الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
اشتغال المرأة المسلمة بالتمثيل
اشتغال المرأة المسلمة بالتمثيل يشتمل على منكرات محرمة، منها:
ظهورها على أعين الرجال متبرجة كاشفة ما لا يحل كشفه لهم من أعضائها كالرأس والنحر وأعالي الصدر والذراعين والعضدين، وتحريم هذا مجمع عليه معلوم من الدين بالضرورة، فلا حاجة إلى ذكر النصوص فيه.
ومنها الاشتراك مع الرجال الممثلين في أعمال تكثر في التمثيل وإن لم تكن من لوازمه في كل قصة كالمعانقة والمخاصرة والملامسة بغير حائل.
ومنها: غير ذلك من المنكرات التي تشتمل عليها بعض القصص دون بعض كالتشبه بالرجال، وتمثيل وقائع العشق والغرام المحرم بما فيه من الأعمال المحرمة لذاتها أو لكونها ذريعة إلى المحرم لذاته.
ولا أنكر أنه يمكن للكاتب العالم بأحكام الشرع وآدابه أن يكتب قصة تمثيلية يودع بعض فصولها أعمالا شريفة وأقوالا نافعة إذا مثلتها امرأة مسلمة تبرز في دار التمثيل غير متبرجة بزينة ولا مبدية لشيء مما حرم الله إبداءه من بدنها، ولا آتية بشيء من أعمال الفساد ولا من ذرائعه، فإن تمثيلها يكون بهذه الشروط مباحا أو مستحبا، مثال ذلك أن تؤلف قصة في الترغيب في الحروب للدفاع عن الحقيقة وحماية البلاد عند وجوبها باعتداء الأعداء عليها ويذكر فيها ما روي عن الخنساء رضي الله عنها في حث أبنائها على القتال بالنظم والنثر فمن ذا الذي يتجرأ على القول بتحريم ظهور امرأة تمثل الخنساء في مثل تلك الحال، التي هي مثال الفضيلة والكمال؟ ولكن إمكان وضع مثل هذه القصة وهو من الممكنات التي لم تقع لا يبنى عليه القول بإطلاق جواز ما هو واقع من التمثيل المشتمل على ما ذكرنا، وما لم نذكر من المنكرات المحرمة والمكروهة شرعا.
وأما
تمثيل قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
فقد عللوه بأنه درس وعظ مؤثر، يعنون أن كل ما كان كذلك فهو جائز، وهذه الكلية المطوية ممنوعة، وتلك المقدمة الصريحة غير متعينة فإن هذه القصة قد توضع وضعا منفرا، فلا تكون وعظا مؤثرا، وإن من الوعظ المؤثر في النفوس ما يكون كله أو بعضه باطلا، وكذبا وبدعا، أو مشتملا على مفسدة أو ذريعة إليها، ويشترط في جواز الوعظ أن يكون حقا لا مفسدة فيه ولا ذريعة إلى مفسدة، وبناء على هذا الأصل ننظر في هذه المسألة من وجوه:
أحدها: أن العرف الإسلامي العام يعد تمثيل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إهانة لهم أو مزريا بقدرهم، ومما أعهد من الوقائع في ذلك أن بعض النصارى كانوا أرادوا أن يمثلوا قصة يوسف عليه السلام في بعض المدن السورية فهاج المسلمون لذلك، وحاولوا منعهم بالقوة، ورفع الأمر إلى الأستانة فصدرت إرادة السلطان عبد الحميد بمنع تمثيل تلك القصة وأمثالها، فإن قيل إن بعض مسلمي مصر كأولئك المتعلمين القائلين بالجواز لا يعدون ذلك إهانة ولا إزراء إذ لا يخفى على مسلم أن إهانة الأنبياء أو الإزراء بهم أقل ما يقال فيه إنه من كبائر المعاصي، وقد يكون كفرا صريحا وردة عن الإسلام، نقول إنما العبرة في العرف بالجمهور الذي تربى على آداب الإسلام وأحكامه لا بالأفراد القلائل، ومن غلبت عليهم التقاليد الإفرنجية، حتى صاروا يفضلونها على الآداب الإسلامية، كذلك القاضي الأهلي الذي حكم ببراءة أستاذ مدرسة أميرية غازل امرأة محصنة وتصباها، وكاشفها بافتتانه بجمالها حتى هجره الرقاد، وواصله السهاد.
فشكت المحصنة هذه الوقاحة إلى زوجها فرفع الزوج الأمر إلى قاضي العقوبات طالبا تعزير ذلك العادي المفتات، فكان رأي القاضي أن مغازلة المحصنات الحسان وتصبيهن، يحتمل ذلك الكلام الذي يفسدهن على أزواجهن، ولا يقتضي سجنا ولا غرامة، ولا تأنيبا، ولا ملامة؛ لأنه إظهار لحب الحسن والجمال، وهو من ترقي الذوق وآيات الكمال، ولكن ما رآه هذا القاضي المتفرنج حسنا وكمالا، رآه السواد الأعظم من المسلمين نقصا قبيحا، وأنكره عليه في الجرائد حتى منعتها مراقبة المطبوعات من التمادي في الإنكار، واستأنف الزوج الحكم فنقضه الاستئناف، وحكم بأن كلام ذلك الأستاذ جريمة منافية للآداب، ولو حاول بعض أجواق التمثيل تمثيل قصة أحد الرسل الكرام -عليهم الصلاة والسلام- لرأوا من إنكار العلماء والجرائد ما لا يخطر ببال أولئك الأفراد الذين يرون جوازه، ولو وقع مثل ذلك في بلد لم تذلل أهله سيطرة الحكام لما كان إلا مثارا للفتنة ولتصدى الناس لصد الممثلين بالقوة، بل يغلب على ظني أن أكثر الناس يعدون تمثيل الأمراء والسلاطين، وكبار رجال العلم والدين، مما يزري بمقامهم، ويضع من قدرهم، وأن أحدا من هؤلاء الكبراء لا يرضى لنفسه ذلك.
الوجه الثاني: إن أكثر الممثلين لهذه القصص من سواد العامة، وأرقاهم في الصناعة لا يرتقي إلى مقام الخاصة، فإن فرضنا أن جمهور أهل العرف لا يرون تمثيل الأنبياء إزراء بهم على إطلاقه أفلا يعدون من الإزراء والإخلال بما يجب لهم من التعظيم أن يسمى (السي فلان) أو (الخواجة فلان) إبراهيم خليل الله أو موسى كليم الله أو عيسى روح الله أو محمدا خاتم رسل الله؟ فيقال له في دار التمثيل: يا رسول الله ما قولك في كذا. . . . . . فيقول كذا. . . . . . ولا يبعد بعد ذلك أن يخاطبه بعض الخلعاء بهذا اللقب في غير وقت التمثيل على سبيل الحكاية أو من باب التهكم والزراية، كأن يراه بعضهم يرتكب إثما فيقول له: مدد يا رسول الله! ألا إن أباحة تمثيل هؤلاء الناس للأنبياء قد تؤدي إلى مثل هذا، وكفى به مانعا لو لم يكن ثم غيره.
الوجه الثالث: تمثيل الرسول في حالة أو هيئة تزري بمقامه ولو في أنفس العوام وذلك محظور، وإن كان تمثيلا لشيء وقع، مثال ذلك أن يمثل بعض هؤلاء الممثلين المعروفين يوسف الصديق عليه السلام بهيئة بدوي مملوك تراوده سيدته عن نفسه وتقد قميصه من دبره، ثم يمثله مسجونا مع المجرمين ويتجلى النظر في هذا الوجه ببيان مسألة من أعظم المسائل يغفل عنها أمثال أولئك الباحثين الذين ذكرهم المستفتي، وهي أن الرسل -عليهم الصلاة والسلام- بشر ميزهم الله تعالى بما خصهم به من الوحي، وهداية الخلق إلى الحق، وقد كانت بشريتهم حجابا على أعين الكافرين حال دون إدراك خصوصيتهم، فأنكروا أن يكون الرسول بشرا مثلهم يأكل الطعام ويمشي في الأسواق.
وروي عن المسيح عليه السلام أن النبي لا يهان إلا في وطنه وقومه، وقال بعض العلماء في المعنى: أزهد الناس في الولي أهله وجيرانه، أي لأنهم قلما يرون منه إلا ما هو مشارك لهم فيه من الصفات والعادات وأما ما يمتاز به من دقائق الورع والتقوى والمعرفة بالله تعالى فمنه ما هو سلبي لا يفطنون له، ومنه ما هو خفي لا يدركونه، ولذلك احتيج في إيمان أكثر الناس بالرسل قبل الارتقاء العقلي إلى الآيات الكونية، وبعده إلى الآيات العلمية، (كالقرآن الحكيم من الأمي) والذين يؤمنون بالرسل من بعدهم يسمعون من أخبار آياتهم وخصائصهم وفضائلهم أكثر مما يسمعون من أخبار عاداتهم وصفاتهم البشرية، وبذلك يكون تعظيمهم وإجلالهم لهم غير مشوب بما يضعف الإيمان بهم من تصور شئونهم البشرية، على أن الواجب أن يعرفوا منها ما يحول دون الغلو في التعظيم والإطراء الذي يدفع به الغلاة الأنبياء إلى مقام الربوبية والإلهية، والتفريط في ذلك كالإفراط.
فتمثيل أحوال الأنبياء وشئونهم البشرية بصفة تعد زراية عليهم وازدراء بهم أو مفضية إلى ضعف الإيمان والإخلال بالتعظيم المشروع مفسدة من المفاسد التي يحظرها الشرع، فكيف إذا أضيف إليها كون التمثيل في حد ذاته يعد في العرف العام تنقيصا أو إخلالا ما بما يجب من التكريم وكون الممثلين من عوام الناس، وقد علمت ما في هذا وذاك؟
الوجه الرابع: إن من خصائص القصص التمثيلية الكذب، وإن الكذب على الأنبياء ليس كالكذب على غيرهم، فإذا جاز أن يسند إلى أسماء لا مسميات لها كلام تقصد به العظة والفائدة كما يحكون مثل ذلك عن ألسنة الطير والوحش، وهو ما احتج به الحريري في فاتحة مقاماته على جواز وضعه لها، وإذا صح أن يقاس على ذلك إسناد مثل ذلك الكلام إلى أناس معروفين من الملوك وغيرهم فيما لا ضرر فيه ولا إفساد في التاريخ ولا غيره من الحقائق، إذا جاز ما ذكر وصح القياس فلا يظهر جواز مثله في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، على أن في المسألة نصا لا محل للقياس مع مورده، قال صلى الله عليه وسلم:«إن كذبا علي ليس ككذب على أحد، فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار (1)» .
(1) صحيح البخاري الجنائز (1291)، صحيح مسلم مقدمة (4)، مسند أحمد بن حنبل (4/ 252).