن الشارع لم يحرم الخمر لكونها من نوع معين من المأكولات ولا نحو ذلك إنما لأثرها الذي تحدثه وهو الإسكار كما أن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- قد أعطانا قاعدة نستطيع أن نميز بها الخمر من غيرها من قوله «كل مسكر خمر وكل خمر حرام (1)» وأنه يدخل في ذلك ما ثبت إسكاره من أي مادة ولو كانت خبزا أو ماء كما روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت (لا أحل سكرا وإن كان خبزا أو ماء).
وقال الحافظ ابن رجب: كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يستدلون بقول النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- «كل مسكر حرام (2)» على تحريم جميع أنواع المسكرات ما كان على عهد النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم- وما حدث بعده، وساق أثرا لابن عباس في هذا المعنى، ثم ساق أنواعا من الخمر التي كانت معروفة في القديم أو عرفت في الحديث كالنبع والمرار والجفه والبيرة والغبيراء والبوظة والفصيح وغير ذلك، ثم قال: ومنها الحشيشة التي كان أول حدوثها في أواخر المائة السادسة أو قريبا من ذلك كما قال ابن تيمية ص 9 - ومنها الأفيون (معروف).
وقد تبين بما لا يدع مجالا للشك أن تعاطي الأفيون لأغراض الكيف وتحقيق الشعور والنشوة والراحة في غاية الخطر على حياة الفرد والجماعة وظاهرة تعاطي المخدرات، ثم ذكر أنواعا من الخمور مثل البراندي والوسكي وغيرهما وأورد نسبة الكحول في كل منها وأنها تخالف الخمر في الأسماء وتتفق معها في الخصائص فهي محرمة مثلها.
ثم ذكر تعريفا باسم المخدرات أو المفترات. عرف المخدرات بأنها المواد التي تسبب في الإنسان الاسترخاء وفقد الوعي مع التفاوت وقد تؤدي إلى الوفاة. . والمفتر بمعنى المخدر وذكر كلام بعض العلماء في ذلك، وذكر من المخدرات ورق الشيش والبنج وجوزة الطيب وقال إن الأنواع كثيرة جدا كالخمور ثم أورد البحث تشديد الإسلام في تحريم المسكرات والمخدرات.
وأوضح ذلك بأنها تتنافى مع المحافظة على الضروريات الخمس السابقة، وأضاف أن الشارع جاء بتعليمات تستهدف إيجاد أمة قوية في إيمانها وأبدانها وعقولها. والمسكرات والمخدرات من عوامل الضعف وأورد آية التحريم البات للخمر. ثم قال: أجمعت الأمة الإسلامية قديما وحديثا على تحريم الخمر وأن علماء الإسلام نصوا على تحريم طائفة من المخدرات في عصورهم واعتبروا بأن
(1) صحيح مسلم الأشربة (2003)، سنن الترمذي الأشربة (1861)، سنن أبو داود الأشربة (3679)، سنن ابن ماجه الأشربة (3390)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 98)، سنن الدارمي الأشربة (2090).
(2)
صحيح البخاري المغازي (4343)، صحيح مسلم الأشربة (1733)، سنن النسائي الأشربة (5604)، سنن أبو داود الأشربة (3684)، سنن ابن ماجه الأشربة (3391)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 417)، سنن الدارمي الأشربة (2098).
استحلالها كاستحلال الخمر. . ثم نقل من بعض الكتب الفقهية نصوصا تفيد تحريم الحشيش وما أشبهه من المخدرات، وبين بعد ذلك أن موقف الإسلام كان حاسما في تحريم القليل والكثير من هذه المخدرات التي تنحدر إلى مهابط الرذيلة وأورد بعض الأحاديث الدالة على تحريم القليل وأن الخطابي قال إن في هذه الأحاديث أبين البيان على أن الحرمة شاملة لجميع أنواع الشراب المسكر (نقلا من الدلائل الواضحات).
ثم بين أن حسم الإسلام في التحريم اقتضى حرمة التداوي بالخمر وخلطها مع الدواء وقال -صلى الله تعالى عليه وسلم- في ذلك «إن الله تعالى لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها» رواه أحمد وأبو يعلى وابن حبان وغيرهم.
ولا عجب في ذلك فإن تحريم الشيء يقتضي مقاطعته وفي اتخاذه دواء ترخيص في ملابسته وهذا ضد مقصود الشارع. . أما في حالة الإضطرار الطارئ كمن غص بالطعام فلا حرج أن يدفعه الأكل بجرعة من الخمر إذا لم يوجد غيرها في أضيق الحدود الممكنة دفعا للحرج كما قال سبحانه وتعالى {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (1)
ثم كرر الحكمة في تحريم الخمر من زاوية الضرورات الخمس وأضاف إلى ذلك بيان ما في الخمر من المضار البينة بالنسبة إلى تلك الضرورات.
فأورد في مضارها الدينية أنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، ومن أعرض عن ذكر الله وعن الصلاة فإن حياته حياة قلق وإفلاس فكيف والخمر أم الخبائث فهي سبيل إلى جميع المحظورات ومن أضرارها على النفس ما أورده الأطباء بالبحث والتحليل الدقيق من أنها تفسد المعدة وتفقد الشهية وتسبب جحوظ العين وتسبب في إسراع الهرم حتى قالوا إن السكير ابن الأربعين يكون نسيج جسمه كنسيج جسم ابن الستين.
وعلى الجملة هي نذير خطير للجسم إذ تعوق دورة الدم وقد توقفها أحيانا فيموت السكير فجأة ولهذا فقد دلت الإحصاءات الطبية أن المدمنين حياتهم أقصر من غيرهم.
وقد أورد من مضارها على العرض والنسل ما يصاب به الجهاز التناسلي فهي تضعف الفاعلية الجنسية في الرجال وهي في النساء تقل ويكاد يتوقف الطمث أو توقفه وتضعفه وتؤثر على الرغبة الجنسية فيقل الحمل ولهذا يصاب كثير من المدمنين بالعقم والعنة مع أنها تضعف النسل إذا قدر وتشوهه وتجعله عرضة لمختلف الأمراض، ثم إن المسكرات تجرد المرء من الحياء وتدفع متعاطيها إلى ارتكاب الزنا فربما زنا بمحارمه وروى الطبراني إلى أن رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم- قال:«الخمر أم الفواحش وأكبر الكبائر من شربها وقع على أمه وخالته وعمته» .
ومن أضرارها على العقل أنها تستره وتغطيه كما هو أول أثر واضح وهو اللطيفة الربانية التي أنعم الله بها على الإنسان ثم يقع مع الإدمان ضعف القوة العقلية وقد ينتهي الأمر بشاربها إلى الجنون، ومن أضرارها المالية فليس هناك ما يدعو إلى إقامة الدليل عليها فالمدمنون للمسكرات أو المخدرات ينفقون الأموال الطائلة التي ربما كانوا أحوج ما يكون إليها لإصلاح شئونهم وشئون أبنائهم ومن يلونهم ثم إنهم يسخون أكثر ما يكون السخاء حال الغيبوبة.
وينتقل من ذلك إلى أن ضرر المسكرات والمخدرات لا تقتصر على المتعاطي وحده بل يتعدى إلى المجتمع واقتصاده وأمنه وسلامته. ويتجلى ذلك في هتك الأعراض وفي المشاجرات والخصومات كما أشار إليه القرآن الكريم {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} (2)
(1) سورة البقرة الآية 173
(2)
سورة المائدة الآية 91
وهنا صورة توضح ما يخل بأمن الدولة تتمثل في إفشاء السر وهو أمر خطير جدا إذا كان متصلا بالحكومة وسياسة الدولة وشئونها العسكرية، ولهذا يعتمد الجواسيس على المسكرات والمخدرات في إنجاح مهمتهم.
أخطار على أمن الدولة
أما مضارها الاقتصادية على البلاد فيمثل في أمرين: الأول: - شل الحركة الإنتاجية لبعض أفراد المجتمع فإنهم يقضون جل أوقاتهم في حالة غيبوبة لا تمكنهم من العمل مع أن كثيرا منهم يشغلون الأطباء من الدولة لمعالجتهم.
الثاني: - تلك المبالغ الطائلة التي ينفقها هؤلاء التعساء في المسكرات والمخدرات فيما يؤثر على ثروة الدولة؛ لأنهم من هذا المجتمع وخصوصا مع حالات التهريب التي تستهلك كثيرا من العملة الصعبة التي تحتاج إليها البلاد، ثم انتقل إلى ناحية مكافحة الإسلام لتلك الجرائم.
أولا: من الناحية الروحية التهذيبية بالوعيد على تعاطيها والوعظ الناجع الذي يحول دون التورط فيها ثم عقوبة الجلد لكل متعاط للخمر بمثل قوله -صلى الله تعالى عليه وسلم- «من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه (1)» وواضح أن هدف الشارع من العقوبة تقويم الشارب ومنعه من استرسال مع تكفير ما خطئته، وقد علم الشارع أن الشارب يحاول الهروب من الحقائق إلى سعادة التخيلات فحارب ذلك بالعقوبات الرادعة التي ترده إلى مواجهة الحقيقة في ذلك العذاب الأليم وكان مع ذلك عذاب نفسي يتجلى في الذي يقع على الشارب بعد الجلد.
ثم قال: إن جمهور العلماء متفقون على وجوب جلد الشارب ولو شرب قطرة واحدة من الخمر لغذاء أو غيره إذا قامت البينة العادلة أو اعترف وكان مسلما عاقلا بالغا مختارا للشرب لا مكرها عليه، وتناول مقدار الجلد فقال روي أن رسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم- جلد في الخمر إلى حد الأربعين ثم تجرأ الناس على الشرب في عهد عمر فأشاروا عليه بأن يصل به إلى الثمانين جلدة وهو حد القذف ونقل أن الصحابة أجمعوا على ذلك لكن يرى بعض الأئمة ومنهم الشافعي أنه لا يزاد على الأربعين.
وأما عقوبة من يتعاطى المخدرات بأي طريقة كان المتعاطي فما ثبت أنه مسكر مثل الحشيش والأفيون فإنه يلحق بالخمر وما ليس مسكرا بحكم الأطباء فعقوبته التعزير (عن مجموع الفتاوى) وقد حرص الإسلام على مقاطعة المتعاطين ونهى عن ارتياد مجالس أهل الشرب وفي الخبر «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعد على مائدة زاد عليها الخمر (2)» ، وكان عمر بن عبد العزيز فيما أثر عنه يجلد من شهد مجلس الخمر وإن لم يشرب، ويستدل على ذلك بالآية الكريمة {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ} (3) الآية.
ثم تناول تعريف بعض الفقهاء للسكر والسكران تمهيدا لرأي الفقهاء في تصرفاته ثم قال إن للعلماء قولين في ذلك، الأول: - أن السكران يؤاخذ مؤاخذة كاملة فعقوده نافذة وطلاقه واقع ولو زنى فعليه الحد ويقتص منه إذا قتل سواء ارتكب عامدا أو مخطئا.
(1) سنن الترمذي كتاب الحدود (1444)، سنن أبو داود الحدود (4482)، سنن ابن ماجه الحدود (2573)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 93).
(2)
سنن الترمذي الأدب (2801)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 339)، سنن الدارمي الأشربة (2092).
(3)
سورة النساء الآية 140