الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مقارنة بين أسلوب الحديث النبوي
وأسلوب القرآن الكريم
مصطفى أحمد الزرقا (1)
الفرق عظيم جدا بين أسلوب الحديث النبوي وأسلوب القرآن في طريقة البيان العربي. فبينهما شقة واسعة لا يشبه أحدهما الآخر لدى أهل البصر باللغة وأساليبها، وبالمأثور المألوف من بيانها قديمه وحديثه.
وإن هذا التفاوت الكبير في الأسلوبين إذا أنعم الإنسان فيه النظر وكان ذا ملكة بيانية لا يترك لديه مجالا للشك والريبة في أن الحديث النبوي والقرآن صادران عن مصدرين مختلفين.
فالحديث النبوي كما سنرى في نصوصه التي سنعرض أمثلتها قريبا جاء كله على الأسلوب المعتاد للعرب في التخاطب، تتجلى فيه لغة المحادثة والتفهم والتعليم والخطابة في صورها ومناهجها المألوفة لدى العرب، ويعالج جزئيات القضايا والمسائل ويجيب عنها، ويحاور ويناقش كما يتخاطب سائر الناس بعضهم مع بعض. ولكن يتميز من الكلام العربي المألوف بأن فيه لغة منتقاة غير نابية. وأن فيه إحكاما في التعبير وجمعا للمعاني المقصودة بأوجز طريق وأقربه دون حشو، مما استحق به التسمية بجوامع الكلم. فهو كلام عربي من الطراز المعتاد المألوف ولكنه على درجة عليا من أساليب البلغاء المعهودة.
أما أسلوب القرآن فهو أسلوب مبتكر لا يجد الناظر فيه والسامع شبيها له فيما يعرف من كلام العرب
(1) تعريف. .: الدكتور مصطفى أحمد الزرقاء رئيس الموسوعة الإسلامية بالكويت سابقا.
وأساليبهم. يعالج الكليات، ويفرض الأحكام، ويضرب الأمثال، ويوجه المواعظ، في عموم لا تشبهه العمومات المألوفة، وخطاب فيه من التجريد ما يجعل له طابعا منقطع النظير.
وإذا أخذ كتاب تاريخ وقورن بما في القرآن من قصص تاريخي لما وجد أيضا بينهما شبه في الأسلوب ولو أنهما عالجا قصة واحدة.
ولو أخذ كذلك كتاب مواعظ وأخلاق وقورن بما في القرآن من مواعظ لما كان بينهما أيضا شبه أصلا في الأسلوب ولو اتحد الموضوع.
وهكذا لا يمكن أن يجد الباحث كلاما أو كتابا في اللغة العربية يمكن أن يتحد أو يتشابه أسلوبه وأسلوب القرآن. فهو صورة جديدة مبتكرة في البيان العربي جارية على قواعد العرب وطريقتهم في التركيب، ولكنه يختلف عنها كل الاختلاف فيما نسميه بالأسلوب، بحيث إنك لو خلطت سورة أو جملة آيات بمجموعة أخرى من كلام العربي لاستطعت أن تميزها منها بسهولة.
(أما الحديث النبوي فأسلوبه يختلف كل الاختلاف عن أسلوب القرآن ويمكن أن يشتبه أسلوبه بأساليب البلغاء ولذلك كثيرا ما توضع الأحاديث كذبا على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث لفظها ومعناها على السامع العادي ولهذا كان التحقق عن صحتها لدى رجال الحديث يكاد ينحصر في البحث عن السند).
ومن المسلم به لدى أهل البصر الأدبي أنه من المتعذر على الشخص الواحد أن يكون له أسلوبان في بيانه يختلفان اختلافا كبيرا أحدهما عن الآخر ويجري كل منهما في ذاته على نسق متشابه لا يختلف في درجة بلاغته وطريقته، ويختلف عن أسلوبه الآخر اختلافا كليا، فهذا مما لم يعهد في التاريخ الأدبي المعروف. بل إذا أراد أحد الكتاب أن يخرج عن الأسلوب الذي هو متميز فيه إلى أسلوب آخر فلا بد أن يظهر فيه التكلف، ولا يمكن أن يتقن ذلك الأسلوب الثاني، فما بالك بهذا التفاوت الكلي بين أسلوب القرآن وأسلوب الحديث؟.
فمن يتوهم من الأجانب أن القرآن هو مجموعة من تأليف النبي عليه السلام إلى جانب أحاديثه إنما منشأ وهمهم هذا عدم إمكانهم أن يتذوقوا الفارق العظيم بين الأسلوبين لكي يعرفوا إمكان وحدة المصدر فيهما أو اختلافه.
هذا الاختلاف الواسع المدى بين أسلوب القرآن وأسلوب الحديث النبوي الذي يوجب الحكم باختلاف مصدرهما يتجلى واضحا لكل ذي إدراك في الأسلوب العربي وذوق في لسان العرب من المقارنة بالأمثلة الواردة منهما في موضوع واحد.
فلو أننا أخذنا من القرآن آيات، ومن الحديث النبوي أحاديث في موضوع تلك الآيات نفسه، لرأينا بهذه المقارنة من اختلاف الأسلوبين الحاكم باختلاف المصدر ما فيه البرهان الكافي:
1 -
فلنأخذ مثلا قول الحق جل وعلا في موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
ولننظر مقابله في المعنى نفسه قول النبي عليه الصلاة والسلام.
«لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم (2)» .
2 -
ولنأخذ مثلا في موضوع الإخاء في الدين قول الله العظيم في سورة الحجرات:
ولننظر مقابله في نفس المعنى قول النبي عليه السلام.
«المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه (4)» .
ومعنى (يسلمه) أن يتركه لعدوه فلا يحميه ولا يمنعه منه.
3 -
ولنأخذ أيضا قول الخالق العظيم في موضوع الإخاء الإنساني العام والتآلف والتفاضل والصلاح، لا بالعرق والنسب، ولا بالمال والنسب:
ولننظر في المعنى نفسه أقوال النبي عليه السلام التالية.
«أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، لا فضل
(1) سورة آل عمران الآية 104
(2)
مسند أحمد بن حنبل (5/ 390).
(3)
سورة الحجرات الآية 10
(4)
صحيح البخاري المظالم والغصب (2442)، صحيح مسلم البر والصلة والآداب (2580)، سنن الترمذي الحدود (1426)، سنن أبو داود الأدب (4893)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 91).
(5)
سورة الحجرات الآية 13
لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر (2)».
«من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه (3)» .
«المؤمن آلف مألوف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف (4)» .
4 -
ولنأخذ أيضا قول الله سبحانه في ارتباط صلاح الحياة الاجتماعية بنظام العقوبة على الجنايات:
{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (5)
ولننظر في مقابله قول النبي عليه السلام.
«إقامة حد بأرض خير لأهلها من مطر أربعين صباحا (6)» .
5 -
ولنأخذ أيضا قوله سبحانه في وجوب أداء الأمانة والحكم بالعدل:
ولننظر في مقابلة أقوال النبي عليه السلام.
«أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك (8)» .
«ما من أحد يكون على شيء من أمور هذه الأمة فلم يعدل فيهم إلا كبه الله في النار» .
«لا تقدس أمة لا يقضى فيها بالحق ولا يأخذ الضعيف حقه من القوي غير متعتع (9)» .
وهكذا إذا تقصينا الموضوعات والمعاني التي وردت في القرآن وفي الحديث معا نجد بينهما في الأسلوب العربي هذا البون الكبير الذي يجزم معه كل ذي بصر وإنصاف أن شخصا لا يمكن أن يصدر عنه هذان الأسلوبان معا، ولكل منهما طابعه الخاص البعيد كل البعد عن الآخر، وكل منهما في ذاته وفي جميع أمثلته ونصوصه متشابه لا يختلف، بل يجري على غرار واحد فيحافظ على طريقته المتميزة، وعلى اختلافه عن غيره ذلك الاختلاف الكبير.
وإنه ليتجلى من هذه الأمثلة المقارنة ومن نظائرها ما أشرنا إليه آنفا من أن أسلوب الحديث النبوي هو أسلوب التخاطب العادي المألوف بين العرب في بيانهم وأحاديثهم ومحاوراتهم وحكمهم وأحكامهم ووصاياهم، ونصائحهم، لا يخرج عن هذا السنن المألوف بينهم، وإنما يمتاز بأنه من جوامع الكلم ومن حكيم البيان
(1) مسند أحمد بن حنبل (5/ 411).
(2)
(1) على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى
(3)
صحيح مسلم الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (2699)، سنن الترمذي القراءات (2945)، سنن ابن ماجه المقدمة (225)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 252)، سنن الدارمي المقدمة (344).
(4)
مسند أحمد بن حنبل (2/ 400).
(5)
سورة البقرة الآية 179
(6)
سنن النسائي قطع السارق (4905)، سنن ابن ماجه الحدود (2538)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 402).
(7)
سورة النساء الآية 58
(8)
سنن أبو داود البيوع (3534)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 414).
(9)
القدس بضمتين: الطهر (المصباح المنير) أي لا تطهر وتتنزه من العلل والمفاسد.