الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولأن الخطاب بالكتاب والسنة إنما شوفه به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولا خلاف في ثبوت حكمه في حق أهل الأعصار1.
1 هذه خمسة أدلة تدل على أن ما توجه إلى بعض الأمة يتناول غيره، ما لم يدل دليل على الاختصاص كما تقدم.
فصل: [في تعلق الأمر بالمعدوم]
الأمر يتعلق بالمعدوم، وأوامر الشرع قد تناولت المعدومين إلى قيام الساعة، بشرط وجودهم على صفة من يصح تكليفه.
خلافًا للمعتزلة وجماعة من الحنفية1 قالوا: لا يتعلق الأمر به؛ لأنه يستحيل خطابه، فيستحيل تكليفه.
ولأنه لا يقع منه فعل ولا ترك، فلم يصح أمره، كالعاجز والمجنون، ولأن المعدوم ليس بشيء، فأمره هذيان.
1 تحرير محل النزاع في المسألة: أن توجه الأمر إلى المعدوم: إن كان بمعنى طلب إيقاع الفعل منه حال عدمه، فهو محال وباطل بالإجماع؛ لأن المعدوم لا يفهم إيقاع الفعل منه حال عدمه، فهو محال وباطل بالإجماع؛ لأن المعدوم لا يفهم الخطاب، فضلًا عن أن يعمل بمقتضاه، وشروط التكليف كلها منفية فيه.
وإن كان بمعنى توجه الخطاب له عند وجوده، ووجود شروط التكليف فيه، فهذا هو محل النزاع.
فالجمهور على جواز ذلك، ولهم على ذلك أدلة سيذكرها المصنف.
والمعتزلة وبعض الحنفية، وبعض المتكلمين يرون عدم الجواز، للأدلة التي ذكرها المصنف.
والواقع أن ما أوردوه من الأدلة لا ينطبق على محل النزاع، وسيأتي رد المصنف على هذه الأدلة.
انظر: شرح الطوفي "2/ 419-420".
وكما أن من شرط القدرة: وجود المقدور، يجب أن يكون من شرط الأمر: وجود المأمور.
ولنا:
اتفاق الصحابة رضي الله عنهم والتابعين على الرجوع إلى الظواهر المتضمنة أوامر الله -سبحانه- وأوامر نبيه عليه السلام على من لم يوجد في عصرهم، لا يمتنع من ذلك أحد.
ولأنه قد ثبت أن كلام الله –تعالى- قديم، وصفة من صفاته، لم يزل آمرا ناهيًا.
وقال الله -تعالى-: {فَاتَّبِعُوه} 1 وهذا أمر باتباع النبي صلى الله عليه وسلم ولا خلاف أنا مأمورون باتباعه ولم نكن موجودين.
قولهم2: "إن خطاب المعدومين محال".
قلنا: إنما يستحيل خطابه بإيجاد الفعل حال عدمه3.
أما أمره بشرط الوجود: فغير مستحيل، بأن يفعل عند وجوده ما أمر به متقدمًا، كما يقول: الوالد يوجب على أولاده، ويلزمهم التصدق عنه إذا عقلوا وبلغوا، فيكون الإلزام حاصلا بشرط الوجود.
1 سورة الأعراف من الآية: 158 {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} وفي جميع النسخ: "فاتبعوه" وقد وردت في الآيتين: 153، 155 من سورة الأنعام. ولا تصلحان للاستشهاد هنا، حيث الضمير في الأولى يعود على صراط الله تعالى، وفي الثانية يعود على الكتاب. فتأمل ذلك.
2 بدأ المصنف يناقش الأدلة التي تمسك بها المعتزلة ومن معهم.
3 أي: حال عدم المأمور.
ولو قال لعبده: "صم غدًا" فهو أمر في الحال بصوم الغد، لا أنه أمر في الغد.
وأما العاجز: فإنه يصح أمره بشرط القدرة، كمسألتنا بغير فرق.
فإن قيل: هذا مخالف لقوله عليه السلام: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي
…
" 1 قلنا: المراد به: رفع المأثم والإيجاب المضر، بدليل أنه قرن به النائم.
ولا نسلم أن شرط القدرة: وجود المقدور؛ فإن الله سبحانه وتعالى قادر قبل أن يوجد مقدور2.
1 الحديث أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الحدود حديث "4403" وابن ماجه: كتاب الطلاق حديث "2041" وأحمد في المسند "6/ 100" عن عائشة رضي الله عنها مرفوعًا عن النبي -صلي الله عليه وسلم- قال: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق" وإن كان في إسناده مقال، إلا أن الحاكم في المستدرك "2/ 59" قال: "هذا الحديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه: أي: البخاري ومسلم.
2 ترك مسلم الرد على قولهم: "ولأن المعدوم ليس بشيء، فأمره هذيان" وقد رد عليه الطوفي في شرحه "2/ 421-422" مبينا أن هذا قول بعضهم، لا كل المعتزلة:"قال بعضهم: هو عرض قائم بجوهر، وأن تأثير القدرة الإلهية ليست في إيجاد معدوم، بل في إظهار الأشياء من رتبة الخفاء إلى رتبة الجلاء، أي: أن الأشياء خفية في العدم، فيظهرها الله عز وجل ويجليها، كما قال عز وجل في الساعة التي نسميها الآن معدومة: {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} [الحج: 1] فسماها شيئًا، وقال في موضع آخر: {لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ} [الأعراف: 187] . ثم قال: وإذا كان معنى إيجاد المعدوم عندهم هو: إظهار أشياء بعد خفائها، فما المانع من توجه الخطاب الأزلي إلى تلك الأشياء، بشرط ظهورها وتأهلها للامتثال، هذا مما لا مانع منه، وهو لازم لمن قال به من المعتزلة، على ما حكيته عنهم في كتاب: "إبطال التحسين والتقبيح". ا. هـ.