المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الأول في حكم الاعتدال من الركوع والسجود - الجامع في أحكام صفة الصلاة - الدبيان - جـ ٤

[دبيان الدبيان]

فهرس الكتاب

- ‌المبحث السادس أقل الكمال في التسبيح

- ‌المبحث السابع كراهة قراءة القرآن في الركوع والسجود

- ‌المبحث الثامن حكم الدعاء في الركوع والسجود

- ‌الباب الثامن في أحكام الرفع من الركوع

- ‌الفصل الأول حكم الرفع من الركوع والسجود

- ‌الفصل الثاني في مشروعية التسميع والتحميد

- ‌المبحث الأول في وقت ابتداء التسميع والتحميد

- ‌المبحث الثاني في مشروعية التسميع للإمام

- ‌المبحث الثالث حكم التحميد للإمام

- ‌المبحث الرابع حكم التسميع والتحميد للمأموم

- ‌المبحث الخامس حكم التسميع والتحميد للمنفرد

- ‌الفصل الثالث في رفع اليدين للرفع من الركوع

- ‌المبحث الأول في مشروعية الرفع

- ‌المبحث الثاني في صفة رفع اليدين

- ‌المبحث الثالث في منتهى رفع اليدين

- ‌الباب التاسع أحكام الاعتدال في الصلاة

- ‌الفصل الأول في حكم الاعتدال من الركوع والسجود

- ‌الفصل الثاني في حكم الزياده على التسميع والتحميد

- ‌الفصل الثالث في قبض اليسرى باليمنى بعد الرفع من الركوع

- ‌الفصل الرابع في صيغ التحميد المشروعه

- ‌الفصل الخامس في تطويل مقدار الاعتدال من الركوع

- ‌الباب العشر في أحكام السجود

- ‌تمهيد

- ‌المبحث الأول في تعريف السجود

- ‌المبحث الثاني في مقام السجود من العبادة

- ‌الفرع الأول في فضل السجود

- ‌الفرع الثاني في تفضيل كثرة السجود على طول القيام

- ‌الفصل الأول في حكم السجود

- ‌الفصل الثاني في صفة السجود

- ‌المبحث الأول في صفة التجزئة

- ‌الفرع الأول في وجوب الطمأنينة في السجود

- ‌الفرع الثاني في الأعضاء التي يجب السجود عليها

- ‌المسألة الأولى في حكم السجود على الجبهة

- ‌المسألة الثانية حكم السجود على الأنف

- ‌المسألة الثالثة حكم السجود على الكفين والركبتين والقدمين

- ‌المسألة الرابعة في حكم رفع الذراعين عن الأرض في السجود

- ‌المبحث الثاني في صفة السجود الكاملة

- ‌الفرع الأول في السنن القولية

- ‌المسألة الأولى في مشروعية التكبير للسجود

- ‌المسألة الثانية في صفة التكبير للسجود

- ‌المسألة الثالثة في حكم التسبيح في السجود

- ‌مطلبفي بعض أذكار السجود الواردة في الصلاة

- ‌الفرع الثاني في سنن السجود الفعلية

- ‌المسألة الأولى في صفة الهوي للسجود

- ‌المسألة الثانية في رفع الأيدي إذا كبر للسجود أو رفع منه

- ‌المسألة الثالثة السنة في موضع الكفين حال السجود

- ‌المسألة الرابعة في استحباب ضم أصابع يديه في السجود وتوجهها إلى القبلة

- ‌المسألة الخامسة في الهيئة المستحبة في سجود القدمين

- ‌المسألة السادسة في استحباب المجافاة في السجود

- ‌المطلب الأول في استحباب مجافاة العضدين عن الجنبين

- ‌المطلب الثاني في استحباب مجافاة الفخذين عن البطن

- ‌المطلب الثالث في مجافاة المرأة

- ‌المطلب الرابع في المجافاة بين الفخذين وكذا الركبتين

- ‌المطلب الخامس في المجافاة بين القدمين

- ‌الفصل الثالث في تعذر السجود على أحد الأعضاء السبعة

- ‌المبحث الأول إذا قدر على السجود بالوجه وعجز عن الباقي

- ‌المبحث الثاني إذا تعذر السجود بالجبهة وقدر على الباقي

- ‌المبحث الثالث إذا تعذر السجود بالجبهة والأنف وقدر على الباقي

- ‌الفصل الرابع في السجود على الحائل

- ‌المبحث الأول في السجود على حائل منفصل عن المصلى

- ‌المبحث الثاني في السجود على حائل متصل بالمصلي

- ‌الفرع الأول في السجود على عضو من أعضاء المصلي

- ‌الفرع الثاني في السجود على حائل متصل ليس من أعضاء المصلي

- ‌المسألة الأولى في مباشرة الأرض بالقدمين والركبتين في السجود

- ‌المسألة الثانية في مباشرة الأرض باليدين حال السجود

- ‌المسألة الثالثة في مباشرة الأرض بالجبهة حال السجود

- ‌الباب الحادي عشر في الرفع من السجود

- ‌الفصل الأول في مشروعية التكبير للرفع من السجود

- ‌الفصل الثاني في وقت ابتداء التكبير للرفع من السجود

- ‌الفصل الثالث في رفع اليدين مع الرفع من السجود

- ‌الفصل الرابع في حكم الرفع من السجود

- ‌الباب الثاني عشر في الاعتدال من السجود

- ‌الفصل الأول في ركنية الجلوس بين السجدتين

- ‌الفصل الثاني في صفة الجلوس في الصلاة

- ‌الفصل الثالث في النهي عن الإقعاء في الصلاة

- ‌الفصل الرابع في مشروعية الذكر بين السجدتين وفي حكمه وصيغته

- ‌الفصل الخامس صفة وضع اليدين إذا جلس بين السجدتين

- ‌الفصل السادس في وجوب السجده الثانية في الصلاة

- ‌الباب الثالث عشر في النهوض للركعة الثانية

- ‌الفصل الأول في مشروعية جلسة الاستراحة قبل القيام

- ‌الفصل الثاني في صفة النهوض إلى الركعة الثانية

- ‌الباب الرابع عشر في الفروق بين الركعة الأولى وسائر الركعات

- ‌الفصل الأول في تكبيرة الإحرام

- ‌الفصل الثاني لا يشرع الاستفتاح في الركعة الثانية

- ‌الفصل الثالث لا يستعيذ في الركعة الثانية إذا استعاذ في الركعة الأولى

- ‌الفصل الرابع لا يجدد النية للركعة الثانية

- ‌الفصل الخامس في أطالة الركعة الأولى على سائر الركعات

- ‌الباب الخامس عشر في الأحكام الخاصة بالتشهد

- ‌الفصل الأول في حكم التشهد الأول والجلوس له

- ‌الفصل الثاني حكم التشهد الأخير

- ‌الفصل الثالث في ألفاظ التشهد

- ‌الفصل الرابع في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد

- ‌المبحث الأول في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول

- ‌المبحث الثاني في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الثاني

- ‌الفصل الخامس في صفة الكفين في التشهد

- ‌الفصل السادس في تحريك السبابة بالتشهد

- ‌الفصل السابع الدعاء في التشهد

- ‌المبحث الأول في التعوذ بالله من أربع

- ‌المبحث الثاني في صفة الدعاء في الصلاة

- ‌الباب السادس عشر التسليم في الصلاة

- ‌الفصل الأول حكم التسليم

- ‌الفصل الثاني في حكم زيادة (ورحمة الله) في التسليم

الفصل: ‌الفصل الأول في حكم الاعتدال من الركوع والسجود

‌الباب التاسع أحكام الاعتدال في الصلاة

‌الفصل الأول في حكم الاعتدال من الركوع والسجود

المدخل إلى المسألة:

• كون الاعتدال مقصودًا في نفسه أو غير مقصود لا ينافي الركنية.

• القيام كله مقصود، سواء أكان قبل الركوع أم بعده، وكذا الجلوس كله مقصود، سواء أكان بين السجدتين، أم كان للتشهد، فمن فرق بين قيام وقيام وقعود وآخر فعليه الدليل.

• الركنية من دلالات اللفظ، لا من دلالات الثبوت، فتثبت بالدليل الظني كما تثبت بالدليل القطعي.

• كل فعل إذا ترك سهوًا أو عمدًا على الصحيح انتفت الصلاة بتركه، ولم يجبره سجود السهو فإن ذلك دليل على ركنيته، وهذا متحقق في ترك الاعتدال، حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم:(ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ).

• حديث المسيء في صلاته خرج مخرج البيان لما هو واجب في الصلاة، لقوله:(ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ).

[م-646] سبق لنا الخلاف في الرفع من الركوع، وأن الأقوال فيه ثلاثة: سنة، وواجب، وفرض، فمن قال: إنه سنة لم يوجب الاعتدال لأنه فرع عنه

(1)

(1)

. قال المازري في شرح التلقين (1/ 526): «قدمنا اختلاف المذهب في إيجاب الرفع من الركوع، فإن لم نقل بإيجابه، وهو مذهب أبي حنيفة لم نوجب الاعتدال الذي هو فرع عنه، وإن قلنا بإيجابه، وهو مذهب الشافعي، فهل يجب الاعتدال؟ .. =

ص: 112

ومن قال: إن الرفع فرض، أو واجب، وهو قول الجمهور، فقد اختلفوا في حكم الاعتدال، والخلاف فيه كالتالي:

قيل: سنة، وهو المشهور من مذهب الحنفية، وأحد القولين في مذهب المالكية، رجحه ابن القاسم وابن رشد

(1)

.

قال الزيلعي: «والقومة والجلسة: أي القومة من الركوع، والجلسة بين السجدتين،

= وقال القرافي بعد أن حكى مذهب ابن القاسم في الرفع من الركوع، قال في الذخيرة (2/ 190):«إذا قلنا برواية ابن القاسم، فهل يجب الاعتدال، فروى ابن القاسم: لا يجب، وعند أشهب: يجب؛ لظاهر الحديث، وقال القاضي أبو محمد: يجب ما هو إلى القيام أقرب» .

فحكى الأقوال في مذهب المالكية مفرعة على القول بوجوب الرفع، وهو قول ابن القاسم.

ويطلق الحنفية لفظ (القومة) ويريدون به الاعتدال من الركوع.

ولفظ (القعدة والجلسة): على الاعتدال من السجود. قال في مراقي الفلاح (ص: 94): «القومة والجلسة والرفع من الركوع» . فجعل القومة غير الرفع من الركوع، وانظر: البحر الرائق (1/ 317)، الفتاوى الهندية (1/ 72، 107).

(1)

. قال ابن عابدين في حاشيته (1/ 464): «وأما القومة والجلسة وتعديلهما فالمشهور في المذهب السنية، وروي وجوبهم» . اهـ وقوله: (وتعديلهما) أي تسكين الجوارح فيهما، حتى تطمئن مفاصله. انظر التعريفات الفقهية لمحمد عميم (ص: 58).

وانظر: المبسوط (1/ 189)، فتح القدير (1/ 301، 302)، الهداية في شرح البداية (1/ 51)، تبيين الحقائق (1/ 107).

قال ابن القاسم كما في البيان والتحصيل (2/ 53، 54): من ركع فرفع رأسه من الركوع فلم يعتدل حتى خر ساجدًا، فليستغفر الله ولا يعد .... قال محمد بن رشد: قوله

يدل على أن الاعتدال في الرفع منها، عنده من سنن الصلاة، لا من فرائضها، ولا من فضائلها؛ إذ لو كان عنده من فرائضها لما أجزأه الاستغفار، ولو كان من فضائلها، لما لزمه الاستغفار، ويجب على هذا القول إن لم يعتدل قائمًا في الرفع من الركوع، وجالسًا في الرفع من السجود ساهيًا، أن يسجد لسهوه، وروى ابن القاسم عن مالك في المبسوطة، أنه لا سجود عليه، ولا إعادة. اهـ

وحكى عياض كما في التاج والإكليل (2/ 221): قولين في الاعتدال من الركوع، وفي الاعتدال في الجلوس بين السجدتين، والقول بسنية الاعتدال هو مذهب ابن القاسم، واختيار ابن رشد الجد، فصار في مذهب المالكية قولان في الاعتدال، أحدهما: أنه من السنن.

وانظر: التوضيح لخليل (1/ 328)، القوانين الفقهية (ص: 40)، شرح الخرشي (1/ 274)، التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة والمختلطة (1/ 223)، المقدمات الممهدات (1/ 163).

ص: 113

وهما سنتان عندنا خلافًا لأبي يوسف»

(1)

.

وقال ابن رشد في البيان: «الاعتدال في الفصل بين أركان الصلاة على هذا من سنن الصلاة، لا من فرائضها، ومن أصحابنا المتأخرين من ذهب إلى أن ذلك من فرائضها

»

(2)

.

وقيل: ركن، وبه قال أبو يوسف من الحنفية، واختاره أشهب، واللخمي وابن الجلاب وخليل، وابن عبد البر من المالكية، وهو مذهب الشافعية والحنابلة

(3)

.

قال ابن عبد البر: «الاعتدال فرض

ولا خلاف في هذا، وإنما اختلفوا في الطمأنينة بعد الاعتدال»

(4)

.

وقال ابن رشد في المقدمات: «وكذلك الاعتدال في الفصل بين أركان الصلاة

(1)

. تبيين الحقائق (1/ 107).

(2)

. البيان والتحصيل (1/ 354).

(3)

. المبسوط (1/ 189)، قال ابن الحاجب في جامع الأمهات (ص: 93): الفرائض: التكبير للإحرام والفاتحة

والاعتدال والطمأنينة على الأصح

».

وقال خليل في التوضيح (1/ 327): «وأفعال الصلاة كلها فرائض إلا ثلاثة: رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، والجلسة الوسطى، والتيامن عند السلام. زاد في المقدمات: والاعتدال فإنه مختلف فيه» .

وقال في أسهل المدارك (1/ 205): «والصحيح أن الطمأنينة والاعتدال فرضان من فرائض الصلاة، فلا ينبغي أن يختلف في فرضيتهما على المذهب كما اعتمد عليه المحققون الذين اعتنوا بتحرير كل مسألة من مسائل الإسلام» .

وقال الدردير في الشرح الكبير (1/ 241): «فإن تركه -يعني الاعتدال- ولو سهوًا بطلت على الأصح» .

وانظر: التفريع لابن الجلاب (1/ 72)، التبصرة للخمي (1/ 284)، الشامل في فقه مالك (1/ 102)، كفاية الطالب الرباني (1/ 267)، الذخيرة للقرافي (2/ 205)، الفواكه الدواني (1/ 181)، منح الجليل (1/ 251).

الأم للشافعي (1/ 124، 135)، الوسيط (2/ 86)، فتح العزيز (3/ 253)، روضة الطالبين (1/ 223)، مغني المحتاج (1/ 367)، تحفة المحتاج (2/ 61)، نهاية المحتاج (1/ 500)، التعليقة للقاضي حسين (2/ 912)، الهداية على مذهب أحمد (ص: 87)، المغني (2/ 3)، المحرر (1/ 68)، شرح الزركشي (2/ 3)، المبدع (1/ 441)، الإقناع (1/ 133)، شرح منتهى الإرادات (1/ 217).

(4)

. التاج والإكليل (2/ 220)، وانظر: التمهيد (19/ 7)، أسهل المدارك (1/ 207).

ص: 114

الاختلاف فيه في المذهب: ففي مختصر ابن الجلاب أنه فرض، والأكثر أنه غير فرض»

(1)

.

وقيل: إن كان إلى القيام أقرب أجزأه، قاله عبد الوهاب من المالكية، وحكاه ابن القصار أيضًا

(2)

.

وهذا في الحقيقة ليس قولًا مستقلًّا، وإنما يبين متى يتحقق الاعتدال من الركوع، فإذا رفع حتى كان إلى القيام أقرب، حكم له بحكم القيام لمقاربته إياه، وإن كان إلى الركوع أقرب كان في حكم الراكع الذي لم يرفع، ولم يوجد منه فصل بين الركوع والسجود، بناء على قاعدة: ما قارب الشيء يعطى حكمه.

وقيل: الاعتدال واجب، وعليه المتأخرون من الحنفية، فإن تركه سهوًا صحت صلاته، وجبره بسجود السهو

(3)

.

قال ابن الهمام في فتح القدير: «إن مقتضى الدليل في كل من الطمأنينة، والقومة، والجلسة الوجوب»

(4)

.

وقال ابن عابدين: «وأما القومة والجلسة وتعديلهما فالمشهور من المذهب السنية، وروي وجوبها، وهو الموافق للأدلة، وعليه الكمال (يعني ابن الهمام) وَمَنْ بَعْدَهُ من المتأخرين، وقد علمت قول تلميذه: إنه الصواب»

(5)

.

وجاء في البحر الرائق نقلًا من فتاوى قاضي خان: «المصلي إذا ركع، ولم يرفع رأسه من الركوع حتى خَرَّ ساجدًا ساهيًا تجوز صلاته في قول أبي حنيفة ومحمد، وعليه السهو»

(6)

.

فَتَرتُّبُ السهو على تركه ساهيًا دليل على الوجوب؛ لأن الموجب لسجود السهو

(1)

. المقدمات الممهدات (1/ 163).

(2)

. قال في التلقين (1/ 43): «والاعتدال في القيام للفصل بينهما مختلف فيه، والأولى أن يجب منه ما كان إلى القيام أقرب، وكذلك في الجلسة بين السجدتين» .

وانظر: التوضيح لخليل (1/ 357)، شرح التلقين (1/ 526)،.

(3)

. البحر الرائق (1/ 317)، مراقي الفلاح (ص: 94)، فتح القدير (1/ 302).

(4)

. فتح القدير (1/ 302).

(5)

. حاشية ابن عابدين (1/ 464).

(6)

. البحر الرائق (1/ 317).

ص: 115

عند الحنفية ترك الواجب سهوًا لا ترك المسنون

(1)

.

فتبين من عرض الأقوال، أن الأقوال ثلاثة، قيل: سنة، وقيل: فرض (ركن)، وقيل: واجب.

إذا علمت الأقوال فلننتقل إلى معرض الأدلة، ومناقشتها أسأل الله وحده عونه وتوفيقه.

• دليل من قال: الاعتدال سنة:

الدليل الأول:

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77].

وجه الاستدلال:

أن الله أمر بالركوع والسجود مطلقًا، والركوع هو الانحناء، والسجود هو الانخفاض، وهذا هو الركن، ولم يأمر الله بالآية بالاعتدال منهما، فدل ذلك على أنه ليس بفرض، فالركن هو الركوع والسجود، فأما رفع الرأس حتى يعتدل قائمًا فليس بفرض، إلا أنه في السجود لابد من رفع الرأس؛ لأنه لا يمكن الانتقال من سجدة إلى سجدة أخرى دون رفع الرأس، والواجب من الرفع القدر الذي يتحقق به الفصل بين السجدتين، فلا يشترط الاعتدال جالسًا من السجود.

ولو ركع المصلي، ولم يرفع رأسه من الركوع حتى خر ساجدًا ساهيًا تجوز صلاته في قول أبي حنيفة ومحمد، وعليه السهو.

فتبين أن الحنفية لا يرون ركنية الاعتدال من الركوع، والسجود

(2)

.

(1)

. انظر: منحة الخالق على البحر الرائق (2/ 102).

(2)

. جاء في فتاوي قاضي خان فيما يوجب السهو نقلًا من البحر الرائق (1/ 317): «المصلي إذا ركع ولم يرفع رأسه من الركوع حتى خر ساجدًا ساهيًا تجوز صلاته في قول أبي حنيفة ومحمد وعليه السهو. انتهى. وفي المحيط لو ترك تعديل الأركان أو القومة التي بين الركوع والسجود ساهيًا لزمه سجود السهو انتهى. فيكون حكم الجلسة بين السجدتين كذلك؛ لأن الكلام فيهما واحد» .

ويقصد بقوله: (تعديل الأركان) أو تعديل الانتقال، أي الاعتدال قائمًا من الركوع، والاعتدال جالسًا من السجود، فتركهما لا يبطل الصلاة عند الحنفية. وانظر: بدائع الصنائع (1/ 209)، المحيط البرهاني (1/ 338)، تبيين الحقائق (1/ 107).

ص: 116

• ونوقش من وجوه:

الوجه الأول:

أن الآية ذكرت الركوع والسجود، وأرادت حقيقة الصلاة، لا مسمى الركوع والسجود، وإطلاق الجزء على الكل إذا كان الجزء ركنًا أساسيًّا في الكل معروفًا في لغة العرب، كإطلاق الرقبة على العبد في قوله تعالى:{فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المجادلة: 3]، ولا يقال: المقصود بالرقبة العضو الخاص، بل قصد العبد كله، وكإطلاق السجود على الركعة، في قوله صلى الله عليه وسلم:(من أدرك سجدة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)، ولم يقصد بالحديث إدراك السجود، ومنه إطلاق القراءة على الصلاة في قوله تعالى:{وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} [الإسراء: 78]، فالمقصود بالقراءة صلاة الفجر، لا القراءة نفسها، ومنه إطلاق التسبيح على الصلاة، فلا يراد به لفظ (سبحان الله)، فأطلق الركوع والسجود، وأراد به كامل الصلاة، والله أعلم.

الوجه الثاني:

لو حملنا الآية على الركوع والسجود الخاص فإن الآية أفادت ركنية الركوع والسجود، ولكنها لا تنفي ركنية غيرهما بدليل آخر، فالقيام والقراءة من جملة الأركان المتفق عليها، فكذلك الاعتدال، وقد دلت السنة على ركنية الاعتدال.

(ح-1749) لما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،

عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرد النبي صلى الله عليه وسلم عليه السلام، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ، ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن

ص: 117

جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها

(1)

.

فلما انتفت الصلاة بانتفاء الاعتدال بقوله: (فإنك لم تُصَلِّ) دل ذلك على ركنية الاعتدال في الصلاة.

• واعترض الحنفية على الاستدلال بالحديث:

بأن الركنية لا تثبت إلا بدليل قطعي الثبوت، وحديث أبي هريرة ظني الثبوت، فلا يفيد الركنية.

• ورد هذا من وجهين:

الوجه الأول:

أن الركنية من دلالات اللفظ، لا من دلالات الثبوت، فتثبت بالدليل الظني كما تثبت بالدليل القطعي. وقد سبق لي مناقشة الحنفية في هذا الأصل عند بحث حكم الطمأنينة في الصلاة، فانظره هناك.

الوجه الثاني:

لو تنزلنا أن الركنية لا تثبت بالدليل الظني، فإنه لا يمنع من إثبات الركنية بالدليل الظني إذا كان ذلك من قبيل بيان المجمل.

فالخلاف بين أبي يوسف وصاحبيه في حقيقة الركوع والسجود في الآية في قوله تعالى: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77].

فأبو حنفية ومحمد بن الحسن يذهبان إلى أن حقيقة الركوع والسجود لغوية، وهي معلومة باللغة، فلا يحتاجان إلى بيان، وعليه فلو قالوا بركنية الاعتدال لزم منه الزيادة على النص بخبر الواحد، وهذا لا يجوز على أصلهم؛ لأنه يؤدي إلى نسخ القطعي بالظني، وقد ناقشته عند الكلام على حكم الطمأنينة، فارجع إليه.

ويرى أبو يوسف أن حقيقة الركوع والسجود شرعية، وهي غير معلومة إلا من قبل الشرع، فيحتاج إلى البيان، وقد خرج حديث المسيء في صلاته مخرج البيان لما هو واجب في الصلاة، لقوله:(ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ) فأبان بذلك

(1)

. صحيح البخاري (793)، وصحيح مسلم (45 - 397).

ص: 118

أن الصفة التي أرادها الله سبحانه بقوله: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77]، أن يكون على هذه الصفة، وعلى هذا يكون خبر الواحد، والمواظبة بيانًا لما أجمل في الآية، وخبر الواحد يجوز أن يأتي مبينًا لما أجمل في الدليل القطعي، وعليه يكون الاعتدال من الركوع والسجود من جملة فرائض الصلاة حتى على أصول الحنفية.

الدليل الثاني للحنفية:

الاعتدال ليس مقصودًا لذاته، وإنما هو وسيلة للفصل بين الأركان، فلا يكون ركنًا.

• ورد هذا من وجهين:

الوجه الأول:

بأن هذا نظر في مقابل النص فيكون نظرًا فاسدًا، ولا تعارض النصوص الشرعية بالنظر، فالعقل مجاله في فهم النص والقياس عليه، فإذا ورد النص الشرعي وكانت دلالته نصية فلا يمكن معارضته بالدليل النظري.

الوجه الثاني:

كون الاعتدال مقصودًا في نفسه أو غير مقصود لا ينافي الركنية، فالركنية تستفاد من انتفاء الصلاة بانتفاء الفعل، وهذا متحقق في ترك الاعتدال، حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم:(ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ)، وحين طلب منه التعليم فيما أساء فيه، قال له:(ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا)، هذا في الاعتدال من الركوع، وقال في الاعتدال من السجود:(ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا).

فإذا أمر الشارع بشيء، وحكم على الصلاة بالعدم عند الإخلال به كان ذلك الشيء ركنًا بصرف النظر، أكان الاعتدال مقصودًا في نفسه أم غير مقصود.

الوجه الثالث:

لو كان الاعتدال غير مقصود، لاكتفى الشارع من الرفع بمقدار يسير، لا ينتهي حتى يعتدل قائمًا ويطمئن جالسًا، فلما أمر بالرفع من الركوع حتى يعتدل قائمًا، وبالرفع من السجود حتى يطمئن جالسًا، دل ذلك على أن الاعتدال مقصود في نفسه، فالقيام كله مقصود، سواء أكان قبل الركوع أم بعده، وكذا الجلوس كله مقصود، سواء أكان بين السجدتين، أم كان للتشهد، فمن فَرَّقَ بين قيام وقيام

ص: 119

وقعود وآخر فعليه الدليل.

• دليل من قال: الاعتدال واجب:

الركن لا يثبت إلا بدليل قطعي الثبوت، ولهذا قلنا بركنية الركوع والسجود للأمر بهما في الآية الكريمة.

وأما الأمر بالاعتدال فلم يثبت إلا في حديث أبي هريرة في قصة المسيء في صلاته، حيث أمره بالاعتدال في الركوع، فقال:(ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا) وقال في السجود: (ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا).

وقد واظب النبي صلى الله عليه وسلم على الاعتدال فيهما، ولم يخل به ولا مرة واحدة، فدل ذلك على وجوبهما، ولم نقل بركنيتهما؛ لأن الحديث ظني الثبوت، والفرضية لا تثبت إلا بدليل قطعي الثبوت، من آية كريمة، أو حديث متواتر، أو إجماع، وهذا ما لم يوجد هنا، فلو قلنا بركنية الاعتدال لكان ذلك نسخًا لإطلاق الآية فإن إطلاقها يفيد صحة الصلاة بمطلق الركوع والسجود، ولو لم يعتدل منهما، فأفاد الحديث أن الصلاة لا تصح بالركوع والسجود حتى يعتدل منهما، وهذا تغيير لحكم الآية، وتغيير حكم الآية نسخ لها، وهو ما يسميه الحنفية في الأصول: الزيادة على النص نسخ، وهذا لا يجوز بخبر الآحاد؛ لأن القطعي لا ينسخه إلا قطعي مثله.

• وأجيب:

سبق لي مناقشة هذا الدليل عند الكلام على حكم الطمأنينة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا، فلله الحمد.

• دليل من قال: الاعتدال فرض:

(ح-1750) ما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،

عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرد النبي صلى الله عليه وسلم عليه السلام، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ، ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى

ص: 120

الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها

(1)

.

• الاستدلال به من أكثر من وجه:

الوجه الأول:

أمره بإعادة الصلاة، والإعادة لا تجب إلا لفساد الصلاة.

الوجه الثاني: نفى عنه الصلاة الشرعية، لانعدام الاعتدال في الركوع، والسجود، والصلاة لا تنتفي إلا بخلل في أركانها.

• واعْتُرِضَ:

بأن الأمر بإعادة الصلاة ليس دليلًا على الخلل في الأركان، وإنما هو لجبر النقص الحاصل بترك الواجب، وترك الواجب لا يبطل الصلاة، ويجبر بالسجود إن كان ساهيًا.

(ح-1751) ويدل على ذلك ما رواه النسائي من طريق ابن عجلان، عن علي بن يحيى الزرقي، عن أبيه،

عن عمه وكان بدريًّا في قصة الرجل المسيء في صلاته، وفيه: .... قال: إذا أردت الصلاة فتوضأ، فأحسن الوضوء، ثم قم فاستقبل القبلة، ثم كبر، ثم اقرأ، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع رأسك حتى تطمئن قاعدًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، فإذا صنعت ذلك فقد قضيت صلاتك، وما انتقصت من ذلك فإنما انتقصته من صلاتك

(2)

.

(ح-1752) وروى أبو داود في السنن من طريق أنس بن عياض، عن عبيد الله ابن عمر، عن سعيد المقبري،

عن أبي هريرة في قصة الرجل المسيء صلاته، وقال في آخره: فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك، وما انتقصت من هذا شيئًا فإنما انتقصته من صلاتك

(3)

.

(1)

. صحيح البخاري (793)، وصحيح مسلم (45 - 397).

(2)

. سنن النسائي (644).

(3)

. سنن أبي داود (856).

ص: 121

وجه الاستدلال من الحديث من وجهين:

الوجه الأول:

قوله: (وما انتقصت من ذلك فإنما انتقصته من صلاتك) فلو كان ترك الاعتدال مفسدًا لما سماها صلاة، فإن الباطلة لا تسمى صلاة.

الوجه الثاني:

لأن النبي صلى الله عليه وسلم تركه يتم صلاته، ولو كان ترك الاعتدال مفسدًا لفسدت الصلاة من أول ركعة، ولما أقره النبي صلى الله عليه وسلم على الاستمرار فيها بعد فسادها.

• ورد هذا الجواب من ثلاثة أوجه:

الجواب الأول:

أن النبي صلى الله عليه وسلم لو أمره بالإعادة فحسب لربما احتمل هذا الجواب، وإنما أمره بالإعادة، معللًا ذلك بقوله:(فإنك لم تُصَلِّ)، ومن صحت صلاته لا يقال له: إنك لم تُصَلِّ، فهذا دليل على نفي الصلاة الشرعية في حقه.

الجواب الثاني:

ترديده في الصلاة مع فسادها أبلغ في التعليم، حتى إذا اشتدت حاجته لمعرفة الصواب، قال: علمني، فعلمه النبي صلى الله عليه وسلم، فلا ينسى ذلك.

الجواب الثالث:

أن حديث: (وما انتقصت من ذلك فإنما انتقصته من صلاتك)، لا يصح

(1)

.

الراجح:

أن الاعتدال من الركوع ومن السجود من أركان الصلاة، والله أعلم.

* * *

(1)

. سبق تخريجه، انظر (ص: 129) من هذا المجلد.

ص: 122