الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إصلاح الإذاعة
أظن أن القراء قد أدركوا أني لا أكتب هذه الكلمة إلا للمصلحة العامة، وأني كمن يفتح شارعاً مستقيماً فهو مضطر لأن يهدم كل بيت يعترضه؛ بيت صديق كان أم بيت عدو. فإن تعرضت لصديق أو هاجمت عدواً فلهذا، ولكن في الناس من لا يتصور أن في الدنيا من يمدح أو يذم إلا لغاية شخصية ومنفعة مادية. وأنا لو شئت لأخذت من وراء هذه الكلمات مالاً كثيراً، إي والله، ولقد عرض علي ولكني لم أنل إلا الأجر الذي آخذه من صاحب الجريدة والذي حددته أنا.
ولقد قدمت هذه المقدمة لأني أريد أن أكتب اليوم عن مدير الإذاعة، وأسأل الله أن يبعدني عن ظلمه؛ لأنه كان تلميذي صغيراً وهو صديقي كبيراً، وليس بيني وبينه إلا المودة، ولكن الواجب يقضي بإزاحته من الإذاعة لأنه يقف في وجه الإصلاح كما يقف البيت المهدم في وجه الشارع الجديد. لا لنقص في ذكائه؛ فهو ذكي وهو نشيط، ولكن فيه صفة أخرى تجعل ذكاءه ونشاطه من العيوب لا من الحسنات، هي أنه يخدم غيرنا من حيث يشعر ومن حيث لا يشعر: أما من حيث يشعر فلأن له صلات معروفة بشركات إخبارية أجنبية، وهذه الشركات ليست مصالحها مصالحنا، ولا هي من الغفلة بحيث تدفع المال الكثير لمن لا يرضيها ولا يمشي على هواها، ولا تختار لمراسلتها إلا من تثق هي به
…
وهل تختار شركة شيوعية
رجلاً نازياً ليراسلها من ألمانيا الغربية، هل تنتقي جريدة الشعب رجلاً من الحزب الوطني ليراسلها من دير الزور مثلاً؟ هذه مسألة واضحة. وللسيد المدير عدة صلات بغير هذه الشركات. لا أقول إنها صلات آثمة، ولكنها صلات على كل حال.
وأما من حيث لا يشعر فإنها (عقدة نفسية) فيه، هي أنه نشأ في بيت عامي، وليس ذلك بعيب ولكنه رآه هو عيباً، وحاول أن يتخلص من ذكراه فذهب فأقام في فلسطين فتعلم فيها الإنكليزية، وعاشر فيها من يقويه في هذه اللغة
…
ورحل إلى أميركا، ورجع -بعدُ- مفتوناً بكل شيء غربي
…
بكل شيء! عازفاً عن كل شيء شرقي يذكره بمنشئه الأول، على قاعدة «مركّب النقص» ، والأدلة على ذلك تبدو كل ساعة لمن يعرفه أو يعاشره، وتظهر كل يوم لمن يستمع الإذاعة بانتباه!
والإذاعة -بعد هذا- تحتاج لمدير من كبار رجال البلد الذين يوثق بوطنيتهم وأمانتهم، ومن الأدباء الذين يرجع إلى ذوقهم وحسن اختيارهم، وممن يفهم روح البلد ويقدرها ويعتز بها. والأخ مدير الإذاعة ليس من هؤلاء جميعاً في شيء، ولا هو من عباقرة الأدباء، ولا هو من أهل الشهادات. وأحسب أن الوزارة التي ضربت مثلاً رائعاً باختيارها الرجل المناسب لمديرية الأوقاف ستعرف كيف تختار للإذاعة مديراً من هذا المعدن!
***