الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والمباح فى اللغة: هو ما ليس دونه مانع يمنعه، ومنه قول عبيد بن الأبرص:
ولقد أبحنا ما حميت
…
ولا مبيح لما حمينا
(تنبيه)
قد دلت آيات من كتاب الله على أن استصحاب العدم الاصلي حجة على عدم المؤاخذة بالفعل حتى يرد دليل ناقل عن العدم الاصلى، من ذلك أنهم كانوا يتعاملون بالربا. فلما نزل تحريم الربا خافوا من أكل الاموال الحاصلة منه بأيديهم قبل تحريم الربا، فأنزل الله فى ذلك:"فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله من سلف وأمره إلى الله " فقوله تعالى: "فله ما سلف" يدل على أن ما تعاملوا به من الربا على حكم البراءة الاصلية قبل نزول التحريم لا مؤاخذة عليهم به، ونظير ذلك قوله:" وأن تجمعوا بين الأختين الا ما قد سلف " فان قوله
تعالى "الا ما قد سلف" فى الموضعين استثناء منقطع، أي لكن ما سلف قبل التحريم على حكم البراءة الاصلية فهو عفو.
ونظائر هذا فى القرآن الكريم كثيرة ومن أصرح الآيات فى ذلك قوله تعالى: (وما كان الله ليضل قوماً بعد اذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون) .
فانهم لما استغفروا لموتاهم المشركين فنزل قوله تعالى:
(ما كان للنبى والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى) .
ندموا على استغفارهم للمشركين، فأنزل الله الآية مبينة أن ما فعلوه من الاستغفار لهم على حكم البراءه الأصلية قبل نزول التحريم، لا مؤاخذة عليهم به حتى يحصل بيان ما ينهى عنه.
(فصل)
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
واختلف فى الأفعال وفى الاعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع بحكمها.. الخ..
اعلم أن خلاصة ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى فى هذا المبحث، أن حكم الأفعال والأعيان أي الذوات المنتفع بها قبل أن يرد فيهل حكم من الشرع فيها ثلاثة مذاهب:
الاول: أنها على الاباحة وهو الذى يميل إليه المؤلف واستدل بقوله تعالى: " هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعا" فانه تعالى امتن على خلقه بما فى الارض جميعا ولا يمتن الا بمباح، اذ لا منة فى محرم واستدل لاباحتها أيضا بصيغ الحصر فى الآيات كقوله:
(قل انما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها ومابطن)
وقوله تعالى: (قل لا أجد فيما أوحى إلى محرماً على طاعم يطعمه الا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير..) الآية.
(قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم..) الآية.
واستدل لذلك أيضا بحديث (الحلال ما أحله الله فى كتابه والحرام ما حرمه الله فى كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا عنه) .
المذهب الثانى: أن ذلك على التحريم حتى يرد دليل الاباحة واستدل لهذا بأن الأصل منع التصرف فى ملك الغير بغير اذنه وجميع الاشياء ملك لله جل وعلا، فلا يجوز التصرف فيها الا بعد اذنه، ونوقش هذا الاستدلال بأن منع التصرف فى ملك الغير، انما يقبح عادة فى حق من يتضرر بالتصرف في ملكه، وأنه يقبح عادة المنع ممالا ضرر فيه كان لاستظلال بظل حائط انسان والانتفاع بضوء ناره والله جل وعلا لا يلحقه
ضرر من انتفاع مخلوقاته بالتصرف فى ملكه.
المذهب الثالث: التوقف عنه حتى يرد دليل مبين للحكم فيه.
واعلم أن لعلماء الأصول فى هذا المبحث تفصيلا لم يذكره المؤلف ولكنه أشار إليه اشاره خفية وهو أنهم يقولون: الأعيان مثلا، لها ثلاث حالات:
1_
اما أن يكون فيها ضرر محض ولا نفع فيها البتة كان كل الأعشاب السامة القاتلة.
2_
واما أن يكون فيها نفع محض ولا ضرر فيها أصلا.
3_
واما أن يكون فيها نفع من جهة وضرر من جهة، فان كان فيها الضرر وحده، ولانفع فيها أو مساويا له فهى حرام لقوله:(لا ضرر ولا ضرار) ، وان كان نفعها خالصا لا ضرر معه أو معه ضرر خفيف والنفع أرجح منه، فأظهر الأقوال الجواز، وقد أشار المؤلف إلى هذا التفصيل بقوله (المنتفع بها) فمفهومه أن ما لا نفع فيه لا يدخل فى كلامه.