الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثالث: التيسير في حل الخلافات والمشاكل الأسرية
من سنة الله عز وجل في النكاح أن جعله سكنا وطمأنينة، ولئن تبنى هذه الحياة على المودة والرحمة خير من أن تقام على المشاحنة والمطالبة بالحقوق وهذا مظهر من مظاهر الشريعة السمحة.
ولكن قد تحصل في كثير من البيوت مشاكل وخلافات تؤثر في هذه الحياة الزوجية، فهل يُلجأ مباشرة إلى الطلاق؟
لاشك أن الطلاق يعتبر هو الحل الأخير، وقد جعله الله تبارك وتعالى آخر طرق الإصلاح إذا استنفد ما سواها من الطرق.
ومن تيسير الله جل وعلا أن شرع لعباده طرقا ومخارج لعلاج المشاكل الزوجية حتى ترفع عنهم ما يجدونه من الحرج في ذلك.
ومن أعظم هذه الخلافات التي عالجها القرآن الكريم: الإيلاء والنشوز والظهار، وفيما يلي بيان لمظاهر التيسير في علاج هذه الأمور.
•
المطلب الأول: في الإيلاء
.
الإيلاء مظهر من مظاهر حالات الخلاف التي تحدث بين الرجل والمرأة وهو أن يحلف الرجل ألا يجامع امرأته مدة معينة
(1)
.
ولقد كان الرجل إذا حصل له مع زوجته خصومة آلى ألا يقربها السنة والسنتين إضرارا بها، بل إن بعضهم لا يريد امرأته ومع ذلك لا يطلقها زيادة في النكال فيحلف ألا يقربها حتى إن حصل له ندم بعد ذلك يحجزه اليمين عن مراجعتها، فتمكث المرأة تعاني الألم النفسي وألم ما تجد من إهانة ولا حول لها ولا قوة، ولا شك أنها تصبح في حرج شديد فهي معلقة بين النكاح والطلاق، و هذا ظلم لا يرضاه الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم.
(1)
انظر: تفسير القرآن العظيم (1/ 604).
فجاء القرآن مخففا على الزوجة ومراعيا للزوج بقوله: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)} [البقرة: 226 - 227]
وإذا تأملت هذا الحكم الذي شرعه الله علمت يسر الإسلام ومراعاته لكلا الزوجين، فهو لم يحرم الإيلاء مطلقا، لأنه قد يكون علاجا نافعا لبعض حالات الإعراض والاستكبار فقد يحتاجه الرجل حينئذ للتأديب أو أي عارض من سآمة أو غضب فحدد الله له فترة أربعة أشهر يحصل بها مقصوده، ويراجع نفسه فيما أقدم عليه، ويتروى فيما سيقدم عليه من طلاق أو رجعة، ولا شك أن هذا خير من الطلاق الذي قد يندم عليه بعد ذلك
(1)
.
كما أن هذا الحد الذي قدره الله تبارك وتعالى فيه تخفيف على الزوجة المغلوبة على أمرها، و فيه مراعاة لحاجة المرأة الفطرية فإن هذه الفترة تعتبر أقصى فترة تصبر المرأة فيها عن زوجها، وتعتبر هذه الأشهر كذلك ثلث العام والثلث معظم الشيء المقسوم مثل ثلث المال في الوصية
(2)
، فرحم الله المرأة بأن ملّكها أمرها بعد انقضاء الأربعة أشهر فإذا انقضت خير بين الرجعة أو الطلاق، فإن لم يراجع وأبى الطلاق فلولي الأمر أن يطلقها
(3)
.
(1)
انظر: التحرير والتنوير (2/ 385) ، في ظلال القرآن (1/ 244) ، المفصل في أحكام المرأة (8/ 263).
(2)
انظر: تفسير القرآن العظيم (1/ 605) ، التحرير والتنوير (2/ 387)، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله أن الثلث موافق لطباع الإنسان حيث قال في سياق كلامه على حكمة التعدد بأربع:(وكان هذا العدد موافقا لعدد طباعه وأركانه، وعدد فصول سنته، ولرجوعه إلى الواحدة بعد صبر ثلاث عنها، والثلاث أول مراتب الجمع، وقد علق الشارع بها عدة أحكام، ورخص للمهاجر أن يقيم بعد قضاء نسكه بمكة ثلاثا، وأباح للمسافر أن يمسح على خفيه ثلاثا، وجعل حد الضيافة المستحبة أو الموجبة ثلاثا، وأباح للمرأة أن تحد على غير زوجها ثلاثا، فرحم الضرة بأن جعل غاية انقطاع زوجها عنها ثلاثا ثم يعود؛ فهذا محض الرحمة والحكمة والمصلحة) إعلام الموقعين (316).
(3)
وهذا القول هو قول الجمهور من المالكية والشافعية الحنابلة وبه قال ابن عمر وعائشة وسعيد بن المسيب وعروة ومجاهد، وهو ظاهر الآية، أما من قال من الحنفية أن الطلاق يحصل بمجرد انقضاء الأربعة أشهر فقالوا: إن هذه مدة ضربت لاستدعاء الفعل منه وكان ابن مسعود يقرأ: فإن فاؤوا (فيهن) وأجاب الجمهور عليهم بظاهر الآية وأن العزم لا يكون إلا بعد مضي المدة ولو كان كما ذكروا لا حاجة لذكر العزم والله أعلم. (انظر: أحكام القرآن لابن العربي (1/ 180)(المجموع (21/ 63). (المغني 11/ 31 ، 32).
وهكذا نجد القرآن عالج هذه القضية علاجا خفف فيه على المرأة ما كانت تجده قبل ذلك من تعليق النكاح بالإيلاء، وأمهل الرجل مهلة تناسب ما آلى من أجله.
• المطلب الثاني: في النشوز والإعراض من الزوج.
الأصل في الحياة الزوجية أن تقوم على المعاشرة بالمعروف، لكن قد يتخللها بعض المشاكل التي تحصل بين الزوجين ومن هذه الحالات إذا خافت المرأة نشوز زوجها أو إعراضه عنها لسبب من الأسباب، فينصرف عنها إلى غيرها أو يرغب في فراقها خوفا من ظلمها.
ولما كان الأصل تحريم أخذ الرجل من مهر زوجته ووجوب النفقة عليها والعدل لها في القسم جاءت الآيات رافعة الجناح في هذه الحالة بقوله: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128)} [النساء: 128].
فبين الله تعالى أن الصلح خير من الفراق على أية حال، وذلك إذا رضيت المرأة أن تصالح زوجها فتتنازل عن قسمها في المبيت أو عن نفقتها أو على إعطائه مالا إبقاء لهذا العقد الوثيق، واستعطافا له، وإبقاء المودة بينهما.
وهذا من التخفيف فيما فيه مصلحة الزوجين وبقاء النكاح، وقد أشار جل وعلا إلى ذلك بقوله:{وَالصُّلْحُ خَيْرٌ}
(1)
.
ومع هذا التخفيف فقد حث الله تعالى الزوج على الإحسان إلى زوجته في حقها كاملا ومعاشرتها بالمعروف فإن ذلك أكمل، فإن المرأة وإن تنازلت عن حقها فإن نفسها جبلت على الشح والغيرة أن ترى ضرتها خيرا منها فقد ترجع فيما تصالحا عليه، فقد روي أن رافع بن خديج رضي الله عنه تزوج على امرأته الكبيرة شابة فآثر الشابَّة عليها، فأبت الكبيرة أن تَقِرَّ على الأثرة، فطلقها تطليقة وتركها. فلما قارب انقضاء عِدَّتها خيَّرها بين
(1)
انظر: جامع البيان (9/ 268) ، المغني (10/ 262) ، تفسير القرآن العظيم (2/ 426).
الفراق والرجعة والصبر على الأثرة، فاختارت الرجعة والصبر على الأثرة. فراجعها وآثر عليها، فلم تصبر، فطلقها
(1)
، وقد سبقت الإشارة إلى فضيلة ذلك في الباب الأول.
• المطلب الثالث: في الظهار.
الظهار أثر من آثار المشاكل والخلافات بين الزوجين فإن الزوج قد يختلف مع امرأته وقد يصل هذا الخلاف إلى أن يتلفظ الرجل على امرأته في شدة غضبه بكلام يندم عليه ويوقعه في الحرج بأن يحكم على زوجته بأمر يحرمها عليه، وبذلك يتعدى هذا الحرج إلى الزوجة التي هي بعيدة كل البعد عما وصفت به.
وتظهر هذه المشقة جلية في حادثة خولة رضي الله عنها حينما ظاهر منها زوجها أوس بن الصامت فقد جاءت تشتكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما يجدانه من المشقة بسبب التلفظ بهذا اللفظ.
فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (تبارك الذي وسع سمعه كل شيء إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة و يخفى علي بعضه و هي تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تقول: يا رسول الله أكل شبابي و نثرت له بطني حتى إذا كبرت سني و انقطع له ولدي ظاهر مني اللهم إني أشكو إليك) ، وهذه الأوصاف التي وصفت بها نفسها وشكواها إلى الله يدل على المشقة التي وجدتها والمعاناة التي لحقتها إثر كلمة الظهار.
وفي رواية أخرى تبين عظيم ما وجدت هي وزوجها من العناء تقول: (إن زوجي كان تزوّجني، وأنا أحَبّ الناس إليه، حتى إذا كبرتُ ودخلت في السنّ، قال: أنت عليّ مثل ظهر أمي، فتركني إلى غير أحد، فإن كنت تجد لي رُخصة يا رسول الله تنْعَشني وإياه بها فحدثني بها
…
)
(2)
.
فمن رحمة الله تبارك وتعالى وتخفيفه عليها وعلى زوجها وعلى الأمة أن أنزل صدر سورة المجادلة مبينا فيها عظيم تلك المقولة وشناعتها وما احتوته من الكذب فقال: {الَّذِينَ
(1)
أخرجه الطبري (9/ 283)، والحاكم في المستدرك كتاب التفسير-تفسير سورة النساء برقم (3205) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
(2)
أخرجه الطبري (23/ 222).
يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2)} [المجادلة: 2] وختم الآية بعفو الله وغفرانه إيذانا بالتخفيف وهو ما شرعه الله من الكفارة بعد هذه الآية بقوله: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (4)} [المجادلة: 3 - 4].
ومع ما روعي من التغليظ في أنواع هذه الكفارة محافظة على العلاقة الزوجية، ومنعا من ظلم المرأة
(1)
، إلا أنه اشتمل على التيسير عند عدم الاستطاعة والقدرة وما أعظمه من تيسير في تيسير.
وما أجمل أن يجتمع التيسير الإلهي مع التيسير النبوي في حال أوس بن الصامت حين قال النبي صلى الله عليه وسلم لخولة: (مريه فليعتق رقبة) قالت: فقلت والله يا رسول الله ما عنده ما يعتق.
قال: (فليصم شهرين متتابعين) قالت: فقلت والله يا رسول الله إنه شيخ كبير ما به من صيام، قال:(فليطعم ستين مسكينا وسقا من تمر) قالت: قلت والله يا رسول الله ما ذاك عنده، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فإنا سنعينه بعرق من تمر) قالت: فقلت وأنا يا رسول الله سأعينه بعرق آخر، قال:(قد أصبت وأحسنت فاذهبي فتصدقي عنه ثم استوصي بابن عمك خيرا)
(2)
. فإعانة النبي صلى الله عليه وسلم له وتوصيته لخولة بزوجها، مع قوله تعالى في الآية:
(1)
انظر: فقه السنة (2/ 268).
(2)
أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم (27360) ، وأبو داود في سننه، كتاب الطلاق، باب في الظهار برقم (2214) ، وابن حبان في صحيحه، كتاب الطلاق باب الظهار برقم (10/ 107) وقال شعيب الأرناؤوط في تعليقه على صحيح ابن حبان: حديث صحيح رجاله كلهم ثقات، وحسنه الألباني (إرواء الغليل 7/ 173).
{وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2)} إشارة إلى أن مراد الله من هذا الحكم التوسعة على الناس كما يدل على أن مقصد الشريعة الإِسلامية أن تدور أحكام الظهار على محور التخفيف والتوسعة
(1)
.
وفي ختام هذا الفصل يتبين ما اشتملت عليه أحكام النكاح من التخفيف ورفع الحرج ولولا فضل الله علينا بهذا التخفيف لتفرقت كثير من الأسر، ولوقعت كثير من المشاحنات والخصومات، فالحمد لله الذي هدانا لهذه الشريعة الغراء، والواجب على الزوجين أن تكون حياتهما قائمة على التيسير فيما بينهما والتخفيف على بعضهما حتى تنعم حياتهما بالود والاطمئنان في ظل الشريعة الإسلامية.
(1)
التحرير والتنوير (28/ 14).