الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل: القسم الخامس: الحرام
الحرام ضد الواجب1: فيستحيل أن يكون الشيء الواحد واجبًا حرامًا، طاعة معصية من وجه واحد، إلا أن الواحد بالجنس ينقسم إلى: واحد بالنوع، وإلى واحد بالعين، أي بالعدد.
والواحد بالنوع يجوز أن ينقسم إلى واجب وحرام، ويكون انقسامه بالإضافة، لأن اختلاف الإضافات والصفات توجب المغايرة، والمغايرة
= وقد استدل المصنف لمذهب الجمهور: بأن تعريف الأمر لا يتناول المكروه، كما أن الأمر ضد النهي، فلو دخل المكروه في الأمر لكان جمعًا بين الضدين، وإذا كان الراجح في المباح أنه غير مأمور به، فكون المكروه غير مأمور به أولى.
وتوضيح ذلك: أن المأمور به إذا كان بعض جزيئاته منهيًا عنه، نهي تنزيه أو تحريم، فلا يدخل المنهي عنه في المأمور به -كما يقول الجمهور- خلافًا لمن ذهب إلى دخوله فيه. ومن أمثلة ذلك: تحية المسجد، فهي سنة ومأمور بها، فلو دخل المصلي في وقت الكراهة، هل يصلي تحية المسجد أو لا؟
للفقهاء في ذلك خلاف مبني على هذه المسألة.
هذا ما أفهمه في هذه المسألة، وإلا فلا يعقل أن يكون الشيء مأمورًا به ومنهيًّا عنه في وقت واحد، وبصفة واحدة، ولذلك قال المصنف:"فيستحيل أن يكون الشيء مأمورًا ومنهيًّا".
1 يعني: أنه تقدم في تعريف الواجب أنه: "ما توعد بالعقاب على تركه" أو "ما يعاقب تاركه" أو "ما يذم تاركه شرعًا" فإذا كان الحرام ضد الواجب فيكون تعريفه "ما توعد بالعقاب على فعله"، أو "ما يعاقب فاعله" أو "ما يذم فاعله شرعًا" وإن شئت قلت: ما طلب الشارع تركه جازمًا. هذا هو معناه شرعًا أما في اللغة: فهو الممنوع. قال تعالى: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْل....} [القصص: 12] مأخوذ من الحرمة، وهو: ما لا يحل انتهاكه.
تارة تكون بالنوع، وتارة تكون باختلاف في الوصف، كالسجود لله -تعالى- واجب، والسجود للصنم حرام، والسجود لله -تعالى- غير السجود للصنم.
قال الله -تعالى- {لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنّ} 2.
والإجماع منعقد على أن الساجد للصنم عاص، بنفس السجود والقصد جميعًا، والساجد لله مطيع بهما جميعًا.
وأما الواحد بالعين: كالصلاة في الدار المغصوبة من عمرو، فحركته في الدار واحد بعينه.
واختلفت الرواية في صحتها:
فروي أنها لا تصح، إذ يؤدي إلى أن تكون العين الواحدة من الأفعال حرامًا واجبًا، وهو متناقص؛ فإن فعله في الدار وهو:"الكون في الدار، وركوعه وسجوده وقيامه وقعوده" وأفعال اختيارية هو معاقب عليها، منهي عنها، فكيف يكون متقربًا بما هو معاقب عليه، مطيعًا بما هو عاص به؟!
وروي أن الصلاة تصح؛ لأن هذا الفعل الواحد له وجهان متغايران، هو مطلوب من أحدهما، مكروه من الآخر، فليس ذلك محالًا، إنما المحال: أن يكون مطلوبًا من الوجه الذي يكره منه.
ففعله من حيث إنه صلاة مطلوب.
مكروه من حيث إنه غصب.
1 سورة فصلت من الآية: 37.
والصلاة معقولة بدون الغصب، والغصب معقول بدون الصلاة1، وقد اجتمع الوجهان المتغايران.
فنظيره: أن يقول السيد لعبده: خط هذا الثوب ولا تدخل هذه الدار، فإن امتثلت أعتقتك، وإن ارتكبت النهي عاقبتك، فخاط الثواب في الدار، حسن من السيد عتقه وعقوبته.
ولو رمى سهمًا إلى كافر فمرق منه إلى مسلم لاستحق سَلَب الكافر2، ولزمته دية المسلم؛ لتضمن الفعل الواحد أمرين مختلفين.
ومن اختار الرواية الأولى3 قال: ارتكاب النهي متى أخل بشرط العبادة أفسدها بالإجماع، كما لو نهى المحدث عن الصلاة، فخالف وصلى، ونية التقرب بالصلاة شرط، والتقرب بالمعصية محال، فكيف يمكن التقرب به، وقيامه وقعوده في الدار فعل هو عاص به، فكيف يكون متقربًا بما هو عاص به؟! وهذا محال.
وقد غلط من زعم أن في هذه المسألة إجماعًا4؛ لأن السلف لم
1 أي يمكن وجود أحدهما بدون الآخر، كمن صلى ولم يغصب، أو غصب ولم يصل.
2 سلب الكافر: ما على القتيل من ثياب وحلى وسلاح وإن كثر، وفي دخول الدابة وآلتها في السلب روايتان. وكون السلب للقاتل ثابت بأحاديث صحيحة، منها ما رواه البخاري عن أبي قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قتل قتيلًا فله سلبه
…
" قالها ثلاثًا في حديث طويل رواه البخاري في باب من لم يخمس الأسلاب حديث رقم "3142" والمغازي رقم "4321".
3 وهي عدم صحة الصلاة في الدار المغصوبة.
4 حكى المصنف في مسألة الصلاة في الدار المغصوبة مذهبين: أحدهما: أنها صحيحة، وثانيهما: أنهما غير صحيحة. وفيها مذهب مروي عن أبي بكر الباقلاني وغيره: أنها غير صحيحة، ولكن يسقط بها الفرض. =
يكونوا يأمرون من تاب من الظلمة بقضاء الصلوات في أماكن الغصب، إن هذا جهل بحقيقة الإجماع، فإن حقيقته: الاتفاق من علماء أهل العصر، وعدم النقل عنهم ليس بنقل الاتفاق.
ولو نقل عنهم أنهم سكتوا فيحتاج إلى أنه اشتهر فيما بينهم كلهم: القول بنفي وجوب القضاء فلم ينكروه.
فيكون -حينئذ- فيه اختلاف هل هو إجماع أم لا؟
على ما سنذكره في موضعه.
قال الطوفي -عن هذا الرأي-: "وهذا مسلك ظاهر الضعف، لأن سقوط الفرض بدون أدائه شرعًا غير معهود، بل لو منع الإجماع المذكور لكان أيسر عليه، فإنه يبعد على الخصم أن يثبت أن ظالمًا في زمن السلف صلى في مكان مغصوب وعلم به أهل الإجماع، فضلًا عن أن يثبت ذلك في جميع الظلمة أو أكثرهم، ولو سلّم ذلك، لكن لا نسلم أنهم أقروا الظلمة على ذلك ولم يأمروهم بالإعادة، ولا يلزم من عدم نقل ذلك عدم وجوده، لجواز أن الأمر بالإعادة وجود لم ينقل، لاستيلاء الظلمة وسطوتهم، أو كون الحكم ليس من الأمور العظيمة التي تتوفر الدواعي على نقل الإنكار فيه""شرح مختصر الروضة جـ1 ص363".
والصلاة في الدار المغصوبة مثال جاء به المصنف تطبيقًا على مسألة: أن الشيء الواحد يستحيل أن يكون واجبًا حرامًا في وقت واحد.
وقد وضح الشيخ الشنقيطي -رحمه الله تعالى- كلام المصنف فقال: "إيضاح معنى كلامه- رحمه الله أن الوحدة ثلاثة أقسام:
أ- وحدة بالجنس.
ب- وحدة بالنوع.
جـ- وحدة بالعين.
أما الوحدة بالجنس أو النوع: فلا مانع من كون بعض أفراد الواحد بهما =
.................................................................
= حرامًا وبعضها حلالًا، بخلاف الوحدة بالعين فلا يمكن أن يكون فيها بعض الأفراد حرامًا وبعضها حلالًا.
مثال الوحدة بالجنس: وحدة البعير والخنزير، لأنهما يشملهما جنس واحد هو "الحيوان" فكلاهما حيوان، فهما متحدان جنسًا، ولا إشكال في حرمة الخنزير وإباحة البعير.
ومثال الوحدة بالنوع: السجود: فإنه نوع واحد، فالسجود لله والسجود للصنم يدخلان في نوع واحد هو: اسم السجود، ولا إشكال في أن السجود للصنم كفر، ولله قربة. كما قال تعالى:{لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} .
ومثال الوحدة بالعين: عند المؤلف رحمه الله: الصلاة في الدار المغصوبة، فلا يمكن عنده أن يكون بعض أفرادها حرامًا، وبعضها مباحًا.
وإيضاح مراده أن المصلي في الدار المغصوبة إذا قام إلى الصلاة شغل بجسمه الفراغ الذي هو كائن فيه، وشغله الفراغ المملوك لغيره بجسمه تعدّيًا غصب، فهو حرام. فهذا الركن الذي هو القيام غصب فهو حرام، فإذا ركع شغل الفراغ الذي هو كائن فيه في ركوعه، وإذا سجد شغل الفراغ الذي هو كائن فيه في سجوده وهكذا.
وشغل الفراغ المملوك لغيره تعديًا غصب، فلا يمكن أن يكون قربة، لامتناع كون الواحد بالعين واجبًا حرامًا، قربة معصية؛ لاستحالة اجتماع الضدين في شيء واحد، من جهة واحدة، فليزم بطلان الصلاة المذكورة.
ومنع هذا القائلون بصحة الصلاة في الأرض المغصوبة وهم الجمهور. قالوا: الصلاة في الأرض المغصوبة فعل له جهتان، والواحد بالشخص يكون له جهتان: هو طاعة من إحداهما، ومعصية من إحداهما، فالصلاة في الأرض المغصوبة -من حيث هي صلاة- قربة، ومن حيث هي غصب معصية، فله صلاته وعليه غصبه.
فيقول من قال ببطلانها: الصلاة في المكان المغصوب ليست من أمرنا، فهي رد، للحديث الصحيح:"من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد" فيقول خصمه، الصلاة في نفسها من أمرنا، فليست برد، وإنما الغصب هو الذي ليس =