المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الأول في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول - الجامع في أحكام صفة الصلاة - الدبيان - جـ ٤

[دبيان الدبيان]

فهرس الكتاب

- ‌المبحث السادس أقل الكمال في التسبيح

- ‌المبحث السابع كراهة قراءة القرآن في الركوع والسجود

- ‌المبحث الثامن حكم الدعاء في الركوع والسجود

- ‌الباب الثامن في أحكام الرفع من الركوع

- ‌الفصل الأول حكم الرفع من الركوع والسجود

- ‌الفصل الثاني في مشروعية التسميع والتحميد

- ‌المبحث الأول في وقت ابتداء التسميع والتحميد

- ‌المبحث الثاني في مشروعية التسميع للإمام

- ‌المبحث الثالث حكم التحميد للإمام

- ‌المبحث الرابع حكم التسميع والتحميد للمأموم

- ‌المبحث الخامس حكم التسميع والتحميد للمنفرد

- ‌الفصل الثالث في رفع اليدين للرفع من الركوع

- ‌المبحث الأول في مشروعية الرفع

- ‌المبحث الثاني في صفة رفع اليدين

- ‌المبحث الثالث في منتهى رفع اليدين

- ‌الباب التاسع أحكام الاعتدال في الصلاة

- ‌الفصل الأول في حكم الاعتدال من الركوع والسجود

- ‌الفصل الثاني في حكم الزياده على التسميع والتحميد

- ‌الفصل الثالث في قبض اليسرى باليمنى بعد الرفع من الركوع

- ‌الفصل الرابع في صيغ التحميد المشروعه

- ‌الفصل الخامس في تطويل مقدار الاعتدال من الركوع

- ‌الباب العشر في أحكام السجود

- ‌تمهيد

- ‌المبحث الأول في تعريف السجود

- ‌المبحث الثاني في مقام السجود من العبادة

- ‌الفرع الأول في فضل السجود

- ‌الفرع الثاني في تفضيل كثرة السجود على طول القيام

- ‌الفصل الأول في حكم السجود

- ‌الفصل الثاني في صفة السجود

- ‌المبحث الأول في صفة التجزئة

- ‌الفرع الأول في وجوب الطمأنينة في السجود

- ‌الفرع الثاني في الأعضاء التي يجب السجود عليها

- ‌المسألة الأولى في حكم السجود على الجبهة

- ‌المسألة الثانية حكم السجود على الأنف

- ‌المسألة الثالثة حكم السجود على الكفين والركبتين والقدمين

- ‌المسألة الرابعة في حكم رفع الذراعين عن الأرض في السجود

- ‌المبحث الثاني في صفة السجود الكاملة

- ‌الفرع الأول في السنن القولية

- ‌المسألة الأولى في مشروعية التكبير للسجود

- ‌المسألة الثانية في صفة التكبير للسجود

- ‌المسألة الثالثة في حكم التسبيح في السجود

- ‌مطلبفي بعض أذكار السجود الواردة في الصلاة

- ‌الفرع الثاني في سنن السجود الفعلية

- ‌المسألة الأولى في صفة الهوي للسجود

- ‌المسألة الثانية في رفع الأيدي إذا كبر للسجود أو رفع منه

- ‌المسألة الثالثة السنة في موضع الكفين حال السجود

- ‌المسألة الرابعة في استحباب ضم أصابع يديه في السجود وتوجهها إلى القبلة

- ‌المسألة الخامسة في الهيئة المستحبة في سجود القدمين

- ‌المسألة السادسة في استحباب المجافاة في السجود

- ‌المطلب الأول في استحباب مجافاة العضدين عن الجنبين

- ‌المطلب الثاني في استحباب مجافاة الفخذين عن البطن

- ‌المطلب الثالث في مجافاة المرأة

- ‌المطلب الرابع في المجافاة بين الفخذين وكذا الركبتين

- ‌المطلب الخامس في المجافاة بين القدمين

- ‌الفصل الثالث في تعذر السجود على أحد الأعضاء السبعة

- ‌المبحث الأول إذا قدر على السجود بالوجه وعجز عن الباقي

- ‌المبحث الثاني إذا تعذر السجود بالجبهة وقدر على الباقي

- ‌المبحث الثالث إذا تعذر السجود بالجبهة والأنف وقدر على الباقي

- ‌الفصل الرابع في السجود على الحائل

- ‌المبحث الأول في السجود على حائل منفصل عن المصلى

- ‌المبحث الثاني في السجود على حائل متصل بالمصلي

- ‌الفرع الأول في السجود على عضو من أعضاء المصلي

- ‌الفرع الثاني في السجود على حائل متصل ليس من أعضاء المصلي

- ‌المسألة الأولى في مباشرة الأرض بالقدمين والركبتين في السجود

- ‌المسألة الثانية في مباشرة الأرض باليدين حال السجود

- ‌المسألة الثالثة في مباشرة الأرض بالجبهة حال السجود

- ‌الباب الحادي عشر في الرفع من السجود

- ‌الفصل الأول في مشروعية التكبير للرفع من السجود

- ‌الفصل الثاني في وقت ابتداء التكبير للرفع من السجود

- ‌الفصل الثالث في رفع اليدين مع الرفع من السجود

- ‌الفصل الرابع في حكم الرفع من السجود

- ‌الباب الثاني عشر في الاعتدال من السجود

- ‌الفصل الأول في ركنية الجلوس بين السجدتين

- ‌الفصل الثاني في صفة الجلوس في الصلاة

- ‌الفصل الثالث في النهي عن الإقعاء في الصلاة

- ‌الفصل الرابع في مشروعية الذكر بين السجدتين وفي حكمه وصيغته

- ‌الفصل الخامس صفة وضع اليدين إذا جلس بين السجدتين

- ‌الفصل السادس في وجوب السجده الثانية في الصلاة

- ‌الباب الثالث عشر في النهوض للركعة الثانية

- ‌الفصل الأول في مشروعية جلسة الاستراحة قبل القيام

- ‌الفصل الثاني في صفة النهوض إلى الركعة الثانية

- ‌الباب الرابع عشر في الفروق بين الركعة الأولى وسائر الركعات

- ‌الفصل الأول في تكبيرة الإحرام

- ‌الفصل الثاني لا يشرع الاستفتاح في الركعة الثانية

- ‌الفصل الثالث لا يستعيذ في الركعة الثانية إذا استعاذ في الركعة الأولى

- ‌الفصل الرابع لا يجدد النية للركعة الثانية

- ‌الفصل الخامس في أطالة الركعة الأولى على سائر الركعات

- ‌الباب الخامس عشر في الأحكام الخاصة بالتشهد

- ‌الفصل الأول في حكم التشهد الأول والجلوس له

- ‌الفصل الثاني حكم التشهد الأخير

- ‌الفصل الثالث في ألفاظ التشهد

- ‌الفصل الرابع في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد

- ‌المبحث الأول في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول

- ‌المبحث الثاني في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الثاني

- ‌الفصل الخامس في صفة الكفين في التشهد

- ‌الفصل السادس في تحريك السبابة بالتشهد

- ‌الفصل السابع الدعاء في التشهد

- ‌المبحث الأول في التعوذ بالله من أربع

- ‌المبحث الثاني في صفة الدعاء في الصلاة

- ‌الباب السادس عشر التسليم في الصلاة

- ‌الفصل الأول حكم التسليم

- ‌الفصل الثاني في حكم زيادة (ورحمة الله) في التسليم

الفصل: ‌المبحث الأول في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول

‌الفصل الرابع في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد

‌المبحث الأول في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول

المدخل إلى المسألة:

• التشهد الأول مبناه على التخفيف.

• إذا أطلق التشهد لم تدخل فيه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ولا التعوذ من الأمور الأربعة.

• تشرع الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم حيث يشرع الدعاء بعدها، والتشهد الأول لا دعاء فيه على الصحيح.

• تعليم التسليم على النبي صلى الله عليه وسلم سابق لتعليم الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم كما دل على ذلك حديث كعب بن عجرة.

• لم يصح حديث في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول، وحديث عائشة في الباب في النفل حديث شاذ.

• قاعدة أن ما صح في النفل صح في الفرض صحيح في الجملة، والاستدلال بالقواعد ليس كالاستدلال بالنصوص؛ لأن العصمة للنص، والقواعد أغلبية يدخلها الاستثناء.

• لا يوجد حديث واحد، ولو ضعيفًا يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول في الفرض، ولو فعل، ولو مرة واحدة لنقل إلينا، ولو كان هذا من شريعة الله لحفظه الله لنا، كما لم يحفظ ذلك عن الصحابة رضوان الله عليهم.

• الفرائض تتكرر خمس مرات في اليوم، وهي تفعل في مجامع الناس وليس في البيوت، والعناية بها أشد، فكان عدم نقل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول في الفرض بمنزلة نقل العدم.

ص: 512

• لو فرض صحة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول في النفل فإن ذلك يدل على جوازه في الفريضة، لا على استحبابه فيها؛ لأنه لو كان مستحبًّا فيها لفعل، ولو فعل لحفظ ونقل.

[م-674] يتفق العلماء على أن التشهد الأول لا تجب فيه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

(1)

؛ لأن التشهد الأول مبناه على التخفيف، واختلفوا في مشروعيتها،

فقيل: لا تشرع، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة، والقديم من قولي الشافعي

(2)

.

قال الدسوقي: «تكره -يعني الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول»

(3)

.

وقال البغوي: «وأما الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فعامة العلماء على أن التشهد الأول ليس محلًّا لها .... »

(4)

.

وقال المرداوي: «ظاهر قوله: (هذا التشهد الأول) أنه لا يزيد عليه، وهو صحيح، وهو المذهب، وعليه الجمهور، ونص أحمد أنه إن زاد أساء»

(5)

.

(1)

. تفسير ابن كثير ت سلامة (6/ 471)، وانظر: فتح الباري (11/ 166).

(2)

. قال في الدر المختار (ص: 71): «(ولا يزيد) في الفرض (على التشهد في القعدة الأولى) إجماعًا (فإن زاد عامدًا كره)» . قال ابن عابدين في حاشيته عليه (1/ 510): «والكراهة عند الإطلاق للتحريم» .

وانظر: تحفة الفقهاء (1/ 137)، المبسوط (1/ 29)، البحر الرائق (1/ 344)، بدائع الصنائع (1/ 212)، الهداية شرح البداية (1/ 53)، الاختيار لتعليل المختار (1/ 53)، حاشية ابن عابدين (1/ 510)، العناية شرح الهداية (1/ 315)، ملتقى الأبحر (ص: 152)، حاشية الدسوقي (1/ 252)، منح الجليل (1/ 267)، القوانين الفقهية (ص: 47)، مواهب الجليل (1/ 543)، شرح الخرشي (1/ 288)،

وانظر القول القديم للشافعي في التعليقة للقاضي حسين (2/ 770)، التعليقة الكبرى في الفروع للقاضي أبي الطيب الطبري (ص: 444)، المجموع (3/ 460)، روضة الطالبين (1/ 263)، بحر المذهب للروياني (2/ 61)، المهمات (3/ 9).

وانظر قول الحنابلة: المغني (2/ 24)، الإنصاف (2/ 76)، الإقناع (1/ 123)، كشاف القناع (1/ 359)، مختصر الخرقي (ص: 23)،.

(3)

. حاشية الدسوقي (1/ 252)،.

(4)

. شرح السنة للبغوي (3/ 185).

(5)

. الإنصاف (2/ 76).

ص: 513

وقيل: يستحب، وهو القول الجديد للشافعي، وبه قال ابن حزم، واختاره من الحنابلة ابن هبيرة والآجري

(1)

.

• دليل من قال: تستحب:

الدليل الأول:

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].

وجه الاستدلال:

دلت الآية على أنه متى شرع السلام على النبي صلى الله عليه وسلم شرعت الصلاة عليه، ولا يختلف العلماء في مشروعية السلام على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول، فكذلك الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

وقد صرح النووي في الأذكار وغيره بكراهة إفراد الصلاة عن التسليم، واستدل بورود الأمر بهما معًا في الآية.

• ونوقش من وجوه:

الوجه الأول:

لا يسلم القول بكراهة إفراد التسليم عن الصلاة من الآية، قال ابن حجر:«لو صلى في وقت وسلَّم في وقت آخر فإنه يكون ممتثلًا»

(2)

.

ولو سلم بأن الآية تدل على استحباب جمع الصلاة بالتسليم فلا يدل الترك على الوقوع بالمكروه؛ لأن ترك المستحب لا يلزم منه الوقوع في المكروه؛ لأن الكراهة الشرعية: ما نهى عنه الشارع لا على سبيل الإلزام، ولا يحفظ نهي عن إفراد أحدهما، إلا أن يكون عنى النووي بالكراهة ما هو خلاف الأولى.

(ح-1962) وقد روى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: .... صلوا عَلَيَّ، فإنه من صلى عَلَيَّ صلاة صلى الله عليه

(1)

. الأم (1/ 140)، فتح العزيز (3/ 506)، المجموع (3/ 460)، تحفة المحتاج (2/ 81)، مغني المحتاج (1/ 380)، نهاية المحتاج (1/ 525)، التعليقة للقاضي حسين (2/ 770)، التعليقة الكبرى في الفروع للقاضي أبي الطيب الطبري (ص: 444)، الإنصاف (2/ 77).

(2)

. فتح الباري (11/ 167).

ص: 514

بها عشرًا

(1)

.

فلو كانت الصلاة قرينة التسليم لذكرت في الحديث.

ولو سلم القول بالكراهة فإنه يصدق على من لا يسلم أصلًا، وليس على من صلى في محلٍّ، وسَلَّم في محلٍّ آخر، فإنه يصدق عليه أنه صلى وسلم على النبي صلى الله عليه وسلم.

الوجه الثاني:

الاستدلال بدلالة الاقتران على مشروعيتهما مقترنين دلالة ضعيفة، فالواو من حيث دلالتها اللغوية لا تفيد اقترانًا، ولا ترتيبًا ولذلك ذكرت الصلاة قبل السلام، وهو خلاف المشروع في الصلاة.

والأمر بالصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم في الآية مطلق، فمن صلى وسَلَّم، ولو مرة واحدة فقد امتثل الأمر، سواء أكانا مقترنين أم كانا متفرقين، وسواء أكان ذلك داخل الصلاة أم كان ذلك خارجها، وطلب الفعل يحصل به الامتثال مرة واحدة، والتكرار يحتاج إلى دليل، ومن ادعى أن الآية يستفاد منها محل الصلاة والتسليم فقد تكلف.

كما لا يلزم من اقترانهما في الآية تساويهما في الحكم،

قال تعالى: {كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141]، والأكل مباح، وإتيان الحقوق واجب.

الوجه الثالث:

أن التسليم جزء من التشهد، لا ينفك عنه، وهو مشروع في القعدة الأولى بالإجماع، وإذا أطلق التشهد لم تدخل فيه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ولا التعوذ بالله من الأمور الأربعة، ولذلك كان تعليم التسليم سابقًا لتعليم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كما دل على ذلك حديث كعب بن عجرة الآتي إن شاء الله تعالى، وإنما ارتبطت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد حيث يشرع الدعاء لكون الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم قبل الدعاء من أسباب الاستجابة، والدعاء لا يشرع إلا في التشهد الأخير أي في دبر الصلاة فكذلك الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن التشهد الأول لا دعاء فيه على الصحيح؛ لأنه مبني على التخفيف بخلاف التشهد الأخير حيث فتح للمصلي أن يتخير من الدعاء أعجبه إليه

(1)

. رواه مسلم (11 - 384) من طريق كعب بن علقمة، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو.

ص: 515

بعد أن يتشهد ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم.

ولذلك جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه، ثم ليصل على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ليدع بعد بما شاء

(1)

.

(ث-476) وروى ابن أبي شيبة بسند صحيح في المصنف، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، وأبي عبيدة،

عن عبد الله، قال: يتشهد الرجل، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يدعو لنفسه

(2)

.

فذكر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في مقدمة الدعاء، والتشهد الأول لا دعاء فيه على الصحيح؛ لأنه كما قلت مبني على التخفيف،

وقد قال النووي في الأذكار: «أجمع العلماء على استحباب ابتداء الدعاء بالحمد لله تعالى، والثناء عليه، ثم الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم (»

(3)

، والله أعلم.

الدليل الثاني:

(ح-1963) ما رواه أبو عوانة، قال: حدثنا الحسن بن علي بن عفان، قال: حدثنا محمد بن بشر، قال: حدثنا سعيد بن أبي عروبة، قال: حدثنا قتادة، عن زرارة ابن أوفى، عن سعد بن هشام قال:

انطلقت إلى ابن عباس فسألته عن الوتر، فقال: ألا أدلك على أعلم أهل الأرض بوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: من؟ قال: عائشة

وذكر الحديث، قال سعد بن هشام: قلت يا أم المؤمنين، أنبئيني عن وتر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: كنا نعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم سواكه وطهوره فيبعثه الله فيما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك ويتوضأ، ثم يصلي تسع ركعات لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، فيدعو ربه ويصلي على نبيه، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة فيقعد، ثم يحمد ربه، ويصلي على نبيه صلى الله عليه وسلم، ويدعو، ثم يسلم تسليمًا يسمعنا .... الحديث

(4)

.

(1)

. سيأتي تخريجه في حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الثاني.

(2)

. المصنف (3026).

(3)

. الأذكار ت الأرنؤوط (ص: 117).

(4)

. مستخرج أبي عوانة (2295).

ص: 516

ورواه النسائي من طريق عبدة بن سليمان، عن سعيد بن أبي عروبة به، وفيه:

(

ويصلي تسع ركعات، لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، ويحمد الله، ويصلي على نبيه صلى الله عليه وسلم ويدعو بينهن، ولا يسلم تسليمًا، ثم يصلي التاسعة ويقعد، -وذكر كلمة نحوها- ويحمد الله، ويصلي على نبيه صلى الله عليه وسلم، ويدعو

الحديث

(1)

.

وجه الاستدلال:

في حديث عائشة رضي الله عنها ذكرت تشهدين أحدهما في الركعة الثامنة، حيث تشهد، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم،، ثم جلس في التاسعة للتشهد الأخير، فدل على صحة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول، وما صح في النفل صح في الفرض إلا بدليل.

• وأجيب بجوابين:

الجواب الأول:

أن ذكر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الثامنة شاذ

(2)

.

(1)

. المجتبى من سنن النسائي (1720).

(2)

. جاء ذكر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول من رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعيد بن هشام بن عامر، عن عائشة، وهذه الرواية شاذة لأمرين:

الأمر الأول: مخالفة سعيد بن أبي عروبة لأصحاب قتادة، فقد رواه هشام الدستوائي، وشعبة، وهمام بن يحيى وأبو عوانة، ومعمر، خمستهم رووه عن قتادة فلم يذكروا الصلاة على النبي في التشهد الأول.

الأمر الثاني: مع تفرد سعيد بن أبي عروبة بذكر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فقد اختلف عليه فيها، فرواه محمد بن بشر، عن سعيد بن أبي عروبة واختلف على ابن بشر:

فرواه الحسن بن علي بن عفان (صدوق) كما في مستخرج أبي عوانة تامًّا (2295، 2060)، والبيهقي في الخلافيات (2537)، وفي السنن الكبرى مختصرًا (1/ 63، 527)، وكذا في دلائل النبوة مختصرًا (1/ 308)، وفي القراءة خلف الإمام مختصرًا (1)، عن محمد بن بشر عن سعيد بن أبي عروبة به، وفي رواية أبي عوانة والخلافيات للبيهقي الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول.

وقد خالفه من هو أحفظ منه، خالفه أبو بكر بن أبي شيبة، كما في سنن ابن ماجه (1191، 1348)، وهو في صحيح مسلم (746) إلا أنه لم يَسُقْ لفظه، ومستخرج أبي نعيم على صحيح مسلم وقرنه برواية غيره (1690)، والسنن الكبرى للبيهقي (2/ 703) وقرنه برواية الحسن بن علي بن عفان، وقدم لفظه على لفظ ابن أبي شيبة. =

ص: 517

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وعثمان بن أبي شيبة مختصرًا، كما في سنن أبي داود (1344)، ومسائل أحمد رواية أبي داود (1967)، كلاهما روياه عن محمد بن بشر به،

ورواية أبي بكر بن أبي شيبة تامة في سنن ابن ماجه، وليس فيها ذكر للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وابن أبي شيبة مقدم على الحسن بن علي بن عفان، لأن الثاني كما علمت صدوق، إشارة إلى خفة ضبطه بخلاف أبي بكر بن أبي شيبة، والله أعلم.

تابع عبدة بن سليمان محمد بن بشر في إحدى روايتيه، رواه النسائي في المجتبى (1720)، وابن خزيمة مقرونًا بغيره (1078)، قال: أخبرنا هارون بن إسحق، عن عبدة، عن سعيد به، ولفظه: أن عائشة قالت: كنا نعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم سواكه وطهوره فيبعثه الله عز وجل لما شاء أن يبعثه من الليل، فيستاك، ويتوضأ، ويصلي تسع ركعات، لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، ويحمد الله، ويصلي على نبيه صلى الله عليه وسلم ويدعو بينهن، ولا يسلم تسليمًا، ثم يصلي التاسعة ويقعد، -وذكر كلمة نحوها- ويحمد الله، ويصلي على نبيه صلى الله عليه وسلم، ويدعو ثم يسلم تسليمًا يسمعنا، ثم يصلي ركعتين وهو قاعد.

وهذا لفظ النسائي، ولم يذكر ابن خزيمة الصلاة في الثامنة ولعله بسبب أنه قرنه برواية غيره.

وقد رواه تامًا عن سعيد بن أبي عروبة كل من يحيى بن سعيد القطان، وابن أبي عدي، فلم يذكروا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ويحيى بن سعيد القطان سماعه قديم، ومن أصحاب سعيد بن أبي عروبة، مقدم فيه عند الاختلاف.

كما رواه مختصرًا ومقطعًا جماعة من أصحاب سعيد، منهم يزيد بن زريع، وعبد الوهاب بن عطاء، ومحمد بن فضيل، ومحمد بن سواء، وبشر بن المفضل، وشجاع بن الوليد، والمطعم ابن المقدام، وعيسى بن يونس، رووه عن سعيد بن أبي عروبة، وليس فيه موضع الشاهد لأتبين هل يوافقون أو يخالفون من زاد هذا الحرف، وإليك تخريج مروياتهم.

فرواه يحيى بن سعيد القطان، كما في مسند أحمد (6/ 53)، سنن أبي داود (1343)، والنسائي في المجتبى (1601، 1315)، وفي الكبرى (1239، 1296)، وابن خزيمة (1078، 1127، 1170)، وابن حبان (2441)، والحاكم في المستدرك (4222)، والبيهقي في السنن الكبرى (3/ 43)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (1690)

قال عبد الله بن أحمد كما في العلل (2/ 338): «حدثني أبي -يعني الإمام أحمد - قال: قال عبد الرحمن بن مهدي: يحيى بن سعيد عالم بحديث سعيد بن أبي عروبة» .اهـ.

وخالد بن الحارث، كما في المجتبى من سنن النسائي (1718)، وفي الكبرى (1412، 424، 1418، 11563)،.

وابن أبي عدي كما في صحيح مسلم تامًّا (139 - 746)، ومن طريقه البغوي في شرح السنة (963).

وابن خزيمة مقرونًا بغيره (1078، 1127، 1170)، وأبو نعيم في مستخرجه مقرونًا بغيره (1690)، وابن نصر في قيام الليل كما في مختصره تامًا (122 - 123)، والبيهقي في السنن =

ص: 518

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= مقرونًا بغيره (3/ 43)، وفي المعرفة (4/ 68)، والواحدي في تفسيره الوسيط (4/ 372)، والبغوي في شرح السنة (963)،

ومحمد بن فضيل ببعضه كما في مسند ابن أبي شيبة (964)،

ومحمد بن سواء، كما في مختصر الأحكام للطوسي (289 - 422)،

وعيسى بن يونس، كما في صحيح مسلم (141 - 746)، ومسند إسحاق بن راهويه (1310)، ومستدرك الحاكم (1139) فهؤلاء كلهم رووه عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة مقطعًا.

ورواه بشر بن المفضل، كما في المجتبى من سنن النسائي مختصرًا (1698)، وفي الكبرى (1404)،

وشجاع بن الوليد، كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (1/ 280)، وسنن الدارقطني (1665)،

والمطعم بن المقدام، كما في المعجم الأوسط للطبراني (6661)، وفي المعجم الصغير (990)، ومسند الشاميين (917).

ويزيد بن زريع، كما في مستخرج أبي نعيم مقرونًا بغيره (1690)، وشرح معاني الآثار للطحاوي مختصرًا (1/ 280)، وقيام الليل لمحمد بن نصر كما في المختصر (ص: 291)، وسنن الدارقطني (1665)،

وعبد الوهاب بن عطاء، بذكر بعضه كما في الطبقات الكبرى لابن سعد (1/ 364)، ومستدرك الحاكم (1139)،

ستتهم (بشر بن المفضل، والمطعم، وشجاع وابن زريع، وعبد الوهاب، وعيسى بن يونس) رووه مختصرًا بلفظ: (كان لا يسلم في ركعتي الوتر).

قال محمد بن نصر: فهذا عندنا قد اختصره سعيد من الحديث الطويل الذي ذكرناه، ولم يقل في هذا الحديث: إن النبي صلى الله عليه وسلم أوتر بثلاث لم يسلم في الركعتين، فكان يكون حجة لمن أوتر بثلاث بلا تسليم في الركعتين، إنما قال: لم يسلم في ركعتي الوتر، وصدق في ذلك الحديث أنه لم يسلم في الركعتين ولا في الثلاث، ولا في الأربع، ولا في الخمس، ولا في الست، ولم يجلس أيضًا في الركعتين، كما لم يسلم فيهما.

هذا بيان الاختلاف على سعيد بن أبي عروبة.

وأما تخريج رواية أصحاب قتادة ممن خالف سعيد بن أبي عروبة فإليك ما وقفت عليه من تخريج رواياتهم.

الأول: هشام الدستوائي، عن قتادة.

رواه مسلم (139 - 746)، والطيالسي مختصرًا (1600، 1603)، وأحمد مختصرًا (6/ 255)، وإسحاق (1317)، والنسائي (1719)، وفي الكبرى (1413)، والدارمي (1516)، وابن نصر في مختصر قيام الليل كما في المختصر (ص: 195)، والطحاوي في مشكل الآثار (1438)، وابن خزيمة مقرونًا بغيره (1078، 1079)، وصحيح ابن حبان (2442)، والسنن الكبرى للبيهقي (3/ 44). =

ص: 519

الجواب الثاني:

في رواية عبدة بن سليمان عند النسائي غرابة حيث ذكر في التشهد الأول الدعاء قبل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو خلاف المعروف من صلاته صلى الله عليه وسلم، بخلاف التشهد الأخير حيث ذكر الدعاء بعد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، مما يدل على عدم ضبطه.

= الثاني: شعبة، عن قتادة مختصرًا.

أخرجه مسلم (141 - 746)، وأحمد (6/ 109)، والنسائي (1718)، والطبراني في الأوسط (4401)، وفي مسند الشاميين (2471)، وأبو عوانة في مستخرجه (2271)، والبغوي في شرح السنة (987)، وأبو نعيم في مستخرجه (1693)، وابن خزيمة (1169، 1178)، وابن حبان (2420، 2642، 2644، 2646)، والبيهقي في السنن الكبرى (2/ 682).

الثالث: أبو عوانة، عن قتادة مختصرًا.

أخرجه مسلم (140 - 746)، وأحمد (6/ 109)، والترمذي في السنن (445)، وفي الشمائل (267)، والنسائي في المجتبى (1789)، وفي الكبرى (1465)، وأبو نعيم في مستخرجه (1692)، وابن حبان (2645)، وابن نصر في قيام الليل كما في مختصره (ص: 188). وأبو العباس السراج في حديثه (70 و 2170 و 2482، 2571). وتمام في فوائده (1712)، والمستغفري في فضائل القرآن (518)، والبيهقي في السنن (2/ 682). وفي الخلافيات (2498)، والبغوي في شرح السنة (986).

الرابع: همام بن يحيى، عن قتادة.

رواه أحمد (6/ 94، 95)، وأبو داود (1342)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (5173)، والبيهقي في الشعب (1359).

الخامس: معمر، عن قتادة.

أخرجه مسلم (139 - 746)، وعبد الرزاق في المصنف تامًا (4714)، وفي التفسير له مختصرًا (3274)، وأحمد (6/ 163، 168)، وإسحاق بن راهويه (1316، 1478)، والنسائي في المجتبى (1721). وفي الكبرى (448)، وأبو نعيم في مستخرجه (1691)، وابن حبان في صحيحه (2551)، والحاكم (3842)،وابن نصر في قيام الليل كما في المختصر (ص: 110). وابن المنذر في الأوسط (5/ 145، 159، 161) وأبو نعيم في معرفة الصحابة (5172)، ورواه أبو عوانة في مستخرجه (2060) وأخرج بعضه في طلاق سعد بن هشام لزوجته ومراجعتها دون ذكر عائشة (2294، 4002)، فلو كان هذا الحرف محفوظًا لما انفرد به سعيد دونهم على أن أكثر الرواة عن سعيد بن أبي عروبة لم يذكروه، ومن ذكره قد اختلف عليه مثل محمد بن بشر، والله أعلم.

ص: 520

الجواب الثالث:

قاعدة أن ما صح في النفل صح في الفرض هذا صحيح في الجملة، والاستدلال بالقواعد ليس كالاستدلال بالنصوص؛ لأن العصمة للنص، والقاعدة أغلبية يدخلها الاستثناء، فينبغي ألا تحمل هذه القاعدة على ما يمكن أن يكون في حكم المتروك في الفرض، فالفرائض تتكرر خمس مرات في اليوم، وهي تفعل في مجامع الناس وليس في البيوت، والعناية بها أشد حتى نقل لنا الصحابة ما يسن فيها وما يجب، وكانت محل اهتمام رصد الصحابة رضي الله عنهم في نقل صفة صلاته صلى الله عليه وسلم، حتى نقلوا لنا قبض اليدين، ومواضع رفعها، وإشارة الأصبع، وصيغ التشهد، وصيغ الاستفتاح، وأدعية الركوع والسجود وما بين السجدتين، وأكثر هذه الأذكار مما لا يجهر به، مما يدل على حرص الصحابة على نقل صفة صلاته إلى الأمة حتى حفظوا كل ذلك، ثم لا يوجد حديث واحد يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول في الفريضة، ألا يقال: لو كان فعل، ولو مرة واحدة لنقل إلينا، بل يقال: لو كان هذا من شريعة الله لحفظه الله لنا في الفرض حيث تتكرر في الليل والنهار أكثر من أي عبادة أخرى، ولا يوجد في النفل إلا من هذا الوجه في وتر النبي صلى الله عليه وسلم، وأكثر الرواة على عدم ذكره، ومن ذكره قد اختلف عليه في ذكره، فلو كان هذا الفعل معهودًا منه عليه الصلاة والسلام في صلاة النفل لتوافرت الدواعي على نقله من أكثر من حديث، فلما لم يَأْتِ إلا من هذا الطريق الغريب، حيث تفرد به سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وخالفه شعبة، وهشام، وهمام، وأبو عوانة، ومعمر في قتادة فلم يذكروه، صار الاحتياط للشريعة عدم قبوله، والله أعلم.

ولو ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله في النفل، ولم يثبت أنه فعله في الفرض مع توفر الدواعي على نقله فإن هذا يدل على جوازه في الفريضة لا على استحبابه؛ إذ لو كان مستحبًّا لفعل، ولو فعل لحفظ ونقل، أما الاستحباب مع كونه في حكم المتروك فهذا فيه بعد، والله أعلم.

الدليل الثالث:

(ح-1964) ما رواه البخاري ومسلم من طريق شعبة، حدثنا الحكم، قال:

ص: 521

سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال:

لقيني كعب بن عجرة، فقال: ألا أهدي لك هدية؟ إن النبي صلى الله عليه وسلم خرج علينا، فقلنا: يا رسول الله، قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: فقولوا: اللهم صَلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد

(1)

.

وجه الاستدلال:

الحديث مطلق، يشمل كل تشهد، وإذا كان السلام مشروعًا في التشهدين، فكذلك الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهدين، وليس مع من قيد الحديث بالتشهد الأخير دليل على هذا التقييد، والمطلق جارٍ على إطلاقه لا يقيده إلا نص مثله.

• الجواب:

لو كانت الصلاة مشروعة حيث يشرع التسليم ما تأخرت مشروعية الصلاة عن مشروعية التسليم، فلا ارتباط في المحل بين التسليم والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وسبق لي أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تشرع حيث يشرع بعدها الدعاء، والله أعلم.

• دليل القائلين بأنه لا تستحب الصلاة في التشهد الأول:

الدليل الأول:

لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي على ذاته في التشهد الأول، ولا علمه للأمة، ولا يعرف استحبابه عن أحد من الصحابة رضوان الله عليهم، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ليست جزءًا من التشهد، فالتشهد إذا أطلق فإنه ينتهي بالشهادتين،

(ح-1965) فقد روى البخاري ومسلم من طريق الأعمش، عن شقيق بن سلمة، قال:

قال عبد الله: كنا إذا صلينا خلف النبي صلى الله عليه وسلم، قلنا: السلام على جبريل وميكائيل السلام على فلان وفلان، فالتفت إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن الله هو

(1)

. صحيح البخاري (6357)، وصحيح مسلم (66 - 406).

ص: 522

السلام، فإذا صلى أحدكم، فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنكم إذا قلتموها أصابت كل عبد لله صالح في السماء والأرض، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله

(1)

.

وهذا مشروع بالإجماع في التشهد الأول، فأين الدليل على مشروعية زيادة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول، وإنما أجمعوا على مشروعيته في التشهد الثاني.

(ح-1966) وقد روى أبو داود من طريق محمد بن إسحاق، حدثني علي بن يحيى بن خلاد بن رافع، عن أبيه،

عن عمه رفاعة بن رافع، عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذه القصة - قال: إذا أنت قمت في صلاتك، فكبر الله تعالى، ثم اقرأ ما تيسر عليك من القرآن، وقال فيه: فإذا جلست في وسط الصلاة فاطمئن، وافترش فخذك اليسرى ثم تشهد .. الحديث

(2)

.

[ذكر التشهد في الحديث شاذ]

(3)

.

فقوله: (ثم تشهد) فالأمر بالتشهد لا يدخل فيه الأمر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كانت الصلاة مشروعة لذكر له مع التشهد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

الدليل الثاني:

(ح-1967) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، قال: حدثني سعد بن إبراهيم، عن أبي عبيدة،

عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في الركعتين كأنه على الرَّضْف، قلت: حتى يقوم؟ قال: حتى يقوم

(4)

.

[أبو عبيدة وإن لم يسمع من أبيه إلا أن العلماء جعلوه في حكم المتصل]

(5)

.

(1)

. صحيح البخاري (831)، واختصره مسلم (58 - 402).

(2)

. سنن أبي داود (860).

(3)

. سبق تخريجه وجمع طرقه، انظر ح (1187).

(4)

. المسند (1/ 386).

(5)

. رواه شعبة كما في مسند أبي داود الطيالسي (329)، ومسند أحمد (1/ 386، 410، 436)، =

ص: 523

الدليل الثالث:

(ث-477) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا جرير، عن منصور،

عن تميم بن سلمة، قال: كان أبو بكر، إذا جلس في الركعتين كأنه على الرضف، يعني، حتى يقوم

(1)

.

[منقطع، تميم لم يدرك أبا بكر]

(2)

.

= ومصنف ابن أبي شيبة (3016) وفي المسند له (371)، وفي الجعديات لأبي القاسم البغوي (1550)، ومسند أبي يعلى (5232)، وسنن أبي داود (995)، وسنن الترمذي (366)، المعجم الكبير للطبراني (10/ 151) ح 10285، ومختصر الأحكام للطوسي (208 - 340)، ومسند الشاشي (924، 926، 927، 928)، ومستدرك الحاكم (993)، وأبو نعيم في الحلية (4/ 207)، وابن المنذر في الأوسط (3/ 209).

ومسعر بن كدام، كما في مسند أحمد (1/ 428)، ومعجم ابن الأعرابي (297)، والحاكم في المستدرك (994)، والشاشي في مسنده (925)، والمعجم الكبير للطبراني (10/ 150) ح 10284، وفي الأوسط (5077)،

وإبراهيم بن سعد كما في مسند أحمد (1/ 460)، والجامع لابن وهب (416)، والأم للشافعي (1/ 121)، وفي المسند له (ص: 43)، والمجتبى من سنن النسائي (1176)، وفي الكبرى (766)، وفي مسند الشاشي (923)، والسنن الكبرى للبيهقي (2/ 192)، ومعرفة السنن (3/ 72)، ثلاثتهم (شعبة، ومسعر، وإبراهيم بن سعد رووه عن سعد بن إبراهيم به.

قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (6/ 404): «يقال: إن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، لكن هو عالم بحال أبيه، متلقٍّ لآثاره من أكابر أصحاب أبيه

ولم يكن في أصحاب عبد الله من يُتَّهم عليه حتى يخاف أن يكون هو الواسطة، فلهذا صار الناس يحتجون برواية ابنه عنه، وإن قيل: إنه لم يسمع من أبيه».

وذكر ابن رجب هذا الحديث في شرح البخاري (7/ 342)، وقال:«وأبو عبيدة وإن لم يسمع من أبيه؛ إلا أن أحاديثه عنه صحيحة، تلقاها عن أهل بيته الثقات العارفين بحديث أبيه، قاله ابن المديني وغيره» .

و قال يعقوب بن شيبة كما في شرح علل الترمذي لابن رجب (1/ 544): «إنما استجاز أصحابنا أن يدخلوا حديث أبي عبيدة عن أبيه في المسند، -يعني: في الحديث المتصل- لمعرفة أبي عبيدة بحديث أبيه، وصحتها، وأنه لم يَأْتِ فيها بحديث منكر» .

وقال الدارقطني في السنن في حديث رواه من طريق أبي عبيدة عن أبيه في دية الخطأ (4/ 223): «وهذا إسناد حسن، ورواته ثقات» .

(1)

. المصنف (3017).

(2)

. تميم بن سلمة لم يثبت له سماع من أحد من الصحابة، وفي التاريخ الكبير (2/ 153): رأى =

ص: 524

• وأجيب عن الحديث والأثر:

قال الشوكاني: «تخصيص التشهد الأخير -يعني بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مما لم يدل عليه دليل صحيح ولا ضعيف، وجميع هذه الأدلة التي استدل بها القائلون بالوجوب لا تختص بالأخير، وغاية ما استدلوا به على تخصيص الأخير بها حديث: (إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجلس في التشهد الأوسط كما يجلس على الرضف) .... وليس فيه إلا مشروعية التخفيف، وهو يحصل بجعله أخف من مقابله: أعني التشهد الأخير، وأما أنه يستلزم ترك ما دل الدليل على مشروعيته فيه فلا، ولا شك أن المصلي إذا اقتصر على أحد التشهدات، وعلى أخصر ألفاظ الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم كان مسارعًا غاية المسارعة باعتبار ما يقع من تطويل الأخير بالتعوذ من الأربع والأدعية المأمور بمطلقها ومقيدها فيه»

(1)

.

• ورد هذا الجواب بأكثر من جواب:

الجواب الأول:

القول بأن تخصيص الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بالتشهد الأخير لم يدل عليه دليل صحيح ولا ضعيف لا يسلم، فقد سبق حديث المسيء في صلاته من حديث رفاعة، والقائل باستحباب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول يحسنه، وانظر الدليل التالي من مسند ابن مسعود، فنفي ورود ذلك في الأحاديث مطلقًا حتى الضعيفة ليس دقيقًا، والله أعلم.

الجواب الثاني:

لا يحفظ القول بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم، وذلك دليل على ضعف هذا القول.

= عبد الله بن الزبير.

رواه محمد بن جعفر (غندر) كما في مصنف ابن أبي شيبة (3018).

وعلي بن الجعد كما في الجعديات لأبي القاسم البغوي (204) كلاهما عن شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن رجل صلى خلف أبي بكر، فكان في الركعتين كأنه على الجمر وقال ابن الجعد- كأنه على الرضف حتى يقوم. وهذا ضعيف أيضًا؛ لإبهام الرجل الذي كان يصلي خلف أبي بكر رضي الله عنه.

(1)

. نيل الأوطار (2/ 333).

ص: 525

الجواب الثالث:

أن كلام الشوكاني مبني على صحة حديث عائشة، وقد علمت ما فيه.

الدليل الرابع:

(ح-1968) ما رواه أحمد، قال: حدثنا يعقوب، قال: حدثني أبي، عن ابن إسحاق، قال: حدثني عن تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في وسط الصلاة وفي آخرها، عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد النخعي، عن أبيه،

عن عبد الله بن مسعود، قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد في وسط الصلاة وفي آخرها، فكنا نحفظ عن عبد الله حين أخبرنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمه إياه، قال: فكان يقول: إذا جلس في وسط الصلاة، وفي آخرها على وركه اليسرى: التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي، ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، قال: ثم إن كان في وسط الصلاة نهض حين يفرغ من تشهده، وإن كان في آخرها دعا بعد تشهده ما شاء الله أن يدعو ثم يسلم

(1)

.

[تفرد به محمد بن إسحاق]

(2)

.

(1)

. المسند (1/ 459).

(2)

. أعل الحديث بعلتين:

العلة الأولى: أنه ذكر التورك في التشهد الأول، وهذا منكر، مخالف لحديث أبي حميد الساعدي في البخاري.

ويجاب: بأن قوله: (إذا جلس في وسط الصلاة وفي آخرها على وركه اليسرى) إن عاد قوله (على وركه اليسرى) على الجلستين كان هذا اللفظ شاذًّا ويكون الجار والمجرور في قوله (على وركه اليسرى) متعلقًا بالفعل الظاهر (جلس).

وإن عاد قوله (على وركه اليسرى) إلى قوله: (وفي آخرها) صار التورك مختصًّا بالتشهد الأخير، وصار الجار والمجرور (على وركه) متعلقًا بالفعل المقدر على نية تكرار العامل، وتكون الجملة على هذا التقدير (وإذا جلس في وسط الصلاة وجلس في آخرها على وركه اليسرى) ويؤيد هذا أن هذا هو المعروف من صلاته صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي حميد الساعدي في البخاري، وحمله على المعروف أولى من الحكم بشذوذ اللفظ، ويتأيد ذلك بقاعدة عود =

ص: 526

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= الضمير على أقرب مذكور، خاصة أن الراوي ساق الحديث من أجل بيان صفة التشهد، لا صفة الجلوس، وقد رواه ابن خزيمة (701) من طريق إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن إسحاق به بلفظ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجلس في آخر صلاته على وركه اليسرى.

العلة الثانية: أن هذا اللفظ تفرد به محمد بن إسحاق، ولا يحتمل تفرده،

وقد روى الحديث أبو إسحاق السبيعي، وإبراهيم النخعي عن الأسود، عن عبد الله فلم يذكرا ما ذكره محمد بن إسحاق.

فأما رواية أبي إسحاق، عن الأسود، فرواها الترمذي (289)، والنسائي في المجتبى (1162)، وفي الكبرى (752)، والطوسي في مختصر الأحكام (275)، وأبو يعلى في المعجم (332) وغيرهم من طريق عبيد الله الأشجعي، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن الأسود بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود، قال: علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قعدنا في الركعتين أن نقول: التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

وهذا إسناد صحيح، عبيد الله بن عبيد الرحمن الأشجعي ثقة أثبت الناس كتابًا في الثوري.

وأما رواية إبراهيم، عن الأسود، فرواها ابن أبي شيبة في المصنف (3007)، والبزار في المسند (1629)، عن ابن فضيل، عن الأعمش، عن إبراهيم به، بلفظ: قال: كان عبد الله يعلمنا التشهد في الصلاة كما يعلمنا السورة من القرآن، يأخذ علينا الألف والواو.

وإسناده صحيح.

ورواه أحمد (1/ 413)، وابن أبي شيبة في المصنف (2984)، والبزار في المسند (1628)، والطبراني في الكبير (10/ 53) ح 9931، من طريق زائدة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يعلمهم التشهد في الصلاة: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

كما روى حديث ابن مسعود في التشهد كل من أبي وائل شقيق بن سلمة وسبق تخريجه، وأبي الأحوص، وعلقمة، وأبي عبيدة، كلهم رووا عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حديث التشهد، ولم يذكر أحد منهم هذا التفريق بين التشهد الأول والأخير.

والحديث رواه أحمد (1/ 459)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار الجزء المفقود (364)، وابن خزيمة (701، 708)، من طريق إبراهيم بن سعد،

ورواه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار، الجزء المفقود (636)، والطبراني في الكبير (10/ 53) ح 9932، وابن خزيمة (702) من طريق عبد الأعلى بن عبد الأعلى،

ورواه أبو العباس السراج في حديثه بانتقاء الشحامي (732) من طريق عبد الله بن الأجلح، ثلاثتهم رووه عن محمد بن إسحاق به.

ص: 527

الدليل الخامس:

(ح-1969) ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا عبد السلام، عن بديل، عن أبي الجوزاء،

عن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في الركعتين التحيات

(1)

.

[صحيح].

وجه الاستدلال:

المقصود بالتحيات التشهد، والتشهد لا يدخل فيه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كانت مشروعة لذكرها.

وهو في مسلم من طريق حسين المعلم، عن بديل بن ميسرة، عن أبي الجوزاء،

عن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة، بالحمد لله رب العالمين

وذكر الحديث وفيه: وكان يقول في كل ركعتين التحية

الحديث

(2)

.

(ح-1970) وروى النسائي من طريق الأشجعي، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن الأسود،

عن عبد الله قال: علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقول إذا جلسنا في الركعتين: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله

(3)

.

[صحيح]

(4)

.

وجه الاستدلال:

فيه دلالة على اختصاص الركعتين الأوليين بالتشهد، فمن ادعى مشروعية

(1)

. المصنف (2023).

(2)

. صحيح مسلم (240 - 498).

(3)

. سنن النسائي (1162).

(4)

. سبق تخريجه تبعًا لتخريج حديث محمد بن إسحاق السابق.

ص: 528

زيادة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فعليه الدليل، والله أعلم.

(ث-478) وقد روى ابن أبي شيبة في المصنف، قال: حدثنا ابن فضيل، عن يحيى بن سعيد، عن عياض بن مسلم،

عن ابن عمر، أنه كان يقول: ما جُعِلَت الراحة في الركعتين إلا للتشهد

(1)

.

[ضعيف]

(2)

.

• الراجح:

قول الجمهور، وأنه لا يزيد على التشهد في القعدة الأولى، والله أعلم.

* * *

(1)

. المصنف (3020).

(2)

. في إسناده عياض بن مسلم، ليس له إلا هذا الأثر، ولا يروي عنه أحد إلا يحيى بن سعيد الأنصاري المدني، ففيه جهالة، والله أعلم.

ص: 529