الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحجاب الشرعي للمرأة المسلمة
للدكتور محمد بن سعد الشويعر
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: -
فيقول جل وعلا: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} (1) ويقول صلى الله عليه وسلم «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء (2)» حديث صحيح، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فناظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء (3)» (4).
وإن من دأب أعداء الله، وأعداء الحق، أن يدخلوا الشبهات على المسلمين في أوامر دينهم، حتى يكونوا مثلهم في المخالفة لأمر الله، وتبديل ما جاءهم من الحق، بما تهوى الأنفس، ويلذ للألسن.
(1) سورة البقرة الآية 120
(2)
صحيح البخاري 2: 54، ومسلم 8: 89، وانظر مختصر المقاصد ص175.
(3)
صحيح مسلم الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (2742)، سنن الترمذي الفتن (2191)، سنن ابن ماجه الفتن (4000)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 61).
(4)
ينظر مجموع فتاوى سماحة الشيخ ابن باز 1: 427، 6:277.
واهتمام أهل الكتاب، بأن يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم ملتهم عندما كان يبلغ أمر الله، وينشر رسالة ربه، ثم أمته من بعده، يبدأ من نقض الإسلام عروة عروة، والتشكيك في شرع الله، ومسايرته للعصر الذي يريدونه حسب رغباتهم الشخصية، والحق لا يتبع الهوى.
والمرأة وحجابها، وعملها وحقوقها، هي من أوليات الأمور التي يعقدون لها المؤتمرات، ويصدرون عنها النشرات المتتالية، ليباعدوا المرأة المسلمة عن أوامر دينها، حتى تساير المرأة في بيئاتهم التي اقتيدت لأمور تخالف فطرتها، وما وجهتها إليه الأوامر الربانية، على ألسنة رسل الله، من أولهم إلى آخرهم ولجهلها انساقت مع دعاتهم، فكانت أول فتنة لبني إسرائيل، وحذر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته من فتنة النساء.
وما أكثر ما تتعرض وسائل الإعلام بين حين وآخر إلى المرأة وحجابها، بدون كلل ولا ملل وخاصة في صحائف البلدان الإسلامية، محاولين أن يحققوا باطلا، ويباعدوا المرأة من حق أمرتها شريعة الله به، في مصدريها كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكأنه لم يكن عند المسلمين من القضايا والأمور الواجب الاهتمام بها، غير حجاب المرأة المسلمة، والدعوة إلى مشاركتها الرجل في الأعمال، وذلك بنبذ الاحتشام الذي تقتضيه الفطرة،
ونزع الحجاب الذي هو أمر من الله.
والمرأة في التاريخ الطويل لم تحظ بمكانة بمثل ما حظيت به في الإسلام: حقوقا وواجبات واحتراما وتقديرا، ومعاملة مع ما يتلاءم مع فطرتها، حتى إن المرأة الغربية والشرقية في أصقاع الأرض، والمفكرين المنصفين من رجال الغرب يشيدون بما حصل للمرأة من مكانة في الإسلام، وتتمنى المرأة في الغرب أن تحظى بمثل مكانتها.
وتصديقا للآية الكريمة السابقة: نراهم يصرون في مؤتمرات الاستشراق على وضع خطط يكيدون بها للإسلام وأهله، ويسعى كبراءهم في هذا السبيل تصريحا وتضليلا {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} (1).
ففي مؤتمر الاستشراق، المقام في القدس عام 1909م يقول القس زويمر البريطاني الذي قيل إن أصله يهودي، حيث أوصى بأن يدفن على طريقة اليهود: لن يهدأ لنا بال حتى نمزق القرآن من قلوب المسلمين، ونجعل بجوار الكعبة كنيسة. هذا عن العقيدة والعبادة.
ويقول غلاستون رئيس مجلس وزراء إيطاليا يوما ما: لن تستقيم حالة الشرق، ما لم يرفع الحجاب عن وجه المرأة، ويغطى به القرآن (2)، وهذا عن حجاب المرأة المسلمة، وإن قراءة واعية لمثل هذه
(1) سورة الأنفال الآية 30
(2)
صحيفة النور تصدر بالجزائر العدد 14 يوم الخميس 16 صفر 1422هـ.
التصريحات، وهي كثيرة تظهر بين حين وآخر، كافية بإيقاظ حماسة المسلمين، ودفعهم للدفاع عن دينهم الحق، وتفنيد الأمور بدليلها الشرعي، حتى يتعلم الجاهل، وينتبه الغافل.
ولكن المصيبة، عندما يأتي بعض طلاب العلم- وفقهم الله للصواب والنية الصادقة- ليفتحوا بابا من أبواب الفتنة، بدعوتهم في الصحف، إلى الإصرار على أن وجه المرأة ليس بعورة، وأن الوجه والكفين موطن خلاف، محتجين بحديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فيه:«إن المرأة إذا بلغت المحيض لا يصلح أن يرى منها غير هذا وهذا (1)» وأشار إلى الوجه والكفين.
ومعلوم أن علة الحكم ومداره- كما قال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله على خوف الفتنة بالمرأة، والتعلق بها، ولا ريب أن الوجه مجمع الحسن، وموضع الفتنة، فيكون ستره واجبا، لئلا يفتتن به أولو الإربة من الرجال.
وحديث أسماء بنت أبي بكر، قد تتبعه كثير من العلماء قديما وحديثا: منهم ابن تيمية والشافعي والشيخ الشنقيطي والشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ محمد بن عثيمين، والشيخ عبد القادر بن حبيب الله
(1) سنن أبو داود اللباس (4104).
السندي في رسالة خصصها لمناقشة هذا الحديث وطرقه رحمهم الله وبان لهم ضعفه، وأنه لا يحتج به، كما سوف نوضح ذلك فيما بعد.
وفي نيل الأوطار شرح المنتقى: ذكر المؤلف اتفاق العلماء المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه، لا سيما عند كثرة الفساق وفي هذا الزمان ما أكثر الفساق، وما أجرأهم على انتهاك الحرمات. حسب ما تطفح به الصحف من أخبار لا تمثل كل ما يحصل مما يجب معه سد الذرائع، وعدم فتح باب شر يصعب إغلاقه، حيث إن فتحه يوقظ الفتنة النائمة في المجتمع الإسلامي (1)، خاصة وأن الأدلة العقلية والنقلية بحمد الله واضحة.
(1) تراجع الفتن في النهاية عند ابن كثير، وبابها عند المحدثين.
يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في رسالة في الحجاب: ولا أعلم لمن أجاز نظر الوجه والكفين من الأجنبية دليلا من الكتاب والسنة سوى ما يأتي:
الأول: قوله تعالى {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} (1) حيث قال ابن عباس رضي الله عنهما: هي وجهها وكفاها والخاتم. قال الأعمش عن سعيد بن جبير عنه، وتفسير الصحابة حجة: برد هذا في مواضع منها: حديث الخطبة ينظر للمرأة وإن كانت لا تعلم، الذي رواه الإمام أحمد، قال في مجمع الزوائد: رجاله رجال
(1) سورة النور الآية 31
الصحيح. وجه الدلالة منه: أن النبي صلى الله عليه وسلم نفى الجناح وهو الإثم عن الخاطب خاصة، إذا نظر من مخطوبته، بشرط أن يكون نظره للخطبة، فدل على أن غير الخاطب آثم بالنظر إلى الأجنبية بكل حال، وكذلك الخاطب إذا نظر لغير الخطبة، مثل أن يكون غرضه بالنظر التلذذ والتمتع.
ومنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر بإخراج النساء إلى مصلى العيد، قلن يا رسول الله: إحدانا لا يكون لها جلباب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«لتلبسها أختها من جلبابها (1)» رواه البخاري ومسلم وغيرهما، فهذا الحديث يدل على أن المعتاد عند نساء الصحابة، أن لا تخرج المرأة إلا بجلباب، وأنها عند عدمه لا يمكن أن تخرج، ولذلك ذكرن رضي الله عنهن هذا المانع لرسول الله صلى الله عليه وسلم حينما أمرهن بالخروج إلى مصلى العيد، فبين لهن الإشكال، ولم يأذن لهن بالخروج إلى مصلى العيد بغير جلباب، وهو مشروع مأمور به للرجال والنساء.
ومنها: ما ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها، قالت:«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الفجر، فيشهد معه نساء من المؤمنات متلفعات بمروطهن، ثم يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد من الغلس (2)» ، وقالت: لو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النساء ما رأينا، لمنعهن من المساجد كما منعت بنو إسرائيل نساءها،
(1) صحيح البخاري الحيض (324)، صحيح مسلم صلاة العيدين (890)، سنن الترمذي الجمعة (539)، سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1307)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 84)، سنن الدارمي الصلاة (1609).
(2)
صحيح البخاري الصلاة (372)، صحيح مسلم المساجد ومواضع الصلاة (645)، سنن الترمذي الصلاة (153)، سنن النسائي كتاب المواقيت (546)، سنن أبو داود الصلاة (423)، سنن ابن ماجه الصلاة (669)، مسند أحمد بن حنبل (6/ 37)، موطأ مالك وقوت الصلاة (4)، سنن الدارمي الصلاة (1216).
وقد روي نحو هذا عن ابن مسعود رضي الله عنه.
وفي هذا دلالة على أن الحجاب والتستر كان من عادة نساء الصحابة، الذين هم خير القرون وأكرمها على الله عز وجل، وأعلاها أخلاقا وآدابا، وأكملها إيمانا، وأصلحها عملا، فهم القدوة، الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه.
الثاني: ما رواه أبو داود في سننه، عن عائشة رضي الله عنها:«أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم، وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها، وقال: يا أسماء إن المرأة إذا بلغت سن المحيض، لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه (1)» .
الثالث: ما رواه البخاري وغيره «عن ابن عباس رضي الله عنهما أن أخاه الفضل، كان رديفا للنبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، فجاءت امرأة من خثعم، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يصرف وجهه- أي الفضل - إلى الشق الآخر (2)» ، ففي هذا دليل على أن المرأة هذه، كانت كاشفة وجهها.
الرابع: ما أخرجه البخاري وغيره من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالناس، صلاة العيد، ثم وعظهم وذكرهم، ثم مضى حتى أتى النساء، فوعظهن وذكرهن وقال:«يا معشر النساء تصدقن، فإنكن أكثر حطب جهنم (3)» فقامت امرأة من وسط النساء سفعاء الخدين. . الحديث.
(1) سنن أبو داود اللباس (4104).
(2)
صحيح البخاري الحج (1513)، صحيح مسلم الحج (1334)، سنن الترمذي الحج (928)، سنن النسائي مناسك الحج (2642)، سنن أبو داود المناسك (1809)، سنن ابن ماجه المناسك (2907)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 251)، موطأ مالك الحج (806)، سنن الدارمي المناسك (1833).
(3)
صحيح البخاري الحيض (304)، صحيح مسلم الإيمان (80)، سنن النسائي صلاة العيدين (1576).