الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثالث: صلة الرحم
كما أمر الله تبارك وتعالى بالتعاون والتكافل بين المؤمنين، فقد أمر وأوجب صلة الرحم فهي آكد وأقوى لما جبل عليه الناس من نصرة ذوي أرحامهم والانتماء إليهم.
ولما كان الأمر كذلك أمر الله بصلتها وامتدح الواصلين لها ونهى عن قطيعتها وذم قاطعيها فقال مادحا ومبشرا للواصلين: {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21)} [الرعد: 21]. وقال محذرا ومهددا لقاطعي الرحم: {وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25)} [الرعد: 25].
وأخبرنا الله تعالى كذلك أن اتباع شرائع الإسلام سبب لصلة الأرحام، وأن الإعراض عن القرآن سبب لقطع الأرحام فقال:{فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23)} [محمد: 22 - 23].
ومن شرائع الإسلام التي تتبين فيها صلة الأرحام أحكام المواريث.
ولئن كان الأمر في بداية الهجرة أن التوارث كان قائما على التآخي، فقد كانت الحكمة في ذلك الوقت أن يتوارث المسلمون بالهجرة، تمكينا لأواصر الأخوة الإسلامية، وتقوية للدولة الإسلامية الناشئة، ولما قوي المسلمون وانتصروا في غزوة بدر أرجع الله أمر التوارث بين الأقربين وذوي الأرحام قال:{وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (75)} [الأنفال: 75].
ولما كانت أبواب صلة الرحم كثيرة، أوجب الله على الأقرباء ما يلزمهم من هذه الرابطة العظيمة كإعالتهم عند الحاجة ومساعدتهم في الديات والتعويضات، ومن ذلك التوارث فيما بينهم إذا مات أحدهم على ما بيّن الله تبارك وتعالى في سورة النساء.
وقد نص الله على ذكر الوالدين والأقربين في بداية ذكر الميراث فقال: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ} [النساء: 7].
ولما كانت جهة القرابة متفاوتة، فمنهم القريب ومنهم البعيد، قسّم الله تبارك وتعالى المواريث حسب الأقرب فالأقرب كما هو بيّن في قوله تعالى:{يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} الآية [النساء: 11]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم (ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر)
(1)
.
والمعنى أن الرجال من العصبة بعد أهل الفروض إذا كان فيهم من هو أقرب إلى الميت استحق دون من هو أبعد فان استووا اشتركوا
(2)
.
وبهذا يتبين ما للتوريث من تقوية لأواصر القرابة والرحم، وما يحصل بسببها من النفع في الدنيا والآخرة فإن الله تعالى قال:{آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا} [النساء: 11].
فإن صاحب الميراث قد يعطي أحد أبنائه زيادة على الآخر ظنا منه أنه أنفع له، فنفى الله الدراية عنهم بمن هو أنفع من الآخر وجعل النفع عاما في الدنيا والآخرة.
(3)
ومن أعظم النفع ما يحصل بسبب تقسيم التركة على الجميع من صلة للرحم بين الأولاد فيما بينهم وبين الأولاد والآباء أو الآباء والأولاد بعد وفاة أحدهم، كما أن في ذلك قطعا للنزاع والخلاف بين الأقرباء
(4)
(1)
أخرجه البخاري في صحيحه عن ابن عباس، كتاب الفرائض، باب ميراث الولد من أبيه وأمه، برقم (6351) ومسلم في كتاب الفرائض، باب: ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر برقم (1615).
(2)
فتح الباري (12/ 16) ، وانظر شرح النووي على مسلم (11/ 53).
(3)
انظر: جامع البيان (7/ 48) ، الجامع لأحكام القرآن (6/ 125) ، تفسير القرآن العظيم (2/ 229).
(4)
انظر: محاسن الإسلام للبخاري (ص 39).