الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني في مشروعية التسميع للإمام
المدخل إلى المسألة:
• الأصل عدم وجوب التسميع.
•لا يوجد في الأدلة دليل صحيح يقتضي وجوب التسميع، والأصل البراءة وعدم التأثيم.
• لم يذكر التسميع في حديث المسيء صلاته، ولو كان واجبًا لعلمه؛ لأن المقام مقام تعليم، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
• القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم علم المسيء ما أخَلَّ به بعيد جدًّا؛ فإذا كان الرفع من الركوع لا يعلمه مع ظهوره، فالتسميع أولى أن يجهله؛ لظهور الأول، وخفاء الثاني.
• المواظبة على التسميع لا تكفي دليلًا على وجوبه، وإنما تدل على توكيد الاستحباب.
• واظب النبي صلى الله عليه وسلم على أشياء كثيرة من السنن، ولم يكن ذلك دليلًا على وجوبها، كقراءة ما تيسر من القرآن في الركعة الأولى والثانية من الفرائض.
[م-638] اختلف العلماء في حكم التسميع للإمام بعد اتفاقهم على مشروعيته:
فقيل: سنة، وهو قول الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد
(1)
.
(1)
. بدائع الصنائع (1/ 209)، الدر المختار (ص: 65)، البحر الرائق (1/ 334)، حاشية ابن عابدين (1/ 477)، تبيين الحقائق (1/ 106)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (1/ 243)، المقدمات الممهدات (1/ 163)، جامع الأمهات (ص: 93)، الذخيرة للقرافي (2/ 217)، القوانين الفقهية (ص: 38)، مختصر خليل (ص: 32)، التاج والإكليل (2/ 224)، مواهب الجليل (1/ 525)، الاستذكار (1/ 418) و (2/ 178)، المجموع (3/ 414)، تحفة المحتاج (2/ 62)، مغني المحتاج (1/ 367)، نهاية المحتاج (1/ 501)، المغني (1/ 362)، الفروع (2/ 249).
قال النووي في شرح المهذب: «وقول سمع الله لمن حمده، وربنا لك الحمد والتكبيرات غير تكبيرة الإحرام كل ذلك سنة ليس بواجب، فلو تركه لم يأثم، وصلاته صحيحة، سواء تركه عمدًا أو سهوًا، لكن يكره تركه عمدًا.
هذا مذهبنا، وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وجمهور العلماء.
قال الشيخ أبو حامد: وهو قول عامة الفقهاء.
قال صاحب الحاوي: وهو مذهب الفقهاء كافة»
(1)
.
وقيل: واجب، وهو مذهب الحنابلة، وعدها المرداوي وناظم المفردات وغيرهما من مفردات مذهب الحنابلة، وبه قال إسحاق وداود
(2)
.
(3)
.
وقيل: فرض، وهو اختيار ابن حزم
(4)
.
هذه مجمل الأقوال، وأما أدلتها فإليك ما وقفت على ذلك منها:
• دليل من قال: التسميع سنة:
الدليل الأول:
الأصل عدم وجوب التسميع، ولا يوجد في الأدلة دليل صحيح يقتضي
(1)
. المجموع (3/ 414).
(2)
. الإنصاف (2/ 115)، الهداية على مذهب الإمام أحمد (ص: 87)، المبدع (1/ 443)، الإقناع (1/ 134)، شرح منتهى الإرادات (1/ 218)، حاشية ابن قاسم (2/ 128).
وانظر: قول الإمام إسحاق في المغني (1/ 362)، والشرح الكبير على المقنع (1/ 643)، عون المعبود (3/ 87)، النظم المفيد الأحمد (ص: 19)، مغني ذوي الأفهام (ص: 37).
(3)
. المغني (1/ 362).
(4)
. المحلى مسألة (369).
وجوب التسميع، والأصل البراءة وعدم تأثيم المصلي.
الدليل الثاني:
(ح-1726) ما رواه البخاري، ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،
عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرد النبي صلى الله عليه وسلم عليه السلام، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ، ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها
(1)
.
وجه الاستدلال:
قوله صلى الله عليه وسلم: (ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا) ولم يذكر له التسميع، ولو كان واجبًا لعلمه، لأن المقام مقام تعليم، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وقد اقتصر النبي صلى الله عليه وسلم على إرشاد المسيء في صلاته إلى فرائض الصلاة المجمع عليها، فكل ما ذكر في حديث أبي هريرة في الصحيحين لا يتنازع العلماء في وجوبه.
قال ابن دقيق العيد: «وذلك يقتضي انحصار الواجبات فيما ذكر، ويقوي مرتبة الحصر أنه عليه السلام ذكر ما تعلقت به الإساءة من هذا المصلي، وما لم تتعلق به من واجبات الصلاة»
(2)
.
ولا يعترض على الحديث في وجوب بعض الأشياء مما لم يذكرها، إذا ورد
(1)
. البخاري (793)، ومسلم (45 - 397).
ورواه البخاري (6251) ومسلم (46 - 397) من طريق عبد الله بن نمير،
ورواه مسلم من طريق أبي أسامة كلاهما حدثنا عبيد الله به، بلفظ: إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر
…
وذكر الحديث
(2)
. إحكام الأحكام 1/ 257).
حديث صحيح صريح في الوجوب، ولم يَأْتِ دليل يقضي بوجوب التسميع على الإمام، وكون النبي صلى الله عليه وسلم يفعله في أحاديث صحيحة، فهذا يدل على مشروعيته، ولا نزاع فيه، والفعل بمجرده لا يدل على الوجوب، وأما القول بأنه علمه ما أخَلَّ به فهذا بعيد؛ فإذا كان الرفع من الركوع لا يعلمه مع ظهوره فالتسميع أولى؛ لظهور الأول، وخفاء الثاني.
الدليل الثالث:
كل الأدلة التي ساقها الجمهور مستدلين بها على عدم وجوب تكبيرات الانتقال، عند الكلام على حكم التكبير للركوع، يستدل بها على عدم وجوب التسميع، فإذا كان الراجح في تكبيرات الانتقال عدم الوجوب، فكذلك التسميع قياسًا عليها، بجامع أنه ذكر من أذكار الانتقال، إلا أنه خاص بالانتقال من الركوع إلى الاعتدال وهذا لا يشكل فرقًا، فارجع إليها، فذكرها هناك يغني عن إعادتها هنا.
• دليل من قال بوجوب التسميع:
الدليل الأول:
(ح-1727) ما رواه أبو داود من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن علي بن يحيى بن خلاد،
عن عمه، أن رجلًا دخل المسجد، فذكر نحوه، قال فيه: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء -يعني مواضعه- ثم يكبر، ويحمد الله جَلَّ وعَزَّ، ويثني عليه، ويقرأ بما تيسر من القرآن، ثم يقول: الله أكبر، ثم يركع حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حتى يستوي قائمًا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه حتى يستوي قاعدًا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يرفع رأسه فيكبر، فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته
(1)
.
[ذكر التسميع في حديث رفاعة ليس بمحفوظ]
(2)
.
(1)
. سنن أبي داود (857).
(2)
. حديث المسيء في صلاته جاء من مسند أبي هريرة في الصحيحين، وجاء من مسند رفاعة بن رافع. =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= فأما حديث أبي هريرة، فأخرجه البخاري (793) ومسلم (45 - 397) وليس فيه ذكر التسميع.
وأما حديث رفاعة بن رافع فيرويه: عليُّ بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن رفاعة بن رافع.
ويرويه عن علي بن يحيى بن خلاد جماعة منهم، إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، ومحمد بن عمرو، ومحمد بن إسحاق، وداود بن قيس الفراء، ومحمد بن عجلان، وعبد الله بن عون، وشريك بن أبي نمر، ويحيى بن علي بن يحيى بن خلاد، يزيد بعضهم في ألفاظه وينقص، وقد يخالف بعضهم في إسناده،
وحديث أبي هريرة في الصحيحين مقطوع بصحته، وحديث رفاعة بن رافع خارج الصحيحين، وهي قصة واحدة لوجود التطابق بين أحداث القصة.
وقد اختلف على عليِّ بن يحيى بن خلاد، فالرواة عنه يزيد بعضهم على بعض وينفرد بعضهم بألفاظ لم يتفق الرواة عليها عنه، ولم ترد في حديث أبي هريرة، والحكم في ذلك برد حديث رفاعة إلى حديث أبي هريرة، فما وافق منه حديث أبي هريرة قبلناه، وما انفرد فيه حديث رفاعة، مما اختلف عليه في ذكره حكمنا بشذوذه؛ لوجود الاختلاف الكثير في إسناده وألفاظه.
إذا تبين لك هذا أُخَيَّ، فاعلم أن طريق إسحاق بن عبد الله قد انفرد بزيادات لم تَأْتِ في سائر الطرق علاوة على كونها مخالفة لما ورد في حديث أبي هريرة في الصحيحين في قصة المسيء صلاته.
فمما تفرد به إسحاق في روايته:
…
(1)
لفظ (لا تتم صلاة أحدكم
…
) التعبير بنفي التمام انفرد به إسحاق بن عبد الله، عن علي ابن يحيى بن خلاد، ورواه غيره بلفظ: (إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ
…
) وهذا موافق لحديث أبي هريرة في الصحيحين (
…
إذا قمت إلى الصلاة فكبر
…
وفي رواية: فأسبغ الوضوء).
(2)
ذكر دعاء الاستفتاح، انفرد به إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن عليِّ بن يحيى بن خلاد، ولم يذكره غيره ممن روى حديث رفاعة، وقد جاء بصيغة تدل على وجوبه في الصلاة، وقد سبق بحث حكم الاستفتاح، ولم يقل أحد بوجوبه، وإنما الخلاف وقع في استحبابه.
(3)
تكبيرات الانتقال لم تذكر في سائر طرق حديث رفاعة إلا من طريق إسحاق، كما أنها لم تذكر في حديث أبي هريرة.
(4)
قوله: (سمع الله لمن حمده) لم يذكر في حديث أبي هريرة، كما لم يذكر في سائر طرق حديث رفاعة.
(5)
تفصيل الوضوء بذكر أعضاء الوضوء، ولم يرد في سائر طرق حديث رفاعة، فكلهم ذكر الوضوء مجملًا، وهو كذلك مجمل في حديث أبي هريرة في الصحيحين.
(6)
تمكين الوجه والجبهة في السجود.
(7)
ذكر تكبيرة الإحرام بلفظ: (الله أكبر).
وكل ما زاده على حديث أبي هريرة مما انفرد به عن باقي الرواة، فليس بمحفوظ، فيكفي في شذوذه أنه مخالف لما في الصحيحين، ومخالف لبقية الرواة ممن رووه عن علي بن يحيى بن خلاد، فلا وجه للقول بأن إسحاق قد جوده، وقد انفرد بكل هذه الزيادات مخالفًا حديث أبي هريرة في الصحيحين، والحمل ليس على إسحاق، بل على شيخه أو على شيخ شيخه، فليس بلازم أن يكون كل هذه الاختلافات في ألفاظ الحديث الحمل فيها على الرواة عن عليِّ بن يحيى، فقد تكون العهدة عليه، فهو حديثه، والله أعلم. وقد خرجت الحديث بكل ألفاظه، ولله الحمد في المجلد السابع، في الشرط الثالث من شروط تكبيرة الإحرام.
• ويناقش من وجهين:
الوجه الأول: شذوذ زيادة (التسميع) في حديث رفاعة.
الوجه الثاني: لو صحت زيادة إسحاق بذكر التسميع في حديث المسيء في صلاته لكان التسميع وما ذكر معه ركنًا من أركان الصلاة، لقوله في الحديث: (إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ
…
ثم يقول: سمع الله لمن حمده).
فالحنابلة لما رأوا الحديث ضعيفًا عاد ذلك بالضعف على مأخذ الحكم، فهم لا يذهبون إلى القول بالركنية مع أن دلالة اللفظ تقتضيه؛ وذلك لضعف الحديث، ولا يقولون بالاستحباب؛ لأنه يقتضي إهدار الحديث الضعيف، فيتوسطون إلى القول بالوجوب، وهذا لا يساعد عليه لفظ الحديث.
ومثل هذا صنعوا مع حديث: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه)، فكانت دلالة الحديث تقتضي شرطية التسمية للوضوء، فلما كان الحديث ضعيفًا، نزل الحنابلة في أحد القولين إلى القول بوجوب التسمية وهو نزول عن دلالة اللفظ، ثم قالوا بسقوط التسمية مع النسيان مع أنها من المأمورات، والمأمورات لا تسقط بالنسيان بخلاف المنهيات، ولكن لضعف مأخذ الوجوب لم يرتبوا الحكم عليه بما تقتضيه دلالة اللفظ، وذلك لما اعتراه من ضعف في أسانيده، فكذلك صنعوا مع حديث رافع بن رفاعة رضي الله عنه، فقالوا بوجوب التسميع مع أن دلالة اللفظ تقتضي الركنية، ومن عيوب الدليل كونه لا يطابق المدلول.
الدليل الثاني:
(ح-1728) ما رواه مسلم من طريق أبي معاوية ووكيع، عن الأعمش، عن عبيد ابن الحسن،
عن ابن أبي أوفى، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا رفع ظهره من الركوع،
قال: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، ملء السماوات، وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد
(1)
.
وفي الباب حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين
(2)
، وحديث البراء
فيهما
(3)
، وحديث ابن عمر في البخاري
(4)
،
وحديث رفاعة بن رافع في البخاري
(5)
.
وغيرها من الأحاديث الكثيرة، كلها تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في
(1)
. رواه مسلم (202 - 476).
(2)
. رواه البخاري (789) من طريق عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث، أنه سمع أبا هريرة، يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، حين يرفع صلبه من الركعة
…
الحديث.
ورواه مسلم (28 - 392) من طريق ابن جريج، عن ابن شهاب به.
ورواه البخاري (795) من طريق ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال: سمع الله لمن حمده، قال: اللهم ربنا لك ولك الحمد
…
الحديث.
(3)
. رواه البخاري (690)، ومسلم (198 - 474) من طريق يحيى بن سعيد، عن سفيان، قال: حدثني أبو إسحاق، قال: حدثني عبد الله بن يزيد، قال: حدثني البراء -وهو غير كذوب-، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال: سمع الله لمن حمده، لم يَحْنِ أحد منا ظهره، حتى يقع النبي صلى الله عليه وسلم ساجدًا، ثم نقع سجودًا بعده.
(4)
. رواه البخاري (735) من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك أيضًا، وقال: سمع الله لمن حمده، وكان لا يفعل ذلك في السجود.
ورواه البخاري (736) ومسلم (23 - 390) من طريق يونس بنحوه، إلا أن مسلمًا أحال على رواية ابن جريج عن الزهري، برفع الأيدي، ولم يذكر التسميع.
ورواه البخاري (789)، ومسلم (29 - 392) من طريق عقيل، عن ابن شهاب به بنحوه في البخاري، وفي مسلم اختصر لفظه.
ورواه البخاري (739) من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، أن ابن عمر كان إذا دخل في الصلاة رفع يديه
…
وذكر نحوه، وقال في آخره: ورفع ذلك ابنُ عمرَ إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم.
(5)
. رواه البخاري (799) من طريق علي بن يحيى بن خلاد الزرقي، عن أبيه، عن رفاعة بن رافع الزرقي، قال: كنا يوما نصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله لمن حمده، قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرا طيبًا مباركًا فيه
…
الحديث.
صلاته: سمع الله لمن حمده، ويواظب على ذلك، ولم ينقل أنه أخل به ولو مرة واحدة لبيان الجواز.
فإن قيل: أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم لا تدل على الوجوب؟
فالجواب: أن دلالة الوجوب مركبة من أمرين:
أحدهما: المواظبة من النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الفعل، ولم ينقل أنه أخل به ولو مرة واحدة.
الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم في حديث مالك بن الحويرث: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، فكان هذا الفعل بيانًا لهذا المجمل، فالأمر (صلوا) الأصل فيه الوجوب، والفعل إذا وقع بيانًا لمجمل أخذ حكم هذا المجمل.
• ونوقش:
سبق لي مناقشة صلاحية حديث مالك بن الحويرث على الاستدلال به على أن الأصل في جميع أفعال الصلاة الوجوب في مسألة حكم تكبيرات الانتقال ومنه التكبير للركوع فارجع إليه إن شئت.
وأما الاستدلال بالمواظبة على الوجوب فالمواظبة لا تكفي دليلًا على الوجوب، وإنما تدل على توكيد الاستحباب، فالنبي صلى الله عليه وسلم واظب على أشياء كثيرة من السنن، ولم يكن ذلك دليلًا على وجوبها، كقراءة ما تيسر من القرآن في الركعة الأولى والثانية من الفرائض، ولم يكن ذلك دليلًا على وجوبها، وكما واظب على راتبة الفجر، وسنة الوتر، فلم يكن يدعهما حضرًا، ولا سفرًا، ولم يكن ذلك كافيًا للقول بوجوبهما.
• دليل من قال: بركنية قول سمع الله لمن حمده:
استدل ابن حزم بحديث رفاعة السابق، (إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ
…
ثم يقول: سمع الله لمن حمده).
وإذا كانت الصلاة لا تصح بلا وضوء، فكذلك لا تصح من غير قول المصلي: سمع الله لمن حمده، إلا أن الوضوء لما كان متقدمًا على الصلاة اقتضى الحديث شرطيته، ولما كان التسميع جزءًا من الصلاة اقتضى الحديث ركنيته.
وقوله: (لأحد من الناس) عام دخل فيه الإمام والمنفرد.
• ونوقش من وجهين:
الأول: أن ذكر التسميع في الحديث شاذ.
الثاني: أن لفظ: (لا تتم صلاة أحدكم) نفي التمام يأتي على معنيين:
تارة يراد بنفي التمام أي لم تبلغ رتبة الكمال، وهذا لا يكون إلا في ترك السنن.
وتارة يراد به إثبات النقص، والنقص قد يكون لترك ركن، أو لترك واجب، وإذا احتمل أمرين أخذنا بالمتيقن، وهو الوجوب، وهذا يصح تخريجًا للحنابلة للاستدلال بحديث رفاعة على الوجوب.
وفي الحديث ما يدل على أن المراد نقص الواجبات، وليس الأركان:
(ح-1729) فقد روى أبو داود من طريق يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد بن رافع الزرقي، عن أبيه، عن جده،
عن رفاعة بن رافع، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقص هذا الحديث قال فيه: فتوضأ كما أمرك الله جل وعز، ثم تشهد، فأقم ثم كبر، فإن كان معك قرآن فاقرأ به، وإلا فاحمد الله وكبره وهلله»، وقال فيه: «وإن انتقصت منه شيئًا انتقصت من صلاتك
(1)
.
وجه الاستدلال:
فقوله: (انتقصت من صلاتك) فأثبت الصلاة مع قيام النقص، فلو كان النقص من قبيل نقص الأركان لم تبق صلاته، ولكانت في حكم العدم، ولو كان من نقص المستحبات لم ينسب النقص إلى الصلاة.
• ورد هذا الاستدلال بأجوبة منها:
الجواب الأول:
أن حديث رفاعة وإن كان حسنًا في الجملة إلا أن فيه حروفًا قد اختلف رواة حديث رفاعة في ذكرها، ومنها قوله:(وما انتقصت من ذلك فإنما انتقصته من صلاتك)، فالصحيح أنه حرف شاذ، لا يصلح للحجة، والله أعلم]
(2)
.
(1)
. سنن أبي داود (861).
(2)
. الحديث بزيادة (وما انتقصته من شيء فإنما تنتقصه من صلاتك). =
الجواب الثاني:
أن النبي صلى الله عليه وسلم لو أمره بالإعادة فحسب لربما احتمل هذا الجواب، وإنما أمره بالإعادة، معللًا ذلك بقوله:(فإنك لم تُصَلِّ)، ومن صحت صلاته لا يقال له: إنك لم تُصَلِّ، فهذا دليل على نفي الصلاة الشرعية في حقه.
الجواب الثالث:
أنه قد ذكر مع التسميع ما لا يختلف في ركنيته، كتكبيرة الإحرام، وقراءة القرآن، فالتفريق بينها وبين التسميع في الحكم لا يساعد عليه اللفظ.
الجواب الرابع:
على فرض صحة الزيادة في حديث رفاعة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما سمى فعله صلاة بحسب ما يعتقده المصلي، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالركوع والسجود، فيلزم على هذا
= روى هذه الزيادة يحيى بن علي (فيه جهالة) وداود بن قيس، وابن عجلان (صدوق) على اختلاف عليه في إسناده ولفظه، رووه عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمه رفاعة.
ورواه دون هذه الزيادة كل من: إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، ومحمد بن إسحاق، ومحمد بن عمرو، وشريك بن أبي نمر، وعبد الله بن عون.
هذه هي الطرق التي وقفت عليها من حديث رفاعة في قصة المسيء في صلاته، وحديث المسيء في صلاته قد رواه الشيخان البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة.
ورواه رفاعة بن رافع خارج الصحيحين، وهي قصة واحدة لوجود التطابق بين أحداث القصة، وقد روى البخاري في صحيحه حديثًا من رواية علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن رفاعة بن رافع، انظر فتح الباري (ح 799)، وإنما تجنب البخاري إخراج هذا الحديث في صحيحه للاختلاف على علي بن يحيى بن خلاد في ألفاظه، فالرواة عنه يزيد بعضهم على بعض بألفاظ لم يتفقوا عليها عنه، ولم ترد في حديث أبي هريرة، مما يجعل الباحث لا يجزم بكونها محفوظة في الحديث إلا ما وافق منها حديث أبي هريرة في الصحيحين، وأما ما انفرد فيه حديث رفاعة مما اختلف على الرواة في ذكره ففي النفس منه شيء؛ لوجود الاختلاف الكثير في إسناده وألفاظه ومنها هذه اللفظة موضع الشاهد (وما انتقصت من شيء فإنما تنقصه من صلاتك).
وقد تكلم على هذا الاختلاف أبو داود في السنن (858، 860، 861)، وابن أبي حاتم في العلل (1/ 82، 83)، والحاكم في المستدرك (1/ 242، 243)، والبيهقي في السنن (2/ 373). وقد سبق لي تخريج هذه الزيادة في نفس المجلد، فأغنى هذا عن إعادته هنا، ولله الحمد.
الفهم أن تسمي ما لا ركوع ولا سجود فيها صلاة أيضًا؛ لأنه من جملة ما انتقصه من صلاته.
• الراجح:
الذي يتعين قول الجمهور، وهو أن التسميع للإمام من السنن، وليس من الواجبات، ولا من الأركان، والله أعلم.
* * *