الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومن كل ما سبق يتضح أن معاني الذكر: التسبيح، والدعاء، والثناء على الله، وقراءة القرآن، وهذا يدل على أن هناك قدرا من الاشتراك في المعنى بين لفظ الدعاء ولفظ الذكر، وأن بينهما عموما وخصوصا، فكل دعاء ذكر لله، وليس كل ذكر دعاء.
وهذا يكشف أيضا عن سبب الاقتران بينهما عند العلماء الذين سبقت الإشارة إليهم.
المبحث الرابع: في بيان شأن الدعاء وفضله
، وأنه مندوب إليه في كل حال وحين:
جاء الأمر في القرآن الكريم بالدعاء في آيات كثيرة منها قوله سبحانه: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} (1).
قال البغوي: " أي اعبدوني دون غيري أجبكم وأثبكم وأغفر لكم، فلما عبر عن العبادة بالدعاء جعل الإنابة استجابة "(2).
وذكر البغوي أن الدعاء هو الذكر والسؤال.
ومن الأمر بالدعاء قوله تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (3)
قال الطبري: " تضرعا وتذللا، واستكانة لطاعته، وخفية
(1) سورة غافر الآية 60
(2)
معالم التنزيل 7/ 156.
(3)
سورة الأعراف الآية 55
يقول: بخشوع قلوبكم وصحة اليقين بوحدانيته وربوبيته فيما بينكم وبينه، لا جهارا مراءاة " (1).
وقيل: ادعوه متضرعين متذللين، دعاء تضرع ودعاء خفية، فإن الإخفاء دليل الإخلاص (2).
وقوله تعالى: {لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (3) قال أبو السعود: " أي لا يحب في دعاء المجاوزين لما أمروا به في كل شيء، فيدخل فيه الاعتداء دخولا أوليا، وقد نبه على أن الداعي يجب أن لا يطلب ما لا يليق به، كرتبة الأنبياء، والصعود إلى السماء، وقيل هو الصياح في الدعاء والإسهاب فيه "(4).
وقال الشوكاني: " أمرهم الله سبحانه بالدعاء، وقيد ذلك بكون الداعي متضرعا بدعائه مخفيا له، وانتصاب {تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} (5) على الحال أي: متضرعين بالدعاء، مخفين له، أو صفة مصدر محذوف: أي ادعوه دعاء تضرع، ودعاء خفية، والتضرع من الضراعة، وهي الذلة والخشوع والاستكانة، والخفية: الإسرار به "(6).
ومما ورد في فضل الدعاء وشرفه قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} (7).
(1) معالم التنزيل 7/ 156.
(2)
إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم 2/ 170. وانظر الكشاف للزمخشري 2/ 66.
(3)
سورة البقرة الآية 190
(4)
إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم 2/ 170. وانظر: الكشاف للزمخشري 2/ 66.
(5)
سورة الأعراف الآية 55
(6)
فتح القدير 2/ 213
(7)
سورة البقرة الآية 186
قال القرطبي: {فَإِنِّي قَرِيبٌ} (1) أي بالإجابة، وقيل: بالعلم، وقيل قريب من أوليائه بالإفضال والإنعام (2).
وقوله: {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي} (3) قيل: إن معناه: فليدعوني، وقيل: فليطيعوني (4).
ومما ورد في فضل الدعاء قوله سبحانه: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ} (5)، يعني: ما يصنع بكم لولا دعاؤكم، وعن ابن عباس: لولا إيمانكم (6).، وقال النقاش.، وغيره:" لولا استغاثتكم إليه في الشدائد ونحو ذلك "(7).
وجاء في صحيح الأحاديث ما يدل على أن الدعاء هو العبادة، على سبيل الحصر والقصر، وذلك قوله صلى الله عليه وسلم في حديث
(1) سورة البقرة الآية 186
(2)
الجامع لأحكام القرآن 2/ 308.
(3)
سورة البقرة الآية 186
(4)
فتح القدير 1/ 185.
(5)
سورة الفرقان الآية 77
(6)
انظر: جامع البيان 19/ 35.
(7)
الجامع لأحكام القرآن 13/ 91.
النعمان بن بشير: «الدعاء هو العبادة، وقرأ: (2)» .
وقوله: «الدعاء هو العبادة (3)» معناه أنه معظم العبادة، أو أفضل العبادة، كقولهم: الناس بنو تميم، والمال الإبل، يريدون أنهم أفضل الناس، أو أكثرهم عددا، أو ما أشبه ذلك، وأن الإبل أفضل أنواع الأموال وأنبلها. . . " (4).
ومما ورد في شرف الدعاء قوله صلى الله عليه وسلم: «ليس شيء أكرم على الله من الدعاء (5)» .
وهذا الحديث غاية في بيان شرف الدعاء، وعظيم شأنه، وسمو قدره.
قال الشوكاني في شرحه: " قيل: وجه ذلك، أنه يدل على قدرة الله تعالى وعجز الداعي، والأولى أنه يقال: إن الدعاء لما كان هو
(1) أخرجه أبو داود في الصلاة، باب الدعاء (1479)، والترمذي في الدعوات، باب ما جاء في فضل الدعاء (3372)، وقال: حسن غريب، لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث عمران القطان، وعمران القطان عن قتادة هو ابن داود، ويكنى أبا العوام، وأخرجه ابن ماجه في الدعاء، باب فضل الدعاء (3828) وأحمد 4/ 267، والبخاري في الأدب المفرد (714) والحاكم 1/ 490، وصححه ووافقه الذهبي.
(2)
سورة غافر الآية 60 (1){وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}
(3)
أخرجه أبو داود في الصلاة، باب الدعاء (1479)، والترمذي في الدعوات، باب ما جاء في فضل الدعاء (3372)، وقال: حسن غريب، لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث عمران القطان، وعمران القطان عن قتادة هو ابن داود، ويكنى أبا العوام، وأخرجه ابن ماجه في الدعاء، باب فضل الدعاء (3828) وأحمد 4/ 267، والبخاري في الأدب المفرد (714) والحاكم 1/ 490، وصححه ووافقه الذهبي.
(4)
شأن الدعاء للخطابي ص 5.
(5)
أخرجه الترمذي في الدعوات، باب ما جاء في فضل الدعاء (3370) وابن ماجه في الدعاء، باب فضل الدعاء 2/ 1258، وأحمد، 1/ 490 وصححه ووافقه الذهبي والطبراني في الدعاء 2/ 798. من حديث أبي هريرة. وسنده لا بأس به قابل للتحسين لعمران القطان، وهو صدوق يهم كما في التقريب.
العبادة، وكان مخ العبادة كما تقدم، كان أكرم على الله من هذه الحيثية؟ لأن العبادة هي التي خلق الله سبحانه الخلق لها، كما قال تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (1).
قال الطيبي: ولا منافاة بين هذا الحديث وبين قوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (2)؛ لأن كل شيء شرف في بابه فإنه يوصف بالكرم. . . . (3)
والدعاء مطلوب في كل وقت، ومندوب إليه في كل آن، لم يحدد الشارع له ظرفا من الزمان أو المكان، ولم يرد في نصوص الشرع ما يجعل له حدا محدودا أو زمانا موقوتا.
والدعاء - كما سبق بيانه - نوع من ذكر الله سبحانه، يطرح فيه العبد مسألته بين يدي ربه، يسأله من خيره، ويستعيذ به مما يحذر، وقد جاء في كتاب الله وصف المؤمنين المخبتين:{الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (4){رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} (5){رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ} (6){رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ} (7){فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ} (8).
(1) سورة الذاريات الآية 56
(2)
سورة الحجرات الآية 13
(3)
تحفة الذاكرين، ص21.
(4)
سورة آل عمران الآية 191
(5)
سورة آل عمران الآية 192
(6)
سورة آل عمران الآية 193
(7)
سورة آل عمران الآية 194
(8)
سورة آل عمران الآية 195
فانظر كيف قرن الذكر بالدعاء، وجعل دعاء المؤمنين من ذكره سبحانه، وتأمل قوله:{الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} (1) ودلالته على استمرار الذكر منهم على اختلاف الأحوال والهيئات، واستغراق الزمان في ذلك.
قال القرطبي: " قوله تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} (2) ذكر تعالى ثلاث هيئات لا يخلو ابن آدم منها في غالب أمره، فكأنها تحصر زمانه. ومن هذا المعنى قول عائشة رضي الله عنها:«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه (3)» .
قال النووي: " اعلم أن الذكر محبوب في جميع الأحوال إلا في أحوال ورد الشرع باستثنائها، نذكر منها طرفا إشارة إلى ما سواه مما سيأتي في بابه إن شاء الله تعالى، فمن ذلك: أنه يكره الذكر حال الجلوس على قضاء الحاجة، وفي حالة الجماع، وفي حالة الخطبة لمن
(1) سورة آل عمران الآية 191
(2)
سورة آل عمران الآية 191
(3)
الجامع لأحكام القرآن 4/ 319. والحديث أحرجه مسلم في الحيض، باب ذكر الله تعالى حال الجنابة وغيرها 1/ 282، وأبو داود في الطهارة باب الرجل يذكر الله تعالى على غير طهر 1/ 5، وابن ماجه في الطهارة، باب ذكر الله عز وجل على الخلاء 1/ 110، وأحمد 6/ 70.