الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل: [في تعريف الكلام وأقسامه]
الكلام: هو الأصوات المسموعة، والحروف المؤلفة1.
وهو ينقسم إلى مفيد وغير مفيد.
وأهل العربية يخصون الكلام بما كان مفيدًا، وهو: الجملة المركبة من مبتدأ وخبر، أو فعل وفاعل، أو حرف نداء واسم.
وما عداه: إن كان لفظة واحدة: فهي كلمة وقول.
وإن كثر فهو كلم وقول.
= بدون مقابل، نحو قوله تعالى:{فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} [طه: 115] .
وفي حق فتى موسى عليه السلام: {وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ} [الكهف: 63] . ولا يطلق على الله سبحانه وتعالى إلا مع المقابل، كقوله سبحانه وتعالى:{نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67] ، {
…
وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} [الجاثية: 34] .
ثم قال: "وللفرق بين الحقيقة والمجاز علامات غير هذه، هذا الذي اتفق ذكره منها ههنا" المصدر السابق "1/ 519-521".
1 بدأ المصنف يذكر بعض الموضوعات المتعلقة باللغة، فعرف الكلام بأنه: الأصوات إلخ.
والصوت عبارة عن عرض مسموع يحصل عن اصطكاك الأجرام، بسبب انضغاط الهواء بين المجرمين، فيتموج تموجًا شديدًا، فيخرج فيقرع صماخ الأذن، فتدركه قوة السمع، ولهذا تختلف الأصوات في الظهور والخفاء، تبعًا لاختلاف الأجسام المتصاككة في الصلابة والرخاوة.
وصوت المتكلم عرض -أيضًا- حاصل على اصطكاك أجرام الفم، وهي مخارج الحروف، ودفع الهواء حتى يصل إلى أذان السامع.
وقول المصنف -في تعريف الكلام-: "الأصوات المسموعة" ليخرج ما عدا =
والعرف: ما قلناه1، مع أنه لا مشاحة في الاصطلاح.
والكلام المفيد ينقسم ثلاثة أقسام:
نص.
وظاهر.
ومجمل2.
القسم الأول- النص3:
وهو: ما يفيد بنفسه من غير احتمال، كقوله تعالى:{تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} 4.
= العرَض الذي يدرك بالسمع، وهو الصوت. انظر: همع الهوامع "1/ 33" شرح مختصر الروضة "1/ 538 وما بعدها".
1 أي: أن الكلام هو الأصوات المسموعة والحروف المؤلفة، وأن المسألة مسألة اصطلاح فقط، ولا مشاحة في ذلك.
2 وجه الحصر فلي الأنواع الثلاثة: أن اللفظ إما أن يحتمل معنى واحدًا، أو أكثر من معنى. فالأول: النص، والثاني -وهو ما يحتمل أكثلر من معنى- إما أن يترجح في أحد معنييه أو معانيه، أو لا يترجح، فإن ترجح فهو الظاهر، وإلا فهو المجمل. انظر: شرح المختصر "1/ 553".
3 النص قد يرد في مقابلة الأدلة العقلية التي تندرج تحت اسم الاجتهاد، ولذلك يقال: لا اجتهاد مع النص. وهذا يشمل جميع النصوص الشرعية من الكتاب أو السنة، سواء أكانت قطعية أم ظنية. وقد يرد في مقابلة الظاهر والمجمل.
والنص هنا له تعريفات كثيرة، أورد المصنف بعضها.
عرفه المجد بن تيمية بأنه: "ما أفاد الحكم يقينًا أوظاهرًا، وهو منقول عن أحمد والشافعي رضي الله عنهما" المسودة ص574.
وقال القرافي: "للنص ثلاثة اصطلاحات: أحدها: ما لا يحتمل التأويل، والثاني: ما احتمله احتمالًا مرجوحًا كالظاهر، وهو الغالب في إطلاق الفقهاء، والثالث: ما دل على معنى كيف ما كان""شرح تنقيح الفصول ص36 وما بعدها".
4 سورة البقرة من الآية: 196.
وقيل: هو الصريح في معناه.
وحكمه: أن يصار إليه ولا يعدل عنه إلا بنسخ.
وقد يطلق اسم النص على الظاهر1.
ولا مانع منه؛ فإن النص في اللغة بمعنى الظهور، كقولهم:"نصت الظبية رأسها" إذا رفعته وأظهرته.
قال امرؤ القيس2:
وجيد كجيد الريم ليس بفاحش
…
إذا هي نصته ولا بمعطل
ومنه سميت منصة العروس للكرسي الذي تجلس عليه لظهورها عليه.
1 وهو ما يراه الإمام الشافعي رضي الله عنه وتبعه على ذلك بعض العلماء، كالقاضي أبي بكر الباقلاني.
قال إمام الحرمين: "أما الشافعي فإنه يسمي الظواهر نصوصًا في مجاري كلامه، وكذلك القاضي، وهو صحيح في وضع الللغة؛ فإن النص معناه الظهور" البرهان "1/ 415-416".
2 هو: امرؤ القيس بن حجر بن عمرو الكندي، الشاعر الجاهلي المشهور، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فيه:"هو قائد الشعراء إلى النار". توفي سنة "545م".
انظر في ترجمته: الشعر والشعراء "1/ 52 وما بعدها"، المزهر للسيوطي "2/ 443".
3 البيت من معلقته المشهورة، انظر: شرح المعلقات السبع لأبي عبد الله الزوزني، تحقيق الشيخ محمد محيى الدين عبد الحميد ص38.
والجيد: العنق. والريم: الظبي الأبيض الخالص البياض.
ونصته: أي رفعته، والمعطل: العنق الذي ليس عليه حلي.
إلا أن الأقرب تحديد النص بما ذكرناه أولًا1؛ دفعًا للترادف والاشتراك عن الألفاظ، فإنه على خلاف الأصل.
وقد يطلق النص على: ما لا يتطرق إليه احتمال لا يعضده دليل2.
فإن تطرق إليه احتمال لا دليل عليه: فلا يخرجه عن كونه نصًّا.
القسم الثاني- الظاهر:
وهو: ما يسبق إلى الفهم منه عند الإطلاق معنى، مع تجويز غيره.
وإن شئت قلت: ما احتمل معنيين هو في أحدهما أظهر.
فحكمه: أن يصار إلى معناه الظاهر، ولا يجوز تركه إلا بتأويل.
والتأويل: صرف اللفظ عن الاحتمال الظاهر إلى احتمال مرجوح به لاعتضاده بدليل يصير به، أغلب على الظن من المعنى الذي دل عليه الظاهر.
إلا أن الاحتمال يقرب تارة ويبعد أخرى:
وقد يكون الاحتمال بعيدا جدًّا فيحتاج إلى دليل في غاية القوة.
وقد يكون قريبًا فيكفيه أدنى دليل.
1 وهو قوله: "النص: وهو ما يفيد بنفسه من غير احتمال".
2 هذا احتراز مما لو تطرق إليه احتمال أن المراد من المسح الوارد في قوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ} الغسل، فإنه احتمال لا دليل عليه.
وقول الفقهاء: هل غسل الرأس يجزئ عن المسح أو لا، ليس مبنيًّا على هذا الاحتمال، بل على أمر آخر: هو هل مسح الرأس أمر تعبدي، أو تخفيف لمشقة غسله غالبًا؟ انظر: شرح مختصر الروضة "1/ 556".
وقد يتوسط بين الدرجتين، فيحتاج دليلًا متوسطًا.
والدليل1 يكون قرينة.
أو ظاهرًا آخر.
ومهما تساوى الاحتمال وجب المصير إلى الترجيح.
1 أي: الدليل الذي يتقوى به الظاهر والاحتمال تارة يكون بعيدًا، فيحتاج إلى دليل قوي يعضد ضعف الظاهر، وتارة يكون قريبًا فيحتاج إلى أدنى دليل، وتارة يكون متوسطًا فيحتاج إلى دليل متوسط وهكذا.
وهذا الدليل قد يكون قرينة من القرائن مثل ما روي عن أحمد -رحمه الله تعالى- أنه قال: "كلمت الشافعي في أن الواهب ليس له الرجوع فيها وهب؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: "العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه" فقال الشافعي -وهو يرى أن له الرجوع-: ليس بمحرم على الكلب أن يعود في قيئه.
قال أحمد: فقلت له: فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس لنا مثل السوء" فسكت.
يعني الشافعي.
فالشافعي تمسك بالظاهر، وهو أن الكلب لما لم يحرم عليه الرجوع في قيئه، فالظاهر أن الواهب إذا رجع مثله في عدم التحريم؛ لأن الظاهر من التشبيه: استواء المشبه والمشبه به من كل وجه، مع احتمال أن يفترقا من بعض الوجوه احتمالًا قويًّا جدًّا، فضعف -حيئذ- جانب أحمد في الاستدلال جدًّا؛ لأنه لم يبق معه إلا احتمال ضعيف جدًا فقواه بالقرينة المذكورة، وهي قوله صلى الله عليه وسلم في صدر الحديث المذكور:"ليس لنا مثل السوء، العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه" وهي دليل قوي، حيث إن الشرع اعتبر الرجوع في الهبة "مثل سوء" وقد نفاه صاحب الشرع، وما نفاه صاحب الشرع يحرم إثباته، فلزم من ذلك: أن جواز الرجوع في الهبة يحرم إثباته، فيجب نفيه.
هذا مثال للقرينة.
ومثال تقويته بظاهر آخر: قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} =
...............................
= [المائدة: 3] ظاهر في تحريم جلدها، دبع أو لم يدبغ، مع احتمال أن الجلد غير مراد بالعموم احتمالًا مترددًا، من جهة أن إضافة التحريم تحمل على الأكل، والجلد غير مأكول، فيقتضي عدم تناول الجلد، ومن جهة أن عموم اللفظ قوي، متناول لجميع أجزائها، يقتضي تناول الجلد، فإذا نظرنا إلى قوله عليه الصلاة والسلام:"أيما إهاب دبغ فقد طهر" وجدناه عامًّا يتناول إهاب الميتة، فكان هذا الظاهر مقويًا لاحتمال عدم إرادة جلد الميتة في الآية الكريمة.
وإذا جازت التقوية بالظاهر -كما تقدم- فإنها تكون بالنص أقوى وأقوى.
ومن أمثلة ذلك: قوله عليه الصلاة والسلام في شاة ميمونة: "ألا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به؟ " فقالوا: إنها ميتة. قال: "إنما حرم من الميتة أكلها".
فهذا نص في طهارة جلد الميتة.
ومثال التقوية بالقياس: تركه سبحانه وتعالى ذكر الإطعام في كفارة القتل الخطأ في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطًَا وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطًَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} إلى أن قال سبحانه: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} [النساء: 92] فقد حددت الآية الكريمة الكفارة في تحرير الرقبة أو صيام شهرين متتابعين، ولم تذكر الإطعام كما في الظهار، فترك الإطعام ظاهر في عدم وجوبه، إذ لو كان واجبًا لذكر، هذا مع احتمال أن يكون مسكوتًا عنه، يستخرجه المجتهدون، ثم رأينا إثبات الطعام في كفارة القتل، بالقياس على إثباته في كفارة الظهار، والصيام، واليمين متجهًا؛ لأن الكفارات حقوق لله تعالى، وحكم الأمثال واحد، فثبوت الإطعام في تلك الكفارات تنبيه على ثبوته في كفارة القتل.
انظر: شرح مختصر الروضة "1/ 564 وما بعدها".
وأقول:
في المثال الأخير نظر؛ فإن القياس في الكفارات مختلف فيه بين العلماء، وهو راجع إلى قضية حمل المطلق على المقيد، وأرى -والله أعلم بالصواب- أن الراجح هنا عدم حمل المطلق على المقيد، وأن التشديد في كفارة القتل ملحوظ =
[الأمور التي تلزم المتأول]
وكل متأول يحتاج إلى:
بيان احتمال اللفظ لما حمله عليه.
ثم إلى دليل صارف له1.
وقد يكون في الظاهر قرائن تدفع الاحتمال بمجموعها، وآحادها لا تدفعه2.
مثاله: تأويل الحنفية قول النبي صلى الله عليه وسلم لغيلان بن سلمة3 -حيث أسلم على عشر نسوة-: "أمسك منهن أربعا وفارق نت سواهن"4: بالانقطاع عنهن وترك نكاحهن، وعضدوه بالقياس.
= ومراعى من الشارع حتى يتناسب مع جريمة القتل، حتى ولو كان خطأ، ففيه نوع تقصير.
انظر: تفسير القرطبي "5/ 328".
1 معنى ذلك: أن كل من أراد تأويل لفظ ظاهر لزمه أمران:
الأول: بيان الاحتمال المرجوح مع الظاهر.
الثاني: بيان الدليل الذي يقويه حتى يقدم على الظاهر.
2 يعني: أن الظاهر والاحتمال المرجوح إذا تقابلا، فقد يحتف بالظاهر هرائن تلغي ذلك الاحتمال وتبطله بالكلية، وقد تكون فيه قرائن عدة، كل واحدة منفردة لا تقوى على معارضة الاحتمال، أما إذا انضم بعضها إلى بعض قويت على معارضته. ومثل المصنف لذلك بالحديث الآتي.
3 هو: غيلان بن سلمة بن شرحبيل الثقفي، أسلم بعد فتح الطائف ولم يهاجركان شاعرًا محسنًا، توفي في آخر خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
انظر: الاستيعاب "3/ 1256".
4 أخرجه الترمذي: كتاب النكاح، باب ما جاء في الرجل يسلم وعنده عشر نسوة =
إلا أن في الحديث قرائن عضدت الظاهر، وجعلته أقوى من الاحتمال:
أحدها: أنه لم يسبق إلى أفهام الصحابة إلا الاستدامة؛ فإنهم لو فهموه لكان هو السابق إلى أفهامنا.
والثاني: أنه فوض الإمساك والمفارقة إلى اختياره، وابتداء النكاح لا يصح إلا برضاء المرأة.
= من حديث ابن عمر ولفظه "أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم، وله عشر نسوة في الجاهلية فأسلمن معه، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخير منهن أربعًا".
كما رواه ابن ماجه: كتاب النكاح، باب الرجل يسلم وعنده أكثر من أربع نسوة، والشافعي، كتاب النكاح، باب أنكحة الكفار وإقرارهم عليها، والحاكم في المستدرك: كتاب النكاح، باب قصة إسلام غيلان الثقفي، وتخييره لأربع من النساء.
قال ابن عبد البر: "طرقه كلها معلولة".
كما أعله البخاري وأبو زرعة وأبو حاتم. قال الترمذي: قال البخاري: هذا الحديث غير محفوظ. انظر: تلخيص الحبير "3/ 168"، سبل السلام "3/ 132".
ومذهب الحنفية: أن من أسلم وتحته أكثر من أربع، فإن كان قد تزوجهن في عقد واحد، بطل نكاحهن جميعًا، وإن تزوجهن متعاقبات: اختار من الأول أربعًا، وترك الباقي، وهذا يعارض ظاهر الحديث الذي معنا، لذلك احتاجوا إلى التأويل، فحملوا الإمساك -في الحديث- على ابتداء النكاح، فكأنه قال: أمسك أربعًا: أي: ابتدئ نكاحهن من جديد، وفارق سائرهن، بأن لا تعقد عليهن.
وعضدوا هذا بالقياس، فقالوا: إن بعض النسوة ليس بأولى الإمساك من البعض الآخر، فهو ترجيح بلا مرجح.
أما الأئمة الثلاثة: فقالوا: يختار منهن أربعًا، وأيدوا ذلك بعدة قرائن، سيذكرها المصنف.
انظر: شرح مختصر الروضة "1/ 569 وما بعدها".
والثالث: أنه لو أراد ابتداء النكاح: لذكر شرائطه؛ لئلا يؤخر البيان عن وقت الحاجة، وما أحوج حديث العهد بالإسلام إلى معرفة شرائط النكاح.
الرابع: أن ابتداء النكاح لا يختص بهن، فكان ينبغي أن يقول:"انكح أربعًا ممن شئت".
ومثال التأويل في العموم القوي: قول الحنفية في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل"1. قالوا: هذا محمول على الأمة.
فثناهم عن قولهم "فلها المهر بما استحل من فرجها"؛ فإن مهر الأمة للسيد فعدلوا إلى المكاتبة.
1 أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه -جميعهم في كتاب النكاح- عن عائشة رضي الله عنها مرفوعًا، كما أخرجه أحمد في المسند "6/ 47" والحاكم في المستدرك، وقال:"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه". كما صححه أبو عوانة وابن حبان ويحيى بن معين وغيرهم.
ولفظة: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي لها".
ولما كان الحنفية يجيزون للمرأة البالغة أن تزوج نفسها بغير إذن وليها، قياسًا على تصرفاتها المالية، فقد أولوا الحديث وحملوه على الأمة، لأنها مملوكة لسيدها، وليست الحرة داخله في الحديث مع أنه عام.
فلما عارض هذا التأويل تمام الحديث "فإن دخل بها فلها المهر" حيث أضاف المهر إليها بلام التمليك، والأمة لا تملك، حملوا الحديث على المكاتبة، ورد عليهم المصنف:"بإن هذا تعسف ظاهر" لمعارضته للعموم القوي كما تقدم.
وهذا تعسف ظاهر؛ لأن العموم قوي، والمكاتبة نادرة بالإضافة إلى النساء.
وليس من كلام العرب إرادة الشاذ النادر باللفظ الذي ظهر منه قصد العموم إلا بقرينة تقترن باللفظ.
وليس قياس النكاح على المال، والإناث على الذكور: قرينة تقترن باللفظ وتصلح لتنزيله على صورة نادرة1.
ودليل ظهور قصد التعميم2 أمور:
الأول: أنه صدر بأي، وهي من كلمات الشرط، ولم يتوقف في عموم أدوات الشرط جماعة ممن خالف في صيغ العموم.
الثاني: أنه أكد بـ"ما" وهي من مؤكدات العموم.
الثالث: أنه رتب بطلان النكاح على الشرط في معرض الجزاء.
ولو اقترح على العربي الفصيح أن يأتي بصيغة دالة على العموم مع الفصاحة والجزالة: لم تسمح قريحته بأبلغ من هذه الصيغة.
ونعلم أن الصحابة لم يفهموا من هذه الصيغة "المكاتبة" ولو سمعنا نحن هذه الصيغة: لم نفهم منها "المكاتبة".
ولو قال القائل: أردت المكاتبة: لنسب إلى الأإغاز3.
1 هذا رد على كلام الحنفية في قياس النكاح على المال، وقياس الإناث في تولي عقد النكاح على الرجال.
2 أي: العموم الوارد في الحديث الشريف كما سيأتي أن يبينه المصنف من أن "أي" من صيغ العموم التي لم يخالف فيها أحد.
3 الإلغاز: التعمية وصرف الشيء عن وجهه.
ولو أخرج "المكاتبة" وقال: "ما خطرت ببالي" لم يستنكر.
فما لم يخطر على البال إلا بالإخطار كيف يجوز قصر العموم عليه؟
وقد قيل في تأويل قوله عليه السلام: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام بالليل" 1 -يحمله على القضاء- إنه من هذا القبيل2؛ لأن التطوع غير مراد، فلا يبقى إلا الغرض الذي هو ركن الدين، وهو صوم رمضان، والقضاء والنذر يجب بأسباب عارضة، فهو كالمكاتبة في مسألة النكاح.
1 رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد والدارمي ومالك في الموطأ، والطحاوي في شرح معانى الآثار، جميعهم في كتاب الصيام، من حديث حفصة أم المؤمنين -رضي الله عنهها- مرفوعًا وموقوفًا.
وقد رجح البخاري وأبو داود والترمذي عدم رفعه. انظر: تلخيص الحبير "2/ 188"، فتح الباري "4/ 142" ونصب الراية "2/ 432 وما بعدها".
2 أي: من قبيل التأويل الوارد في مسألة صحة زواج المرأة بدون ولي، كما قال الحنفية.
وقد قال الحنفية -في الحديث الذي معنا-: إنه محمول على صوم القضاء والنذر، فإنه يجب تبييت النية لهما دون شهر رمضان؛ فإنه متعين ولا يحتاج إلى تبييت النية، باعتبار أن وقته مضيق لا يسع غيره معه، بخلاف القضاء والنذر.
قال بعض العلماء: إن هذا التأويل في البعد والندرة كتأويل حديث النكاح بغير ولي على المكاتبة؛ وذلك لأنه قوله صلى الله عليه وسلم: "لا صيام" صيغة عموم، فيتناول الواجب والتطوع، خص منه التطوع بأدلة أخرى دلت على عدم اشتراط النية، وهو تأويل قريب، فإن التطوع إلى أنواع الصيام قليل، بخلاف ما إذا قصر على القضاء والنذر، فإنه يكون بعيدًا نادرًا، انظر: شرح المختصر "1/ 577 وما بعدها".
وقد رد عليهم المصنف: بأن القضاء والنذر ليسا في الندرة والقلة كالمكاتبة كما سيأتي.
والصحيح: أنه ليس ندرة هذا كندرة المكاتبة1، وإن كان كالغرض أسبق إلى الفهم، فيحتاج هذا التخصيص إلى دليل قوي.
وليس يظهر بطلانه كظهور التخصيص بالمكاتبة.
وعند هذا يعلم: أن إخراج النادر قريب، والقصر على النادر ممتنع، وبينهما درجات تتفاوت في البعد والقرب.
ولكل مسألة ذوق يجب أن تفرد بنظر خاص، ويليق ذلك بالفروع.
القسم الثالث- المجمل:
وهو: ما لا يفهم منه عند الإطلاق معنى2.
1 وذلك لأن العموم هناك أقوى من العموم هنا، للأسباب التي تقدم ذكرها، أما صيغة "لا صيام" فالخلاف فيها مشهور؛ لأنه يحتمل نفي كمال الصيام، لا نفي صحته، ويحتمل نفي الصحة، وأصناف الصوم خمسة: صوم رمضان، والتطوع، والقضاء، والنذر، والكفارات، قصر الحديث على ثلاثة منها، وهي القضاء والنذر والكفارة، ولم يبق إلا التطوع وصوم رمضان، وليس نسبة ثلاثة إلى خمسة كنسبة نوع المكاتبة إلى جنس النساء.
انظر: شرح مختصر الروضة "1/ 578".
2 المجمل في اللغة: ما جعل جملة واحدة، لا ينفرد بعض آحادها عن بعض.
قال الجوهري: وقد أجملت الحساب: إذا رددته إلى الجملة.
انظر: الصحاح مادة "جمل"، معجم مقاييس اللغة "1/ 481".
وفي الاصطلاح: له عدة تعريفات، ذكر منها المصنف تعريفين، أحدهما "ما لا يفهم منه عند الإطلاق معنى".
واعترض عليه الطوفي بأن ذلك يصدق على المهمل، فإنه لا يفهم منه معنى، أما المجمل: فإنه يفيد معنى، لكنه غير معين؛ إذ لو لم يكن له معنى، لما تعين المراد منه بالبيان؛ لأن البيان كاشف عن المراد بالمجمل؛ ولذلك أضاف إليه في مختصره لفظ "معين، فأصبح التعريف: "المجمل: ما لا يفهم منه عند الإطلاق معنى معين" انظر: الشرح "2/ 649".
وقيل: ما احتمل أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر1.
وذلك مثل: الألفاظ المشتركة كلفظة "العين": المشتركة بين "الذهب" و"العين الناظرة" وغيرها2. و"القرء" للحيض والطهر3، والشفق للبياض والحمرة4.
وقد يكون الإجمال في لفظ مركب، كقوله تعالى:{أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} 5، متردد بين الزوج والولي6.
1 هذا التعريف قريب من تعريف الآمدي حيث قال: "المجمل: ما له دلالة على أحد معنيين لا مزية لأحدهما على الآخر بالنسبة إليه" انظر: الإحكام "3/ 8".
2 كما تطلق على: حرف الهجاء المعروف، وما نبع من الماء، والجاسوس، والمال الناض، ورئيس الجيش، وكبير القوم، وذات الشيء ونفسه، وعلى النفس من كل شيء، وغير ذلك.
انظر: المزهر "1/ 369".
3 ولذلك وقع الخلاف في العدة، هل هي بالحيض أو بالطهر؟
4 كما اختلف الفقهاء في دخول وقت العشاء: هل هو بغيبوبة حمرة الشفق، أو بغيبوبة البياض.
5 سورة البقرة من الآية: 237.
6 قال ابن عباس، وعلقمة، وطاووس، ومجاهد، وشريح، والحسن، وإبراهيم النخعي، والشعبي، والزهري، ومالك، وغيرهم: هو الولي، الذي المرأة في حجره، فهو الأب في ابنته التي لم تملك أمرها، والسيد في أمته.
وقال بعض العلماء: هو الزوج؛ قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وسعيد بن جبير، وكثير من فقهاء الأمصار، وقاله ابن عباس -أيضًا- ورجع إليه شريح.
انظر: فتح القدير للشوكاني "1/ 279".
قال الطوفي: "قلت: الصحيح من مذهب أحمد والشافعي أنه الزوج، وهو مذهب أبي حنيفة، وقال مالك: هو الولي، الأب وسيد الأمة، والمختار الراجح في النظر: أنه الولي، وقد استقصيت أدلته اعتراضًا وجوابًا في التفسير بحمد الله تعالى ومنّه" شرح المختصر "2/ 654".
وقد يكون بحسب التصريف كالمختار، يصلح للفاعل والمفعول1.
وقد يكون لأجل حرف محتمل: كالواو، تصلح عاطفة، ومبتدأة4.
و"من" تصلح للتبعيض، وابتداء الغاية، والجنس، وأمثال ذلك.
[حكم المجمل]
فحكم هذا التوقف فيه حتى يتبين المراد منه4.
1 فلفظ "المختار" متردد بين من وقع منه الاختيار، وبين من وقع عليه الاختيار، فالله تعالى مختار لنبيه صلى الله عليه وسلم حيث اختاره رسولًا، والنبي صلى الله عليه وسلم مختار، أي: وقع عليه اختيار الله عز وجل.
2 كما تكون بمعنى أو، ومعنى "مع" ومعنى "رب" وبمعنى الحال وغير ذلك.
3 وتكون للتبعيض، والتعليل، والبدل، وانتهاء الغاية، وبمعنى الباء وغير ذلك.
4 أي بدليل خارجي يبين المراد منه.
قال الطوفي: "لأن الله -تعالى- لم يكلفنا العمل بما لا دليل عليه، والمجمل لا دليل على المراد به، لا نكلف بالعمل به
…
ثم قال: والدليل على أنه لا يجوز ذلك -أيضًا-: هو أن في العمل به تعرضًا بالخطأ في حكم الشرع، والتعرض بالخطأ في حكم الشرع لا يجوز، وإنما قلنا: إن فيه تعرضًا بالخطأ؛ لأن اللفظ إذا تردد بين معنيين، فإما أن يرادا جميعًا، أو لا يراد واحد منهما، أو يراد أحدهما دون الآخر، فهذه أربعة أقسام، يسقط منها الثاني، وهو أن لا يراد واحد منهما؛ لأن ذلك ليس من شأن الحكماء، أن يتكلموا كلامًا لا يقصدون به معنى، يبقى ثلاثة أقسام، لا دليل على إرادة واحد منها.
فإذا أقدمنا على العمل قبل البيان، احتمل أن يوافق مراد الشرع، فنصيب حكمه، واحتمل أن نخالفه، فنخطئ حكمه، فتحقق بذلك أن العمل بالمجمل =
[صور اختلف في إجمالها]
فأما قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَة} 1 ونحوها2: فليس بمجمل، لظهوره من جهة العرف في تحريم الأكل، والعرف كالوضع.
ولذلك قسمنا الأسماء إلى عرفية ووضعية3.
ومن أنس بتعارف أهل اللغة: علم أنهم يريدون بقوله: "حرمت عليك الطعام": الأكل، دون اللمس والنظر، و"حرمت عليك الجارية": أي الوطء. ويذهبون في تحريم كل عين إلى تحريم ما هي معدة له.
وهذا اختيار أبي الخطاب وبعض الشافعية4.
وحكي عن القاضي أنه مجمل5؛ لأن الأعيان لا تتصف بالتحريم حقيقة، وإنما يحرم فعل ما يتعلق بها، فلا يدري ما ذلك الفعل في الميتة:
= قيل البيان تعرض بالخطأ في حكم الشرع.
وأما أن ذلك لا يجوز؛ فلأن حكم الشرع يجب تعظيمه، والتعرض بالخطأ فيه ينافي تعظيمه، فيكون ذلك ضربًا من الإهمال له، وقلة المبالاة والاحتفال به، وذلك لا يجوز" شرح المختصر "2/ 655".
1 سورة المائدة من الآية: 3.
2 مثل قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} وقوله تعالى: {قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتِ} وسائر الصور التي أضيف الحكم فيها إلى الأعيان.
3 أي: في أول هذا الفصل.
4 وهو رأي القاضي عبد الجبار وأبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم، وأبي الحسين البصري.
انظر شرح المختصر "2/ 659".
5 ووافقه بعض العلماء، كأبي الحسن الكرخي -من الحنفية- وأبي عبد الله البصري -من المعتزلة- وبعض الشافعية.
أكلها، أم بيعها، أم النظر إليها أو لمسها؟
وهذا قول جماعة من المتكلمين.
وقد ذكرنا أن هذا ظاهر من جهة العرف في الأكل، والصريح يكون بالوضع تارة، وبالعرف أخرى.
وقوله الله -تعالى-: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} 1: ليس بمجمل، وإنما هو لفظ عام، فيحمل على عمومه2.
وقال القاضي: هو مجمل3.
= انظر: العدة "1/ 145" وشرح مختصر الروضة "2/ 659".
1 سورة البقرة من الآية: 275.
2 أي: أن البيوع في الشرع كثيرة ومتعددة، منها الحلال، كالبيوع المستوفية لشروط الصحة، ومنها الحرام.... فبعض العلماء ادعى أن البيع في قوله تعالى:{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} مجمل، لتردده بين ما هو جائز وما هو محرم، ثم ورد البيان من الشرع.
ومنهم من قال: إنه عام في البيوع الجائزة وغيرها، ثم خص المحرم منها بأدلة أخرى، كالأحاديث التي جاءت بتحريم بعض البيوعات، كالنهي عن بيع الغرر، وعن بيعتين في بيعة، وعن بيع الإنسان ما ليس عنده وغير ذلك.
وقد بين الطوفي الفرق بين القولين فقال: "والقولان متقاربان؛ لأن تخصيص العموم نوع من البيان.
نعم، تظهر فائدة الخلاف في قوله عز وجل:{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} إن قلنا: هو مجمل بين، كان حجة بلا خلاف، وإن قلنا: هو عام خص، كان في بقائه حجة الخلاف السابق، في أن العالم -بعد التخصيص- حجة أم لا؟
وعلى كل حال، فكونه من باب المخصوص أولى، وأكثر وأشهر" شرح المختصر "2/ 661-662".
3 انظر: العدة "1/ 110".