الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ} (1).
وأما قيامه مقامه صلى الله عليه وسلم في إبلاغها للناس، وتعليمها للجاهل، فيدل له قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري بسنده:«ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب (2)» ، وما رواه الإمام أحمد والبخاري والترمذي أنه صلى الله عليه وسلم قال:«بلغوا عني ولو آية (3)» ، وما رواه الإمام أحمد وأبو داود والحاكم عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«تسمعون، ويسمع منكم ويسمع ممن يسمع منكم (4)» .
وأما قيامه مقامه صلى الله عليه وسلم في الإنذار بها، فيدل له قول الله (تعالى):{إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ} (5) مع قوله (تعالى): {وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ} (6).
وبهذا يتضح لنا ما للمفتي في الشريعة الإسلامية من منزلة عظمى، حيث كان يتبوأ مقام النبي صلى الله عليه وسلم فيما قدمناه من أمور، ويخبر عن الله (سبحانه)، ويوقع شريعته على أفعال المكلفين (7).
* * *
(1) سورة التوبة الآية 122
(2)
صحيح البخاري العلم (105)، صحيح مسلم القسامة والمحاربين والقصاص والديات (1679)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 37).
(3)
صحيح البخاري أحاديث الأنبياء (3461)، سنن الترمذي العلم (2669)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 159)، سنن الدارمي المقدمة (542).
(4)
سنن أبو داود العلم (3659)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 321).
(5)
سورة هود الآية 12
(6)
سورة التوبة الآية 122
(7)
ينظر الشاطبي، الموافقات، ت عبد الله دراز، مصر، المطبعة الرحمانية، 4/ 244 - 246.
شروط المفتي
يشترط العلماء في المفتي بمعناه الاصطلاحي - الذي رجحناه فيما مضى - شروطا كثيرة، وأهمها ما يأتي:
1 -
الإسلام: فلا يمكن لأحد أن يتبوأ منصب الإفتاء إلا حين يكون مسلما، وهذا الشرط مما أجمع الناس عليه (1)؛ إذ أنه يخبر عن الله، وينوب عن رسوله صلى الله عليه وسلم ويتلقى الناس ما يقوله على أنه دين الله (تعالى)، ولا يتصف بذلك إلا من كان مسلما.
2 -
التكليف: وذلك بأن يكون المتولي لهذا المنصب بالغا عاقلا، وهذا الشرط مما أجمع عليه أيضا (2)، فإن الصبي لا حكم لقوله في مثل هذا، والمجنون مرفوع عنه القلم، فلا يتسنى له أن يحتل مكانة الإفتاء.
(1) أحمد بن حمدان الحراني، صفة الفتوى والمفتي والمستفتي، مشق، نشر المكتب الإسلامي ط أولى، ص13
(2)
المصدر نفسه والصفحة نفسها
3 -
العلم: وهو شرط أساسي لمن تقلد هذا المنصب؛ إذ أنه مبلغ عن الله أحكامه، ولا يبلغ عنه من جهل أحكامه، ولهذا يروي الخطيب البغداي (المتوفى سنة 462 هـ) بسنده (1) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«من أفتى بغير علم لعنته الملائكة» ، ويروى أيضا (2) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«من أفتى بفتيا بغير ثبت، فإنما إثمه على من أفتاه (3)» .
4 -
العدالة: في الأقوال والأفعال وذلك بأن يكون مستقيما في أحواله، محافظا على مروءته، صادقا فيها بقوله، موثوقا به، ويفسر لنا الشيخ " أحمد بن حمدان الحراني الحنبلي "(4)(المتوفى سنة 695 هـ) المتصف بالعدالة، فيقول:" والعدل من استمر على فعل الواجب والمندوب والصدق وترك الحرام والمكروه والكذب، مع حفظ مروءته ومجانبة الريب والتهم. . . " وهذا الشرط قد دل عليه الإجماع؛ حيث إن المفتي يخبر عن الله (تعالى) بحكمه، ولا يكون ذلك إلا لمن اتصف بالعدالة (5)، ثم إن " علماء المسلمين لم يختلفوا في أن الفاسق غير مقبول الفتوى في أحكام الدين، وإن كان بصيرا بها " كما صرح بذلك الخطيب البغدادي (6) وأما حين تظهر عليه صفة " العدالة "، لكن باطنه مجهول في ذلك، فلعلمائنا رحمهم الله قولان في وصفه بالعدالة أو عدم وصفه بها أظهرهما عدم وصفه بها (7).
5 -
حسن الطريقة، وسلامة المسلك، ورضا السيرة: فلا بد لمن تقلد هذا المنصب أن يتصف بذلك، فيكون حسن الطريقة، سليم المسلك، مرضي السيرة، حتى يثق الناس بأقواله، ويقبلوا ما يقوله لهم؛ حيث إنهم يتلقون منه أمورا هي أعظم شيء في نفوسهم، وهي أحكام الدين، ومن المعلوم أنهم لا يتلقون ذلك إلا ممن تحروا فيه هذه الأوصاف، وأما من يتحلى بها، فهم يعرضون عنه مهما كانت درجته الكبرى في الناحية العلمية، لذلك نرى الإمام القرافي (المتوفى سنة 684 هـ) يؤكد هذا الشرط ويوضحه أتم إيضاح حيث يقول " وينبغي للمفتي أن يكون. . . حسن السيرة. . . ويقصد بجميع ذلك التوسل إلى تنفيذ الحق وهداية الخلق، فتصير هذه الأمور كلها قربات عظيمة، وإليه الإشارة بقوله (تعالى) حكاية عن إبراهيم عليه السلام:{وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} (8). قال العلماء:
(1) الفقيه والمتفقه، مطابع القصيم، سنة 1389 هـ، 2/ 155
(2)
المصدر نفسه، والصفحة نفسها.
(3)
سنن ابن ماجه المقدمة (53)، سنن الدارمي المقدمة (159).
(4)
صفة الفتوى والمفتي والمستفتي، ص 13
(5)
المصدر نفسه - والصفحة نفسها
(6)
الفقيه والمتفقه، 2/ 157
(7)
صفة الفتوى والمفتي والمستفتي ص13
(8)
سورة الشعراء الآية 84
معناه، ثناء جميل، حتى يقتدي بي الناس. . "
6 -
الورع والعفة عن كل ما يخدش الكرامة، والحرص على استطابة المأكل:
فحري بمن انتصب لهذا الأمر العظيم ألا يقوم به حق القيام إلا حين يكون متصفا بالورع، جاعلا نصوص الوعيد والتهديد لمن خالف أوامر الله بين عينيه، وحري به ألا يقوم به حق القيام إلا حين يكون عفيفا عما في أيدي الناس، وعما يعتبر في عرفهم من صفات الدناءة والضعة، وإلا حين يكون حريصا أشد الحرص على أن يكون مكسبه حلالا، وطرق معاملته مع الناس قائمة في أصولها وفروعها على وفق منهج الله، وفي حدود ما رسمه في شرعه، وأن يكون مأكله حلالا خالصا؛ بأن يكون قد عرف طرق حصوله وأيقن بحلها؛ فهذه صفات لا بد من حصولها في المفتي كي يوفق في أداء رسالته؛ إذ أن من لا يتورع عن الشبهات، ولا يعف عما في أيدي الناس، ولا يرعى العرف في تقويم الأمور وتنزيلها منازلها، من حيث الإقدام عليها، أو الإحجام عنها، ولا يحرص على أن يكون ما يتناوله طيبا وحلالا خالصا، إن من لا يرعى ذلك كله حري به ألا يوفق فيما يفتي به، وألا يصيب حكم الله فيما يسأل عنه، وألا يسمع منه حين يفتي، ولا يستجاب لقوله حين يقول، ولهذا نرى الخطيب البغدادي (1) يؤكد اشتراط هذه المعاني، فيقول في معرض ذكره لما يشترط في المفتي:" وينبغي أن يكون المفتي. . . حريصا على استطابة مأكله، فإن ذلك أول أسباب التوفيق، متورعا عن الشبهات ". ويتابعه القرافي رحمه الله (2) في ذلك فيقول: ". . . وأن يكون (المفتي) قليل الطمع، كثير الورع، فما أفلح مستكثر من الدنيا، ومعظم أهلها وحطامها ".
7 -
رصانة الفكر وجودة الملاحظة، والتأني في الفتوى، والتثبت فيما يفتي به:
فهذه صفات يلزم وجودها فيمن يتصدى للفتيا؛ إذ أن من كان ناقصا في فهمه، أو متصفا بالغفلة، أو معروفا بالعجلة في فتواه والتسرع بالإجابة عما يسأل عنه - دون أن يتثبت من ذلك - إذ أن من كانت أوصافه كذلك، قد فقد أول أسباب التوفيق، وحري بمن فقد أولها ألا يحالفه الحظ في وجدان آخرها، وألا ينال في آخر المطاف غايته التي قصدها (3).
8 -
طلب المشورة من ذوي الدين والعلم والرأي:
وهذا شرط مأخوذ من عمومات الشريعة في غير موضوع الفتوى، ومما درج عليه السلف الصالح فيها، حيث كانوا يستشيرون حين تعرض لهم المشكلة، أو يسألون عنها، ودليل ما نقوله أن الله سبحانه وتعالى أثنى على المؤمنين؛ حيث كان أمرهم شورى بينهم، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يشاورهم في الأمر، وما كان من شأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حيث كانت المسألة تنزل عليه، فيستشير فيها من حضر من الصحابة
(1) الفقيه والمتفقه، 2/ 158
(2)
الأحكام في تمييز الفتاوي عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام، ص 274
(3)
الخطيب البغدادي، الفقيه والمتفقه، 2/ 158