الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
•
المطلب الثاني: الأمر بإيتاء من حضر القسمة منها، من الأقرباء غير الورثة أو الضعفاء
.
فقد ندب الله عباده لذلك فقال: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (8)} [النساء: 8].
وقد اختلف المفسرون في نسخ هذه الآية من عدمها، وقد ذهب عدد من السلف على أنها محكمة ليست بمنسوخة
(1)
.
فإذا حضر الفقراء والمساكين وغيرهم من الأقارب الذين لا يرثون مجلس قسمة المواريث وكان المال كثيرا فإن نفوسهم قد تتطلع لشيء من هذا المال، ولا يستطيعون إليه سبيلا لأنهم ليسوا من الورثة، فقد يثقل عليهم أن يروا الناس يأخذون من المال وهم منه محرمون.
(1)
اختلف العلماء في هذه الآية على أقوال: فمنهم من قال أنها منسوخة، وممن قال بذلك: سعيد بن المسيب والضحاك ورواية عن ابن عباس وقالوا: نسختها آية المواريث.
ومنهم من قال أنها محكمة كابن عباس، وسعيد بن جبير ومجاهد وعطاء بن أبي رباح والحسن وأجابوا بألا نسخ في الآية لأنها مبينة استحقاق الورثة لنصيبهم، واستحباب المشاركة لمن لا نصيب له ممن حضرهم، وهو الراجح
ثم اختلفوا: هل الأمر للوجوب أم للندب فمن العلماء من حمل الآية على الوجوب كما حكى ذلك ابن عطية ومنهم من حمله على الندب لوجود قرينة (وقولوا لهم قولا معروفا) و لأنه لو كان فرضا لكان استحقاقا في التركة ومشاركة في الميراث، لأحد الجهتين معلوم وللآخر مجهول. وذلك مناقض للحكمة، وسبب للتنازع والتقاطع قال النحاس: وهذا أحسن ما قيل في الآية أن يكون على الندب والترغيب في فعل الخير، والشكر لله عزوجل.
وهناك قول ذهب إليه ابن جرير الطبري وهو أن الأقرباء في هذه الآية إن كانوا وارثين يرزقون حقهم الذي فرضه الله، وإن كانوا غير وارثين أو الفقراء والمساكين فيقال لهم قولا معروفا، وإليه تشير رواية ابن عباس رضي الله عنه في البخاري: إِنَّ نَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نُسِخَتْ، وَلَا وَاللَّهِ مَا نُسِخَتْ، وَلَكِنَّهَا مِمَّا تَهَاوَنَ النَّاسُ، هُمَا وَالِيَانِ وَالٍ يَرِثُ، وَذَاكَ الَّذِي يَرْزُقُ، وَوَالٍ لَا يَرِثُ، فَذَاكَ الَّذِي يَقُولُ بِالْمَعْرُوفِ، يَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ أَنْ أُعْطِيَكَ (كتاب الوصايا، باب قوله تعالى: (وإذا حضر القسمة) برقم (2759). انظر: (الناسخ والمنسوخ للنحاس ص 303)(جامع البيان 7/ 12)(المحرر الوجيز 3/ 504)(أحكام القرآن لابن العربي 1/ 329)(الجامع لأحكام القرآن 6/ 84)(تفسير القرآن العظيم 2/ 221)
فحث الله العباد وندبهم أن يكرموهم ويعطوهم شيئا من هذا المال بِراًّ بهم وإشفاقا عليهم فإن كان المال قليلا أو كان عقارا فإنه يقال لهم قولا معروفا يطيّب خواطرهم ويجبر كسرهم.
(1)
ولذلك فقد نبه السلف رحمهم الله على هذه السنة التي قد هجرت، فعن يحي بن يعمر
(2)
قال: ثلاث آيات مدنيات محكمات ضيعهن كثير من الناس {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ} الآية وآية الاستئذان {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ} [النور: 58] وقوله: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى} [الحجرات: 13]
(3)
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (أمر الله جل ثناؤه المؤمنين عند قسمة مواريثهم أن يَصِلوا أرحامهم ويتاماهم من الوصية، إن كان أوصىَ، وإن لم تكن وصية، وصَل إليهم من مواريثهم)
(4)
.
وقال الحسن: (ولكن الناس شحوا) ، وبه عمل عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما حين قسّم ميراث أبيه لم يدع في الدار أحدا إلا أعطاه
(5)
.
وفي ذلك أعظم برهان على ما تميزت به الشريعة الغراء من ترابط المجتمع وتكاتفه، كما أن فيه تربية للأمة على التعاون والتأدب بالأدب الرفيع عند الإعطاء أو عدمه بقول الكلام المعروف الحسن الذي لا يجرح ويطيب الخواطر.
(1)
انظر: (التفسير الكبير 9/ 204) ، (الجامع لأحكام القرآن 5/ 49) ، تفسير القرآن العظيم (2/ 221) ،
(2)
يحيى بن يعمر الفقيه أبو سليمان العدواني البصري، العلامة المقرئ قاضي مرو ويكنى أبا عدي حدث عن أبي ذر الغفاري، وعمار بن ياسر مرسلا، وعن عائشة وأبي هريرة، وقرأ القرآن على أبي الأسود الدؤلي، حدث عنه عبد الله بن بريدة وهو من طبقته، وقتادة، وعطاء الخراساني، وسليمان التيمي توفي يحيى بن يعمر قبل التسعين. (سير أعلام النبلاء 4/ 441، 443).
(3)
أخرجه الطبري في التفسير بسنده (7/ 9) ، وسعيد بن منصور في سننه (3/ 1169)، وانظر: الدر المنثور (4/ 244).
(4)
أخرجه الطبري في التفسير من طريق علي بن أبي طلحة (7/ 13) وابن أبي حاتم في التفسير (3/ 873). انظر: (الدر المنثور 4/ 244).
(5)
جامع البيان (7/ 9، 10) ، (المحرر الوجيز (3/ 504).