الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني: مراقبة الله تعالى
وعد الله عز وجل أهل المراقبة من عباده بمغفرة الذنب وزيادة الأجر فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12)} [الملك: 12] ففرق بين من يعيش في هذه الحياة لأجل متاعها وزخرفها، لا يربطه بالآخرة رابط ولا يذكره بالله مذكر وبين من يعيش مستشعرا عبودية الله واطلاعه عليه، وكل ما يحصل حوله أو يعرض له فهو بمثابة الموقظ الذي يبصره ويأخذ بيده إلى الهدى والرشاد.
فحين يقرأ العبد المسلم قوله تعالى: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22)} [الذاريات: 22] وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)} [الذاريات: 58] يدعوه ذلك إلى مراقبة من في السماء جل وعلا الذي يراه، ويطعمه، ويرزقه، فهو سبحانه إن شاء أطعمه وإن شاء حرمه، فهو المستحق لهذه المراقبة جل وعلا.
ولذا جاءت الآيات في حديثها عن الأطعمة متضمنة للمراقبة ومصرحة بها في مواضع أخرى.
•
المطلب الأول: مراقبة الله عز وجل حال الاضطرار والمخمصة
.
أحل الله عز وجل لعباده الطيبات، وبين لهم ما حرم عليهم، ثم استثنى جل وعلا حالة الاضطرار في خمس مواضع من القرآن يذكر فيها هذه المحرمات وهي قوله:{إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173)} [البقرة: 173]. وقوله في المائدة: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3)} [المائدة: 3].
وقوله في الأنعام: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119] وقوله: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (145)} [الأنعام: 145]. وقوله في النحل: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (115)} [النحل: 115].
ولما كانت هذه المحرمات الأربع من أغلظ المحرمات تحريما فقد جعل الله جل وعلا الاضطرار مشروطا بعدم البغي والعدوان
(1)
، ومعنى (فمن اضطر غير باغ ولا عاد): فمن اضطر غير باغ بأكله ما حُرم عليه من أكله، ولا عاد في أكله، وله عن ترك أكله -بوجود غيره مما أحله الله له- مندوحة وغنى.
(2)
وقد أخرج ابن جرير الطبري بسنده عن الحسن قال: (غير باغ فيها ولا معتدٍ فيها بأكلها، وهو غنيٌّ عنها).
(3)
وبهذا المعنى يتضح أن حالة الاضطرار لدى العبد لا تخلوا من استشعار مراقبة الله عز وجل لأن العبد في هذه الحالة لا يعلم أحد صدق اضطراره إلا الله، فقد لا يصل العبد إلى حالة الاضطرار ولكن نفسه تسوِّل له الأكل من المحرم، وقد يزيد عن حاجته من ذلك المحرم تلذذا، إلى غير ذلك من البغي والعدوان الذي لا يمنع العبد من الوقوع فيه سوى استشعار أن الله مطلع عليه وهو عالم بالسرائر والخفيات. قال تعالى:{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)} [ق: 16].
(1)
انظر: أضواء البيان (5/ 128).
(2)
هذا القول هو ما رجحه ابن جرير الطبري في تفسيره (3/ 325) ، وسياتي ذكر الخلاف في ص (340)
(3)
جامع البيان (3/ 324).