المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المسألة الثانية حكم السجود على الأنف - الجامع في أحكام صفة الصلاة - الدبيان - جـ ٤

[دبيان الدبيان]

فهرس الكتاب

- ‌المبحث السادس أقل الكمال في التسبيح

- ‌المبحث السابع كراهة قراءة القرآن في الركوع والسجود

- ‌المبحث الثامن حكم الدعاء في الركوع والسجود

- ‌الباب الثامن في أحكام الرفع من الركوع

- ‌الفصل الأول حكم الرفع من الركوع والسجود

- ‌الفصل الثاني في مشروعية التسميع والتحميد

- ‌المبحث الأول في وقت ابتداء التسميع والتحميد

- ‌المبحث الثاني في مشروعية التسميع للإمام

- ‌المبحث الثالث حكم التحميد للإمام

- ‌المبحث الرابع حكم التسميع والتحميد للمأموم

- ‌المبحث الخامس حكم التسميع والتحميد للمنفرد

- ‌الفصل الثالث في رفع اليدين للرفع من الركوع

- ‌المبحث الأول في مشروعية الرفع

- ‌المبحث الثاني في صفة رفع اليدين

- ‌المبحث الثالث في منتهى رفع اليدين

- ‌الباب التاسع أحكام الاعتدال في الصلاة

- ‌الفصل الأول في حكم الاعتدال من الركوع والسجود

- ‌الفصل الثاني في حكم الزياده على التسميع والتحميد

- ‌الفصل الثالث في قبض اليسرى باليمنى بعد الرفع من الركوع

- ‌الفصل الرابع في صيغ التحميد المشروعه

- ‌الفصل الخامس في تطويل مقدار الاعتدال من الركوع

- ‌الباب العشر في أحكام السجود

- ‌تمهيد

- ‌المبحث الأول في تعريف السجود

- ‌المبحث الثاني في مقام السجود من العبادة

- ‌الفرع الأول في فضل السجود

- ‌الفرع الثاني في تفضيل كثرة السجود على طول القيام

- ‌الفصل الأول في حكم السجود

- ‌الفصل الثاني في صفة السجود

- ‌المبحث الأول في صفة التجزئة

- ‌الفرع الأول في وجوب الطمأنينة في السجود

- ‌الفرع الثاني في الأعضاء التي يجب السجود عليها

- ‌المسألة الأولى في حكم السجود على الجبهة

- ‌المسألة الثانية حكم السجود على الأنف

- ‌المسألة الثالثة حكم السجود على الكفين والركبتين والقدمين

- ‌المسألة الرابعة في حكم رفع الذراعين عن الأرض في السجود

- ‌المبحث الثاني في صفة السجود الكاملة

- ‌الفرع الأول في السنن القولية

- ‌المسألة الأولى في مشروعية التكبير للسجود

- ‌المسألة الثانية في صفة التكبير للسجود

- ‌المسألة الثالثة في حكم التسبيح في السجود

- ‌مطلبفي بعض أذكار السجود الواردة في الصلاة

- ‌الفرع الثاني في سنن السجود الفعلية

- ‌المسألة الأولى في صفة الهوي للسجود

- ‌المسألة الثانية في رفع الأيدي إذا كبر للسجود أو رفع منه

- ‌المسألة الثالثة السنة في موضع الكفين حال السجود

- ‌المسألة الرابعة في استحباب ضم أصابع يديه في السجود وتوجهها إلى القبلة

- ‌المسألة الخامسة في الهيئة المستحبة في سجود القدمين

- ‌المسألة السادسة في استحباب المجافاة في السجود

- ‌المطلب الأول في استحباب مجافاة العضدين عن الجنبين

- ‌المطلب الثاني في استحباب مجافاة الفخذين عن البطن

- ‌المطلب الثالث في مجافاة المرأة

- ‌المطلب الرابع في المجافاة بين الفخذين وكذا الركبتين

- ‌المطلب الخامس في المجافاة بين القدمين

- ‌الفصل الثالث في تعذر السجود على أحد الأعضاء السبعة

- ‌المبحث الأول إذا قدر على السجود بالوجه وعجز عن الباقي

- ‌المبحث الثاني إذا تعذر السجود بالجبهة وقدر على الباقي

- ‌المبحث الثالث إذا تعذر السجود بالجبهة والأنف وقدر على الباقي

- ‌الفصل الرابع في السجود على الحائل

- ‌المبحث الأول في السجود على حائل منفصل عن المصلى

- ‌المبحث الثاني في السجود على حائل متصل بالمصلي

- ‌الفرع الأول في السجود على عضو من أعضاء المصلي

- ‌الفرع الثاني في السجود على حائل متصل ليس من أعضاء المصلي

- ‌المسألة الأولى في مباشرة الأرض بالقدمين والركبتين في السجود

- ‌المسألة الثانية في مباشرة الأرض باليدين حال السجود

- ‌المسألة الثالثة في مباشرة الأرض بالجبهة حال السجود

- ‌الباب الحادي عشر في الرفع من السجود

- ‌الفصل الأول في مشروعية التكبير للرفع من السجود

- ‌الفصل الثاني في وقت ابتداء التكبير للرفع من السجود

- ‌الفصل الثالث في رفع اليدين مع الرفع من السجود

- ‌الفصل الرابع في حكم الرفع من السجود

- ‌الباب الثاني عشر في الاعتدال من السجود

- ‌الفصل الأول في ركنية الجلوس بين السجدتين

- ‌الفصل الثاني في صفة الجلوس في الصلاة

- ‌الفصل الثالث في النهي عن الإقعاء في الصلاة

- ‌الفصل الرابع في مشروعية الذكر بين السجدتين وفي حكمه وصيغته

- ‌الفصل الخامس صفة وضع اليدين إذا جلس بين السجدتين

- ‌الفصل السادس في وجوب السجده الثانية في الصلاة

- ‌الباب الثالث عشر في النهوض للركعة الثانية

- ‌الفصل الأول في مشروعية جلسة الاستراحة قبل القيام

- ‌الفصل الثاني في صفة النهوض إلى الركعة الثانية

- ‌الباب الرابع عشر في الفروق بين الركعة الأولى وسائر الركعات

- ‌الفصل الأول في تكبيرة الإحرام

- ‌الفصل الثاني لا يشرع الاستفتاح في الركعة الثانية

- ‌الفصل الثالث لا يستعيذ في الركعة الثانية إذا استعاذ في الركعة الأولى

- ‌الفصل الرابع لا يجدد النية للركعة الثانية

- ‌الفصل الخامس في أطالة الركعة الأولى على سائر الركعات

- ‌الباب الخامس عشر في الأحكام الخاصة بالتشهد

- ‌الفصل الأول في حكم التشهد الأول والجلوس له

- ‌الفصل الثاني حكم التشهد الأخير

- ‌الفصل الثالث في ألفاظ التشهد

- ‌الفصل الرابع في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد

- ‌المبحث الأول في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول

- ‌المبحث الثاني في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الثاني

- ‌الفصل الخامس في صفة الكفين في التشهد

- ‌الفصل السادس في تحريك السبابة بالتشهد

- ‌الفصل السابع الدعاء في التشهد

- ‌المبحث الأول في التعوذ بالله من أربع

- ‌المبحث الثاني في صفة الدعاء في الصلاة

- ‌الباب السادس عشر التسليم في الصلاة

- ‌الفصل الأول حكم التسليم

- ‌الفصل الثاني في حكم زيادة (ورحمة الله) في التسليم

الفصل: ‌المسألة الثانية حكم السجود على الأنف

‌المسألة الثانية حكم السجود على الأنف

المدخل إلى المسألة:

• لا خلاف بين أهل العلم في مشروعية السجود على الأنف.

• لا يوجد دليل صحيح مرفوع يأمر بالسجود على الأنف.

• ذكر الأنف في حديث ابن عباس إن كان بالعبارة فهو مدرج في الحديث، أخطأ فيه عبد الله بن وهب،، وإن كان بالإشارة فهو من فعل طاوس مقطوعًا عليه.

• السجود إن كانت حقيقته لغوية، فلا تتوقف على السجود على الأنف، وإن كانت شرعية فالمحفوظ من حديث ابن عباس أمرت بالسجود على سبعة أعظم، ليس منها الأنف، وهو في الصحيحين.

• استيعاب العضو بالسجود لا يجب إجماعًا.

• إن جعل الأنف والجبهة كعضو واحد كان السجود على الأنف كالسجود على بعض الجبهة فيجزئ، وإن جعل الأنف عضوًا مستقلًّا كان السجود على ثمانية أعضاء، وهو خلاف حديث ابن عباس.

• المواظبة على السجود على الأنف لا يكفي في الدلالة على الوجوب فقد واظب النبي صلى الله عليه وسلم على الوتر، وسنة الفجر، ولم يدل ذلك على وجوبهما.

[م-658] الأنف من أعضاء السجود، لا يختلف العلماء على ذلك، ومستندهم حديث ابن عباس المتفق عليه، إلا أنهم اختلفوا في وجوب السجود عليه:

فقيل: السجود على الأنف سنة، وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن الإمام أحمد، وصححها أبو يعلى من الحنابلة، وكره أبو حنيفة في أحد

ص: 213

القولين والشافعية الاقتصار على الجبهة، واستحب المالكية إعادة الصلاة في الوقت

(1)

.

قال النووي: «إن اقتصر على الجبهة أجزأه. قال الشافعي في الأم كرهت ذلك وأجزأه، وهذا هو المشهور في المذهب وبه قطع الجمهور»

(2)

.

قال في ملتقى الأبحر: «ويسجد بأنفه وجبهته، فإن اقتصر على أحدهما

جاز مع الكراهة»

(3)

.

وقيل: السجود على الأنف واجب وليس بفرض، وهو قول في مذهب

(1)

. الأصل (1/ 13، 210)، فتح القدير (1/ 304)، وحاشية ابن عابدين (1/ 489، 499)، الدر المختار شرح تنوير الأبصار (ص: 68)، ملتقى الأبحر (ص: 147)، العناية شرح الهداية (1/ 303)، البحر الرائق (1/ 335)، الهداية شرح البداية (1/ 51)، الاختيار لتعليل المختار (1/ 51)، الجوهرة النيرة (1/ 53)، تبيين الحقائق (1/ 116).

وجاء في التهذيب في مختصر المدونة (1/ 239): «السجود على الأنف والجبهة جميعًا، فإن سجد على الأنف دون الجبهة أعادها أبدًا، ومن سجد على جبهته دون الأنف فصلاته مجزئة عنده، ولا يعيد» .

وعلل في منح الجليل (1/ 250) الإعادة في الوقت بأنه مراعاة للقول بوجوبه، والراجح ندبه. اهـ أي من باب مراعاة الخلاف، وهو أصل عند المالكية.

وانظر: مواهب الجليل (1/ 521)، الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (1/ 240)، شرح التلقين (2/ 528)، منح الجليل (1/ 250)، التوضيح لخليل (1/ 359).

وكره الشافعية الاقتصار على الجبهة، انظر في مذهب الشافعية: الأم (1/ 137)، الحاوي الكبير (2/ 126)، المجموع (3/ 424)، فتح العزيز (3/ 455)، روضة الطالبين (1/ 256)،

المهذب (1/ 145)، حواشي الشرواني على تحفة المحتاج (2/ 75)، مغني المحتاج (1/ 374)، نهاية المحتاج (1/ 512، 515).

قال أبو يعلى في كتاب الروايتين والوجهين (1/ 125): «نقل الحارث: إن سجد على جبهته دون أنفه أجزأه، وهو أصح؛ لأن أحمد قد أجاز السجود على كور العمامة. وذلك لما روى في حديث ابن عمر وأنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا سجدت فَمَكِّنْ جبهتك من الأرض، فظاهر هذا أنه إذا مكن جبهته أجزأه، وإن لم يكن أنفه؛ لأنه قد أتى بالسجود على الجبهة فأجزأه، كما لو أتى به مع الأنف» . وانظر: المبدع (1/ 402)، الممتع في شرح المقنع للتنوخي (1/ 363)، الإنصاف (2/ 66)، المقنع (ص: 51).

(2)

. المجموع (3/ 424)، وانظر: فتح العزيز (3/ 455).

(3)

. ملتقى الأبحر (ص: 147).

ص: 214

الحنفية

(1)

.

وقيل: السجود على الأنف ركن، وهو المعتمد في مذهب الحنابلة، اختاره الأوزاعي وابن حبيب من المالكية، وقواه النووي، وبه قال جماعة من المحدثين

(2)

.

قال النووي في المجموع: «وحكى صاحب البيان عن الشيخ أبي يزيد المروزي أنه حكى قولًا للشافعي: إنه يجب السجود على الجبهة والأنف جميعًا، وهذا غريب في المذهب، وإن كان قويًّا في الدليل»

(3)

.

وقال الحافظ في الفتح: «وعن الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وابن حبيب من المالكية وغيرهم يجب أن يجمعهما، وهو قول للشافعي أيضًا»

(4)

.

فتحصل الخلاف في السجود على الأنف مع الجبهة ثلاثة أقوال:

سنة، وواجب، وركن. فإذا انتهيت من الأقوال، فلننزل إلى معرض الحجة والبرهان.

• دليل الجمهور على أن السجود على الأنف سنة:

الدليل الأول:

لا يوجد دليل صحيح يأمر بالسجود على الأنف، وما جاء في السنة الصحيحة فهو إما مجرد فعل من النبي صلى الله عليه وسلم، وهو لا يقتضي الوجوب، وإما من كلام طاوس، رواه ابنه عنه، وأدرجه بعض الرواة عن ابنه في الحديث فظن أنه مرفوع كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى عند تخريج حديث ابن عباس.

(1)

. فتح القدير (1/ 304)، حاشية ابن عابدين (1/ 498، 499)، البحر الرائق (1/ 335، 336)، وانظر المسألة السابقة فقد فصلت الخلاف بين الحنفية في تفسير هذه الكراهة، والاختلاف في ثبوتها.

(2)

. شرح منتهى الإرادات (1/ 179)، الإقناع (1/ 121)، الكافي (1/ 252)، كشاف القناع (1/ 351)، مسائل حرب الكرماني، تحقيق الغامدي (ص: 171)، المغني (1/ 370)، الفروع (2/ 200)، المبدع (1/ 400)، الإنصاف (2/ 67).

وانظر قول ابن حبيب في التبصرة للخمي (1/ 287)، الذخيرة للقرافي (2/ 195).

(3)

. المجموع (3/ 424)، وانظر البيان للعمراني (2/ 217).

وقال النووي في الروضة (1/ 256): «وحكى صاحب (البيان) قولًا غريبًا أنه يجب وضع الأنف مع الجبهة» .

(4)

. فتح الباري (2/ 296، 297).

ص: 215

الدليل الثاني:

(ح-1808) روى البخاري من طريق سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاوس،

عن ابن عباس، أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يسجد على سبعة أعضاء، ولا يكف شعرًا ولا ثوبًا: الجبهة، واليدين، والركبتين، والرجلين

(1)

.

ورواه مسلم من طريق حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن طاوس،

عن ابن عباس، قال: أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يسجد على سبعة أعظم، ونهي أن يكف شعره وثيابه، الكفين والركبتين والقدمين والجبهة

(2)

.

وجه الاستدلال:

أن حديث ابن عباس ذكر أن السجود على سبعة أعظم، ثم فصلها: الجبهة، والكفان، والركبتان والقدمان، وكون الأنف يدخل معها فهذا من باب الكمال، لا من باب الشرط؛ لأن اشتراط الأنف في السجود سيجعل الأعضاء ثمانية، والقول إن الأنف من الجبهة ليس صحيحًا، فالأنف من الوجه، ولا يسمى جبهة، لا لغة، ولا شرعًا، فلو حلف أن يقبل جبهته فقبل أنفه لم يصح.

• وأجيب:

بأن الحديث مداره على طاوس، عن ابن عباس، رواه عمرو بن دينار في الصحيحين، عن طاوس، عن ابن عباس فلم يذكر الأنف.

ورواه عبد الله بن طاوس في الصحيحين، عن أبيه، وأشار إلى الأنف حين ذكر الجبهة، وهذه زيادة من ثقة فتكون مقبولة، وليس الأنف من الجبهة من جهة التسمية، ولكنهما عضو واحد من حيث الحكم الشرعي، والمستفاد من الإشارة إلى الأنف فكان تابعًا للجبهة في الحكم، لا عضوًا مستقلًّا عنها، ولا أن الأنف يسمى جبهة.

(ح-1809) فقد رواه البخاري ومسلم من طريق وهيب بن خالد، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه،

عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أسجد على

(1)

. صحيح البخاري (809).

(2)

. صحيح مسلم (227 - 490).

ص: 216

سبعة أعظم على الجبهة، وأشار بيده على أنفه، واليدين والركبتين، وأطراف القدمين ولا نكفت الثياب والشعر

(1)

.

ورواه مسلم من طريق عبد الله بن وهب، حدثني ابن جريج، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه،

عن عبد الله بن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أمرت أن أسجد على سبع، ولا أكفت الشعر، ولا الثياب: الجبهة، والأنف، واليدين، والركبتين، والقدمين

(2)

.

• ورد هذا:

بأن ذكر الأنف بالعبارة مدرج في الحديث، والصحيح أن الأنف ذكر بالإشارة من فعل طاوس مقطوعًا عليه

(3)

.

(1)

. صحيح البخاري (812)، ومسلم (230 - 490).

(2)

. صحيح مسلم (231 - 490).

(3)

. الحديث مداره على طاوس، عن ابن عباس،

رواه عمرو بن دينار، عن طاوس كما في الصحيحين، لا يختلفون عليه في عدم ذكر الأنف في حديث ابن عباس.

تابعه أبو بشر كما في مصنف ابن أبي شيبة (2681).

وليث بن أبي سليم كما في مصنف ابن أبي شيبة (2682، 8050)، والمعجم الأوسط (4737)، وتهذيب الآثار للطبري، مسند ابن عباس (323، 324، 331).

وسقيف بن بشر الشيباني كما في تهذيب الآثار للطبري، مسند ابن عباس (329)، والمعجم الكبير للطبراني (11/ 49) ح 11006، وتلخيص المتشابه في الرسم للخطيب (2/ 843)، ثلاثتهم عن طاوس به، ليس فيه ذكر للأنف.

وسقيف بن بشر، فيه جهالة، ذكره ابن حبان في الثقات (6/ 436)، وذكره البخاري في التاريخ الكبير (2549)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (4/ 322)، وسكتا عليه.

وذكره ابن قُطْلُوْبَغَا في الثقات ممن لم يقع في الكتب الستة.

ورواه عبد الله بن طاوس عن أبيه، عن ابن عباس واختلف على ابن طاوس:

فرواه وهيب بن خالد كما في البخاري (812)، ومسلم (230 - 490) عن ابن طاوس، به، بلفظ: (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: الجبهة، وأشار بيده على أنفه .... الحديث.

والذي أشار على أنفه هو طاوس، وليس ابن عباس فضلًا أن يكون مرفوعًا.

ورواه يحيى بن أيوب الغافقي (صدوق ربما أخطأ) كما في المعجم الكبير للطبراني (11/ 23) ح 10919، حدثني عبد الله بن طاوس به، وليس فيه ذكر للأنف. =

ص: 217

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= ورواه سفيان بن عيينة، واختلف عليه:

فرواه عمرو الناقد كما في صحيح مسلم (229 - 490)،

وأحمد كما في المسند (1/ 222)،

وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي في إحدى روايتيه، كما في صحيح ابن خزيمة (634)،

ومحمود بن آدم كما في المنتقى لابن الجارود (199)،

ومحمد بن يوسف الفريابي كما في السنن الكبرى للبيهقي (2/ 156)، كلهم رووه عن ابن عيينة، عن ابن طاوس به، وليس فيه ذكر للأنف، كرواية عمرو بن دينار، عن طاوس.

ورواه الشافعي كما في السنن الكبرى للبيهقي (2/ 148)، عن سفيان به، قال: أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يسجد على سبعة: يديه، وركبتيه، وأطراف أصابعه، وجبهته، ونهى أن يكفت منه الشعر والثياب. قال سفيان: وزاد ابن طاوس: فوضع يده على جبهته، ثم أمَرَّ بها على أنفه حتى بلغ بها طرف أنفه، قال: وكان أبي يعد هذا واحدًا.

وهذا صريح من الشافعية أن ذكر الأنف واحتسابه من الجبهة من كلام طاوس، ليس من كلام ابن عباس، فضلًا أن يكون مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

وتابع الشافعي الحميدي فرواه في مسنده (501) عن سفيان به، بلفظ:(أُمِرَ النبي صلى الله عليه وسلم أن يسجد منه على سبع: على يديه، وركبتيه، وأطراف أصابعه، وجبهته، ونُهِىَ إن شاء الله أن يكف الشعر والثياب) قال سفيان: وأرانا ابن طاوس فوضع يده على جبينه، ثم مر بها حتى بلغ بها طرف أنفه، وكان أبي يعد هذا واحدًا.

فهذا الحميدي وهو من أثبت أصحاب سفيان، فصل المرفوع عن المقطوع، فقوله:(وكان أبي يعد هذا واحدًا)، صريح أن إدخال الأنف في الجبهة من قول طاوس، ليس مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

ورواه هشام بن عمار كما في سنن ابن ماجه (884) حدثنا سفيان، عن ابن طاوس به، بلفظ:(أمرت أن أسجد على سبع، ولا أكف شعرًا، ولا ثوبًا) قال ابن طاوس: فكان أبي يقول: اليدين والركبتين والقدمين، وكان يعد الجبهة والأنف واحدًا.

ورواه محمد بن منصور المكي كما في المجتبى من سنن النسائي (1098)، قال: حدثنا سفيان، عن ابن طاوس به، بلفظ:(أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يسجد على سبع، ونُهِيَ أن يكفت الشعر والثياب على يديه وركبتيه وأطراف أصابعه)، قال سفيان: قال لنا ابن طاوس: ووضع يديه على جبهته وأمرها على أنفه. قال: هذا واحد.

فبين أن ذكر الأنف من طاوس، وليس مرفوعًا للنبي صلى الله عليه وسلم.

ورواه سعيد بن عبد الرحمن المخزومي في إحدى روايته كما في صحيح ابن خزيمة (635)، أخبرنا سفيان بن عيينة، عن ابن طاوس به، بنحوه، وفيه: وكان ابن طاوس يمر يده على جبهته وأنفه، يقول: هو واحد.

ورواه علي بن المديني كما في السنن المبرى للبيهقي (2/ 148)، عن سفيان، به، وقال: إلا =

ص: 218

الدليل الثالث:

(ح-1810) ما رواه مسلم من طريق ابن الهاد (يزيد بن عبد الله)، عن محمد ابن إبراهيم، عن عامر بن سعد،

عن العباس بن عبد المطلب، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا سجد العبد سجد معه سبعة أطراف: وجهه، وكفاه، وركبتاه، وقدماه

(1)

.

الدليل الرابع

(ح-1811) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: أخبرنا إسماعيل بن عياش، عن

= أن ابن طاوس أخبرنا أن طاوسًا كان يقول بيده على جبهته، وأنفه، وأَمَرَّ ابن طاوس يده على أنفه وجبهته. قال ابن طاوس: كان أبي يقول: وهو واحد، واليدين والركبتين والرجلين. اهـ

فهذا الشافعي والحميدي وابن المديني وهم من أخص أصحاب ابن عيينة، وهشام بن عمار، ومحمد بن منصور المكي، وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي كلهم رووه عن سفيان بن عيينة به، صريحًا أن ذكر الأنف جاء من كلام طاوس، مقطوعًا عليه، وليس مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

ورواه ابن جريج، واختلف عليه:

فرواه عبد الرزاق كما في المصنف (2974) عن ابن جريج، عن ابن طاوس به، بلفظ:(أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي على سبع: على كفيه، وركبتيه، وأطراف قدميه، وجبينه -ثم مَرَّ يمسح طاوس إذا قال: وجبينه، ثم مَرَّ حتى يمسح أنفه- ولا يكف شعرًا، ولا الثياب) قال ابن طاوس: لا أدري أي السبع كان أبوه يبدأ.

فالمسح إلى الأنف من فعل طاوس، ليس مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

وعبد الرزاق مقدم في ابن جريج، ومن أثبت أصحابه.

وخالفه عبد الله بن وهب، كما في صحيح مسلم (231 - 490)، والمجتبى من سنن النسائي (1096)، وفي الكبرى (687)، وصحيح ابن خزيمة (636)، ومستخرج أبي عوانة (1507، 1865)، ومستخرج أبي نعيم (1091)، وسنن البيهقي (2/ 148)، عن ابن جريج، عن عبد الله بن طاوس به، بلفظ:(أمرت أن أسجد على سبع، ولا أكفت الشعر، ولا الثياب، الجبهة، والأنف، واليدين، والركبتين، والقدمين). فانفرد ابن وهب بذكر الأنف بالعبارة، وليس بالإشارة، فجعلها ثمانية وليست سبعة. وقد أخطأ فيه عبد الله بن وهب.

تابعه زمعة بن صالح (ضعيف) كما في تهذيب الآثار للطبري، مسند ابن عباس (340)، فرواه عن ابن طاوس به، بلفظ:(أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يسجد على سبعة، ولا يكف شعرًا ولا ثوبًا: على الجبين، والأنف، والكفين، والركبتين، وأطراف الرجلين)، والله أعلم.

(1)

. صحيح مسلم (491).

ص: 219

عبد العزيز بن عبيد الله، قال: قلت لوهب بن كيسان: يا أبا نعيم، ما لك لا تمكن جبهتك وأنفك من الأرض؟ قال: ذلك إني سمعت جابر بن عبد الله، يقول: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد في أعلى جبهته على قصاص الشعر

(1)

.

[ضعيف جدًّا]

(2)

.

(1)

. المصنف (2697).

(2)

. رواه ابن أبي شيبة في المصنف كما في إسناد الباب، وفي المسند كما في المطالب العالية (2)، وأبو داود الطيالسي (1900)، وأبو الفضل الزهري في حديثه (320)، والطبراني في مسند الشاميين (1346)، وابن عدي في الكامل (6/ 499)، والدارقطني في السنن (1320) من طريق إسماعيل بن عياش، عن عبد العزيز بن عبيد الله بن حمزة بن صهيب، عن وهب بن كيسان، عن جابر.

وفي إسناده عبد العزيز بن عبيد الله لم يحدث عنه إلا إسماعيل بن عياش،

قال أبو حاتم:

لم يَرْوِ عنه أحد غير إسماعيل بن عياش، وهو عندي عجيب، ضعيف، منكر الحديث، يكتب حديثه، يروي أحاديث مناكير، ويروي أحاديث حسانًا.

وقال أبو داود: ليس بشيء.

وقال النسائي: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه.

وقال أحمد: كنت أظن أنه مجهول حتى سألت عنه بحمص، فإذا هو عندهم معروف، ولا أعلم أحدًا روى عنه غير إسماعيل. اهـ

قال ابن عدي: «وهذه الأحاديث التي ذكرتها لعبد العزيز هذا مناكير كلها، وما رأيت أحدًا يحدث عنه غير إسماعيل بن عياش» .

وقال الدارقطني: «تفرد به: عبد العزيز بن عبيد الله عن وهب، وليس بالقوي» .

وتابع حكيم بن عامر، وهب بن كيسان.

رواه ابن سعد في الطبقات (1/ 421) وأبو يعلى (2176)، والطبراني في الأوسط (432) وفي مسند الشاميين (1470)، وتمام في فوائده (428)، وابن حبان في المجروحين (3/ 147) من طريق أبي بكر بن أبي مريم عن حكيم بن عمير عن جابر بن عبد الله قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد على جبهته على قصاص الشعر.

قال الطبراني: لم يَرْوِ هذا الحديث عن حكيم بن عمير إلا أبو بكر بن أبي مريم.

قلت: تفرد به أبو بكر بن أبي مريم عن حكيم بن عمير، وهو ضعيف، وكان قد سُرِقَ بيتُهُ فاختلط.

قال الدارقطني: أبو بكر بن أبي مريم متروك.

وقال ابن عدي: الغالب على حديثه الغرائب، وقلما يوافقه الثقات.

وضعفه أحمد، وأبو زرعة، وابن معين وغيرهم. =

ص: 220

وجه الاستدلال:

أن من سجد بأعلى الجبهة لا يكون أنفه على الأرض.

• ويناقش:

الحديث لا يصح، ولو صح لم يكن نصًّا في السجود على الجبهة وحدها؛ لأن قصاصة الشعر إن كانت على مقدم رأسه فالسجود عليها يمنع من السجود على الجبهة، والسجود عليها فرض، وإن كانت قصاصة الشعر على الجبهة، كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم له شعر كثير يبلغ شحمة أذنيه فإذا كان هذا طوله في جانب الوجه، فإنه قد يضرب على جبهته من مقدم رأسه، فالسجود عليها لا ينفي السجود على الأنف، ولأن الحديث: يقول: ما لك لا تمكن جبهتك وأنفك؟ فلم ينف السجود على الأنف، وإنما نفى تمكين السجود عليهما معًا على الجبهة وعلى الأنف، وتمكين السجود إن قصد به الاستيعاب فهو ليس واجبًا، وإن قصد به الطمأنينة فهي ركن، لا يصح السجود إلا به، وعلى كل حال فالحديث شديد الضعف، لا يمكن أن يعارض به حديث ابن عباس المتفق عليه لو كان ذكر الأنف محفوظًا في الحديث، والله أعلم.

الدليل الخامس:

إن اعتبرنا الأنف عضوًا مستقلًّا كان السجود على ثمانية أعضاء، وإن اعتبرنا الأنف مع الجبهة عضوًا واحدًا، لم يجب السجود على الأنف؛ لأن استيعاب العضو بالسجود لا يجب إجماعًا، ولأنهما إذا جعلا كعضو واحد أمكن أن تكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر، وربما استنتج من هذا أنه إذا سجد على الأنف وحده أجزأه؛ لأنهما إذا جعلا كعضو واحد كان السجود على الأنف كالسجود على بعض الجبهة فيجزئ، وقد تبين من المسألة السابقة شذوذ القول بجواز الاقتصار في

= وجاء الحديث من طريق ثالث، إلا أنه ضعيف جدًّا،

رواه ابن عدي في الكامل (6/ 228) من طريق عمرو بن شمر عن جابر الجعفي، عن عبد الرحمن ابن سابط عن جابر بن عبد الله قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد على كور العمامة.

وفي إسناده عمرو بن شمر، وجابر الجعفي، وكلاهما متروك.

فهذه الطرق الثلاثة منها طريقان ضعيفان جدًّا، لا يعتبر بهما طريق وهب بن كيسان، وعبد الرحمن بن سابط، وأمثلها طريق حكيم بن عمير، إلا أنه ضعيف.

ص: 221

السجود على الأنف.

• ونوقش:

بأن استيعاب العضو ليس واجبًا بالإجماع هذا في الجملة، لكنه لما ذكر الجبهة وأشار على الأنف دل على أن السجود لا يتحقق بأحدهما، فلو استوعب جبهته بالسجود، ولم يسجد على أنفه لم يتم سجوده، ولو سجد على بعض جبهته وبعض أنفه أجزأه.

• ورد هذا:

هذا الجواب صحيح لو صح الأمر بالسجود على الأنف سواء أكان على وجه الاستقلال أم كان على وجه التبع للجبهة، لكنه لم يصح، وقد بينت في كلام سابق أن ذكر الأنف جاء مدرجًا في الحديث، وأن الصحيح أنه من كلام طاوس، ليس من كلام ابن عباس فضلًا أن يكون مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، هذا هو الدليل الذي يمكن التعويل عليه في سقوط وجوب السجود على الأنف، وكل ما يذكر من الأدلة غير هذا فلا يسلم من الاعتراض عليه، ولولا أنه ذكر من أدلة المسألة لم أعرج عليه.

الدليل السادس:

أن الوجه عضو واحد في السجود، فيجزئ عنه جزء منه كاليدين، وأن مسمى السجود يحصل بوضع الجبهة على الأرض، وإن لم يضع الأنف على الأرض.

• دليل من قال: السجود على الأنف فرض (ركن):

الدليل الأول:

(ح-1812) رواه مسلم من طريق عبد الله بن وهب، حدثني ابن جريج، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه،

عن عبد الله بن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أمرت أن أسجد على سبع، ولا أكفت الشعر، ولا الثياب: الجبهة، والأنف، واليدين، والركبتين، والقدمين

(1)

.

[أدرج عبد الله بن وهب ذكر الأنف بالعبارة، والصحيح أن الأنف ذكر

(1)

. صحيح مسلم (231 - 490).

ص: 222

بالإشارة من فعل طاوس مقطوعًا عليه، وسبق بيان ذلك].

الدليل الثاني:

(ح-1813) ما رواه مسلم من طريق أبي ضمرة، حدثني الضحاك بن عثمان، عن أبي النضر، مولى عمر بن عبيد الله، عن بسر بن سعيد،

عن عبد الله بن أنيس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: أريت ليلة القدر، ثم أنسيتها، وأراني صبحها أسجد في ماء وطين. قال: فمطرنا ليلة ثلاث وعشرين، فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانصرف، وإن أثر الماء والطين على جبهته وأنفه. قال: وكان عبد الله بن أنيس يقول: ثلاث وعشرين

(1)

.

• وجه الاستدلال على الوجوب من وجهين:

الوجه الأول:

أن الله سبحانه وتعالى أمرنا بالصلاة بقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [النور: 56]، وهذا الأمر فيه إجمال، وقد بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم كيفية إقامة الصلاة، فكان إذا سجد سجد على جبهته وأنفه، وقد واظب النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الفعل، فلم يُخِلَّ به، ولا مرة واحدة، فكان فعله عليه الصلاة والسلام بيانًا لذلك المجمل في الآية الكريمة، فيأخذ الفعل حكم الأمر في الآية، فيكون واجبًا، وهذا الاستدلال أقوى من الاستدلال بحديث مالك بن الحويرث:(صلوا كما رأيتموني أصلي)، والذي سبق أن بينت أكثر من مرة بأنه لا يصح الاستدلال به على وجوب أفعال النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة.

الوجه الثاني:

أن سجود النبي صلى الله عليه وسلم على أنفه مع وجود الطين دليل على وجوب السجود على الأنف، فلو لم يكن واجبًا لصانه عن التلوث بالطين.

• ورد هذا الاستدلال من جوابين:

الجواب الأول:

لا نسلم أن قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} ، من اللفظ المجمل؛ ذلك أنه

(1)

. صحيح مسلم (217 - 1167).

ص: 223

لما فرضت الصلوات الخمس ليلة المعراج صلى جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم صبيحة ذلك اليوم، وبين لهم كيفية الصلاة ومواقيتها فإذا قيل لهم {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [النور: 56]، بعد ذلك كان لفظ الصلاة منصرفًا إلى الصلاة التي يعرفونها، فلم يؤمروا بها إلا ومسماها معلوم عندهم، فلا إجمال.

الجواب الثاني:

سلمنا أن قوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} ، من اللفظ المجمل، فإن هذا المجمل لا يمنع من قيام دليل مستقل يبين أن بعض أفعال الصلاة ليست واجبة، كدعاء الاستفتاح، وجلسة الاستراحة، ونحوهما، فحديث ابن عباس نص في محل النزاع وقد بين أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالسجود على سبعة أعظم، الجبهة، والكفين، والركبتين والقدمين، هذا منطوقه، ومفهومه: أن السجود على الأنف ليس واجبًا، أما كون النبي صلى الله عليه وسلم لم يصنه عن التلوث بالطين، فهذا يدل على أن تحصيل سنة السجود على الأنف أكبر من صيانته من الطين، لكن دلالته على الوجوب ضعيفة، والله أعلم.

الدليل الثالث:

(ح-1814) ما رواه الدارقطني من طريق سليمان بن عبد الرحمن، أخبرنا ناشب بن عمرو الشيباني، حدثنا مقاتل بن حيان، عن عروة،

عن عائشة، قالت: أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من أهله تصلي ولا تضع أنفها بالأرض، فقال: ما هذه؟ ضعي أنفك بالأرض؛ فإنه لا صلاة لمن لم يضع أنفه بالأرض مع جبهته في السجود.

قال الدارقطني: «ناشب ضعيف، ولا يصح مقاتل، عن عروة»

(1)

.

[ضعيف جدًّا، تفرد به ناشب، وهو منكر الحديث]

(2)

.

(1)

. سنن الدارقطني (1317).

(2)

. ناشب بن عمرو الشيباني لا يعرف بالرواية إلا عن مقاتل، ولم يرو عنه إلا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي التميمي.

وسليمان هذا قال فيه أبو حاتم: صدوق مستقيم الحديث لكنه أروى الناس عن الضعفاء والمجهولين، وكان في حَدٍّ لو أن رجلًا وضع له حديثًا لم يفهم.

قال ابن الجوزي في التحقيق (1/ 392): «إن قالوا: قد قال الدارقطني ناشب ضعيف، قلنا =

ص: 224

الدليل الرابع:

(ح-1815) ما رواه الترمذي في العلل من طريق حرب بن ميمون، عن خالد الحذاء، عن عكرمة،

عن ابن عباس، قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم على رجل يسجد على جبهته، ولا يضع أنفه على الأرض قال: ضع أنفك يسجد معك.

قال أبو عيسى: وحديث عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أصح

(1)

.

[الصحيح عن عكرمة مرسلًا]

(2)

.

= ما قدح فيه غيره، ولا يقبل التضعيف حتى يتبين سببه».

فتعقبه الذهبي في تنقيح التحقيق (1/ 169): «هذا الكلام يدل على هوى المؤلف وقلة علمه بالدارقطني؛ فإنه ما يضعف إلا من لا خير فيه» .

وقال ابن عبد الهادي في التنقيح (2/ 256): هذا الكلام يدل على قلة علم المؤلف بالدارقطني، فإن الدارقطني قَلَّ أن يضعف رجلًا، ويكون فيه طب، ولا يطلب بيان السبب في التضعيف إلا إذا عارضه تعديل، وقد تكلم البخاري في ناشب أيضًا، وقال: هو منكر الحديث». وهو جرح شديد.

وقد أعله الدارقطني بعلة أخرى، حيث قال: ولا يصح مقاتل عن عروة.

وقال ابن القطان الفاسي: لا يصح. انظر: بيان الوهم والإيهام (5/ 694).

(1)

. العلل الكبير للترمذي (102).

(2)

. حديث ابن عباس رضي الله عنهما روي مرفوعًا، وموقوفًا، ومرسلًا، وهو المعروف.

أما المرفوع، فقد روي من ثلاثة طرق:

الطريق الأول: رواه حرب بن ميمون، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا.

رواه الترمذي في العلل (102)، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار، مسند ابن عباس (1/ 187)، وأبو نعيم الأصبهاني في تاريخ أصبهان (1/ 234)، والخطيب في موضع أوهام الجمع والتفريق (1/ 102).

قال الخطيب: لم يسند هذا الحديث عن خالد الحذاء غير حرب بن ميمون، وغيره يرسله .... اهـ

وحرب بن ميمون العبدي الأصغر، وليس له رواية عن خالد الحذاء إلا هذا الحديث، وقد تفرد به عن خالد الحذاء، قال ابن حجر: متروك الحديث مع عبادته.

وقال أبو زرعة: لين.

وقال الفلاس وغيره: حرب بن ميمون الأصغر ضعيف، وحرب بن ميمون الأكبر ثقة.

الطريق الثاني: عن عاصم الأحول، عن عكرمة، وقد رواه جماعة عن عاصم، مرفوعًا ومرسلًا. فرواه عنه شعبة، واختلف عليه: =

ص: 225

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= فرواه الجراح بن مخلد، واختلف عليه:

فرواه عبد الله بن سليمان بن الأشعث، كما في سنن الدارقطني (1318)، قال: حدثنا الجراح بن مخلد، عن أبي قتيبة سلم بن قتيبة، عن شعبة، عن عاصم الأحول، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: لا صلاة لمن لم يضع أنفه على الأرض.

وخالفه إبراهيم بن عبد السلام كما في مستدرك الحاكم (998)، فرواه عن الجراح بن مخلد، قال: حدثنا أبو قتيبة، حدثنا شعبة، عن عاصم به موقوفًا على ابن عباس.

والمعروف من رواية أبي قتيبة أنه يرويه عن شعبة مرفوعًا، أخطأ فيه إبراهيم بن عبد السلام، حيث رواه موقوفًا، وإبراهيم ضعفه الدارقطني، انظر سؤالات الحاكم (52، 119).

وقد رواه سليمان بن عبيد الله الغيلاني كما في السنن الكبرى للبيهقي (2/ 149)، حدثنا أبو قتيبة، حدثنا شعبة به مرفوعًا، وهو المعروف من حديث أبي قتيبة.

خالف أبا قتيبة الأسود بن عامر (شاذان) كما في الحادي عشر من فوائد ابن البختري (124)، وأبو داود الطيالسي كما في تهذيب الآثار للطبري، مسند ابن عباس (294)،

وأبو زيد الهروي (سعيد بن الربيع) كما في تهذيب الآثار للطبري (295)، ثلاثتهم رووه عن شعبة، عن عاصم، عن عكرمة مرسلًا، كرواية الجماعة عن عاصم، وهو المعروف.

ورواه الثوري، عن عاصم الأحول، عن عكرمة، واختلف على الثوري:

فرواه سلم بن قتيبة، كما في سنن الدارقطني (1319)، والحاكم (997)، والبيهقي في السنن الكبرى (2/ 149)، عن الثوري، عن عاصم الأحول، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا، بلفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يصلي، ما يصيب أنفه من الأرض، فقال: لا صلاة لمن لا يصيب أنفه من الأرض ما يصيب الجبين.

وخالفه الحسين بن حفص، كما في السنن الكبرى للبيهقي (2/ 150).

وعبد الرزاق كما في المصنف (2982)، فروياه عن الثوري، حدثني عاصم الأحول، عن عكرمة مرسلًا، كرواية الجماعة عن عاصم.

قال البيهقي: وكذلك رواه سفيان بن عيينة، وعبدة بن سليمان عن عاصم الأحول، عن عكرمة مرسلًا.

قال الدارقطني قال لنا أبو بكر: لم يسنده عن سفيان وشعبة إلا أبو قتيبة والصواب عن عاصم عن عكرمة مرسلًا.

وقال الدارقطني: «ورواه غيره عن شعبة، عن عاصم، عن عكرمة مرسلًا» .

وقال البيهقي في المعرفة (3/ 22): «وأما حديث عكرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم

وذكر الأثر فإنما هو مرسل، وإنما أسنده بذكر ابن عباس فيه: أبو قتيبة، عن سفيان، وشعبة، عن عكرمة، وغلط فيه».

وقد رواه عبدة بن سليمان كما في العلل الكبير للترمذي (101)،

وأبو إسحاق الفزاري كما في المراسيل لأبي داود (44)،

ومعمر كما في مصنف عبد الرزاق (2981)، =

ص: 226

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وابن فضيل كما في مصنف ابن أبي شيبة (2695)،

وجرير بن عبد الحميد كما في تهذيب الآثار، مسند ابن عباس (292).

وإسماعيل بن علية كما في تهذيب الآثار للطبري، مسند ابن عباس (293).

ومحاضر بن المورِّع كما في الأوسط لابن المنذر (3/ 175)،

وسفيان بن عيينة ذكر ذلك البيهقي في السنن (2/ 149) ستتهم رووه عن عاصم، عن عكرمة مرسلًا.

قال أبو داود: وقد أسند هذا الحديث، وهذا أصح. يعني المرسل

وقال ابن رجب في شرح البخاري (7/ 257): «وصحح الحاكم وصله، وصحح الأكثرون إرساله، منهم أبو داود في مراسيله، والترمذي في علله، والدارقطني، وغيرهم، وإلى ذلك يميل الإمام أحمد، وهو مرسل حسن» .

خالف كل هؤلاء سعيد بن الفضل كما في تهذيب الآثار للطبري، مسند ابن عباس (312)، قال: حدثنا عاصم الأحول، عن عكرمة عن ابن عباس، قال: من سجد فلم يضع أنفه على الأرض فلم يُصَلِّ. هكذا موقوفًا.

وسعيد بن الفضل، قليل الرواية، قال أبو حاتم كما في الجرح والتعديل (4/ 55): شيخ بصري

ليس بالقوي منكر الحديث.

وذكره البخاري في التاريخ الكبير (1685)، وذكر أنه روى عن عاصم، ورأى ابن سيرين، وتوضأ، وحرك خاتمه، ولم يذكر فيه شيئًا.

وقال أبو زرعة كما في الضعفاء في أجوبته على أسئلة البرذعي (2/ 489): لا أعرفه، فقال لي أبو حاتم، وكان حاضرًا: أعرفه منكر الحديث.

وذكره ابن حبان في الثقات (6/ 370).

الطريق الثالث: عن منصور بن زاذان، عن عاصم.

رواه الطبراني في الأوسط (4111)، وفي الكبير (11/ 333) ح 11917، من طريق محمد ابن حمير قال: أخبرنا الضحاك بن حُمْرَةَ، عن منصور، عن عاصم البجلي، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من لم يلزق أنفه مع جبهته بالأرض في سجوده لم تقبل صلاته.

قال الطبراني في الأوسط: «لم يرو هذا الحديث عن منصور بن زاذان إلا الضحاك، تفرد به: محمد بن حمير، وعاصم البجلي هو: عاصم بن سليمان الأحول» .

وآفته الضحاك بن حمرة، قال النسائي: ليس بثقة.

وقال البخاري: منكر الحديث، مجهول. انظر: ميزان الاعتدال (2/ 322).

وبهذه الطرق السابقة، أكون قد خرجت الحديث مرفوعًا، ومرسلًا، وبقي تخريجه موقوفًا.

وأما روايته موقوفًا، فرواه سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس.

رواه عبد الرزاق كما في المصنف (2978)، عن سماك.

وقد رواه عبد الرزاق كما في الأوسط لابن المنذر (3/ 157) عن إسرائيل، عن سماك، =

ص: 227

وهو مرسل حسن، فيكون حجة على الجمهور ممن يرى المرسل حجة، كالحنفية، والمالكية، ورواية عن أحمد.

الدليل الخامس:

(ح-1816) ما رواه الطبراني من طريق سليمان القافلاني، عن محمد ابن سيرين،

عن أم عطية، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله لا يقبل صلاة مَن لا يصيب أنفُه الأرضَ

(1)

.

[ضعيف جدًّا]

(2)

.

الدليل السادس:

(ح-1817) ما رواه أبو داود من طريق أبي عامر العَقَدِيِّ، قال: حدثنا فليح

= وأخشى أن يكون سقط من مصنف عبد الرزاق إسرائيل، فإني لم أجد لعبد الرزاق رواية عن سماك إلا هذا الحديث، ولم يدركه، فسماك توفي عام 123 هـ وعبد الرزاق توفي عام 211 هـ.

وأبو الأحوص كما في مصنف ابن أبي شيبة (2688)، والأوسط لابن المنذر (3/ 175)، والسنن الكبرى للبيهقي (2/ 150).

وإبراهيم بن طهمان كما في السنن الكبرى للبيهقي (2/ 150)، ثلاثتهم (إسرائيل وأبو الأحوص، وابن طهمان) رووه عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس موقوفًا:(إذا سجدت فألزق أنفك بالأرض) هذا لفظ عبد الرزاق.

ولفظ أبي الأحوص: (إذا سجد أحدكم فليلزق أنفه بالحضيض، فإن الله قد ابتغى ذلك منكم).

وخالفهم شريك، كما في الجعديات لأبي القاسم البغوي (2332) فرواه عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: إذا سجد أحدكم فليضع أنفه على الأرض فإنكم قد أمرتم بذلك. وهذا من المرفوع حكمًا.

ورواية سماك عن عكرمة مضطربة، خاصة رواية المتأخرين من أصحابه، وهذه من رواية المتأخرين منهم، فيكون الراجح في رواية عكرمة الإرسال، وهي رواية الأكثر، والله أعلم.

(1)

. رواه الطبراني في الأوسط (4758)، وفي الكبير (25/ 55) ح 120.

(2)

. تفرد به عن ابن سيرين سليمان بن أبي سليمان القافلاني، بياع الأقفال، قال النسائي: متروك الحديث، وقال في لسان الميزان (4/ 157): متروك الحديث، بصري مُقِلٌّ.

وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (2/ 126): رواه الطبراني في الكبير، والأوسط، وفيه سليمان بن محمد القافلاني، وهو متروك. اهـ

ص: 228

ابن سليمان،

عن عباس بن سهل، قال: اجتمع أبو حميد، وأبو أسيد، وسهل بن سعد، ومحمد بن مسلمة، فذكروا صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر بعض هذا، قال: ثم ركع فوضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما، ووتر يديه فتجافى عن جنبيه، قال: ثم سجد فأمكن أنفه وجبهته ونحى يديه عن جنبيه ووضع كفيه حذو منكبيه .... الحديث

(1)

.

[حسن في الجملة، وسبق تخريجه]

(2)

.

الدليل السابع:

(ح-1818) ما رواه أحمد، من طريق الأعمش، عن عبد الجبار بن وائل،

عن أبيه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد على الأرض واضعًا جبهته وأنفه في سجوده

(3)

.

[ضعيف، والمعروف أن عبد الجبار يرويه عن أخيه علقمة، عن وائل بن حجر]

(4)

.

(1)

. سنن أبي داود (734).

(2)

. انظر تخريجه في هذا المجلد (ح 1748).

(3)

. المسند (4/ 317).

(4)

. اختلف فيه على عبد الجبار بن وائل،

فرواه الأعمش كما في مسند أحمد (4/ 317) وتهذيب الآثار لابن جرير الطبري، مسند ابن عباس (301)، والمعجم الكبير للطبراني في الكبير (22/ 29) ح 62، ومستخرج الأحكام للطوسي (254).

وحجاج بن أرطأة كما في مسند أحمد (4/ 315، 317)، ومصنف ابن أبي شيبة (2687)، وفي مسنده كما في إتحاف الخيرة (1341)، وتهذيب الآثار للطبري، مسند ابن عباس (298، 299)، ومسند البزار (4478)، ومستخرج الطوسي (253، 255، 256)، والمعجم الكبير للطبراني (22/ 30) ح 66، 67، والخطيب في تاريخ بغداد (20/ 130)، كلاهما عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه.

وعبد الجبار بن وائل لم يسمع من أبيه، وسبق الكلام على هذا في تخريج سابق، انظر (ح 1289).

وخالفهم محمد بن جحادة، فرواه عن عبد الجبار بن وائل، عن أخيه علقمة بن وائل، عن أبيه، وهو في مسلم (54 - 401)، وليس فيه ذكر للسجود على الأنف والجبهة، وهو المعروف، وقد سبق تخريجه، انظر (1276). =

ص: 229

• ونوقش:

بأن الحديث فيه دليل على مشروعية السجود على الأنف، وليس هذا محل خلاف، ولا دلالة فيه على الوجوب.

الدليل الثامن:

(ح-1819) ما رواه ابن عدي في الكامل من طريق محمد بن الفضل بن عطية، عن محمد بن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد،

عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: السجود على الجبهة فريضة، وعلى الأنف تطوع

(1)

.

[موضوع]

(2)

.

• دليل من قال: السجود على الأنف واجب، وليس بفرض:

هذا القول لا يأتي إلا على أصول الحنفية، وتوجيه الدليل كالتالي:

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77].

فالأمر بالسجود ثبت بالآية الكريمة، فأفادت الآية فرضية السجود؛ لأن الدليل قطعي الثبوت، والفرض يثبت بالدليل القطعي.

وحديث الأمر بالسجود على الأنف ثبت من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أمرت أن أسجد على سبع، ولا أكفت الشعر، ولا الثياب: الجبهة،

= ورواه المسعودي، عن عبد الجبار بن وائل، حدثني أهل بيتي، عن أبي، أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه مع التكبيرة، ويضع يمينه على يساره في الصلاة.

وقد سبق تخريجه، انظر ح (1276)، وليس فيه ذكر وضع الجبهة والأنف، والمسعودي أبهم الواسطة بين عبد الجبار وأبيه، ورواه محمد بن جحادة، وحفظ الواسطة بينهما.

(1)

. الكامل لابن عدي (7/ 361)، ومن طريقه ابن الجوزي في العلل المتناهية (746).

(2)

. انفرد به محمد بن الفضل بن عطية، قال أحمد: ليس بشيء حديثه حديث أهل الكذب. العلل رواية عبد الله (3601)

وقال يحيى بن معين: ليس بشيء، ولا يكتب حديثه.

وقال الدارقطني: متروك، سؤالات البرقاني (452).

وفي التقريب: كذبوه.

ص: 230

والأنف، واليدين، والركبتين، والقدمين. رواه مسلم

(1)

.

وهو ظني الثبوت؛ لأنه من أحاديث الآحاد، فإذا أنْضَمَّ إليه مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على السجود على الأنف، أفاد ذلك الوجوب دون الركنية؛ لأن الركنية لا تثبت إلا بدليل قطعي، من كتاب، أو سنة متواترة، أو إجماع.

فإن قيل: لماذا لا يفيد الركنية؟

أجابوا: لو قلنا: إنه يفيد الركنية لكان ذلك نسخًا لإطلاق الآية، حيث أصبح حكم الآية -والذي هو مطلق السجود لا يكفي لصحته إلا إذا سجد على أنفه، وهذا تغيير لحكم الآية، وتغيير حكم الآية نسخ لها، وهذا لا يجوز بخبر الآحاد، لأن القطعي لا ينسخه إلا قطعي مثله من كتاب أو سنة متواترة، أما الآحاد فلا يرفع حكم القطعي عندنا، ومع ذلك لا نهمل هذا الخبر، وإنما يصلح خبر الآحاد أن يكون مكملًا للقرآن، لهذا قلنا: الأمر بالسجود على الأنف، والمواظبة على ذلك يجعل السجود على الأنف واجبًا فقط، وليس بفرض

ومثل هذا القول قال الحنفية بحكم قراءة الفاتحة، فالقرآن طلب قراءة ما تيسر من القرآن بقوله تعالى:{فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20]، وهو عام في الفاتحة وغيرها، وهذا دليل قطعي، فثبت أن الفرض (الركن) هو مطلق القراءة.

وخبر الآحاد جاء بقراءة فاتحة الكتاب، (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) وهذا دليل ظني، فحملوا قراءتها على الوجوب لا على الركنية، أي حتى لا يؤدي ذلك إلى تغيير حكم الكتاب بخبر الآحاد، وقد اصطلح الحنفية على إطلاقهم على هذا المسألة في كتب الأصول بما يسمى (الزيادة على النص) نسخًا.

• وأجيب:

سبق لي مناقشة هذا القول بتوسع عند الكلام على ركنية الطمأنينة، فارجع إليه إن شئت منعًا للتكرار، ويزاد عليه:

بأن السجود في الآية مطلق لم يذكر جبهة ولا أنفًا، وحقيقة السجود إن كانت لغوية: فهو يطلق على الخضوع والتطامن والانحناء إلى الأرض تقول سجدت النخلة: إذا مالت.

(1)

. صحيح مسلم (231 - 490).

ص: 231

وقال بعض الحنفية: وضع بعض الوجه مما لا سخرية فيه. اهـ

ووضع بعض الوجه يتحقق بالأنف كما يتحقق في الجبهة.

فاعتبارُ السجود على الجبهة فرضًا والسجود على الأنف واجبًا مع أن ذكر الجبهة في السجود لم يثبت إلا بدليل ظني تَحَكُّمٌ، فيجب أن يقال: السجود على الجبهة واجب كالأنف؛ لأن ذكر الجبهة والأنف متلقى من أحاديث الآحاد، والمواظبة على الفعل تعمهما، فلا فرق فيه بين الأنف والجبهة.

وإن كان السجود له حقيقة شرعية، وهو وضع الوجه واليدين والركبتين والقدمين على الأرض فهو يشمل الجبهة كما يشمل الأنف، لأننا تلقينا حقيقته الشرعية من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ومواظبته على هذا الفعل، فالتفريق بين الجبهة والأنف في الحكم، ليس دقيقًا بالنسبة إلى دلالة اللفظ، والله أعلم

(1)

.

• الراجح:

استحباب السجود على الأنف، حيث لم يثبت لي الأمر بالسجود على الأنف، ومفهوم حديث ابن عباس في الصحيحين من طريق عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس، أمرت بالسجود على سبعة أعظم، فذكرها، ولم يذكر الأنف، فدل على أن السجود على الأنف من سنن السجود، والله أعلم.

* * *

(1)

. انظر بتصرف البحر الرائق (1/ 335، 336).

ص: 232