الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب التاسع أحكام الاعتدال في الصلاة
الفصل الأول في حكم الاعتدال من الركوع والسجود
المدخل إلى المسألة:
• كون الاعتدال مقصودًا في نفسه أو غير مقصود لا ينافي الركنية.
• القيام كله مقصود، سواء أكان قبل الركوع أم بعده، وكذا الجلوس كله مقصود، سواء أكان بين السجدتين، أم كان للتشهد، فمن فرق بين قيام وقيام وقعود وآخر فعليه الدليل.
• الركنية من دلالات اللفظ، لا من دلالات الثبوت، فتثبت بالدليل الظني كما تثبت بالدليل القطعي.
• كل فعل إذا ترك سهوًا أو عمدًا على الصحيح انتفت الصلاة بتركه، ولم يجبره سجود السهو فإن ذلك دليل على ركنيته، وهذا متحقق في ترك الاعتدال، حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم:(ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ).
• حديث المسيء في صلاته خرج مخرج البيان لما هو واجب في الصلاة، لقوله:(ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ).
[م-646] سبق لنا الخلاف في الرفع من الركوع، وأن الأقوال فيه ثلاثة: سنة، وواجب، وفرض، فمن قال: إنه سنة لم يوجب الاعتدال لأنه فرع عنه
(1)
(1)
. قال المازري في شرح التلقين (1/ 526): «قدمنا اختلاف المذهب في إيجاب الرفع من الركوع، فإن لم نقل بإيجابه، وهو مذهب أبي حنيفة لم نوجب الاعتدال الذي هو فرع عنه، وإن قلنا بإيجابه، وهو مذهب الشافعي، فهل يجب الاعتدال؟ .. =
ومن قال: إن الرفع فرض، أو واجب، وهو قول الجمهور، فقد اختلفوا في حكم الاعتدال، والخلاف فيه كالتالي:
قيل: سنة، وهو المشهور من مذهب الحنفية، وأحد القولين في مذهب المالكية، رجحه ابن القاسم وابن رشد
(1)
.
قال الزيلعي: «والقومة والجلسة: أي القومة من الركوع، والجلسة بين السجدتين،
= وقال القرافي بعد أن حكى مذهب ابن القاسم في الرفع من الركوع، قال في الذخيرة (2/ 190):«إذا قلنا برواية ابن القاسم، فهل يجب الاعتدال، فروى ابن القاسم: لا يجب، وعند أشهب: يجب؛ لظاهر الحديث، وقال القاضي أبو محمد: يجب ما هو إلى القيام أقرب» .
فحكى الأقوال في مذهب المالكية مفرعة على القول بوجوب الرفع، وهو قول ابن القاسم.
ويطلق الحنفية لفظ (القومة) ويريدون به الاعتدال من الركوع.
ولفظ (القعدة والجلسة): على الاعتدال من السجود. قال في مراقي الفلاح (ص: 94): «القومة والجلسة والرفع من الركوع» . فجعل القومة غير الرفع من الركوع، وانظر: البحر الرائق (1/ 317)، الفتاوى الهندية (1/ 72، 107).
(1)
. قال ابن عابدين في حاشيته (1/ 464): «وأما القومة والجلسة وتعديلهما فالمشهور في المذهب السنية، وروي وجوبهم» . اهـ وقوله: (وتعديلهما) أي تسكين الجوارح فيهما، حتى تطمئن مفاصله. انظر التعريفات الفقهية لمحمد عميم (ص: 58).
وانظر: المبسوط (1/ 189)، فتح القدير (1/ 301، 302)، الهداية في شرح البداية (1/ 51)، تبيين الحقائق (1/ 107).
قال ابن القاسم كما في البيان والتحصيل (2/ 53، 54): من ركع فرفع رأسه من الركوع فلم يعتدل حتى خر ساجدًا، فليستغفر الله ولا يعد .... قال محمد بن رشد: قوله
…
يدل على أن الاعتدال في الرفع منها، عنده من سنن الصلاة، لا من فرائضها، ولا من فضائلها؛ إذ لو كان عنده من فرائضها لما أجزأه الاستغفار، ولو كان من فضائلها، لما لزمه الاستغفار، ويجب على هذا القول إن لم يعتدل قائمًا في الرفع من الركوع، وجالسًا في الرفع من السجود ساهيًا، أن يسجد لسهوه، وروى ابن القاسم عن مالك في المبسوطة، أنه لا سجود عليه، ولا إعادة. اهـ
وحكى عياض كما في التاج والإكليل (2/ 221): قولين في الاعتدال من الركوع، وفي الاعتدال في الجلوس بين السجدتين، والقول بسنية الاعتدال هو مذهب ابن القاسم، واختيار ابن رشد الجد، فصار في مذهب المالكية قولان في الاعتدال، أحدهما: أنه من السنن.
وانظر: التوضيح لخليل (1/ 328)، القوانين الفقهية (ص: 40)، شرح الخرشي (1/ 274)، التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة والمختلطة (1/ 223)، المقدمات الممهدات (1/ 163).
وهما سنتان عندنا خلافًا لأبي يوسف»
(1)
.
وقال ابن رشد في البيان: «الاعتدال في الفصل بين أركان الصلاة على هذا من سنن الصلاة، لا من فرائضها، ومن أصحابنا المتأخرين من ذهب إلى أن ذلك من فرائضها
…
»
(2)
.
وقيل: ركن، وبه قال أبو يوسف من الحنفية، واختاره أشهب، واللخمي وابن الجلاب وخليل، وابن عبد البر من المالكية، وهو مذهب الشافعية والحنابلة
(3)
.
قال ابن عبد البر: «الاعتدال فرض
…
ولا خلاف في هذا، وإنما اختلفوا في الطمأنينة بعد الاعتدال»
(4)
.
وقال ابن رشد في المقدمات: «وكذلك الاعتدال في الفصل بين أركان الصلاة
(1)
. تبيين الحقائق (1/ 107).
(2)
. البيان والتحصيل (1/ 354).
(3)
. المبسوط (1/ 189)، قال ابن الحاجب في جامع الأمهات (ص: 93): الفرائض: التكبير للإحرام والفاتحة
…
والاعتدال والطمأنينة على الأصح
…
».
وقال خليل في التوضيح (1/ 327): «وأفعال الصلاة كلها فرائض إلا ثلاثة: رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، والجلسة الوسطى، والتيامن عند السلام. زاد في المقدمات: والاعتدال فإنه مختلف فيه» .
وقال في أسهل المدارك (1/ 205): «والصحيح أن الطمأنينة والاعتدال فرضان من فرائض الصلاة، فلا ينبغي أن يختلف في فرضيتهما على المذهب كما اعتمد عليه المحققون الذين اعتنوا بتحرير كل مسألة من مسائل الإسلام» .
وقال الدردير في الشرح الكبير (1/ 241): «فإن تركه -يعني الاعتدال- ولو سهوًا بطلت على الأصح» .
وانظر: التفريع لابن الجلاب (1/ 72)، التبصرة للخمي (1/ 284)، الشامل في فقه مالك (1/ 102)، كفاية الطالب الرباني (1/ 267)، الذخيرة للقرافي (2/ 205)، الفواكه الدواني (1/ 181)، منح الجليل (1/ 251).
الأم للشافعي (1/ 124، 135)، الوسيط (2/ 86)، فتح العزيز (3/ 253)، روضة الطالبين (1/ 223)، مغني المحتاج (1/ 367)، تحفة المحتاج (2/ 61)، نهاية المحتاج (1/ 500)، التعليقة للقاضي حسين (2/ 912)، الهداية على مذهب أحمد (ص: 87)، المغني (2/ 3)، المحرر (1/ 68)، شرح الزركشي (2/ 3)، المبدع (1/ 441)، الإقناع (1/ 133)، شرح منتهى الإرادات (1/ 217).
(4)
. التاج والإكليل (2/ 220)، وانظر: التمهيد (19/ 7)، أسهل المدارك (1/ 207).
الاختلاف فيه في المذهب: ففي مختصر ابن الجلاب أنه فرض، والأكثر أنه غير فرض»
(1)
.
وقيل: إن كان إلى القيام أقرب أجزأه، قاله عبد الوهاب من المالكية، وحكاه ابن القصار أيضًا
(2)
.
وهذا في الحقيقة ليس قولًا مستقلًّا، وإنما يبين متى يتحقق الاعتدال من الركوع، فإذا رفع حتى كان إلى القيام أقرب، حكم له بحكم القيام لمقاربته إياه، وإن كان إلى الركوع أقرب كان في حكم الراكع الذي لم يرفع، ولم يوجد منه فصل بين الركوع والسجود، بناء على قاعدة: ما قارب الشيء يعطى حكمه.
وقيل: الاعتدال واجب، وعليه المتأخرون من الحنفية، فإن تركه سهوًا صحت صلاته، وجبره بسجود السهو
(3)
.
قال ابن الهمام في فتح القدير: «إن مقتضى الدليل في كل من الطمأنينة، والقومة، والجلسة الوجوب»
(4)
.
(5)
.
وجاء في البحر الرائق نقلًا من فتاوى قاضي خان: «المصلي إذا ركع، ولم يرفع رأسه من الركوع حتى خَرَّ ساجدًا ساهيًا تجوز صلاته في قول أبي حنيفة ومحمد، وعليه السهو»
(6)
.
فَتَرتُّبُ السهو على تركه ساهيًا دليل على الوجوب؛ لأن الموجب لسجود السهو
(1)
. المقدمات الممهدات (1/ 163).
(2)
. قال في التلقين (1/ 43): «والاعتدال في القيام للفصل بينهما مختلف فيه، والأولى أن يجب منه ما كان إلى القيام أقرب، وكذلك في الجلسة بين السجدتين» .
وانظر: التوضيح لخليل (1/ 357)، شرح التلقين (1/ 526)،.
(3)
. البحر الرائق (1/ 317)، مراقي الفلاح (ص: 94)، فتح القدير (1/ 302).
(4)
. فتح القدير (1/ 302).
(5)
. حاشية ابن عابدين (1/ 464).
(6)
. البحر الرائق (1/ 317).
عند الحنفية ترك الواجب سهوًا لا ترك المسنون
(1)
.
فتبين من عرض الأقوال، أن الأقوال ثلاثة، قيل: سنة، وقيل: فرض (ركن)، وقيل: واجب.
إذا علمت الأقوال فلننتقل إلى معرض الأدلة، ومناقشتها أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.
• دليل من قال: الاعتدال سنة:
الدليل الأول:
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77].
وجه الاستدلال:
أن الله أمر بالركوع والسجود مطلقًا، والركوع هو الانحناء، والسجود هو الانخفاض، وهذا هو الركن، ولم يأمر الله بالآية بالاعتدال منهما، فدل ذلك على أنه ليس بفرض، فالركن هو الركوع والسجود، فأما رفع الرأس حتى يعتدل قائمًا فليس بفرض، إلا أنه في السجود لابد من رفع الرأس؛ لأنه لا يمكن الانتقال من سجدة إلى سجدة أخرى دون رفع الرأس، والواجب من الرفع القدر الذي يتحقق به الفصل بين السجدتين، فلا يشترط الاعتدال جالسًا من السجود.
ولو ركع المصلي، ولم يرفع رأسه من الركوع حتى خر ساجدًا ساهيًا تجوز صلاته في قول أبي حنيفة ومحمد، وعليه السهو.
فتبين أن الحنفية لا يرون ركنية الاعتدال من الركوع، والسجود
(2)
.
(1)
. انظر: منحة الخالق على البحر الرائق (2/ 102).
(2)
. جاء في فتاوي قاضي خان فيما يوجب السهو نقلًا من البحر الرائق (1/ 317): «المصلي إذا ركع ولم يرفع رأسه من الركوع حتى خر ساجدًا ساهيًا تجوز صلاته في قول أبي حنيفة ومحمد وعليه السهو. انتهى. وفي المحيط لو ترك تعديل الأركان أو القومة التي بين الركوع والسجود ساهيًا لزمه سجود السهو انتهى. فيكون حكم الجلسة بين السجدتين كذلك؛ لأن الكلام فيهما واحد» .
ويقصد بقوله: (تعديل الأركان) أو تعديل الانتقال، أي الاعتدال قائمًا من الركوع، والاعتدال جالسًا من السجود، فتركهما لا يبطل الصلاة عند الحنفية. وانظر: بدائع الصنائع (1/ 209)، المحيط البرهاني (1/ 338)، تبيين الحقائق (1/ 107).
• ونوقش من وجوه:
الوجه الأول:
أن الآية ذكرت الركوع والسجود، وأرادت حقيقة الصلاة، لا مسمى الركوع والسجود، وإطلاق الجزء على الكل إذا كان الجزء ركنًا أساسيًّا في الكل معروفًا في لغة العرب، كإطلاق الرقبة على العبد في قوله تعالى:{فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المجادلة: 3]، ولا يقال: المقصود بالرقبة العضو الخاص، بل قصد العبد كله، وكإطلاق السجود على الركعة، في قوله صلى الله عليه وسلم:(من أدرك سجدة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)، ولم يقصد بالحديث إدراك السجود، ومنه إطلاق القراءة على الصلاة في قوله تعالى:{وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} [الإسراء: 78]، فالمقصود بالقراءة صلاة الفجر، لا القراءة نفسها، ومنه إطلاق التسبيح على الصلاة، فلا يراد به لفظ (سبحان الله)، فأطلق الركوع والسجود، وأراد به كامل الصلاة، والله أعلم.
الوجه الثاني:
لو حملنا الآية على الركوع والسجود الخاص فإن الآية أفادت ركنية الركوع والسجود، ولكنها لا تنفي ركنية غيرهما بدليل آخر، فالقيام والقراءة من جملة الأركان المتفق عليها، فكذلك الاعتدال، وقد دلت السنة على ركنية الاعتدال.
(ح-1749) لما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،
عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرد النبي صلى الله عليه وسلم عليه السلام، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ، ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن
جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها
(1)
.
فلما انتفت الصلاة بانتفاء الاعتدال بقوله: (فإنك لم تُصَلِّ) دل ذلك على ركنية الاعتدال في الصلاة.
• واعترض الحنفية على الاستدلال بالحديث:
بأن الركنية لا تثبت إلا بدليل قطعي الثبوت، وحديث أبي هريرة ظني الثبوت، فلا يفيد الركنية.
• ورد هذا من وجهين:
الوجه الأول:
أن الركنية من دلالات اللفظ، لا من دلالات الثبوت، فتثبت بالدليل الظني كما تثبت بالدليل القطعي. وقد سبق لي مناقشة الحنفية في هذا الأصل عند بحث حكم الطمأنينة في الصلاة، فانظره هناك.
الوجه الثاني:
لو تنزلنا أن الركنية لا تثبت بالدليل الظني، فإنه لا يمنع من إثبات الركنية بالدليل الظني إذا كان ذلك من قبيل بيان المجمل.
فالخلاف بين أبي يوسف وصاحبيه في حقيقة الركوع والسجود في الآية في قوله تعالى: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77].
فأبو حنفية ومحمد بن الحسن يذهبان إلى أن حقيقة الركوع والسجود لغوية، وهي معلومة باللغة، فلا يحتاجان إلى بيان، وعليه فلو قالوا بركنية الاعتدال لزم منه الزيادة على النص بخبر الواحد، وهذا لا يجوز على أصلهم؛ لأنه يؤدي إلى نسخ القطعي بالظني، وقد ناقشته عند الكلام على حكم الطمأنينة، فارجع إليه.
ويرى أبو يوسف أن حقيقة الركوع والسجود شرعية، وهي غير معلومة إلا من قبل الشرع، فيحتاج إلى البيان، وقد خرج حديث المسيء في صلاته مخرج البيان لما هو واجب في الصلاة، لقوله:(ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ) فأبان بذلك
(1)
. صحيح البخاري (793)، وصحيح مسلم (45 - 397).
أن الصفة التي أرادها الله سبحانه بقوله: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77]، أن يكون على هذه الصفة، وعلى هذا يكون خبر الواحد، والمواظبة بيانًا لما أجمل في الآية، وخبر الواحد يجوز أن يأتي مبينًا لما أجمل في الدليل القطعي، وعليه يكون الاعتدال من الركوع والسجود من جملة فرائض الصلاة حتى على أصول الحنفية.
الدليل الثاني للحنفية:
الاعتدال ليس مقصودًا لذاته، وإنما هو وسيلة للفصل بين الأركان، فلا يكون ركنًا.
• ورد هذا من وجهين:
الوجه الأول:
بأن هذا نظر في مقابل النص فيكون نظرًا فاسدًا، ولا تعارض النصوص الشرعية بالنظر، فالعقل مجاله في فهم النص والقياس عليه، فإذا ورد النص الشرعي وكانت دلالته نصية فلا يمكن معارضته بالدليل النظري.
الوجه الثاني:
كون الاعتدال مقصودًا في نفسه أو غير مقصود لا ينافي الركنية، فالركنية تستفاد من انتفاء الصلاة بانتفاء الفعل، وهذا متحقق في ترك الاعتدال، حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم:(ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ)، وحين طلب منه التعليم فيما أساء فيه، قال له:(ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا)، هذا في الاعتدال من الركوع، وقال في الاعتدال من السجود:(ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا).
فإذا أمر الشارع بشيء، وحكم على الصلاة بالعدم عند الإخلال به كان ذلك الشيء ركنًا بصرف النظر، أكان الاعتدال مقصودًا في نفسه أم غير مقصود.
الوجه الثالث:
لو كان الاعتدال غير مقصود، لاكتفى الشارع من الرفع بمقدار يسير، لا ينتهي حتى يعتدل قائمًا ويطمئن جالسًا، فلما أمر بالرفع من الركوع حتى يعتدل قائمًا، وبالرفع من السجود حتى يطمئن جالسًا، دل ذلك على أن الاعتدال مقصود في نفسه، فالقيام كله مقصود، سواء أكان قبل الركوع أم بعده، وكذا الجلوس كله مقصود، سواء أكان بين السجدتين، أم كان للتشهد، فمن فَرَّقَ بين قيام وقيام
وقعود وآخر فعليه الدليل.
• دليل من قال: الاعتدال واجب:
الركن لا يثبت إلا بدليل قطعي الثبوت، ولهذا قلنا بركنية الركوع والسجود للأمر بهما في الآية الكريمة.
وأما الأمر بالاعتدال فلم يثبت إلا في حديث أبي هريرة في قصة المسيء في صلاته، حيث أمره بالاعتدال في الركوع، فقال:(ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا) وقال في السجود: (ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا).
وقد واظب النبي صلى الله عليه وسلم على الاعتدال فيهما، ولم يخل به ولا مرة واحدة، فدل ذلك على وجوبهما، ولم نقل بركنيتهما؛ لأن الحديث ظني الثبوت، والفرضية لا تثبت إلا بدليل قطعي الثبوت، من آية كريمة، أو حديث متواتر، أو إجماع، وهذا ما لم يوجد هنا، فلو قلنا بركنية الاعتدال لكان ذلك نسخًا لإطلاق الآية فإن إطلاقها يفيد صحة الصلاة بمطلق الركوع والسجود، ولو لم يعتدل منهما، فأفاد الحديث أن الصلاة لا تصح بالركوع والسجود حتى يعتدل منهما، وهذا تغيير لحكم الآية، وتغيير حكم الآية نسخ لها، وهو ما يسميه الحنفية في الأصول: الزيادة على النص نسخ، وهذا لا يجوز بخبر الآحاد؛ لأن القطعي لا ينسخه إلا قطعي مثله.
• وأجيب:
سبق لي مناقشة هذا الدليل عند الكلام على حكم الطمأنينة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، فلله الحمد.
• دليل من قال: الاعتدال فرض:
(ح-1750) ما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،
عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرد النبي صلى الله عليه وسلم عليه السلام، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ، ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى
الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها
(1)
.
• الاستدلال به من أكثر من وجه:
الوجه الأول:
أمره بإعادة الصلاة، والإعادة لا تجب إلا لفساد الصلاة.
الوجه الثاني: نفى عنه الصلاة الشرعية، لانعدام الاعتدال في الركوع، والسجود، والصلاة لا تنتفي إلا بخلل في أركانها.
• واعْتُرِضَ:
بأن الأمر بإعادة الصلاة ليس دليلًا على الخلل في الأركان، وإنما هو لجبر النقص الحاصل بترك الواجب، وترك الواجب لا يبطل الصلاة، ويجبر بالسجود إن كان ساهيًا.
(ح-1751) ويدل على ذلك ما رواه النسائي من طريق ابن عجلان، عن علي بن يحيى الزرقي، عن أبيه،
عن عمه وكان بدريًّا في قصة الرجل المسيء في صلاته، وفيه: .... قال: إذا أردت الصلاة فتوضأ، فأحسن الوضوء، ثم قم فاستقبل القبلة، ثم كبر، ثم اقرأ، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع رأسك حتى تطمئن قاعدًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، فإذا صنعت ذلك فقد قضيت صلاتك، وما انتقصت من ذلك فإنما انتقصته من صلاتك
(2)
.
(ح-1752) وروى أبو داود في السنن من طريق أنس بن عياض، عن عبيد الله ابن عمر، عن سعيد المقبري،
عن أبي هريرة في قصة الرجل المسيء صلاته، وقال في آخره: فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك، وما انتقصت من هذا شيئًا فإنما انتقصته من صلاتك
…
(3)
.
(1)
. صحيح البخاري (793)، وصحيح مسلم (45 - 397).
(2)
. سنن النسائي (644).
(3)
. سنن أبي داود (856).
وجه الاستدلال من الحديث من وجهين:
الوجه الأول:
قوله: (وما انتقصت من ذلك فإنما انتقصته من صلاتك) فلو كان ترك الاعتدال مفسدًا لما سماها صلاة، فإن الباطلة لا تسمى صلاة.
الوجه الثاني:
لأن النبي صلى الله عليه وسلم تركه يتم صلاته، ولو كان ترك الاعتدال مفسدًا لفسدت الصلاة من أول ركعة، ولما أقره النبي صلى الله عليه وسلم على الاستمرار فيها بعد فسادها.
• ورد هذا الجواب من ثلاثة أوجه:
الجواب الأول:
أن النبي صلى الله عليه وسلم لو أمره بالإعادة فحسب لربما احتمل هذا الجواب، وإنما أمره بالإعادة، معللًا ذلك بقوله:(فإنك لم تُصَلِّ)، ومن صحت صلاته لا يقال له: إنك لم تُصَلِّ، فهذا دليل على نفي الصلاة الشرعية في حقه.
الجواب الثاني:
ترديده في الصلاة مع فسادها أبلغ في التعليم، حتى إذا اشتدت حاجته لمعرفة الصواب، قال: علمني، فعلمه النبي صلى الله عليه وسلم، فلا ينسى ذلك.
الجواب الثالث:
أن حديث: (وما انتقصت من ذلك فإنما انتقصته من صلاتك)، لا يصح
(1)
.
الراجح:
أن الاعتدال من الركوع ومن السجود من أركان الصلاة، والله أعلم.
* * *
(1)
. سبق تخريجه، انظر (ص: 129) من هذا المجلد.