الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الثالث: النسخ
فصل: تعريف النسخ
النسخ في اللغة: الرفع والإزالة، ومنه:"نسخت الشمس الظل" ونسخت الريح الأثر1.
وقد يطلق لإرادة ما يشبه النقل، كقولهم:"نسخت الكتاب"2.
فأما النسخ في الشرع: فهو بمعنى الرفع والإزالة لا غير.
1 أي: رفعته وأزلته؛ لأن الشمس إذا قابلت موضع الظل ارتفع وزال، والريح إذا مرت على آثار المشي، ارتفعت وزالت.
انظر: مختصر الطوفي وشرحه "2/ 251".
2 قال الطوفي: "..... فإن نسخ الكتاب ليس نقلًا لما في المنسوخ منه حقيقة؛ لبقائه بعد النسخ، وإنما هو مشبه للنقل من جهة أن ما في الأصل صار مثله في الفرع لفظًا ومعنى".
ومن هذا الباب: تناسخ المواريث، وهو: انتقال حالها بانتقالها من قوم إلى قوم، مع بقاء المواريث في نفسها".
ثم قال:
"اختلف في النسخ في أي المعنيين هو حقيقة، هل هو حقيقة في الرفع والإزالة، أو في النقل وما يشبهه؟
وفيه ثلاثة أقوال:
أحدهما: أنه حقيقة فيهما بالاشتراك، وهو قول القاضي أبي بكر والغزالي وغيرهما. =
وحدّه: رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم بخطاب متراخ عنه.
ومعنى الرفع: إزالة الشيء على وجه لولاه لبقي ثابتًا على مثال:
"رفع حكم الإجارة بالفسخ" فإن ذلك يفارق زوال حكمها بانقضاء مدتها.
وقيدنا الحد بالخطاب المتقدم؛ لأن ابتداء العبادات في الشرع مزيل لحكم العقل من براءة الذمة، وليس بنسخ.
وقيدناه بالخطاب الثاني؟ لأن زوال الحكم بالموت والجنون ليس بنسخ.
وقولنا: "مع تراخيه عنه"؛ لأنه لو كان متصلًا به، كان بيانًا وإتمامًا لمعنى الكلام، وتقديرًا له بمدة وشرط1.
= والثاني: أنه حقيقة في الرفع والإزالة، مجاز في النقل، وهو قول أبي الحسين البصري وغيره.
والثالث: عكس هذا، وهو أنه حقيقة في النقل، مجاز في الإزالة، وهو اختيار القفال. ذكر هذه الأقوال وأصحابها الآمدي.
والأظهر من هذه الأقوال أن النسخ حقيقة في الرفع، مجاز في النقل". شرح المختصر "2/ 252" وانظر: المستصفى "2/ 35" وما بعدها، الإحكام للآمدي "2/ 236".
1 هذه كلها احترازات أراد المصنف أن يخرجها عن كونها نسخًا.
فقوله: "رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم" احتراز من زوال حكم النفي الأصلي، فإن الأصل براءة الذمة، فإذا أثبتنا حقًّا من الحقوق، فقد رفعنا حكم براءة الذمة، وشغلناها بهذا الحق، وهو ليس بنسخ، لأن الحكم المرفوع لم يكن ثابتًا بخطاب متقدم.
وقوله: "بخطاب" احتراز من زوال الحكم بالموت أو المجنون، لأن من مات أو جن، انقطعت عنه أحكام التكليف، وليس ذلك بنسخ. =
وقال قوم: النسخ كشف مدة العبادة بخطاب ثان1.
وهذا يوجب أن يكون قوله -تعالى-: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ
…
} 2 نسخًا وليس فيه معنى الرفع3، فإن قوله:{إِلَى اللَّيْلِ} إذا لم يتناول إلا النهار متباعدًا عن الليل بنفسه، فأي معنى لنسخه؟!
وإنما يرفع ما دخل تحت الخطاب الأول، وما ذكروه تخصيص.
على أن نسخ العبادة قبل وقتها والتمكن من امتثالها جائز، وليس فيه بيان لانقطاعها.
= وقوله: "مع تراخيه عنه" احتراز من زوال الحكم بخطاب متصل، كالشرط والاستثناء، فهذا ليس نسخًا، وإنما يعتبر تخصيصًا، والتخصيص معناه -عند بعض الأصوليين-: بيان المراد بالعام، ولذلك قال المصنف:"لأنه لو كان متصلًا به كان بيانًا" يعني: تخصيصًا لا نسخًا.
انظر: شرح مختصر الروضة "2/ 258" إرشاد الفحول "1/ 510".
1 وهو منقول عن الحنفية حيث قالوا: "النسخ بيان لمدة الحكم المنسوخ في حق الشارع، وتبديل لذلك الحكم بحكم آخر في حقنا على ما كان معلومًا عندنا لو لم ينزل الناسخ" انظر: أصول السرخسي "2/ 54" وقريب منه ما ذهب إليه الإمام الرازي في المحصول "جـ1 ق3 ص428" والبيضاوي في المنهاج، على ما في نهاية السول "2/ 162"، وابن حزم في الإحكام "4/ 438".
2 سورة البقرة من الآية "187".
3 هذا رد من المصنف على التعريف خلاصته: أن انتهاء مدة الصوم بظهور الليل ليس رفعًا للحكم، وإنما هو مغيًّا بغاية معينة، ينتهي بوجودها.
ثم بين أن هذا التعريف ينطبق على التخصيص، لا على النسخ.
كما بين أن نسخ العبادة قبل دخول وقتها جائز عند جمهور العلماء، ومنهم أكثر الفقهاء، إلا أن أكثر الحنفية والمعتزلة منعوا ذلك.