الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثورة دجلة
أقمت في بغداد سنين، أرى كل يوم وجه دجلة الباسم؛ في الصباح وأنا غاد إلى المدرسة، وفي المساء وأنا رائح من النزهة، وأجوز الجسر؛ جسر بغداد الذي كان يوماً سرة الأرض وكبد الدنيا، وأركب الزوارق أمشي مع النهر الذي ساير الزمان ووعى سير الدهور، فلا أنكر من دجلة شيئاً، وأعجب مما تطلع به الجرائد علينا كل غداة تحذر وتنذر وتدعو إلى تقوية السدود، وأرى ذلك من تهويلات الصحف.
وهذه السدود ليست إلا أكواماً من التراب على الشاطئين تمنع الماء أن يطغى على الجانبين ويغمر بغداد وهي منخفضة عن وجه الماء.
حتى كانت ليلة الذعر التي مر عليها أربع عشر سنة ولا أزال -كلما تذكرتها- أرتجف من ذكراها (1). ليلة بتنا على شفا القبر، نرقب الموت في كل لحظة، قد لبسنا ثيابنا وحملنا ما خف وغلا بأيدينا وقعدنا متحفزين: أذناً إلى الراد نسمع الإذاعة (الماء يرتفع، بقي دون الخطر خمسة سنتيمات) وأذناً إلى الطريق نصغي نرقب صفارة الإنذار. وكنت يومئذ أسكن في الأعظمية في دار واحدة مع الإخوان أنور العطار وكامل عياد وحيدر الركابي وصالح
(1) كان ذلك سنة 1936، ولقد شهدتُ فيما بعد (في سنة 1953) أكبر فيضان وآخره. وقد أمنت بغداد الآن من خطر الفيضان.
عقل، ولقد متنا ألف مرة من خوف الموت وارتقابه في هذه الليلة التي لم تغمض فيها في بغداد كلها عين، وتجرعنا غصص الرعب ألف مرة قبل أن يطلع الصبح وتعلن الإذاعة أن الجند والناس الذين سيقوا جميعاً من الطرقات والبيوت إلى العمل قد استطاعوا كسر النهر من الشمال وإنقاذ بغداد.
وعادت الجرائد تنذر وتحذر، وتدعو وتنادي، وفهمت لماذا تدعو الجرائد، وظننت أنه لن يمر شهر حتى تكون الحكومة قد تيقظت واعتبرت وأنشأت لدجلة سدوداً فنية تقيها الغرق، لا أكواماً من التراب.
ومرت أربع عشرة سنة، وحسبت كل شيء قد كان، وإذا أنا أقرأ أمس خبر فواجع الماء في بغداد
…
فهل اعتبرت الآن حكومة بغداد وتيقظت؟ لا أظن! لأن هذه هي طبيعة حكوماتنا جميعاً؛ لا تفيق إلا بعد خراب البصرة كلها، وبعد غرق بغداد، وبعد ذهاب ما تبقى من فلسين إلى أيدي اليهود
…
يومئذ تفيق، لا لتعمل وتستعد وتتدارك ما فات، بل لتجتمع اجتماعات جديدة، تلقى فيها الخطب، وتساق التهم، وتتبادل الشتائم، ثم تؤجل لاجتماع آخر، في يوم آخر، يبحث فيه المسؤولون عما كان ثم لا يعرف من المسؤول!
فيا بغداد، يا بلدي الحبيب بعد بلدي دمشق، يا أيتها المدينة التي خلفت فيها قطعاً من قلبي، وعمراً من حياتي، لك الله
…
لك الله يا بغداد! ولنا الله؛ فإنها إن بقيت كذلك تسير سفينة العرب في لج الحياة، وإن لم يتداركنا الله بأيد جديدة توجه هذه السفينة، فلن تغرق بغداد وحدها بالماء، بل ستغرق دنيا العرب كلها بالإفلاس والأمراض والفوضى، وإسرائيل، والذين رمونا بإسرائيل.
***