الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
5 -
القابلية العامة للنقد من حيث هو نقد في الجملة ليس ناتجا عن قيمة ذاتية في النقد أو عن وازع سلطاني يفرض التعامل به فقط، وإنما هو الثقة العامة به كقوة شرائية مطلقة، سواء أكانت هذه الثقة صادرة عن تغطيتها بالمعدن النفيس أو عن الانقياد إلى حكم سلطاني باعتبارها أو عن أي اعتبار آخر يضمن هذه الثقة.
هذه الأمور المستنتجة يمكن أن تكون عونا في إدراك حقيقة الأوراق النقدية والقدرة على تكييفها فقهيا.
* * *
آراء فقهية في حقيقة الأوراق النقدية
لم تكن الأوراق النقدية معروفة عند قدماء فقهاء الإسلام لعدم تداولها في زمنهم فلذا لم نجد منهم من تعرض لحكمها، ولما كثر تداولها في البلاد الإسلامية بعد ذلك بحثها الفقهاء من حيث الحقيقة والحكم واختلفت أنظارهم في ذلك تبعا لاختلاف تصورهم لحقيقتها، وجملة ذلك خمسة أقوال:
الأوراق النقدية أسناد
القول الأول: أن الأوراق النقدية إسناد بدين على جهة إصدارها، ويوجه أصحاب هذا القول قولهم بما يأتي:
أ - التعهد المسجل على كل ورقة نقدية بتسليم قيمتها لحاملها عند طلبه.
ب - ضرورة تغطيتها بذهب أو فضة أو بهما معا في خزائن مصدريها.
ج - انتقاء القيمة الذاتية لهذه الأوراق حيث إن المعتبر ما يدل عليه من العدد لا قيمتها الورقية.
د - ضمان سلطات إصدارها قيمتها عند إبطالها ومنع التعامل بها.
مستلزمات هذا القول:
إن القول باعتبار الأوراق النقدية أسنادا على مصدريها يستلزم الأحكام الشرعية الآتية:
أ - منع السلم بها فيما يجوز السلم فيه إذ يشترط في صحة السلم قبض رأس مال السلم في مجلس العقد، وقبض البائع الأوراق النقدية والحال أنها أسناد يعتبر حوالة بها على مصدريها.
ب - عدم جواز صرفها بنقد معدني من ذهب أو فضة ولو كان يدا بيد لأن الورقة النقدية على رأي أصحاب هذا القول وثيقة بدين غائب عن مجلس العقد ومن شروط الصرف التقابض في مجلس العقد.
ج - يعتبر التعامل بالأوراق النقدية بموجب هذا القول من قبيل الحوالة بالمعاطاة على الجهة التي أصدرتها وفي القول بصحة العقود بالمعاطاة خلاف بين أهل العلم فالمشهور في مذهب الشافعي رحمه الله عدم صحتها مطلقا لاشتراط أن يكون الإيجاب والقبول فيها لفظيين، وعلى فرض أن القول باعتبار المعاطاة موضع اتفاق بين أهل العلم فمن شروط الحوالة أن يستطيع المحال استيفاء حقه من المحال عليه وفي مسألتنا لا يمكن أن يستوفي المحال مقابل الورقة من رصيدها كما يدل على ذلك التطبيق العملي فتعتبر الحوالة بذلك باطلة.
د - القول باعتبارها أسنادا بديون على مصدريها يخضعها للخلاف بين أهل العلم في زكاة الدين هل تجب زكاته قبل قبضه أم بعده، وبالتالي عدم وجوب زكاتها لدى من يقول بعدم وجوبها قبل قبض الدين لامتناع قبض مقابل هذه الأسناد.
هـ - بطلان بيع ما في الذمة من عروض أو أثمان بهذه الأوراق لكونها وثائق بديون غائبة؛ لأن ذلك من قبيل بيع الكالئ بالكالئ، وقد «نهى صلى الله عليه وسلم عن بيع الكالئ بالكالئ» .
مناقشة هذا القول: المبررات التي وجه بها أصحاب هذا القول قولهم يمكن الإجابة عنها بما يلي: -
أولا: أن التعهد القاضي بتسليم المبلغ المرقوم على الورقة لحاملها وقت الطلب ليس له من حقيقة معناه نصيب؛ إذ لا يختلف اثنان أن المرء لو تقدم لمؤسسة النقد السعودي أو لغيرها من البنوك المركزية المختصة بإصدار الأوراق النقدية بورقة نقدية صادرة ممن تقدم إليه طالبا منه الاستعاضة عنها بما تحتويه من ذهب أو فضة لما وجد استجابة لذلك ولا وفاء لهذا التعهد، وإنما يرجع الإبقاء على هذا المتعهد -بالرغم من أن الوفاء به لا يتم- إلى تأكيد مسئوليته على جهات إصداره.
ثانيا: أما الاستدلال على سنديتها بضرورة تغطيتها جميعا بذهب أو فضة أو بهما معا فقد سبق القول بأن الحاجة إلى تغطيتها جميعها ليست ملحة، وإنه يكفي تغطية بعضها، فإنا نجد أن الغالب في النقد الورقي أنه غير مغطى بنقد معدني، وإنما غطاؤه التزام سلطاني بضمان قيمته في حال تعرضه للبطلان، وإذن فلا يصلح هذا الدليل سندا لهذا القول.
ثالثا: أما انتفاء القيمة لهذه الأوراق فقد سبق لنا تعريف النقد بأنه أي شيء يلقى قبولا عاما كوسيط للتبادل كما سبقت الإشارة إلى بعض أقوال أهل العلم الشرعي المؤيدة لهذا التعريف، وعليه فمتى ثبت للأوراق النقدية القابلية العامة لتكون وسيطا فلا فرق بين أن تكون قيمتها في ذاتها أو في خارج عنها، ويؤيد هذا أن سلطات سك النقود المعدنية جرت على أن تجعل للنقود المعدنية قيما أكثر من قيمتها الذاتية حفاظا على بقائها ومنعا من صهرها سبائك معدنية، ومتى كنا نرى جزءا من قيمة النقد المعدني ليس له مقابل إلا الالتزام السلطاني ولم نقل بأن الزيادة على قيمته الذاتية سند على الدولة فليبطل القول بأن الأوراق النقدية سند على الدولة على أن هذا القول لا يعني انتفاء مسئولية الدولة عن الهيمنة على ثبات قيمتها في حدود المستوى الاقتصادي العام أو ضمان قيمتها في حال إبطالها.
رابعا: أما ضمان سلطات إصدارها قيمتها وقت إبطالها وتحريم التعامل بها فهذا سر اعتبارها والثقة بتمولها وتداولها، إذ أن قيمتها ليست في ذاتها، وإنما هي في ضمان السلطات لها وليس في هذا دلالة على اعتبارها أسنادا بديون على مصدريها ما دام الوفاء بسدادها نقدا معدنيا عند الطلب مستحيلا.
على أن القول بسنديتها من الحرج والضيق وإيقاع الناس في مشقة عظيمة في معاملاتهم ما يتنافى مع المقتضيات الشرعية لا سيما بعد أن عم التعامل بهذه الأوراق بين الشعوب الإسلامية وأصبحت هي العملة الوحيدة الرائجة السائدة وما عداها من أنواع النقود فقد كاد ترك استعمالها وسيطا للتبادل يسلبها صفة النقد وأحكامه.
ومن الأصول العامة في الشريعة الإسلامية أن الأمر الذي لم ينص على حكمه إذا دار بين ما يقتضي التشديد على الناس وما يقتضي التخفيف عليهم في عباداتهم ومعاملاتهم ترجح جانب التخفيف على جانب التشديد {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (1) وقوله تعالى {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (2) وقوله تعالى {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ} (3) وقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد في مسنده والنسائي
(1) سورة الحج الآية 78
(2)
سورة البقرة الآية 185
(3)
سورة النساء الآية 28