المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌فصل: [في التعبد بخبر الواحد سمعا] - روضة الناظر وجنة المناظر - ت شعبان - جـ ١

[ابن قدامة]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد الأول

- ‌مقدمة

- ‌تمهيد:

- ‌مقدمة المجلد الأول

- ‌مدخل

- ‌مقدمة

- ‌فصل: "في أقسام الحد

- ‌فصل: [في أن تعذر البرهان على الحد لا يمنع صحته]

- ‌فصل: في البرهان

- ‌فصل: في كيفية دلالة الألفاظ على المعنى

- ‌فصل: في النظر في المعاني

- ‌فصل: في تأليف مفردات المعاني

- ‌فصل: [في مقدمتي البرهان وأضربه]

- ‌فصل: [في أسباب مخالفة البرهان أو القياس]

- ‌فصل: [في اليقين ومداركه]

- ‌فصل: في لزوم النتيجة من المقدمتين

- ‌فصل: [في تقسيم البرهان: إلى برهان علة وبرهان دلالة]

- ‌فصل: [في الاستدلال بالاستقراء]

- ‌الباب الأول: في حقيقة الحكم وأقسامه

- ‌معنى الحكم

- ‌فصل: [في تقسيم الواجب باعتبار ذاته]

- ‌فصل: [في تقسيم الواجب باعتبار وقت الأداء]

- ‌فصل: [في تضييق الواجب الموسع]

- ‌فصل: [في مقدمة الواجب وحكمها]

- ‌فصل: [في بعض الفروع المخرجة على مقدمة الواجب]

- ‌فصل: [في الواجب غير المحدد]

- ‌فصل: القسم الثاني: المندوب

- ‌فصل: [في حكم الأشياء قبل ورود الشرع]

- ‌فصل: [هل المباح مأمور به]

- ‌فصل: القسم الخامس: الحرام

- ‌فصل: [في أقسام النهي]

- ‌فصل: [الأمر بالشيء نهي عن ضده]

- ‌فصل: [في معنى التكليف وشروطه]

- ‌فصل: [في عدم تكليف الناسي والنائم والسكران]

- ‌فصل: [في حكم تكليف المكره]

- ‌فصل: [في حكم تكليف الكفار بفروع الإسلام]

- ‌فصل: [شروط الفعل المكلف به]

- ‌فصل: [في المقتضى بالتكليف]

- ‌فصل: الضرب الثاني - من الأحكام ما يتلقى من خطاب الوضع والإخبار

- ‌فصل: [في الشرط وأقسامه]

- ‌فصل: في القضاء والأداء والإعادة

- ‌فصل: في العزيمة والرخصة

- ‌الباب الثاني: في أدلة الأحكام

- ‌مدخل

- ‌فصل: [في تعريف الكتاب والقرآن وأنهما بمعنى واحد]

- ‌فصل: [في حكم الاحتجاج بالقراءة الشاذة]

- ‌فصل: [في اشتمال القرآن على الحقيقة والمجاز]

- ‌فصل: [ليس في القرآن ألفاظ غير عربية]

- ‌فصل: [في المحكم والمتشابه]

- ‌الباب الثالث: النسخ

- ‌فصل: تعريف النسخ

- ‌فصل: [معنى النسخ عند المعتزلة]

- ‌فصل: [الفرق بين النسخ والتخصيص]

- ‌فصل: [ثبوت النسخ بالأدلة العقلية والنقلية]

- ‌فصل: [في وجوه النسخ في القرآن]

- ‌فصل: في نسخ الأمر قبل التمكن من الامتثال

- ‌فصل: [هل الزيادة على النص نسخ

- ‌فصل: [في نسخ جزء العبادة أو شرطها]

- ‌فصل: [في جواز نسخ العبادة إلى غير بدل]

- ‌فصل: [في النسخ بالأخف والأثقل]

- ‌فصل: [في حكم من لم يبلغه النسخ]

- ‌فصل: [في وجوه النسخ بين القرآن والسنّة]

- ‌فصل: [في حكم نسخ القرآن ومتواتر السنة بالآحاد]

- ‌فصل: [الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به]

- ‌فصل: [في نسخ القياس والنسخ به]

- ‌فصل: [في نسخ التنبيه والنسخ به]

- ‌فصل: فيما يعرف به النسخ

- ‌الباب الرابع: الأصل الثاني من الأدلة سنة النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌مدخل

- ‌فصل: في ألفاظ الرواية

- ‌فصل: [في حد الخبر وأقسامه]

- ‌فصل: [فيما يفيده الخبر المتواتر]

- ‌فصل: ي أن ما حصل العلم في واقعة أفاده في غيرها

- ‌فصل: [في شروط التواتر]

- ‌فصل: [مذاهب العلماء في عدد التواتر]

- ‌فصل: [لا يجوز على أهل التواتر كتمان ما يحتاج إليه]

- ‌فصل: [في حكم التعبد بخبر الواحد عقلًا]

- ‌فصل: [في التعبد بخبر الواحد سمعًا]

- ‌فصل: [في شروط الراوي]

- ‌فصل: [في حكم خبر مجهول الحال]

- ‌فصل: [فيما لا يشترط في الراوي]

- ‌فصل: تعارض الجرح والتعديل

- ‌فصل: [في عدالة الصحابة]

- ‌فصل: [في حكم خبر المحدود في القذف]

- ‌فصل: في كيفية الرواية

- ‌فصل: [في حكم الشك في السماع]

- ‌فصل: [في حكم إنكار الشيخ للحديث]

- ‌فصل: [في حكم انفراد الثقة بزيادة في الحديث]

- ‌فصل: [في حكم رواية الحديث بالمعنى]

- ‌فصل: [في حكم مراسيل الصحابة]

- ‌فصل: [في حكم مراسيل غير الصحابة]

- ‌فصل: [في حكم خبر الواحد فيما تعم به البلوى]

- ‌فصل: [في حكم خبر الواحد في الحدود]

- ‌فصل: [في حكم الواحد إذا خالف القياس]

- ‌باب: الأصل الثالث: الإجماع

- ‌فصل: معنى الاجماع

- ‌فصل: [الأدلة على حجية الإجماع]

- ‌فصل: [في المعتبرين في الإجماع]

- ‌فصل: [فيمن يعتبر في الإجماع من أصحاب العلوم]

- ‌فصل: [في عدم الاعتداد بقول الكافر والفاسق في الإجماع]

- ‌فصل: في الاعتداد بقول التابعي المجتهد في إجماع الصحابة

- ‌فصل: [في حكم انعقاد الإجماع بقول الأكثر]

- ‌فصل: [في حكم إجماع أهل المدينة]

- ‌فصل: [في حكم إجماع الخلفاء الأربعة]

- ‌فصل: هل انقراض العصر شرط لصحة الإجماع

- ‌فصل: [هل اتفاق التابعين على أحد قولي الصحابة إجماع

- ‌فصل: [اختلاف الصحابة على قولين يمنع إحداث قول ثالث]

- ‌فصل: [في حكم الإجماع السكوتي]

- ‌فصل: في جواز انعقاد الإجماع عن اجتهاد وقياس

- ‌فصل: [الأخذ بأقل ما قيل ليس إجماعًا]

- ‌فصل: [هل النافي للحكم يلزمه الدليل]

- ‌باب: في تقاسيم الكلام والأسماء

- ‌فصل: اختلاف في مبدأ اللغات

- ‌فصل: [هل تثبت الأسماء بالقياس]

- ‌فصل: [في تعارض الحقيقة والمجاز]

- ‌فصل: [في علامات الحقيقة والمجاز]

- ‌فصل: [في تعريف الكلام وأقسامه]

- ‌فصل: [نفي الذوات لا يقتضي الإجمال]

- ‌فصل: [رفع الخطأ رفع للحكم]

- ‌فصل: في البيان

- ‌فصل: [الأمور التي يحصل بها البيان]

- ‌فصل: [لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة]

- ‌باب: الأمر

- ‌مدخل

- ‌فصل: [لا يشترط الإرادة في الأمر]

- ‌فصل: مسألة: الأمر المجرد يدل على الوجوب

- ‌فصل: [فيما تفيده صيغة الأمر بعد الحظر]

- ‌فصل: [الأمر المطلق هل يقتضي التكرار]

- ‌فصل: الأمر المطلق: هل يقتضي الفور

- ‌فصل: [الواجب المؤقت إذا فات وقته لا يحتاج إلى أمر جديد]

- ‌فصل: [مقتضى الأمر: حصول الإجزاء بفعل المأمور به]

- ‌فصل: الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرًا به

- ‌فصل: [أمر الجماعة أمر لكل واحد منهم]

- ‌فصل: [أمر الله تعالى للنبي أمر للأمة ما لم يوجد تخصيص]

- ‌فصل: [في تعلق الأمر بالمعدوم]

- ‌فصل: [في التكليف بغير الممكن]

- ‌فصل: [في النهي]

- ‌فهرس

- ‌موضوعات الجزء الأول:

الفصل: ‌فصل: [في التعبد بخبر الواحد سمعا]

البراءة الأصلية والاستصحاب.

والنبي صلى الله عليه وسلم يكلف تبليغ من أمكنه من أمته تبليغه، دون من لا يمكنه، كمن في الجزائر ونحوها.

ص: 313

‌فصل: [في التعبد بخبر الواحد سمعًا]

فأما التعبد بخبر الواحد سمعًا1: فهو قول الجمهور.

خلافًا لأكثر القدرية2 وبعض أهل الظاهر.

ولنا دليلان قاطعان:

أحدهما: إجماع الصحابة رضي الله عنهم على قبوله:

فقد اشتهر ذلك عنهم في وقائع لا تنحصر، إن لم يتواتر آحادها حصل العلم بمجموعها.

1 معنى "سمعًا" أي: من جهة دليل الشرع، وما تقدم كان من جهة العقل.

قال الطوفي: "وفي المسألة تفصيل، وهو: أن القائلين بجواز التعبد به عقلًا، منهم من نفى كونه حجة شرعًا، كالشيعة، والقاشاني، وابن داود [الظاهري] ، ومنهم من أثبت ذلك، ثم هؤلاء اتفقوا على دلالة السمع عليه، واختلفوا في دلالة العقل عليه، فأثبته أحمد والقفال وابن سريج، ونفاه الباقون

وقال أبو عبد الله البصري: هو حجة فيما لا يسقط بالشبهة، واختار الآمدي أنه حجة مطلقًا، وهو المذكور في المختصر". "شرح المختصر جـ2 ص119". وانظر: الإحكام للآمدي "2/ 45" والإحكام لابن حزم "1/ 94".

2 القدرية: فرقة من المعتزلة بالغت في القول بالقدر، بمعنى أنهم يكذبون بالقدر، ويبالغون في إنكار إضافة الخير والشر إلى القدر، وهم عشرون فرقة، كل فرقة منها تكفر الأخرى. الفرق بين الفرق ص24.

ص: 313

منها: أن الصديق رضي الله عنه لما جاءته الجدة تطلب ميراثها نشد الناس: من يعلم قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها؟

فشهد له محمد بن مسلمة1، والمغيرة بن شعبة2 أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس، فرجع إلى قولهما، وعمل به "عمر" بعده3.

وروي عن "عمر" رضي الله عنه في وقائع كثيرة:

منها: قصة الجنين حين قال: "أذكر الله امرأ سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنين"؟ فقام حمل بن مالك بن النابغة4 وقال: "كنت بين جاريتين لي، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح5 فقتلتها

1 هو: محمد بن مسلمة بن خالد الأنصاري الحارثي، صحابي جليل، شهد بدرًا وما بعدها، استخلفه الرسول صلى الله عليه وسلم على المدينة في بعض غزواته، مات بالمدينة سنة 43هـ.

انظر في ترجمته: "الاستعياب 3/ 1377، الخلاصة ص359".

2 هو: المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود الثقفي، أسلم عام الخندق، أحد دهاة العرب، ولاه "عمر" البصرة، ثم عزله عنها وولاه الكوفة، وأقره "عثمان" عليها، ثم عزله، ولما تم الأمر لمعاوية أعاده عليها، حتى توفي سنة 50هـ.

انظر: "الاستيعاب 4/ 1445، الإصابة القسم السادس ص197".

3 أخرجه أبو داود: كتاب الفرائض، باب في الجدة، والترمذي: كتاب الفرائض، باب ما جاء في ميراث الجدة، وابن ماجه: كتاب الفرائض، باب ميراث الجدة.

4 هو: حمل بن مالك بن النابغة بن جابر الهذلي، البصري، استعمله النبي صلى الله عليه وسلم على صدقات "هذيل" وعاش إلى خلافة "عمر" رضي الله عنهما.

انظر في ترجمته: "الإصابة 1/ 355، الاستيعاب 1/ 366".

5 المسطح: بكسر الميم عود من أعواد الخباء.

ص: 314

وجنينها، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم في الجنين بغرة"1 فقال عمر:"لو لم نسمع هذا لقضينا بغيره"2.

وكان لا يورث المرأة من دية زوجها حتى أخبره الضحاك3: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إليه: أن يورث امرأة أَشْيَم الضبابي4 من دية زوجها"5.

1 الغرة: بضم الغين: عبد أو أمة.

2 الحديث رواه أبو داود: كتاب الديات، باب دية الجنين، والدراقطني: كتاب الحدود والديات، كما رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه والشافعي في الرسالة ص427. عن ابن عباس رضي الله عنهما أن دية الجنين خفيت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتى سأل الناس

الحديث.

وفي رواية لأبي داود: فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنينها بغرة وأن تقتل" أي القاتلة.

3 هو: الضحاك بن سفيان بن عوف بن أبي بكر بن كلاب الكلابي، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شجاعًا مقدامًا، ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع الصدقات من قومه.

انظر: في ترجمته: "الإصابة 3/ 477، الخلاصة ص197".

4 أشيم -بوزن أحمد-: الضبابي -بكسر المعجمة بعدها باء موحدة-، قتل مسلمًا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فأمر صلى الله عليه وسلم الضحاك بن سفيان أن يورث امرأته من ديته.

انظر: الإصابة مع الاستيعاب "1/ 97"، أسد الغابة "1/ 197".

5 أخرجه أبو داود: كتاب الفرائض، باب المرأة ترث من دية زوجها، والترمذي كتاب الفرائض، باب ما جاء في ميراث المرأة من دية زوجها، وقال:"حديث حسن صحيح".

كما أخرجه ابن ماجه: كتاب الديات، باب الميراث من الدية، ومالك في الموطأ: كتاب العقول، باب ما جاء في ميراث العقل والتغليظ فيه، والشافعي: كتاب الفرائض، باب ما جاء في ميراث المرأة من دية زوجها، والدارقطني: كتاب الفرائض.

ص: 315

ورجع إلى حديث عبد الرحمن بن عوف1 عن النبي صلى الله عليه وسلم في المجوس: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب"2.

وأخذ عثمان بخبر "فريعة بن مالك"3 في السكنى، بعد أن أرسل إليها وسألها4.

1 هو: عبد الرحمن بن عوف بن الحارث، القرشي الزهري، أبو محمد، ولد بعد عام الفيل بعشر سنين، وأسلم قبل فترة دار الأرقم، جمع بين الهجرتين، هجرة الحبشة، وهجرة المدينة. شهد بدرًا وما بعدها، كان أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة الذين جعل عمر المشورة فيهم في الخلافة. مات بالمدينة سنة 31هـ. "الإصابة 4/ 346".

2 رواه البزار في مسنده، والدارقطني في سننه، وابن أبي شيبة في مسنده، ومالك في الموطأ: كتاب الزكاة عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "لا أدري ما أصنع بالمجوس؟ فقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: "أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" أعله ابن عبد البر بالانقطاع؛ لأن محمد بن علي بن الحسين لم يلق عمر، وأعله غيره بالإرسال، لكن يشهد له ما جاء في البخاري من حديث مجالد قال: أتانا كتاب عمر بن الخطاب قبل موته بسنة فرقوا بين كل ذي محرم من المجوس، ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر.

كما يشهد له -أيضًا- ما رواه البخاري من أخذ الجزية من البحرين التي صالح أهلها الرسول صلى الله عليه وسلم وولى عليها العلاء بن الحضرمي، وهم من المجوس.

انظر: "فتح الباري جـ6 ص259".

3 هي: فريعة بنت مالك بن سنان الخدرية، أخت أبي سعيد الخدري، وهي التي قتل زوجها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بأن تمكث في بيتها حتى تنتهي عدتها -كما سيأتي تخريج الحديث-.

انظر: في ترجمتها: "الإصابة 8/ 66، والاستيعاب 4/ 1903".

4 أخرجه أبو داود: كتاب الطلاق، في المتوفى عنها تنتقل، والترمذي: كتاب =

ص: 316

وعلي كان يقول: كنت إذا سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا نفعني الله بما شاء أن ينفعني، وإذا حدثني عنه غيره استحلفته، فإذا حلف لي صدقته. وحدثني أبو بكر -وصدق أبو بكر-: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من عبد يذنب، فيتوضأ، ثم يصلي ركعتين ويستغفر الله إلا غفر الله له"1.

= الطلاق، باب ما جاء أين تعتد المتوفى عنها زوجها ولفظه:

"أنها -أي فريعة- جاءت رسول الله –صلى الله عليه وسلم تسأله أن ترجع إلى أهلها في "بني خدرة" وأن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا، حتى إذا كان بطرف القدوم -موضع بضاحية المدينة- لحقهم فقتلوه.

قالت: فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أرجع إلى أهلي؛ فإن زوجي لم يترك لي مسكنًا يملكه، ولا نفقة.

قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم".

قالت: ما انصرفت، حتى إذا كنت في الحجرة، أو في المسجد، ناداني رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أمر بي، فنوديت له، فقال:"كيف قلت؟ " قالت: فرددت عليه القصة التي ذكرت له من شأن زوجي، قال:"امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله".

قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرًا.

قالت: فلما كان عثمان أرسل إلي فسألني عن ذلك فأخبرته، وقضى به".

والحديث أخرجه أيضًا: النسائي: باب مقام المتوفى عنها زوجها في بيتها حتى تحل، وابن ماجه: باب أين تعتد المتوفى عنها زوجها، والدارمي: باب خروج المتوفى عنها زوجها، والشافعي: كتاب النفقات، باب اعتداد المتوفى عنها في بيت زوجها.

1 الحديث رواه أبو داود: كتاب الصلاة، باب في الاستغفار بلفظ:"كنت رجلًا إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا نفعني الله منه بما شاء أن ينفعني، وإذا حدثني أحد من أصحابه استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، قال: وحدثني أبو بكر -وصدق أبو بكر- أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "وما من =

ص: 317

ولما اختلف الأنصار في الغسل من المجامعة: أرسلوا أبا موسى1 إلى "عائشة" فروت لهم عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا مس الختان الختان وجب الغسل"2. فرجعوا إلى قولها.

واشتهر رجوع أهل قباء إلى خبر الواحد في التحول إلى الكعبة3.

وروى أنس4 قال: كنت أسقي أبا عبيدة5، وأبا طلحة6.

= عبد يذنب ذنبًا، فيحسن الوضوء، ثم يقوم فيصلي ركعتين، ثم يستغفر الله، إلا غفر الله له" ثم قرأ هذه الآية:{وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ} [آل عمران: 135] .

كما أخرجه ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة؛ باب ما جاء في أن الصلاة كفارة، وأحمد في مسنده "1/ 2" وابن حبان حديث "2454" وصححه.

1 هو: عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب بن عامر الأشعري، أسلم قديمًا بمكة، ثم رجع إلى قومه، ثم قدم جماعة من الأشعريين إلى النبي صلى الله عليه وسلم حين فتح خيبر، ولاه النبي صلى الله عليه وسلم اليمن، ثم ولاه عمر البصرة

مات بالكوفة وقيل: بمكة سنة 44هـ. "الإصابة 4/ 211".

2 أخرجه مسلم: كتاب الحيض، باب نسخ الماء من الماء ووجوب الغسل بالتقاء الختانين، وأبو داود: كتاب الطهارة، باب في الإكسال، والترمذي: كتاب الطهارة، باب ما جاء إذا التقى الختانان، وجب الغسل، وابن ماجة: كتاب الطهارة، باب ما جاء في وجوب الغسل إذا التقى الختانان.

3 تقدم تخريجه في باب النسخ.

4 هو: أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم البخاري الخزرجي الأنصاري، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه.

توفي سنة 93هـ. "صفة الصفوة 1/ 298، الأعلام 1/ 365".

5 هو: عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال الفهري القرشي، أحد العشرة المبشرين بالجنة، ومن السابقين إلى الإسلام.

توفي بالطاعون سنة 18هـ. "حلية الأولياء 1/ 100، والأعلام 4/ 21".

6 هو: زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو الأنصاري الخزرجي، كان فارسًا =

ص: 318

وأبي بن كعب1 شرابًا من فضيخ2، إذ أتانا آت فقال: إن الخمرة قد حرمت. فقال أبو طلحة: يا أنس "قم إلى هذه الجرار فاكسرها" فكسرتها3.

ورجع ابن عباس إلى حديث أبي سعيد4 في الصرف5.

= شديدًا، وقى النبي صلى الله عليه وسلم بصدره من قبل المشركين في أحد، تصدق بحديقة كانت له لما نزل قوله الله -تعالى-:{لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} توفي سنة 50هـ. "الإصابة 2/ 607".

1 هو: أبي بن كعب بن قيس بين عبيد بن النجار الأنصاري، سيد القراء، من أصحاب العقبة الثانية، شهد بدرًا وما بعدها، وكان من كتاب الوحي. توفي سنة 20هـ. وقيل غير ذلك.

انظر: "الإصابة 1/ 27، البداية والنهاية 7/ 97".

2 الفضيخ: هو أن يجعل التمر في إناء ثم يصب عليه الماء الحار، فيستخرج حلاوته، ثم يغلى ويشتد. التعريفات للجرجاني ص167.

3 حديث صحيح، رواه البخاري "3/ 321" بحاشية السندي، ومسلم "13/ 151" مع شرح النووي، ومالك في الموطأ "3/ 155" مع المنتقى.

4 هو: سعد بن مالك بن سنان بن ثعلبة، الخزرجي، الأنصاري، الخدري، من علماء الصحابة، وحفاظها المكثرين. توفي سنة 74هـ.

انظر: "الاستيعاب 4/ 1671، تاريخ بغداد 1/ 180".

5 حديث ابن عباس: "إنما الربا في النسيئة" تقدم الحديث عنه. أما حديث أبي سعيد الذي رجع إليه ابن عباس فهو: ما أخرجه البخاري: كتاب البيوع، باب بيع الفضة، وأحمد في مسنده "3/ 9" ومسلم: كتاب المساقاة، باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدًا، ولفظه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر وبالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، يدًا بيد، فمن زاد أو ازداد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء".

ص: 319

ورجع ابن عمر إلى حديث رافع بن خديج في المخابرة1.

وكان زيد بن ثابت2 يرى أن لا تصدر الحائض حتى تطوف3.

فقال له ابن عباس سل فلانة الأنصارية، هل أمرها النبي صلى الله عليه وسلم بذلك؟ فأخبرته، فرجع زيد يضحك وقال لابن عباس:"ما أراك إلا قد صدقت".

والأخبار في هذا أكثر من أن تحصى.

واتفق التابعون عليه أيضا4. وإنما حدث الاختلاف بعدهم.

1 تقدم قريبًا.

2 هو: زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري، كان من كتاب الوحي وهو الذي تولى جمع القرآن في عهد أبي بكر -رضى الله عنه- وهو أعلم الصحابة بالفرائض فقال صلى الله عليه وسلم:"أفرضكم زيد" توفي سنة 42هـ. "الإصابة 2/ 594، الاستيعاب 1/ 551".

3 أي: لا ترجع إلى بلدها إلا إذا طافت طواف الوداع.

وكان زيد بن ثابت يفتي بذلك، حتى علم بخبر ابن عباس، الذي أخرجه البخاري: كتاب الحج، باب إذا حاضت المرأة بعدما أفاضت "أي: طافت طواف الإفاضة". ولفظه: عن عكرمة قال: إن أهل المدينة سألوا ابن عباس رضي الله عنهما عن امرأة طافت، ثم حاضت؟ قال لهم: تنفر. قالوا: لا نأخذ بقولك وندع قول زيد. قال: إذا قدمتم المدينة فسلوا. فقدموا المدينة فسألوا، فكان فيمن سألوا "أم سليم" فقالت: إن صفية بنت حيي -زوج النبي صلى الله عليه وسلم حاضت فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أحابستنا هي؟ "

قالوا: إنها أفاضت. قال: "فلا إذن".

أخرجه مسلم: كتاب الحج، باب وجوب طواف الوادع وسقوطه عن الحائض، والبيهقي في السنن الكبرى: كتاب الحج، باب ترك الحائض الوداع.

4 أي: أن التابعين اتفقوا على العمل بخبر الواحد، كما اتفق الصحابة رضي الله عنهم وما وقع الاختلاف إلا بعد عصر التابعين.

ص: 320

فإن قيل: لعلهم عملوا بأسباب قارنت هذه الأخبار، لا بمجردها، كما أنهم أخذوا بالعموم، وعملوا بصيغة الأمر والنهي، ولم يكن ذلك نصًّا صريحًا فيها1.

قلنا: قد صرحوا بأن العمل بالأخبار؛ لقول عمر: "لولا هذا لقضينا بغيره".

وتقدير قرينة وسببها هنا كتقدير قرائن مع نص الكتاب والأخبارالمتواترة وذلك يبطل جميع الأدلة.

وأما العموم، وصيغة الأمر والنهي، فإنها ثابتة، يجب الأخذ بها، ولها دلالات ظاهرة، تعبدنا بالعمل بمقتضاها، وعملهم بها دليل على صحة دلالاتها فهي كمسألتنا2.

وإنما أنكرها من لا يعتد بخلافه، وأعتذروا بأنه لم ينقل عنهم في صيغة الأمر والعموم تصريح3.

1 هذا اعتراض حاصله: أنهم ربما عملوا بخبر الواحد لأسباب وقرائن قارنت الأخبار لا بمجردها، كما أنهم عملوا بالعمومات، والأمر والنهي، وكلها نصوص غير صريحة، فعملوا بها مع القرائن أيضًا.

وأجاب المصنف عن ذلك: بأنه لم ينقل عنهم إلا الأخذ بالأخبار، كما في خبر حمل بن مالك المتقدم. ولو قدر وجود قرائن هنا لقدر ذلك مع آيات القرآن الكريم والأحاديث المتواترة، وهذا يؤدي إلى إبطال جميع الأدلة، لأنه لا يستدل بها منفردة عن القرائن، وهذا غير صحيح.

2 هذا رد من المصنف على أولئك الذين قالوا: إن العمل بالأخبار والألفاظ العامة، والأوامر والنواهي، بناء على قرائن احتفت بها، وليس منها مجردة.

وخلاصته: بأن صيغ العموم، والأمر والنهي لها دلالات ظاهرة وواضحة، كلفنا بالعمل بمقتضاها، والسلف الصالح عملوا بها مجردة عن القرائن وعملهم بها دليل على صحة دلالاتها كما في الأخبار.

3 هذا كالحجة لمن ينكر دلالة الأخبار، والعمومات، والأمر والنهي. =

ص: 321

فإن قيل: فقد تركوا العمل بأخبار كثيرة1.

فلم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم خبر ذي اليدين2،

= مضمونها: أنه لم ينقل عن السلف: أنهم عملوا بها مجردة، وفي هذا إشارة إلى أنه كانت هنالك قرائن لم يذكروها.

هذا معنى كلام المصنف، والواقع أن هذه الجملة ليس محلها هنا، وإنما كانت تأتي عند حكاية مذهبهم، كما فعل الغزالي، إلا أن المصنف دأب على اختصار العبارات، وعلى التقديم والتأخير مما جعل المعنى غير مترابط، وإلا فجملة:"واعتذروا" ليس لها محل هنا. يوضح ذلك عبارة الغزالي حيث قال:

"فإن قيل: لعلهم عملوا بها [يقصد الأخبار] مع قرائن أو بأخبار أخر صاحبتها، أو ظواهر ومقاييس وأسباب قارنتها، لا بمجرد هذه الأخبار -كما زعمتم-.

كما قلتم بالعموم وصيغة الأمر والنهي ليس نصًّا صريحًا على أنهم عملوا بمجردها، بل بها مع قرائن قارنتها

".

1 هذا اعتراض على قول المصنف -في أول المسألة: ولنا دليلان قاطعان، أحدهما: إجماع الصحابة على قبوله إلى آخر الأمثلة التي تقدمت، فكأن المخالف يقول: كيف تدعون الإجماع على القبول، مع أن هناك أدلة آخرى كثيرة، بلغت حد الإجماع -أيضًا- برد العمل بخبر الواحد، ثم بدأ يذكر أمثلة لذلك.

2 ذو اليدين: هو الخرباق بن عمرو، من بني سليم، قيل له: ذو اليدين؛ لأنه كان في يديه طول، فسماه صلى الله عليه وسلم: ذا اليدين، عاش بعد النبي صلى الله عليه وسلم حتى روى عنه بعض المتأخرين من التابعين. انظر في ترجمته:"الإصابة 1/ 489، تهذيب الأسماء 1/ 185".

وحديثه -في السهو في الصلاة- حديث صحيح: رواه البخاري: كتاب الصلاة، باب من لم يتشهد في سجدتي السهو، ومسلم: كتاب الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له، وأبو داود: كتاب الصلاة، باب السهو في السجدتين، والترمذي: كتاب الصلاة، باب ما جاء في الرجل يسلم في الركعتين =

ص: 322

ولم يقبل "أبو بكر" خبر "المغيرة" وحده في ميراث الجدة1.

و"عمر" لم يقبل خبر "أبي موسى" في الاستئذان2.

ورد "علي" خبر معقل بن سنان الأشجعي3 في "بروع"4.

= من الظهر والعصر، كما أخرجه النسائي وابن ماجه وغيرهما.

ولفظ مسلم -عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر، فسلم في ركعتين، فقام ذو اليدين فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ فقال: صلى الله عليه وسلم: "كل ذلك لم يكن" قال: قد كان بعض ذلك يا رسول الله.

فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بقي من الصلاة، ثم سجد سجدتين وهو جالس بعد التسليم.

1 تقدم تخريجه قريبًا.

2 عن عمر رضي الله عنه أن أبا موسى استأذن عليه ثلاثًا، فلم يؤذن له، فانصرف، فأرسل إليه "عمر": لم انصرفت؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا استأذن أحدكم على صاحبه ثلاثًا، فلم يؤذن له فلينصرف". فقال من يشهد ذلك؟ فمضى أبو موسى إلى الأنصار، فقالوا: نبعث معك بأصغرنا: أبي سعيد الخدري، فمضى فسمع "عمر" منهما.

روى هذه القصة: البخاري في كتاب الاستئذان، باب: التسليم والاستئذان ثلاثًا، ومسلم في كتاب الآداب، باب: الاستئذان، وأبو داود: كتاب الأدب، باب: كم مرة يسلم الرجل في الاستئذان، والترمذي: كتاب الاستئذان، باب ما جاء في الاستئذان ثلاثة، وابن ماجه: كتاب الأدب، باب الاستئذان، والدارمي: كتاب الاستئذان، باب: الاستئذان ثلاثًا.

3 هو: معقل بن سنان بن مظهر بن غطفان الأشجعي، كان يحمل لواء قومه يوم الفتح ويوم حنين، قتله عقبه بن مسلم سنة 63هـ.

4 هي: بروع -بكسر الباء أو فتحها وسكون الراء وفتح الواو- بنت واشق =

ص: 323

..........................................................

= الأشجعية، زوج هلال بن مرة، روت أن رجلًا عقد عليها ولم يفرض لها مهرًا، وفوضت إليه ذلك، فتوفي قبل أن يدخل بها، فقضى لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بصداق نسائها: انظر: الإصابة "4/ 251".

وأما الخبر الذي رده "علي" رضي الله عنه فهو ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده "1/ 447" وأبو داود في كتاب النكاح، باب فيمن تزوج ولم يسم صداقًا حتى مات حديث رقم "2114" والترمذي في كتاب النكاح، باب "44" حديث رقم "1145" والنسائي في سننه "6/ 121" وابن ماجه في كتاب النكاح، باب الرجل يتزوج ولا يفرض لها حديث رقم "1891" ولفظه: عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض فيها صداقًا، ولم يدخل بها حتى مات. فقال ابن مسعود: لها مثل صداق نسائها، ولا وكسَ ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث. فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع بنت واشق -امرأة منا- مثل الذي قضيت، ففرح بها ابن مسعود.

وكان "علي" رضي الله عنه لا يرى ذلك ويقول: "لا ندع كتاب ربنا لقول أعرابي بوال على عقبيه".

ورواية البيهقي في سننه "7/ 247": "لا يقبل قول أعرابي من أشجع على كتاب الله".

وقد ضعف بعض المحدثين عبارة "بوال على عقبيه" وأن ذلك لا يصح عن "علي" وفي إسناد هذه الرواية: أبو إسحاق الكوفي. قال عنه الأزدي: ليس بثقة. انظر: ميزان الاعتدال "4/ 488"، تخريج أحاديث اللمع ص221، 222.

وقد أخرج عبد الرزاق في مصنفه "6/ 293": أن عليًّا رضي الله عنه كان يجعل لها الميراث وعليها العدة، ولا يجعل لها صداقا، ويقول:"لا نصدق الأعراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم".

ص: 324

وردت "عائشة" خبر "ابن عمر" في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه1.

قلنا: الجواب من وجهين:

أحدهما: أن هذا حجة عليهم؛ فإنهم قد قبلوا الأخبار التي توقفوا عنها بموافقة غير الراوي له، ولم يبلغ بذلك رتبة التواتر، ولا خرج عن رتبةالآحاد إلى رتبة التواتر.

والثاني: أن توقفهم كان لمعان مخصصة بهم.

فتوقف النبي صلى الله عليه وسلم في خبر "ذي اليدين" ليعلمهم: أن هذا الحكم لا يؤخذ فيه بقول الواحد1.

1 روى يحيي بن عبد الرحمن عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الميت يعذب ببكاء أهله عليه" فقالت عائشة رضي الله عنها: يرحمه الله، لم يكذب، ولكنه وهم، إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل مات يهوديًّا:"إن الميت ليعذب، وإن أهله ليبكون عليه". حديث صحيح: رواه البخاري حديث "1288" ومسلم حديث "391" والترمذي حديث "100" والنسائي "4/ 17" ومالك في الموطأ "1/ 234" بلفظ: "أما إنه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ".

1 خلاصة الرد الثاني: أن هذه الأخبار كان لها ظروف خاصة اقترفت بها: فخبر ذي اليدين، كان الناس كثيرين خلف النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم من هو أضبط لأفعال الصلاة من ذي اليدين، فلذلك أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يتأكد بوقوع ذلك.

وأما خبر "المغيرة" فلعل أبا بكر رضي الله عنه قد غلب فيه جانب الشهادة على المال، وهو يثبت حقًّا ماليًّا مؤبدًا، وهو ميراث الجدة، فكان ذلك مناسبًا للتوقف والتأكد.

وأما رد سيدنا عمر لخبر أبي موسى، فواضح الدلالة، حيث كان رضي الله عنه شديد الحرص على عدم دخول شيء في السنة ليس منها.

وأما حديث "ابن عمر" الذي ردته "عائشة" رضي الله عنها فإنما ردته لا من =

ص: 325

وأما أبو بكر رضي الله عنه: فلم يرد خبر "المغيرة" وإنما طلب الاستظهار بقول آخر، وليس فيه ما يدل على أنه لا يقبل قوله لو انفرد.

وأما عمر رضي الله عنه فإنه كان يفعل ذلك سياسة؛ ليتثبت الناس في رواية الحديث، وقد صرح به فقال:"إني لم أتهمك، ولكني خشيت أن يتقول الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم".

وعائشة رضي الله عنها لم ترد خبر "ابن عمر" وإنما تأولته.

الدليل الثاني1:

ما تواتر من إنفاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمراءه ورسله وقضاته وسعاته إلى الأطراف؛ لتبليغ الأحكام، والقضاء، وأخذ الصدقات وتبليغ الرسالة.

ومن المعلوم: أنه كان يجب عليهم تلقي ذلك بالقبول، ليكون مفيدًا، والنبي صلى الله عليه وسلم مأمور بتبليغ الرسالة، ولم يكن ليبلغها بمن لا يكتفى به.

دليل ثالث2:

أن الإجماع انعقد على وجوب قبول قول المفتي فيما يخبر به عن ظنه فما يخبر به عن السماع الذي لا يشك فيه أولى، فإن تطرق الغلط

= حيث الكذب، وإنما من حيث الوهم، أو الخطأ والنسيان.

وكل هذه الملابسات لا تقوى على الطعن في العمل بخبر الآحاد.

1 هذا هو الدليل الثاني على وجوب التعبد بخبر الواحد.... حيث قال في أول الفصل: ولنا دليلان قاطعان: أحدهما: إجماع الصحابة، وهذا هو الثاني.

2 هذا دليل ثالث على وجوب العمل بخبر الواحد. ولما لم يكن في قوة الدليلين السابقين لم يضمه إلى الدليلين السابقين.

وخلاصة هذا الدليل: قياس خبر الواحد على ما يفتي به المفتي، بجامع =

ص: 326

إلى المفتي كتطرق الغلط إلى الراوي؛ لأن المجتهد -وإن كان مصيبًا- فإنما يكون مصيبا إذا لم يفرط.

وربما ظن أنه لم يفرط، ويكون قد فرط، وهذا عند من يجوز تقليد مقلد بعض الأئمة أولى، فإنه إذا جاز أن يروي مذهب غيره، لم لا يجوز أن يروي قول غيره.

فإن قيل:

هذا قياس لا يفيد إلا الظن، وخبر الواحد أصل لا يثبت بالظن.

ثم الفرق بينهما: أن هذا حال ضرورة، فإنا لو كلفنا كل أحد الاجتهاد تعذر1.

قلنا: لا نسلم أنه مظنون، بل هو مقطوع بأنه في معناه؛ فإنا إذا قطعنا بخبر الواحد في البيع، قطعنا به في النكاح، ولم يختلف باختلاف المروي فيه، ولم يختلف ههنا إلا المروي عنه، فإن هذا يروي عن ظنه، وهذا يروي عن غيره2.

= حصول الظن فيهما؛ أما في الفتيا: فإنه يغلب على ظن المفتي والمستفتي أن ما أفتى به هو حكم الله تعالى.

وأما في الراوي: فلأنه يغلب على ظن السامع أن ما رواه ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجب أن يقبل؛ قياسًا على الفتيا: انظر: "شرح مختصر الروضة ج2 ص131-132".

1 خلاصة هذا الاعتراض: أن هذا القياس ظني؛ فلا يثبت به العمل بخبر الواحد؛ لأنه أصل قوي، فلا يثبت بمثل هذا القياس.

2 خلاصة الجواب على هذا الاعتراض: أن كون القياس المذكور ظنيًّا محل النزاع، ونحن لا نسلم به، بل هو جلي قاطع، فإنه لا فارق بين الرواي والمفتي، إلا أن هذا يخبر عن غيره، وهذا يخبر عن ظنه. =

ص: 327

وقولهم: "إنه يفضي إلى تعذر الأحكام" ليس كذلك، فإن العامي يرجع إلى البراءة الأصلية، واستصحاب الحال، كما قلتم في المجتهد إذا لم يجد قاطعًا1.

فصل: وذهب الجبائي2 إلى أن خبر الواحد إنما يقبل إذا رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم اثنان، ثم يرويه عن كل واحد منهما اثنان إلى أن يصير في زماننا إلى حد يتعذر معه إثبات حديث أصلًا، وقاسه على الشهادة.

وهذا باطل بما ذكرناه من الدليل على قبول خبر الواحد.

ولا يصح قياسه على الشهادة؛ فإن الرواية تخالف الشهادة في أشياء كثيرة، وكذلك لا تعتبر الرواية في الزنى أربعة، كما يعتبر ذلك في الشهادة فيه3.

= قال الطوفي -مضيفًا ردًا آخر-: "وتحرير الجواب عن الاعتراض المذكور: إما بما ذكرناه من منع كون القياس المذكور ظنيًّا، أو بمنع كون محل النزاع -وهو جواز التعبد بخبر الواحد- قطعيًّا بل هو اجتهادي فيثبت بدلالته الظنية كالقياس المذكور وغيره". "شرح مختصر الروضة جـ2 ص132".

1 هذا رد على قولهم: "إن حالة الإفتاء حالة ضرورة، فلو كلفنا كل واحد بالاجتهاد لتعذرت الأحكام".

خلاصته: أن ذلك لا يفضي إلى تعذر الأحكام، فإن العامي إذا لم يصل إلى الحكم بناء على دليل، استطاع أن يرجع إلى البراءة الأصلية، وهي عدم التكليف.

هذا معنى كلامه، وفيه نظر، فإن العامي لا يعرف ذلك.

2 هو: أبو علي: محمد بن عبد الوهاب بن سلام الجبائي البصري، رأس المعتزلة وشيخهم، من أشهر مؤلفاته:"تفسير القرآن" و"متشابه القرآن" توفي سنة 303هـ. انظر: "الفرق بين الفرق ص183، فرق وطبقات المعتزلة ص85".

3 معنى كلام المصنف في هذا الفصل: أن أبا علي الجبائي يشترط في قبول خبر =

ص: 328