الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثالث في قبض اليسرى باليمنى بعد الرفع من الركوع
المدخل إلى المسألة:
• غياب النصوص الشرعية الكاشفة عن حكم مسألة ما يراد منه شرعًا التوسعة على الخلق، {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} .
• الأصل عدم مشروعية قبض اليدين إلا بدليل.
• الأصل في المصلي فيما لم يرد فيه نص أن يكون على طبيعته، ولا ينتقل عنها إلا بدليل.
• القبض صفة في العبادة، وصفات العبادة توقيفية، ولم يَأْتِ نص خاص في وضع اليد اليمنى على اليسرى إذا رفع رأسه من الركوع.
• إذا أطلق القيام في الصلاة فالمراد منه قيام ما قبل الركوع؛ لأن الألفاظ تحمل على المتبادر المعهود، خاصة إذا كان اللفظ من الراوي، فكلام الراوي ليس محكمًا ككلام الشارع، منطوقه ومفهومه حجة.
• نقل وائل بن حجر في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في قيامه الأول: التكبير، والرفع والقبض، وذكر للركوع الرفع فقط، وذكر للاعتدال من الركوع الرفع فقط، فلو عاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى القبض لنقله كما نقل رفع اليدين في ثلاثة مواضع، فلما اكتفى بنقل الرفع دون القبض علم أنه تركه، ويلزم من ترك القبض الإرسال.
• كان علي رضي الله عنه يضع يمينه على يساره حتى يركع) فـ (حتى) غائية، فما بعد حتى مخالف لما قبلها.
[م-648] اختلف العلماء في هذه المسألة:
فقيل: إذا قام من الركوع أرسل يديه، ولا يقبض اليسرى باليمنى، وهو مذهب
الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية، وقول عند الحنابلة
(1)
.
قال في منح الجليل: «وكره قبضهما بفرض بأي هيئة كان»
(2)
.
وقيل: يسن وضع اليمنى على اليسرى كما في القيام قبل الركوع، وهو قول في مذهب الحنفية، والهيتمي من الشافعية، ورجحه ابن قاسم في حاشيته على الروض، واختاره ابن حزم من الظاهرية، ورجحه محمد بن إبراهيم، وشيخنا ابن عثيمين والشيخ ابن باز
(3)
.
قال ابن حزم في المحلى: ويستحب أن يضع المصلي يده اليمنى على كوع يده اليسرى في الصلاة، في وقوفه كله فيها»
(4)
.
وقيل: إن شاء أرسل يديه، وإن شاء وضع يمينه على شماله، نص عليه الإمام أحمد، وهو المذهب
(5)
.
هذا مجمل الأقوال في المسألة:
• دليل من قال: يرسل يديه:
الدليل الأول:
الأصل عدم المشروعية إلا بدليل؛ ولأن القبض صفة في العبادة، وصفات العبادة
(1)
. بدائع الصنائع (1/ 201)، البحر الرائق (1/ 326)، الفتاوى الهندية (1/ 73)، الهداية شرح البداية (1/ 49)، العناية شرح الهداية (1/ 287).
وفي مذهب المالكية يسدل يديه قولًا واحدًا بعد الرفع من الركوع، وكذلك يندب إرسال يديه على المعتمد في المذهب بعد تكبيرة الإحرام في الفرض، إن فعله للاعتماد، أو لم يقصد الاستنان انظر: الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (1/ 250)، منح الجليل (1/ 262)، مختصر خليل (ص: 33)، الشامل في فقه الإمام مالك (1/ 104)، التاج والإكليل (2/ 247)، التوضيح لخليل (1/ 335)، تحفة المحتاج (2/ 63)، مغني المحتاج (1/ 367)، نهاية المحتاج (1/ 501)، الفروع (2/ 199)، الإنصاف (2/ 63)، المبدع (1/ 399).
(2)
. منح الجليل (1/ 262).
(3)
. بدائع الصنائع (1/ 201)، البحر الرائق (1/ 326)، حاشية الروض المربع (2/ 49)، فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم (2/ 217)، مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (13/ 160، 161)، مجموع فتاوى ابن باز (11/ 30).
(4)
. المحلى (3/ 29).
(5)
. الإنصاف (2/ 63)، الفروع (2/ 199)، الإقناع (1/ 120)، كشاف القناع (1/ 348)، المبدع (1/ 399)، النكت والفوائد على المحرر (1/ 62)، شرح منتهى الإرادات (1/ 196)، حاشية الخلوتي (1/ 302).
توقيفية، ولم يَأْتِ نص خاص في وضع اليد اليمنى على اليسرى إذا رفع رأسه من الركوع. والقياس على قيام ما قبل الركوع لا يصح؛ لأن القياس إن كان من قياس الشبه بأن هذا قيام يشبه قيام ما قبل الركوع، فهذا من أضعف أنواع القياس عند الأصوليين.
وإن كان من قياس العلة، فلا تعلم علة منصوصة حتى يمكن للمجتهد التماس العلة؛ لتعدية الحكم.
وهناك فرق بين القيام الأول والثاني يمنع من الإلحاق:
من ذلك: أن قيام ما قبل الركوع طويل، ومتفق على ركنيته، ويشتمل على قراءة طويلة ومنها قراءة الفاتحة، وهي ركن آخر، فاجتمع في القيام ركنان، ويسبق القراءة دعاء الاستفتاح، وقد قال بعض العلماء: إن القبض فيه نوع من الاعتماد لطول القيام.
وأما قيام ما بعد الركوع، فهو قيام قصير، ويجوز فيه الاقتصار على قول:(ربنا ولك الحمد)، والذكر فيه مسنون على الصحيح، والغاية منه الاعتدال، والقيام فيه مقدار لطيف جدًّا من أجل الطمأنينة، لا من أجل تحصيل القيام، فإذا اعتدل قائمًا أجزأه ذلك بالإجماع، لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث المسيء في صلاته:(ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا)، وقال في الحديث المتفق عليه: فإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد، وهذا الاعتدال مختلف في ركنيته، كما أنه مختلف في وجوب الطمأنينة فيه، فلا يقاس الأدنى على الأعلى.
ثم الاحتجاج بالقياس دليل على ضعف القول؛ إذ لو كان القبض مشروعًا لحفظ في النصوص ما يدل على مشروعيته، ولما احتجنا إلى باب القياس في عبادة تتكرر في اليوم خمس مرات، فالقياس دليل على غياب النص، لأن حقيقة القياس: قياس ما لا نص فيه على ما ورد فيه نص، وغياب النص دليل على عدم المشروعية، ويبعد أن يكون مشروعًا ثم يهمل نَقَلَةُ الشريعةِ النصوصَ القاضية بمشروعيته، ولو وجد نص لحفظ للأمة لأن حفظه من حفظ الدين، وحفظ الدين قد تعهد الله به.
ولهذا إذا عجز عن القيام فصلى جالسًا، أيقبض يديه اعتبارًا بأنه بدل عن القيام أم يرسلهما اعتبارًا بالهيئة، فهيئة الجلوس لا يشرع فيها القبض ولأن الحكم تعبدي، جاء النص في قبض اليدين قائمًا، وثبوتها في البدل يفتقر إلى نص، والبدل
لا يأخذ صفة المبدل من كل وجه؟ فيه تأمل.
• ونوقش من وجهين:
الوجه الأول:
أن الاستدلال في القبض ليس قائمًا على القياس، وإنما هو من قبيل الاستدلال بالعام على بعض أفراده، وبينهما فرق.
• وأجيب:
سوف أبين في مناقشة أدلة القول الثاني أن القيام في الصلاة إذا أطلق حُمِلَ على قيام ما قبل الركوع، ولا يُحْمَلُ على غيره إلا بدليل، فانظره هناك.
الوجه الثاني:
أن إرسال اليدين في الصلاة صفة في العبادة، فيحتاج القول به إلى توقيف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إما أن يكون قد قبض يديه، أو أن يكون قد أرسلهما، وإما أن يكون قد فعل هذا مرة، وهذا مرة، فما اعترض به على عدم وجود النقل في القبض، يعترض به على عدم وجود النقل في الإرسال.
• ورد هذا النقاش:
بأن الإرسال لا نقول به باعتباره صفة مطلوبة في العبادة، وإنما باعتبار أن الأصل في المصلي فيما لم يرد فيه نص أن يكون على طبيعته، فالذي يريد أن ينقل الإنسان عن طبيعته هو المطالب بالنص، كما قلت ذلك في المسافة بين القدمين إذا قام في الصلاة، وقلت ذلك في موضع نظر المصلي وهو قائم، وسوف أجلي هذه النقطة وضوحًا إن شاء الله تعالى في الدليل الثالث.
الدليل الثاني:
(ح-1763) ما رواه مسلم من طريق محمد بن جحادة، حدثني عبد الجبار بن وائل، عن علقمة بن وائل، ومولى لهم أنهما حدثاه،
عن أبيه وائل بن حجر: أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر، -وصف همام حيال أذنيه- ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب، ثم رفعهما، ثم كبر فركع،
فلما قال: سمع الله لمن حمده رفع يديه فلما، سجد سجد بين كفيه
(1)
.
وجه الاستدلال:
ذكر وائل بن حجر رضي الله عنه في قيام ما قبل الركوع أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه، ثم وضع اليمنى على اليسرى، وذكر في قيام ما بعد الركوع الرفع فقط، ولم يذكر القبض، فلو عاد إلى القبض لنقله كما نقل رفع اليدين حين عاد إليه للركوع وللرفع منه، وهذا كالنص في نقل عدم القبض، ويلزم منه الإرسال.
الدليل الثالث:
قال صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة المتفق عليه (ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا)
(2)
، وسكت الشارع من غير نسيان عن القبض، وما سكت عنه فهو عفو، فالسدل لا يحتاج القول به إلى دليل إثبات، لأن إرسال اليدين بمقتضى الأصل، فالقاعدة الشرعية: أن مقتضى الامتثال فيما لم يرد في صفته نص أن يكون المصلي على طبيعته؛ ولا ينتقل عنه إلا بتوقيف، فمن قال بالإرسال لا يطالب بالدليل؛ لأنه لا يقول بالإرسال باعتباره صفة في العبادة مطلوبة، وإنما باعتبار أنه لم يقم دليل يقتضي تغيير وضع اليدين عن طبيعتها، والله أعلم.
الدليل الرابع:
(ث-441) روى ابن أبي شيبة في المصنف، حدثنا وكيع، حدثنا عبد السلام ابن شداد الحريري أبو طالوت، أخبرنا غزوان بن جرير الضبي، عن أبيه، قال:
كان علي إذا قام في الصلاة وضع يمينه على رسغ يساره، ولا يزال كذلك حتى يركع متى ما ركع، إلا أن يصلح ثوبه، أو يحك جسده
(3)
.
[حسنه البيهقي وعلقه البخاري عن علي بصيغة الجزم، وليس فيه حتى يركع]
(4)
.
(1)
. صحيح مسلم (54 - 401).
(2)
. صحيح البخاري (793)، صحيح مسلم (45 - 397).
(3)
. المصنف (3940).
(4)
. وتابع وكيعًا مسلم بن إبراهيم كما في السنن الكبرى للبيهقي (2/ 45)، قال: حدثنا عبد السلام ابن أبي حازم: ثنا غزوان بن جرير، عن أبيه؛ أنه كان شديد اللزوم لعلي بن أبي طالب، قال: =
....................................................
_________
= كان عليٌّ إذا قام إلى الصلاة فكبر، ضرب بيده اليمنى على رسغه الأيسر، فلا يزال كذلك حتى يركع إلا أن يحكَّ جلدًا، أو يُصلِح ثوبه ..... قال البيهقي: هذا إسناد حسن.
فهذا وكيع ومسلم بن إبراهيم روياه عن عبد السلام بن أبي حازم بذكر منتهى قبض اليد، وهو الركوع.
وعلَّقه البخاري بصيغة الجزم في صحيحه من كتاب العمل في الصلاة، باب استعانة اليد في الصلاة إذا كان من أمر الصلاة، قبل ح (1198)، قال البخاري: ووضع عليٌّ كفَّه على رسغه الأيسر، إلا أن يحكَّ جلدًا، أو يُصلِح ثوبًا. وليس فيه قوله:(حتى يركع)، وواضح أن البخاري ساقه بتصرف ليستشهد به على وضع اليمنى على اليسرى، ولم يتوجه لبحث منتهى الرفع.
وهذا ذهاب من البخاري إلى صحة هذا الأثر عن علي، وحسنه الحافظ ابن حجر في تغليق التعليق (2/ 443)، وقد سبق تخريج الأثر، في المجلد السابع.
وجه الاستدلال:
قوله: (وضع يمينه على يساره حتى يركع) فـ (حتى) غائية، حيث جعل منتهى القبض الركوع وما بعد حتى مخالف لما قبلها.
• دليل من قال: السنة قبض اليسرى باليمنى إذا رفع من الركوع:
الدليل الأول:
(ح-1764) ما رواه البخاري من طريق مالك، عن أبي حازم،
عن سهل بن سعد، قال: كان الناس يُؤْمَرُونَ أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة.
قال أبو حازم: لا أعلمه إلا يَنْمِي ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال البخاري: قال إسماعيل: يُنْمَى ذلك، ولم ينقل: يَنْمِي
(1)
.
وإسماعيل: هو ابن أبي أويس.
• ويناقش:
بأن قوله (في الصلاة) فيه إجمال، لأننا لو قلنا: بظاهره لكان مقتضاه أنه يقبض في كل صلاته، وهذا غير ممكن، والقاعدة في المجمل أن يحمل على المبين، هذه قاعدة الراسخين في العلم، والنصوص الأخرى التي فَصَّلت وضع اليد اليمنى على اليسرى كحديث وائل بن حجر قد نص على أنه لما دخل في الصلاة كبر،
(1)
. صحيح البخاري (740).
ورفع يديه ووضع اليمنى على اليسرى، وحين أراد الركوع رفع يديه وكبر، وحين رفع من الركوع ذكر أنه رفع يديه، ولم يذكر القبض، فتعين وضع اليد اليمنى على اليسرى في قيام ما قبل الركوع؛ لأنه هو المبين في الأحاديث، ولا يصح الاستدلال بالمجمل على المبين.
الدليل الثاني:
(ح-1765) روى النسائي من طريق عبد الله (يعني ابن المبارك)، عن موسى ابن عمير العنبري، وقيس بن سليم العنبري، عن علقمة بن وائل،
عن أبيه، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان قائمًا في الصلاة قبض بيمينه على شماله
(1)
.
• ويجاب بأجوبة منها:
الجواب الأول:
حديث علقمة بن وائل، عن أبيه، رواه قيس بن سليم العنبري وموسى بن عمير العنبري، عن علقمة بن وائل به بلفظ (إذا كان قائمًا في الصلاة قبض
…
)،
ورواه وكيع عن موسى بن عمير العنبري بلفظ: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واضعًا يمينه على شماله في الصلاة)، وليس فيه إطلاق القيام، موضع الاحتجاج، واللفظان فيهما إجمال
(2)
.
ورواه عبد الجبار بن وائل، عن علقمة في مسلم مفصلًا، فذكر في القيام الأول: التكبير، ورفع اليدين، وقبضهما، وذكر في الاعتدال من الركوع: رفع اليدين فقط، فلو كان في هذا الرفع قبض لذكره
(3)
.
(1)
. سنن النسائي (887).
(2)
. رواه ابن المبارك كما في المجتبى من سنن النسائي (887)، وفي الكبرى (963)، ومن طريق النسائي أخرجه الدارقطني في السنن (1104)، عن موسى بن عمير، وقيس بن سليم العنبري، قالا: حدثنا علقمة به.
ورواه أبو نعيم كما في المعرفة والتاريخ للفسوي (3/ 121)، ومن طريقه الطبراني في المعجم الكبير (22/ 9) ح 1 و البيهقي في السنن الكبرى (2/ 43)، عن موسى بن عمير وحده به.
وخالفهما وكيع كما في مسند أحمد (4/ 316)، ومصنف ابن أبي شيبة ت عوامة (3959)، فرواه عن موسى ابن عمير العنبري، عن علقمة بن وائل به، بلفظ: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واضعًا يمينه على شماله في الصلاة. زاد ابن أبي شيبة (تحت السرة). ولم يذكر لفظ (إذا كان قائمًا
…
).
(3)
. رواه مسلم (54 - 401) من طريق عبد الجبار بن وائل، عن علقمة بن وائل، ومولى لهم =
....................................................
_________
= أنهما حدثاه، عن أبيه وائل بن حجر: أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر، -وصف همام حيال أذنيه- ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب، ثم رفعهما، ثم كبر فركع، فلما قال: سمع الله لمن حمده رفع يديه فلما، سجد سجد بين كفيه.
وقد سبق تخريج رواية عبد الجبار بن وائل عن أبيه، انظر (ح 1282).
كما رواه كليب بن شهاب الجرمي، عن وائل بن حجر، بمثل ما رواه عبد الجبار، عن علقمة، عن وائل
(1)
.
(1)
. رواه عاصم بن كليب، عن أبيه كليب الجرمي، عن وائل.
ورواه عن عاصم أكثر من عشرين نفسًا، تامًّا ومختصرًا، يزيد بعضهم على بعض، وممن رواه عن عاصم تامًّا مفسرًا لموضع القبض، بشر بن المفضل، وزائدة بن قدامة، وعبد الواحد بن زياد، وزهير بن معاوية، وأبو الأحوص سلام بن سليم، وعبد الله بن إدريس، وأبو عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، وقيس بن الربيع، وغيرهم، وعاصم حسن الحديث، وباقي رجاله ثقات، وإليك تخريج رواية بعضهم.
الأول: بشر بن المفضل، عن عاصم بن كليب.
رواه أبو داود (726، 957)، قال: حدثنا مسدد، حدثنا بشر بن المفضل، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر، قال: قلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يصلي، قال: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقبل القبلة فكبر فرفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم أخذ شماله بيمينه فلما أراد أن يركع رفعهما مثل ذلك، ثم وضع يديه على ركبتيه، فلما رفع رأسه من الركوع رفعهما، مثل ذلك، فلما سجد وضع رأسه بذلك المنزل من بين يديه .... الحديث.
ومن طريق مسدد أخرجه الطبراني في الكبير (22/ 37) ح 86، والخطيب في الفصل للوصل (1/ 435).
ورواه النسائي في المجتبى (1265)، وفي الكبرى (1189) أخبرنا إسماعيل بن مسعود.
وابن ماجه (810، 867) حدثنا بشر بن معاذ الضرير،
والبزار (4485) حدثنا محمد بن عبد الملك القرشي، أربعتهم رووه عن بشر بن المفضل به.
فهذه الرواية توضح أن القيام الأول في الصلاة فيه التكبير، والرفع والقبض، والقيام الثاني، فيه الرفع فقط، كرواية علقمة بن وائل من طريق عبد الجبار عنه.
الطريق الثاني: عبد الواحد بن زياد (ثقة)، عن عاصم بن كليب.
رواه أحمد (4/ 316)، قال: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا عبد الواحد، حدثنا عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر الحضرمي قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: لأنظرن كيف يصلي، قال: فاستقبل القبلة، فكبر، ورفع يديه حتى كانتا حذو منكبيه، قال: ثم أخذ شماله بيمينه، قال: فلما أراد أن يركع رفع يديه حتى كانتا حذو منكبيه، فلما ركع وضع يديه على =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ركبتيه، فلما رفع رأسه من الركوع رفع يديه حتى كانتا حذو منكبيه، فلما سجد وضع يديه من وجهه، بذلك الموضع .... الحديث.
والاستدلال بهذا الطريق كالاستدلال بالطريق السابق.
رواه يونس بن محمد كما في مسند الإمام أحمد (4/ 316)، ومن طريق الإمام أحمد رواه الخطيب في الفصل للوصل المدرج في النقل (1/ 434).
ورواه مسدد كما في السنن الكبرى للبيهقي (2/ 104)،
وصالح بن عبد الله الترمذي كما في السنن الكبرى للبيهقي (2/ 160)، ثلاثتهم (يونس، ومسدد، وصالح) عن عبد الواحد بن زياد عن عاصم بن كليب به.
الثالث: زائدة بن قدامة، عن عاصم بن كليب.
رواه الإمام أحمد (4/ 318)، قال: حدثنا عبد الصمد، حدثنا زائدة، حدثنا عاصم بن كليب، أخبرني أبي،
…
أن وائل بن حجر الحضرمي، أخبره قال: قلت: لأنظرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كيف يصلي قال: فنظرت إليه قام، فكبر، ورفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى، والرسغ والساعد ثم قال: لما أراد أن يركع، رفع يديه مثلها ووضع يديه على ركبتيه، ثم رفع رأسه، فرفع يديه مثلها، ثم سجد، فجعل كفيه بحذاء أذنيه .... الحديث.
ورواه الدارمي (1397)، والطبراني في الكبير (22/ 35) ح 82، وابن خزيمة (480، 714)، عن معاوية بن عمرو.
والبخاري في رفع اليدين كما في قرة العينين (30)، والنسائي في المجتبى (889، 1268)، وفي الكبرى (965، 1192)، من طريق عبد الله بن المبارك.
وابن الجارود في المنتقى (208) من طريق عبد الرحمن بن مهدي،
والطبراني في الكبير (22/ 35) ح 82، وابن المنذر في الأوسط (3/ 93)، وابن حبان في صحيحه (1860) من طريق أبي الوليد الطيالسي.
والبيهقي في السنن الكبرى مختصرًا (2/ 43) من طريق عبد الله بن رجاء، ستتهم (عبد الصمد، ومعاوية بن عمرو، وابن المبارك، وابن مهدي، والطيالسي، وعبد الله بن رجاء) رووه عن زائدة بن قدامة، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر.
الطريق الرابع: زهير بن معاوية، عن عاصم بن كليب.
رواه أحمد (4/ 138)، قال: حدثنا أسود بن عامر، حدثنا زهير بن معاوية، عن عاصم بن كليب، أن أباه أخبره، أن وائل بن حجر أخبره قال: قلت: لأنظرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يصلي، فقام فرفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ثم أخذ شماله بيمينه، ثم قال: حين أراد أن يركع، رفع يديه حتى حاذتا بأذنيه، ثم وضع يديه على ركبتيه، ثم رفع فرفع يديه مثل ذلك، ثم سجد فوضع يديه حذاء أذنيه .... الحديث.
ومن طريق الإمام أحمد أخرجه الخطيب في الفصل للوصل (1/ 437). =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= فهذه الطرق إلى عاصم بن كليب كلها صحيحة.
الطريق الخامس: أبو الأحوص سلام بن سليم، عن عاصم بن كليب.
رواه أبو داود الطيالسي (1113)، قال: حدثنا سلام بن سليم، قال: حدثنا عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل الحضرمي، قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: لأحفظن صلاته، فافتتح الصلاة، فكبر، ورفع يديه حتى بلغ أذنيه، وأخذ شماله بيمينه، فلما أراد أن يركع كبر، ورفع يديه كما رفعهما حين افتتح الصلاة، ووضع كفيه على ركبتيه حين ركع، فلما رفع رأسه من الركوع رفع يديه كما رفعهما حين افتتح الصلاة، ثم سجد فافترش قدمه اليسرى فقعد عليها .... الحديث.
ومن طريق أبي الأحوص رواه الطبراني في المعجم الكبير (22/ 34) ح 80، والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 196، 223، 230، 259)، وابن المقرئ في الأربعين (42)، والدارقطني في السنن (1134)، والخطيب في الفصل للوصل (1/ 431).
الطريق السادس: عبد الله بن إدريس، عن عاصم بن كليب.
رواه ابن أبي شيبة في المصنف (3935)، حدثنا ابن إدريس، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كبر أخذ بشماله بيمينه.
ورواه ابن حبان بتمامه (1945) من طريق سلم بن جنادة، قال: حدثنا ابن إدريس به، بلفظ: قدمنا المدينة، وهم ينفضون أيديهم من تحت الثياب، فقلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فكبر حتى افتتح الصلاة، ورفع يديه حتى رأيت إبهاميه قريبًا من أذنيه، قال: ثم أخذ شماله بيمينه، فلما ركع رفع يديه، فلما رفع رأسه قال: سمع الله لمن حمده، ثم كبر، ورفع يديه، ثم سجد
…
الحديث.
وسلم بن جنادة كوفي لا بأس به، وربما خالف، وقد تابعه على تفصيل قبض اليدين من سبق ذكرهم.
ومن طريق ابن إدريس رواه البخاري في رفع اليدين (71) والنسائي في المجتبى (1102)، وفي الكبرى (693)، والترمذي في السنن (292)، وابن ماجه (810، 912)، وابن الجارود في المنتقى (202) وابن خزيمة في صحيحه (477، 641، 690، 713).
الطريق السابع: قيس بن الربيع، عن عاصم بن كليب.
رواه الطبراني في الكبير (22/ 33) ح 79، قال: حدثنا المقدام بن داود (متكلم فيه)، حدثنا أسد بن موسى، عن قيس بن الربيع به، بلفظ: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم افتتح الصلاة، وكبر ورفع يديه، ثم أخذ شماله بيمينه، فلما أراد أن يركع كبر فرفع يديه فوضع راحتيه على ركبتيه، وفرج بين أصابعه، فلما رفع رأسه كبر ورفع، فلما سجد وضع جبينه بين كفيه
…
رواه الطبراني في الأوسط مختصرًا (5485) من طريق أبي بلال الأشعري (ضعفه الدارقطني) ورواه أيضًا في الكبير مختصرًا (22/ 39) ح 93 من طريق يحيى الحماني (حافظ مجروح) كلاهما عن قيس بن الربيع (صدوق تغير بآخرة)، عن عاصم بن كليب به.
فهذان الطريقان قد فَصَّلَا ما أُجْمِلَ في رواية قيس بن سليم وموسى بن عمير، والمفسِّر قاضٍ على المُجْمَل ومقدم عليه في الاستدلال.
ولا يصح في الاستدلال أن يستدل بالمجمل على المفسر، كما لا يصح أن يستدل بالعام على الخاص، ولا بالمطلق على المقيد، هذا الجواب من حيث الصنعة الحديثية، وهناك جواب آخر من حيث الفقه.
الجواب الثاني:
لو فرضنا أن الحديث محفوظ بلفظ: (إذا كان قائمًا في الصلاة قبض
…
)،
فالقيام إذا أطلق في الصلاة لا يحمل إلا على القيام المعهود والمتبادر عند الإطلاق وهو قيام ما قبل الركوع، والألفاظ تحمل على المتبادر والمعهود عند الإطلاق على الصحيح، فإذا أريد به الاعتدال من الركوع جاء مقيدًا، كما أنه إذا أطلق الجلوس في الصلاة لم يطلق إلا على جلوس التشهد، فإذا أريد به الجلوس بين السجدتين جاء مقيدًا، ولذلك لما قال ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم:(كان إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلها وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام .. ). الحديث رواه مسلم
(1)
.
فحمل الفقهاء قوله: (إذا جلس) على التشهد؛ لأنه هو المتبادر عند الإطلاق ولم يحملوه على عمومه، فيشمل حتى جلوس ما بين السجدتين، فكذلك قوله:(إذا كان قائمًا في الصلاة) يحمل على القيام المعهود.
(1)
. صحيح مسلم (116 - 580).
وقد تكلم أهل الأصول، في العام أيدخل فيه الصور النادرة، وغير المعهودة على قولين، وإذا كان هذا الخلاف في ألفاظ الشارع، وهي ألفاظ محكمة، ومفهومها حجة كمنطوقها، بخلاف ألفاظ الرواة، فإن ألفاظها يدخلها ما يدخلها، ومفهومها ليس بحجة، وحديث:(رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان قائمًا في الصلاة قبض بيمينه على شماله) ليس لفظًا نبويًّا، فيجب أن يحمل على المتبادر والمعهود من ألفاظهم.
وإطلاق القيام في الصلاة على قيام الرفع من الركوع فيه نظر، فالمطلوب هو الاعتدال من الركوع، (ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا) متفق عليه، فإذا اعتدل قائمًا فقد حصل الفرض المطلوب، فالقيام فيه لتحصيل الطمأنينة، لا من أجل تحصيل القيام، ومقداره لطيف جدًّا فإذا اعتدل وأقام صلبه، ورجع كل عظم إلى مفصله فقد أجزأه ذلك، وما زاد فهو من القدر المسنون، وليس في هذا القيام ذكر واجب، فالتحميد للمأموم من أذكار الرفع، وقد نص أحمد على أن المأموم لا يزيد عليه، وعلى اختيار الإمام أحمد لا يشرع للمأموم ذكر إذا رفع من الركوع.
والتحميد في حق الإمام من أذكار الاعتدال، ولا يجب عليه؛ لأن ذِكْرَ الانتقال في حقه هو التسميع، فكان هذا القيام خلوًا من ذكر واجب، وكل ذكر يقال بعد الرفع من الركوع فهو مسنون، وكون النبي صلى الله عليه وسلم أحيانًا قد يطيل القيام فيه تبعًا لإطالة الركوع فهذا كما قلت مسنون.
وقد اختلف الفقهاء في الاعتدال أهو مقصود لذاته، أم لا، وسبق مناقشة هذا عند الكلام على حكم الاعتدال.
الدليل الثالث:
لا نعلم أحدًا ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أرسل يديه في الصلاة بعد الركوع، ولا عن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، فالأصل في هذا الضم كما يضم قبل الركوع، ومن زعم أنه يرسلهما فعليه الدليل، ولأن الأصل بقاء ما كان على ما كان إبقاء للسنة على حالها.
• ويجاب عن هذا الدليل:
الوجه الأول:
القول بأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أرسل يديه بعد الركوع، إن كان المقصود
لم ينقل بهذا اللفظ فمسلَّم، ولا يلزم أن يكون الدليل بلفظ الإرسال، وإن كان المقصود لم ينقل ترك القبض فلا يسلم،
(ح-1766) فقد روى علقمة بن وائل، وكليب الجرمي عن وائل بن حجر، أنه قال: لأنظرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كيف يصلي قال: فنظرت إليه، قام، فكبر، ورفع يديه حتى حاذتا أذنيه، ووضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى، ثم لما أراد أن يركع رفع يديه مثلها
…
ثم رفع رأسه، فرفع يديه مثلها، ثم سجد
…
الحديث.
فذكر في القيام الأول: التكبير، والرفع والقبض، وذكر للركوع الرفع، وذكر للاعتدال من الركوع الرفع فقط، فلما كرر النبي صلى الله عليه وسلم رفع اليدين في ثلاثة مواضع نقل ذلك وائل بن حجر، ولما لم يكرر القبض لم ينقله، واكتفى بنقل الرفع، ويلزم من ترك القبض الإرسال.
الوجه الثاني:
القول بأن الأصل في الصلاة ضم اليدين غير مسلم، فإن الأصل بقاء الإنسان على طبيعته، ولا ينتقل عنها إلا بسنة، ولا توجد سنة محفوظة في قبض اليدين بعد الرفع من الركوع، قد شرحت هذا فيما سبق.
الوجه الثالث:
القول بأنه لا يعلم عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم إرسال اليدين، غير مسلم،
فقد نقلت في أدلة القول السابق أثر علي رضي الله عنه، أنه كان إذا قام في الصلاة وضع يمينه على رسغ يساره، ولا يزال كذلك حتى يركع متى ما ركع، إلا أن يصلح ثوبه، أو يحكَّ جسده
(1)
.
[حسنه البيهقي وعلقه البخاري عن علي بصيغة الجزم، وليس فيه حتى يركع]
(2)
.
وجه الاستدلال:
قوله: (وضع يمينه على يساره حتى يركع) فـ (حتى) غائية، حيث جعل
(1)
. المصنف (3940).
(2)
. سبق تخريجه، أنظر (ث-441).
منتهى القبض الركوع إلا أن يحك جسده، أويصلح ثوبه، وما بعد حتى مخالف لما قبلها، وعلى فرض أنه لم ينقل عن أحد من الصحابة ذلك، فإنه يعكس، فيقال: لم ينقل عن أحد من الصحابة رضوان الله عليهم القبض فيما بعد الركوع، والإرسال هو الأصل كما بينت في أدلة القول السابق، فلا حاجة فيه إلى دليل فكل شيء لم يرد فيه سنة، فإن الإنسان يبقى على طبيعته، والإرسال هو الوقوف الطبيعي للإنسان، فإذا أراد أن ينتقل عنه إلى صفة أخرى كان مطالبًا بالدليل.
• الراجح:
في كلا القولين قوة، والأمر واسع ولا ينبغي أن تكون المسألة محل تنازع وتبديع، ولعل غياب النصوص الحاسمة في هذا الموضع يراد منه شرعًا التوسعة على العباد، وإن كنت أميل إلى أن الإرسال أقوى من القبض، والله أعلم.
* * *