الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقد رأيت في بحثي المتواضع هذا أن أتطرق إلى حقوق الجماعة وحقوق الأفراد التي حماها الإسلام وأبين الآثار المترتبة عليها، وذلك في مبحثين على النحو التالي:
المبحث الأول: أنواع الحقوق التي تحميها العقوبات.
المبحث الثاني: الآثار المترتبة على اعتبار الجرائم اعتداء على حق الله أو حق العبد.
المطلب الأول: الخصومة والدعوى.
المطلب الثاني: الإرث بحق الدعوى والشكوى.
المطلب الثالث: العفو.
المطلب الرابع: التوبة.
المطلب الخامس: التناسب بين الجريمة والعقوبة.
المطلب السادس: الصلح والاعتياض.
هذا وختاما أسأل الله تعالى أن يوفقني إلى إكماله على الوجه الذي يرضيه.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
المبحث الأول: أنواع الحقوق التي تحميها العقوبات:
ذكر الشاطبي رحمه الله تعالى أن الأفعال بالنسبة إلى حق الله أو حق العبد تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
1 -
ما هو حق الله الخالص.
2 -
ما هو حق لله وحق للعبد وحق الله هو الغالب.
3 -
ما هو حق لله وحق للعبد ولكن حق العبد
أغلب (1).
وذكر بعض أهل العلم أن الحقوق قسمان (2):
1 -
ما هو حق لله تعالى.
2 -
ما هو حق للعبد.
وذكر بعضهم أنها أربعة (3):
1 -
حق الله الخالص.
2 -
حق العبد الخالص.
3 -
ما هو حق لله وللعبد وحق الله أغلب.
4 -
ما هو حق لله وللعبد وحق العبد أغلب.
وتقسيم الشاطبي هو الأولى؛ لأنه لا يتصور حق خالص للفرد، إذ ما من حق لآدمي إلا ولله فيه حق.
وقد حافظ الإسلام على هذه الحقوق ومنع الاعتداء عليها، فقد فرض الإسلام العقوبات المتنوعة الحاسمة على الجرائم المرتكبة من قبل مريدي الفساد؛ لأنها تمثل اعتداء على حقوق الجماعة- وتسمى حقوق الله أو الحق العام- وعلى حقوق الأفراد وهو الحق الخاص أو الشخصي.
ومعنى المساس بحقوق الجماعة أو حقوق الله، أن تكون
(1) الموافقات للشاطبي 2/ 318 - 320، وانظر: الفروق للقرافي 1/ 140 - 142.
(2)
إعلام الموقعين 1/ 108.
(3)
أصول البزدوي 4/ 134.
الجريمة تمس حدا من حدود الله التي رسمها وعينها، وتمس كيان الجماعة ومصالحها مساسا مباشرا، وتنال من الفضيلة التي تحمي المجتمع من جرائم الانحلال الخلقي وتجعله يعيش في طهر وأمن ونظام.
ويعني الاعتداء على حقوق الفرد أن تكون الجريمة اعتداء على مصالح الأفراد وتمس حقوقهم مساسا مباشرا.
وعلى هذا الأساس فتنقسم الجرائم إلى قسمين: جرائم تمس حق الله الخالص، أو تمس حق الله وحق العبد، وحق الله فيه الغالب. وجرائم تمس حق الله وحق العبد، وحق العبد فيه الغالب (1).
وتوضيحها كالتالي:
أولا: جرائم تمس حق الله الخالص، أو تمس حق الله وحق العبد وحق الله هو الغالب، ويعبر عنه بحقوق الجماعة:
وهي جرائم الزنى وشرب الخمر، والحرابة والردة، والسرقة، فهذه الجرائم تمس حقوق الجماعة ومصالحها مساسا مباشرا، فشرعت العقوبة عليها حقا لله تعالى وحماية لحقوق الجماعة.
(1) راجع: التشريع الجنائي 1/ 98 - 99، والجريمة ص54، وفي أصول النظام الجنائي الإسلامي ص74 وما بعدها.
أما الزنى فيقول الأستاذ عبد القادر عودة: " فالزنا اعتداء على نظام الأسرة، ولو لم يعاقب عليه لكان لكل امرئ أن يشارك الآخر في أي امرأة شاء، وأن يدعي من شاء أو يتنصل ممن يشاء من الأبناء، ولانتهى الأمر بغلبة الأقوياء وهزيمة الضعفاء، وتضييع الأنساب وشقاء الآباء والأبناء. وأخيرا فإن إباحة الزنا معناها: الاستغناء عن نظام الأسرة وهدم الدعامة الأولى من الدعائم التي تقوم عليها الجماعة "(1).
ويقول الأستاذ محمد أبو زهرة: " إن هذه الجريمة- يعني الزنى- تشيع الفاحشة، وهي اعتداء على النسل، وهي مخالفة للناموس الاجتماعي، والسكوت عن العقوبة عليها يؤدي إلى الإحجام عن الزواج ونحو ذلك "(2).
وأما شرب الخمر فهو يؤدي إلى فقدان الشعور والعقل، وإذا فقد الإنسان عقله وشعوره يصبح مصدر شر وأداة أذى للمجتمع، ويكون مهيأ لارتكاب الجرائم البشعة، مع ما فيه من إضاعة للأموال وإضعاف للصحة والنسل. يقول الأستاذ عبد القادر عودة:" والنظام الإسلامي يحرم الخمر تحريما قاطعا، فإتيان هذه الجريمة اعتداء من كل وجه على الجماعة، وهدم للنظم التي تقوم عليها الجماعة "(3).
(1) التشريع الجنائي 1/ 618.
(2)
فلسفة العقوبة في الفقه الإسلامي ص72.
(3)
التشريع الجنائي 1/ 619.
أما الحرابة والإفساد في الأرض فهي جريمة تمس كيان المجتمع مساسا شديدا مباشرا؛ لما في ذلك من ترويع للجماعة وتفزيع للناس، وإخلال بالأمن واعتداء على النظام الاجتماعي ونظام الحكم. وقد تقع مصاحبة للجرائم الأخرى، كالقتل والسرقة، وقد تقع منفردة.
وأما الردة فهي أيضا تمس المجتمع الإسلامي مساسا مباشرا شديدا، ففيها خروج على النظام وهدم لأساسه. يقول الأستاذ عبد القادر عودة:" والردة اعتداء على النظام الاجتماعي للجماعة؛ لأن النظام الاجتماعي لكل جماعة إسلامية هو الإسلام، ولأن الردة معناها الكفر بالإسلام والخروج على مبادئه والتشكيك في صحته، ولا يمكن أن يستقيم أمر الجماعة إذا وضع نظامها الاجتماعي موضع التشكيك والطعن؛ لأن ذلك قد يؤدي في النهاية إلى هدم هذا النظام "(1).
وأما السرقة ففيها اعتداء على حق الله تبارك وتعالى وحق العبد، ولكن حق الله هو الغالب. فهي اعتداء على المال، ولا بد للمال أن يكون له مالك، وفيها مساس بحقوق المجتمع، ونيل منها؛ إذ فيها إفزاع للناس وتخويف لهم، وإخلال بالأمن، وهدم لنظام الملكية الفردية، وتهديد للنظام الاقتصادي للجماعة.
(1) التشريع الجنائي 1/ 618.
يقول الأستاذ محمد أبو زهرة: " وجريمة السرقة فيها اعتداء على الأشخاص، وفيها مع ذلك اعتداء على المجتمع يصغر بجواره الأذى الشخصي؛ إذ فيها الترويع والإفزاع. . .، ولهذا المعنى الاجتماعي العام كانت اعتداء على حق الله تعالى "(1).
ثانيا: الجرائم التي فيها اعتداء على حق العبد وحق الله تعالى، ولكن جانب الاعتداء على حق العبد هو الغالب:
وهي جرائم القصاص والديات، وجريمة القذف على الخلاف فيها، وبيانها على النحو التالي:
أ- أما جريمة القذف ففيها اعتداء على حق العبد والنيل منه؛ إذ فيها جناية على عرض المقذوف وإلحاق العار به، وفيها ناحية اجتماعية أيضا، إذ يترتب عليها إشاعة الفاحشة في المجتمع واتهام البرآء بالفواحش.
يقول الأستاذ أبو زهرة عن القذف: " فيه ناحية شخصية وأخرى اجتماعية، وهي ما يترتب على هذه الجريمة من إشاعة الفواحش في المجتمع الذي يلقى فيه الكلام على عواهنه بالنسبة لجريمة الزنى، فيترتب على ذلك الاستهانة بها، وفي انتشار جريمة القذف بالزنى اتهام البرآء بالإجرام، وإفساد للأخلاق وانتشار للزنى والفساد "(2).
وقال الأستاذ عبد القادر عودة: " وجريمة القذف اعتداء
(1) فلسفة العقوبة في الفقه الإسلامي ص72.
(2)
فلسفة العقوبة في الفقه الإسلامي ص 72 - 73 بتصرف.
على نظام الأسرة؛ لأنها تمس الأعراض، ويترتب عليه التشكيك في صحة نظام الأسرة، فمن يقذف شخصا فإنما ينسبه لغير أسرته، وإذا ضعف الإيمان بنظام الأسرة فقد ضعف الإيمان بالجماعة نفسها؛ لأن الجماعة تقوم على هذا النظام " (1).
وقد اختلف الفقهاء في الحق الغالب الذي تمسه جريمة القذف إلى ثلاثة أقوال، بعد اتفاقهم على مساسها بحق الله وحق العبد معا:
1 -
فذهب الشافعية (2) والحنابلة (3) على المذهب وأغلب المالكية (4) وبعض الحنفية (5) إلى أن جانب الاعتداء على حق العبد هو الغالب والقوي.
وحجتهم أنها جناية على عرض المقذوف، وإلحاق العار به، والعقوبة فرضت حماية لعرض الإنسان، وهو حق متقرر له، فلا يستوفى إلا بمطالبته، كما أنه يورث، مثله في ذلك مثل الجرائم الماسة بحق الآدمي كالقصاص.
2 -
وذهب أكثر الحنفية (6) وفي رواية عند
(1) التشريع الجنائي 1/ 619 باختصار.
(2)
المهذب 2/ 351 - 352، روضة الطالبين 8/ 325.
(3)
المغني 12/ 386، الفروع 6/ 93، الإنصاف 10/ 200.
(4)
بداية المجتهد 2/ 438، الإشراف على مسائل الخلاف 2/ 226.
(5)
فتح القدير 5/ 327، تبيين الحقائق 3/ 203 - 204.
(6)
بدائع الصنائع 7/ 56، فتح القدير 5/ 327، تبيين الحقائق 3/ 203 - 204.
الحنابلة (1) إلى أن جانب الاعتداء على حق الله هو الغالب والقوي. وحجتهم في ذلك أن عقوبة الجرائم الماسة بحق العبد تعتمد على المماثلة؛ لأنها تجب جبرا لمستحقها، والجبر لا يحصل إلا بالمثل، ولا مماثلة بين عقوبة القذف وجريمة القذف، ولأن فيها يجري كثير من الأحكام التي تجري في الجرائم الماسة بحق الله تبارك وتعالى، ولأنه تعارض فيه الحقان فيغلب حق الله تعالى (2).
3 -
وذهب بعض المالكية إلى التفريق بين الجريمة قبل رفعها إلى القاضي وبعد رفعها إليه، فقبل الرفع إلى القاضي تعتبر العقوبة حقا للآدمي، بينما هي بعد الرفع إلى القاضي تكون حقا لله تعالى، فلا يسقط إلا إذا أراد الستر على نفسه (3).
ولعل الراجح- والله أعلم- هو ما ذهب إليه الشافعية ومن معهم؛ لوجاهة ما عللوا به، ولأنه شرع صيانة لعرض العبد، فالمصلحة التي تترتب على إقامة العقوبة على القذف ترتبط بالفرد أكثر من ارتباطها بالمجتمع، فلا يقام الحد إلا بطلبه، ولأن المقر بجريمة القذف لو رجع عن الإقرار لم يقبل رجوعه، ولم يسقط عنه الحد، ولو كان الغالب فيه حق الله لقبل رجوعه كسائر
(1) الفروع 6/ 93، الإنصاف 10/ 201.
(2)
فتح القدير 5/ 327، تبيين الحقائق 3/ 302، بدائع الصنائع 7/ 56.
(3)
بداية المجتهد 2/ 438، حاشية الخرشي على خليل 8/ 90 - 91.
الحدود (1).
وأما تعليل الحنفية بأن عقوبة الجرائم الماسة بحقوق الآدميين تعتمد على المماثلة بين الجريمة والعقوبة، ولا مماثلة بين الحد والقذف، فيجاب أن المماثلة ليست منحصرة في المماثلة صورة ومعنى؛ بل يكفي أن تكون المماثلة معنى، والمماثلة المعنوية متحققة في حد القذف، لأن القاذف ألحق الضرر والعار بالمقذوف، حيث شوه سمعته، وجعله عرضة لألسنة الناس، فعوقب بحد يلحق به ضررا وعارا يماثل ما ألحقه بالمقذوف.
ب- وأما جرائم القصاص والدية بالاعتداء على النفس وما دونها، فهذه الجرائم اعتداء على أفراد معينين، وتلحق بهم ضررا مباشرا، والعقوبات المفروضة على هذه الجرائم إنما فرضت حماية لحقوق العباد وتحقيقا للمصالح الشخصية.
وليس معنى قولنا أن جرائم القصاص تمس حقوق الآدميين يعني نفي مساسها لحقوق الجماعة، بل هذه الجرائم تمثل اعتداء على الناحيتين: ناحية شخصية، وناحية اجتماعية، فهي اعتداء على حياة الأفراد وما دونها من ناحية، ومساس واعتداء على النظام الاجتماعي ونظام الحكم من ناحية أخرى.
وإنما نعني بذلك: تغليب حق الفرد على حق الجماعة، وكذلك الشأن في الجرائم التي قلنا فيها أنها تمس حقوق
(1) المغني 2/ 386.