المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الرابع: في بيان شأن الدعاء وفضله - مجلة البحوث الإسلامية - جـ ٦٥

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌المحتويات

- ‌الصلاة في المزبلة

- ‌مسجد يقع فوق طريق نافذ

- ‌ مسجد تحيط به المقبرة

- ‌ مسجد في قبلته مقبرة

- ‌الصلاة في الطائرة

- ‌استقبال القبلة في الفريضة في الطائرة

- ‌حكم التلفظ بالنية

- ‌نية إمامته في أثناء الصلاة

- ‌اقتداء المأموم بالمأموم

- ‌الجهر بتكبيرة الإحرام

- ‌الوسوسة في الصلاة هل تبطلها

- ‌رفع اليدين في الصلاة في المواطن الأربعة

- ‌حكم الجهر بالقراءة للإمام والمنفرد

- ‌الإسرار في الصلوات الجهرية خلاف السنة النبوية

- ‌من فتاوى سماحة الشيخعبد العزيز بن عبد الله بن باز

- ‌حكم صلاة العيد

- ‌صلاة العيد لا تقام في البوادي والسفر

- ‌إقامة صلاة العيد في الإستاد الرياضي

- ‌العدد المشترط لصلاة العيد

- ‌ما يشرع لمن أتى مصلى العيد

- ‌حكم تحية المسجد قبل صلاة العيد

- ‌التكبير المطلق والمقيد

- ‌التهنئة بالعيد

- ‌أقل عدد يشترط لإقامة صلاة الجمعة

- ‌الجمعة تدرك بركعة

- ‌ لم يتمكن من إكمال متابعة الإمام في الجمعة بسبب انقطاع الكهرباء

- ‌من فاتته صلاة الجمعة صلاها ظهرا

- ‌الجمعة ليست واجبة على المرأة

- ‌حكم وصل الصلاة بصلاة أخرى

- ‌الإنصات أثناء الخطبة

- ‌مشروعية الصلاة على النبي

- ‌تشميت العاطس أثناء الخطبة

- ‌من حدثه دائم يتوضأ بعد دخول الوقت

- ‌حكم صلاة الجمعة إذا صادفت يوم العيد

- ‌ليس من شرط إقامة صلاة الجمعة أن يكون الإمام عدلا ولا معصوما

- ‌مشروعية الأذان الأول يوم الجمعة

- ‌حكم صلاة الكسوف

- ‌صفة صلاة الكسوف

- ‌ينادى لصلاة الكسوفبقول: (الصلاة جامعة)

- ‌صلاة الكسوف لا تكررولو لم ينجل الكسوف

- ‌الخطبة بعد صلاة الكسوف سنة

- ‌حكم صلاة الكسوف عند الزلازل ونحوها

- ‌من فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ

- ‌ متى يبدأ وقت التكبير المقيد أدبار الصلوات، وما دليل مشروعيته

- ‌ هل يجوز الرمي في اليوم الثاني والثالث قبل الزوال

- ‌ حكم الطواف داخل المسعى في السطح

- ‌ دخل الحاج في نسك من أحد الأنساك الثلاثة، وأراد أن يتحول عنه إلى نسك آخر، قبل الوقوف بعرفة

- ‌ حكم من أدى طواف الإفاضة والسعي قبل الوقوف بعرفة

- ‌ هل يجوز تأجيل طواف الإفاضة من يوم النحر إلى آخر يوم مع طواف الوداع

- ‌ إذا كان الحاج قارنا، وسعى مع القدوم فما حكمه

- ‌ توكيل المؤسسات بالذبح عن الحاج للهدي

- ‌ إذا نزع المحرم رداءه للوضوء، أو أثناء النوم، أو للاغتسال، فهل عليه شيء

- ‌ أردت السفر، وأذن أذان الظهر، فهل أصلي الظهر جمعا أم قصرا، وهل أجمع معها العصر أم لا

- ‌ مرت من أمامي امرأة، وأنا في المسجد الحرام، أصلي الفريضة مع الإمام، ما حكم صلاتي

- ‌سترة الإمام سترة لمن خلفه

- ‌ أحرم بالحج مفردا، ونام قبل طواف القدوم، ثم استيقظ ولم يتوضأ، فطاف ثم سعى سعي الحج

- ‌ هل يسعى يوم العيد بعد الرمي والحلق، ويؤجل طواف الإفاضة إلى بعد انتهاء الحج، ليكون كافيا عن طواف الوداع

- ‌ أيهما أفضل للمحرم، التكبير أم التلبية

- ‌ كتب وصيته قبل الممات، وهي حج كل سنة من التركة

- ‌ هل الدخان يبطل الحج

- ‌ أحرم يوم أمس ناويا القران من العمرة، لكن قصر من شعره بعد الطواف والسعي، فماذا عليه

- ‌ هل يجوز لي أن أحج عن والدتي تطوعا

- ‌ إذا قدم الحاج إلى منى قبل يوم الثامن، هل له أن يقصر الصلاة، وما حكم من أخر الإحرام إلى ليلة يوم عرفة

- ‌وضع اليدين في الصلاة على الصدر

- ‌ حكم الحفائظ لطفل صغير، هل تعتبر مخيطا أم لا، وهو محرم به والده

- ‌ هل يجوز صيام ثلاثة الأيام لمن كان لا يستطيع أن يهدي في بلده

- ‌ عجز عن صيام ثلاثة أيام التشريق هل يصوم العشر في بلده

- ‌ طاف طواف الإفاضة قبل أن يرمي جمرة العقبة، هل يكون قد تحلل التحلل الأول أم الثاني

- ‌ هل هناك قولان للعلماء لمن لم يستطع أن يهدي ولا يقدر يصوم أن يطعم ستة مساكين

- ‌ فتاوى اللجنة الدائمةللبحوث العلمية والإفتاء

- ‌ هل التيمم في السفر مطلق حتى مع وجود الماء

- ‌ إذا وجد الماء في الصحراء ولكنه لا يكفي لأخذ الوضوء منه فهل يجوز استعمال العفور في التيمم أم لا

- ‌ إذا أصبح الإنسان مجنبا ولديه ماء لكن الماء لا يكفي للغسل بل يكفي للوضوء فقط والوقت حاضر فماذا يفعل

- ‌ هل التيمم لازم على النساء كالرجال أم أنه خاص بالرجال دون النساء في حالة عدم وجود الماء للصلاة

- ‌ إذا جاء إنسان وقد أقيمت الصلاة وهو غير متوضئ فهل يجوز له أن يتيمم ليدرك الصلاة جماعة

- ‌ هل يجوز للمتيمم أن يمس القرآن أم لا

- ‌ إذا كان المسافر يقصر ويتيمم فهل يجوز له تيمم واحد في جميع الفروض أو لا بد من تيمم في كل صلاة

- ‌ رجل تورمت يده وقد نام واحتلم في هذه النومة وهو عاجز عن الغسل كيف يفعل

- ‌ حد المرض المبيح للتيمم مع وجود الماء

- ‌ التيمم مع وجود الماء والقدرة على استعماله

- ‌ هل يجزئ التيمم الواحد عن الغسل والوضوء أو لا بد من التيممين

- ‌ هل يصح التيمم لمن يأخذ حجرة قدر البيضة ويمر بها على اليدين ثم يمسح بهما

- ‌ التيمم هل يجوز به الصلاة أكثر من مرة

- ‌ تعريف الموت:

- ‌ الله حي لا يموت، بل هو المحيي والمميت:

- ‌ الحكمة من الموت:

- ‌ هل الموت مخلوق أم لا

- ‌ كل نفس ذائقة الموت:

- ‌ سكرات الموت:

- ‌ كيف يموت الإنسان

- ‌ متى يموت الإنسان

- ‌ أين يموت الإنسان

- ‌هل يتعدد الموت

- ‌ الملائكة هي التي تقبض الأرواح بإذن الله:

- ‌ الإنسان يحيد عن الموت:

- ‌ المؤمن يفرح عند الموت بلقاء الله:

- ‌ الكافر والمفرط يتمنى الرجوع عند الاحتضار:

- ‌ الفرق بين موتى المؤمنين وموتى الكافرين:

- ‌ الحياة الدنيا دار الزوال والفناء وليست دار بقاء:

- ‌ الشهيد في سبيل الله لا يموت:

- ‌القسم الثاني: النوم

- ‌ تعريف النوم

- ‌ الله لا ينام:

- ‌ النوم موت أصغر:

- ‌ النوم آية من آيات الله:

- ‌ تعلق الروح بالبدن حال النوم:

- ‌ رؤيا الأنبياء والصحابة:

- ‌ العلاقة بين النوم والموت:

- ‌أولها: تعلق الروح بالبدن في بطن الأم جنينا:

- ‌ثانيها: تعلق الروح بالبدن بعد خروجه إلى الأرض:

- ‌ العلاقة بين الموت والنوم:

- ‌الحجاب الشرعي للمرأة المسلمة

- ‌الرد على ذلك:

- ‌رد حديث أسماء:

- ‌رد ما يستندون عليه:

- ‌ حكم توريث المتسبب في موت مورثه

- ‌ أحاديث تنص على حرمان القاتل من إرثه ممن يقتله

- ‌ التعليل الشرعي في منع القاتل من ميراثه في تركة من قتله

- ‌من صور تخصيص عموم النصوص بالعلة

- ‌الدعاء بعد المكتوبة علىضوء السنة المطهرة

- ‌مقدمة:

- ‌مدخل في أهمية الموضوع، وسبب الكتابة فيه

- ‌المبحث الأول اعتناء علماء الحديث بموضوع الدعاء:

- ‌المبحث الثاني: معنى الدعاء في اللغة والشرع:

- ‌المبحث الثالث في العلاقة بين الذكر والدعاء:

- ‌المبحث الرابع: في بيان شأن الدعاء وفضله

- ‌المبحث الخامس: في من تجاب دعوتهم، وأرجى أوقات الإجابة:

- ‌المبحث السادس: في بيان المراد بالدعاء في أدبار الصلوات:

- ‌المبحث السابع: في حجة من منع من الدعاء بعد الصلاة المكتوبة

- ‌المبحث الثامن: في بيان الأدلة المثبتة للدعاء بعد المكتوبة:

- ‌الخاتمة:

الفصل: ‌المبحث الرابع: في بيان شأن الدعاء وفضله

ومن كل ما سبق يتضح أن معاني الذكر: التسبيح، والدعاء، والثناء على الله، وقراءة القرآن، وهذا يدل على أن هناك قدرا من الاشتراك في المعنى بين لفظ الدعاء ولفظ الذكر، وأن بينهما عموما وخصوصا، فكل دعاء ذكر لله، وليس كل ذكر دعاء.

وهذا يكشف أيضا عن سبب الاقتران بينهما عند العلماء الذين سبقت الإشارة إليهم.

ص: 301

‌المبحث الرابع: في بيان شأن الدعاء وفضله

، وأنه مندوب إليه في كل حال وحين:

جاء الأمر في القرآن الكريم بالدعاء في آيات كثيرة منها قوله سبحانه: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} (1).

قال البغوي: " أي اعبدوني دون غيري أجبكم وأثبكم وأغفر لكم، فلما عبر عن العبادة بالدعاء جعل الإنابة استجابة "(2).

وذكر البغوي أن الدعاء هو الذكر والسؤال.

ومن الأمر بالدعاء قوله تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (3)

قال الطبري: " تضرعا وتذللا، واستكانة لطاعته، وخفية

(1) سورة غافر الآية 60

(2)

معالم التنزيل 7/ 156.

(3)

سورة الأعراف الآية 55

ص: 301

يقول: بخشوع قلوبكم وصحة اليقين بوحدانيته وربوبيته فيما بينكم وبينه، لا جهارا مراءاة " (1).

وقيل: ادعوه متضرعين متذللين، دعاء تضرع ودعاء خفية، فإن الإخفاء دليل الإخلاص (2).

وقوله تعالى: {لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (3) قال أبو السعود: " أي لا يحب في دعاء المجاوزين لما أمروا به في كل شيء، فيدخل فيه الاعتداء دخولا أوليا، وقد نبه على أن الداعي يجب أن لا يطلب ما لا يليق به، كرتبة الأنبياء، والصعود إلى السماء، وقيل هو الصياح في الدعاء والإسهاب فيه "(4).

وقال الشوكاني: " أمرهم الله سبحانه بالدعاء، وقيد ذلك بكون الداعي متضرعا بدعائه مخفيا له، وانتصاب {تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} (5) على الحال أي: متضرعين بالدعاء، مخفين له، أو صفة مصدر محذوف: أي ادعوه دعاء تضرع، ودعاء خفية، والتضرع من الضراعة، وهي الذلة والخشوع والاستكانة، والخفية: الإسرار به "(6).

ومما ورد في فضل الدعاء وشرفه قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} (7).

(1) معالم التنزيل 7/ 156.

(2)

إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم 2/ 170. وانظر الكشاف للزمخشري 2/ 66.

(3)

سورة البقرة الآية 190

(4)

إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم 2/ 170. وانظر: الكشاف للزمخشري 2/ 66.

(5)

سورة الأعراف الآية 55

(6)

فتح القدير 2/ 213

(7)

سورة البقرة الآية 186

ص: 302

قال القرطبي: {فَإِنِّي قَرِيبٌ} (1) أي بالإجابة، وقيل: بالعلم، وقيل قريب من أوليائه بالإفضال والإنعام (2).

وقوله: {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي} (3) قيل: إن معناه: فليدعوني، وقيل: فليطيعوني (4).

ومما ورد في فضل الدعاء قوله سبحانه: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ} (5)، يعني: ما يصنع بكم لولا دعاؤكم، وعن ابن عباس: لولا إيمانكم (6).، وقال النقاش.، وغيره:" لولا استغاثتكم إليه في الشدائد ونحو ذلك "(7).

وجاء في صحيح الأحاديث ما يدل على أن الدعاء هو العبادة، على سبيل الحصر والقصر، وذلك قوله صلى الله عليه وسلم في حديث

(1) سورة البقرة الآية 186

(2)

الجامع لأحكام القرآن 2/ 308.

(3)

سورة البقرة الآية 186

(4)

فتح القدير 1/ 185.

(5)

سورة الفرقان الآية 77

(6)

انظر: جامع البيان 19/ 35.

(7)

الجامع لأحكام القرآن 13/ 91.

ص: 303

النعمان بن بشير: «الدعاء هو العبادة، وقرأ: (2)» .

وقوله: «الدعاء هو العبادة (3)» معناه أنه معظم العبادة، أو أفضل العبادة، كقولهم: الناس بنو تميم، والمال الإبل، يريدون أنهم أفضل الناس، أو أكثرهم عددا، أو ما أشبه ذلك، وأن الإبل أفضل أنواع الأموال وأنبلها. . . " (4).

ومما ورد في شرف الدعاء قوله صلى الله عليه وسلم: «ليس شيء أكرم على الله من الدعاء (5)» .

وهذا الحديث غاية في بيان شرف الدعاء، وعظيم شأنه، وسمو قدره.

قال الشوكاني في شرحه: " قيل: وجه ذلك، أنه يدل على قدرة الله تعالى وعجز الداعي، والأولى أنه يقال: إن الدعاء لما كان هو

(1) أخرجه أبو داود في الصلاة، باب الدعاء (1479)، والترمذي في الدعوات، باب ما جاء في فضل الدعاء (3372)، وقال: حسن غريب، لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث عمران القطان، وعمران القطان عن قتادة هو ابن داود، ويكنى أبا العوام، وأخرجه ابن ماجه في الدعاء، باب فضل الدعاء (3828) وأحمد 4/ 267، والبخاري في الأدب المفرد (714) والحاكم 1/ 490، وصححه ووافقه الذهبي.

(2)

سورة غافر الآية 60 (1){وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}

(3)

أخرجه أبو داود في الصلاة، باب الدعاء (1479)، والترمذي في الدعوات، باب ما جاء في فضل الدعاء (3372)، وقال: حسن غريب، لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث عمران القطان، وعمران القطان عن قتادة هو ابن داود، ويكنى أبا العوام، وأخرجه ابن ماجه في الدعاء، باب فضل الدعاء (3828) وأحمد 4/ 267، والبخاري في الأدب المفرد (714) والحاكم 1/ 490، وصححه ووافقه الذهبي.

(4)

شأن الدعاء للخطابي ص 5.

(5)

أخرجه الترمذي في الدعوات، باب ما جاء في فضل الدعاء (3370) وابن ماجه في الدعاء، باب فضل الدعاء 2/ 1258، وأحمد، 1/ 490 وصححه ووافقه الذهبي والطبراني في الدعاء 2/ 798. من حديث أبي هريرة. وسنده لا بأس به قابل للتحسين لعمران القطان، وهو صدوق يهم كما في التقريب.

ص: 304

العبادة، وكان مخ العبادة كما تقدم، كان أكرم على الله من هذه الحيثية؟ لأن العبادة هي التي خلق الله سبحانه الخلق لها، كما قال تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (1).

قال الطيبي: ولا منافاة بين هذا الحديث وبين قوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (2)؛ لأن كل شيء شرف في بابه فإنه يوصف بالكرم. . . . (3)

والدعاء مطلوب في كل وقت، ومندوب إليه في كل آن، لم يحدد الشارع له ظرفا من الزمان أو المكان، ولم يرد في نصوص الشرع ما يجعل له حدا محدودا أو زمانا موقوتا.

والدعاء - كما سبق بيانه - نوع من ذكر الله سبحانه، يطرح فيه العبد مسألته بين يدي ربه، يسأله من خيره، ويستعيذ به مما يحذر، وقد جاء في كتاب الله وصف المؤمنين المخبتين:{الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (4){رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} (5){رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ} (6){رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ} (7){فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ} (8).

(1) سورة الذاريات الآية 56

(2)

سورة الحجرات الآية 13

(3)

تحفة الذاكرين، ص21.

(4)

سورة آل عمران الآية 191

(5)

سورة آل عمران الآية 192

(6)

سورة آل عمران الآية 193

(7)

سورة آل عمران الآية 194

(8)

سورة آل عمران الآية 195

ص: 305

فانظر كيف قرن الذكر بالدعاء، وجعل دعاء المؤمنين من ذكره سبحانه، وتأمل قوله:{الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} (1) ودلالته على استمرار الذكر منهم على اختلاف الأحوال والهيئات، واستغراق الزمان في ذلك.

قال القرطبي: " قوله تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} (2) ذكر تعالى ثلاث هيئات لا يخلو ابن آدم منها في غالب أمره، فكأنها تحصر زمانه. ومن هذا المعنى قول عائشة رضي الله عنها:«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه (3)» .

قال النووي: " اعلم أن الذكر محبوب في جميع الأحوال إلا في أحوال ورد الشرع باستثنائها، نذكر منها طرفا إشارة إلى ما سواه مما سيأتي في بابه إن شاء الله تعالى، فمن ذلك: أنه يكره الذكر حال الجلوس على قضاء الحاجة، وفي حالة الجماع، وفي حالة الخطبة لمن

(1) سورة آل عمران الآية 191

(2)

سورة آل عمران الآية 191

(3)

الجامع لأحكام القرآن 4/ 319. والحديث أحرجه مسلم في الحيض، باب ذكر الله تعالى حال الجنابة وغيرها 1/ 282، وأبو داود في الطهارة باب الرجل يذكر الله تعالى على غير طهر 1/ 5، وابن ماجه في الطهارة، باب ذكر الله عز وجل على الخلاء 1/ 110، وأحمد 6/ 70.

ص: 306