الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الأول في حكم السجود
المدخل إلى المسألة:
• الصلاة ماهية مركبة من قيام، وركوع، وسجود، وقعود، فهذه هي أركان الصلاة الفعلية، وقد اصطلحوا على عد أجزاء الماهية أركانًا.
• كل جزء عبر به عن الكل فهو دليل على ركنية ذلك الجزء، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} فعبر بالركوع والسجود عن الصلاة.
• قال صلى الله عليه وسلم: ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا) فأمره بالسجود، والأصل في الأمر الوجوب.
• لا يختلف العلماء أن السجود ركن من أركان الصلاة لا تصح الصلاة بدونه.
• السجود قربة داخل الصلاة مطلقًا، وقربة خارج الصلاة إن كان له سبب شرعي صحيح، من سهو، أو تلاوة، أو شكر، ولا يتقرب به إلى الله بلا سبب.
[م-653] السجود إن كان في الصلاة فهو ركن بالاتفاق لا تتم الصلاة إلا به، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77].
فعبر بالركوع والسجود عن الصلاة؛ لأنهما من أعظم أركانها، والآية دليل على أن الصلاة لا تكون إلا بالركوع والسجود، وهكذا في كل جزء عبر به عن الكل فإنه دليل على ركنية ذلك الجزء، كإطلاق الرقبة على العبد في قوله تعالى:{فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المجادلة: 3]، وقد سبق الكلام على مثل هذا في حكم الركوع.
وأما السنة، فأحاديث كثيرة، منها
(ح-1802) ما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،
عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرد النبي صلى الله عليه وسلم عليه السلام، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ، ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، وافعل ذلك في صلاتك كلها
(1)
.
وجه الاستدلال من أكثر من وجه:
الأول: قوله: (ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا) فأمره بالسجود، وبالطمأنينة فيه. والأصل في الأمر الوجوب.
وقوله: (ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ) فكان التقصير بالسجود وبالطمأنينة فيه موجبًا لإعادة الصلاة، والإعادة لا تجب إلا لفساد العبادة، وقد نفى عنه الصلاة الشرعية، والصلاة لا تنتفي إلا بخلل أركانها.
وأما السجود خارج الصلاة فإن كان له سبب، من سهو، أو تلاوة، أو شكر لحصول نعمة أو دفع نقمة، فهذا سجود مشروع.
[م-654] وأما التقرب بالسجود خارج الصلاة من غير سبب، ففيه وجهان للشافعية،:
أحدهما: يجوز، وصححه المحب الطبري الشافعي
(2)
، ويمكن أن يستدل له بما يلي:
الدليل الأول:
قوله تعالى: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب} [العلق: 19].
فأمرهم بالسجود، فدل على أنه عبادة مستقلة، وإن كان جزءًا من الصلاة.
• ونوقش:
الأمر بالسجود: أمر بالصلاة، وأطلق السجود على الصلاة لكونه ركنًا فيه، كما
(1)
. صحيح البخاري (793)، وصحيح مسلم (45 - 397).
(2)
. فيض القدير (4/ 334)، التنوير شرح الجامع الصغير (7/ 280).
تقدم مثل ذلك في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77]، فإنه لا يوجد ركوع مستقل عن الصلاة، فكذلك السجود، والله أعلم.
الدليل الثاني:
(ح-1803) ما رواه مسلم من طريق الوليد بن مسلم، قال: سمعت الأوزاعي، قال: حدثني الوليد بن هشام المعيطي، حدثني معدان بن أبي طلحة اليعمري، قال:
لقيت ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: أخبرني بعمل أعمله يدخلني الله به الجنة؟ أو قال قلت: بأحب الأعمال إلى الله، فسكت. ثم سألته، فسكت. ثم سألته الثالثة فقال: سألت عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: عليك بكثرة السجود لله، فإنك لا تسجد لله سجدة، إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة.
قال معدان: ثم لقيت أبا الدرداء فسألته فقال لي: مثل ما قال لي: ثوبان
(1)
.
ويجاب عنه بما أجيب به الآية الكريمة، فالعلماء فهموا منه كثرة السجود في الصلاة، ولهذا تكلموا في أيهما أفضل، طول القيام في الصلاة أم كثرة السجود، كما سيأتي بحث ذلك في مسألة تالية إن شاء الله تعالى.
الدليل الثالث:
إذا جاز التقرب بالسجود على وجه الاستقلال عن الصلاة بسبب جاز التقرب بالسجود بغير سبب كالركعة، وبه فارق السجود الركوع فإنه لم يشرع استقلالًا مطلقًا، لا بسبب، ولا بغيره.
• ونوقش:
بأن القُرَبَ يشترط لفعلها إما إذن من الشارع بالفعل مطلقًا، أو سبب شرعي صحيح يُجَوِّز فعلها، فكما لا يتقرب إلى الله تعالى بالوقوف بعرفة ومزدلفة ورمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة من غير نسك، فكذلك لا يتقرب إلى الله تعالى
(1)
. صحيح مسلم (225 - 488).
بسجدة منفردة، وإن كانت قربة.
والوجه الثاني:
لا يجوز السجود بلا سبب، وهو مذهب الحنفية، وبه قال إمام الحرمين والغزالي ورجحه الرافعي، وهو الصحيح عندهم، ويمكن تخريجه على مذهب كراهة الإمام مالك سجود الشكر لانفراده عن الصلاة بحجة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله، ولم يأذن بفعله، فالسجدة التي لا سبب لها أولى بالمنع
(1)
.
واستدلوا على التحريم:
بأن العبادات توقيفية، تفتقر إلى إذن من الشارع، والأصل فيها الحظر إلا بدليل، ولا دليل على جواز التعبد بالسجود دون سبب شرعي.
وقياسًا على الركوع، فإنه لو تطوع بركوع مفرد، كان حرامًا بالاتفاق، فكذلك السجود، والله أعلم.
* * *
(1)
. حاشية ابن عابدين (1/ 419)، فتح العزيز (4/ 200)، فتح المعين بشرح قرة العين بمهمات الدين (ص: 142)، المدونة (1/ 197)، عيون المسائل (ص: 126)، البيان والتحصيل (1/ 393)، شرح التلقين (2/ 807)، جواهر الدرر في حل ألفاظ المختصر (2/ 264).