المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ المطلب الأول: في الإيلاء - الحكم من المعاملات والمواريث والنكاح والأطعمة في آيات القرآن الكريم

[أبو بكر فوزي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌ أهمية هذا الموضوع

- ‌أسباب اختيار الموضوع

- ‌خطة البحث

- ‌شكر وتقدير

- ‌منهج كتابة البحث

- ‌تمهيد

- ‌ تعريف الحكمة

- ‌ علاقة الحكمة بالمقصد والعلة:

- ‌ أقسام الحِكم:

- ‌المبحث الأول: الغاية من تكليف الله تعالى للعبد

- ‌المبحث الثاني: فوائد معرفة الحكم:

- ‌الباب الأول: بناء الفرد المسلم وصلاحه في آيات المعاملات والمواريث والنكاح والأطعمة

- ‌الفصل الأولبناء الفرد المسلم وصلاحه في آيات المعاملات

- ‌المبحث الأول: تقوى الله عز وجل

- ‌ المطلب الأول: التقوى تمنع العبد عن التعامل بالربا

- ‌ المطلب الثاني: تقوى الله تعالى عند الاستدانة وأداء الديْن

- ‌المبحث الثاني: مراقبة الله تعالى

- ‌ المطلب الأول: مراقبة الله تعالى في مال اليتيم

- ‌ المطلب الثاني: مراقبة الله تعالى في أداء الأمانات

- ‌المبحث الثالث: تحقيق الفلاح

- ‌المبحث الرابع: التسليم بقضاء الله وقدره

- ‌المبحث الخامس: تقديم حقوق الله تعالى على مصالح الدنيا

- ‌ المطلب الأول: بيان عقوبة من قدم التجارة على حق الله عز وجل

- ‌ المطلب الثالث: الثناء على من قدّم حق الله على بيعه وتجارته

- ‌المبحث السادس: الحذر من سوء العاقبة

- ‌ المطلب الأول: سوء عاقبة أكل أموال الناس بالباطل

- ‌ المطلب الثاني: سوء عاقبة آكلي الربا

- ‌ المطلب الثالث: سوء عاقبة أكل مال اليتيم

- ‌المبحث الأول: تقوى الله عز وجل

- ‌المبحث الثاني: التفكر في أسماء الله وصفاته

- ‌ المطلب الأول: الحث على مراقبة الله تعالى

- ‌ المطلب الثاني: الحث على التوبة والسعي إلى الإصلاح

- ‌ المطلب الثالث: الرضا بحكم الله وامتثال أمره

- ‌الفصل الثالث: بناء الفرد المسلم وصلاحه في آيات النكاح

- ‌المبحث الأول: تذكر نعمة الله تعالى

- ‌المبحث الثاني: تقوى الله تعالى

- ‌ المطلب الأول: إقامة الحياة الزوجية على مبدأ التقوى بين الرجل والمرأة:

- ‌ المطلب الثالث: تقوى الله تعالى في حال الصلح

- ‌ المطلب الرابع: تقوى الله تعالى عند حصول الطلاق

- ‌ المطلب الخامس: تقوى الله تعالى في إرضاع المولود:

- ‌المبحث الثالث: مراقبة الله عز وجل

- ‌ المطلب الأول: استحضار المراقبة يمنع المطلقة من كتمان ما يتوقف عليه أمر الطلاق

- ‌ المطلب الثاني: استحضار الزوجين للمراقبة حال الخِطبة

- ‌ المطلب الثالث: مراقبة الله تعالى عند رغبة الولي في نكاح اليتيمة التي في حجره

- ‌ المطلب الرابع: استحضار مراقبة الله تعالى حال الخصومة بين الزوجين

- ‌المبحث الرابع: شكر الله عز وجل

- ‌المبحث الخامس: التوكل على الله

- ‌ مطلب: التوكل على الله عند حصول الخلافات أو حدوث الطلاق

- ‌المبحث السادس: التربية على الصبر

- ‌ المطلب الأول: الحث على الصبر عند عدم القدرة على النكاح

- ‌ المطلب الثاني: الصبر عن فتنة الزوجة والأولاد:

- ‌ المطلب الثالث: تربية الزوجة والأولاد على الصبر:

- ‌المبحث السابع: البعد عن قول الزور

- ‌ المطلب الأول: النهي عن قول الزور بين الزوجين

- ‌ المطلب الثاني: النهي عن القذف ورمي المحصنات

- ‌المبحث الثامن: البعد عن العادات السيئة

- ‌ المطلب الأول: التعامل مع المرأة حال الحيض:

- ‌ المطلب الثاني: النهي عن إتيان المرأة في دبرها

- ‌المبحث الأول: تقوى الله عز وجل

- ‌ المطلب الأول: التقوى سبب في تحري الطيب الحلال والبعد عن الحرام

- ‌ المطلب الثاني: التقوى تمنع العبد من الغلو وترك ما أباح الله من الطيبات

- ‌ المطلب الثالث: التقوى باعثة على امتثال أمر الله عز وجل والثبات على دينه

- ‌ المطلب الرابع: تقوى الله تعالى سبب في فتح أبواب الرزق وتسهيل طرقه

- ‌المبحث الثاني: مراقبة الله تعالى

- ‌ المطلب الأول: مراقبة الله عز وجل حال الاضطرار والمخمصة

- ‌ المطلب الثاني: المراقبة توصل العبد إلى محبة الله تعالى، وأهلها مشهود لهم بالفضل والإحسان

- ‌ المطلب الثالث: ابتلاء الله تعالى لعباده بمنعهم نوعا من أنواع الرزق، ليتبين بذلك من يراقبه ممن يخالف أمره

- ‌المبحث الثالث: شكر الله عز وجل

- ‌ المطلب الأول: الأمر بشكر الله على الأكل من الطيبات:

- ‌ المطلب الثاني: بيان منة الله على عباده بنعمة الرزق مع تنوعه، وأن غاية ذلك هو الشكر

- ‌ المطلب الثالث: بيان عاقبة من كفروا بالنعمة ولم يشكروا الله عليها

- ‌المبحث الرابع: تعظيم شعائر الله

- ‌ المطلب الأول: تحريم أكل ما فيه تعظيم لغير الله

- ‌ المطلب الثاني: تغليظ العقوبة لمن تعمد الوقوع في محارم الله

- ‌ المطلب الثالث: ذم عادات الجاهلية في اعتدائهم على الله وإشراك الأصنام معه في قسمة حروثهم وأنعامهم

- ‌المبحث الخامس: اجتناب مسالك الغواية

- ‌ المطلب الأول: اجتناب خطوات الشيطان

- ‌ تحريم ما أحل الله عز وجل

- ‌ الإيحاء بالمعصية والكفر في تحليل ما حرم الله

- ‌ تسمية المحرمات بغير اسمها تزيينا للنفس

- ‌ المطلب الثاني: اجتناب الفسق

- ‌ التحذير من أكل ما يورث الفسق:

- ‌ التحذير من مشابهة الفاسقين

- ‌المبحث الأول: التعامل بالمعروف

- ‌ المطلب الثاني: أخذ الولي الفقير من مال اليتيم بالمعروف

- ‌المبحث الثاني: تحقيق العدل

- ‌ المطلب الثاني: تحقيق العدل في المداينات

- ‌ المطلب الثالث: العدل في الموازين والنهي عن التطفيف فيه

- ‌المبحث الثالث: تعميق مشاعر الأخوة

- ‌ المطلب الثاني: الأمر بكتابة الدَّين

- ‌ المطلب الثالث: التخفيف على الأُجَراء والرحمة بهم

- ‌المبحث الرابع: الحذر من كتمان الشهادة

- ‌المبحث الخامس: حفظ الحقوق

- ‌ المطلب الأول: حفظ المال كحق للأمة بوجه عام

- ‌ المطلب الثاني: حفظ حق الدائن

- ‌ المطلب الثالث: حفظ حق اليتيم والسفيه

- ‌ المطلب الرابع: حفظ حق الكاتب والشهيد

- ‌المبحث الأول: إقامة حدود الله وتعظيم أحكامه

- ‌ المطلب الأول: الوصية بهذه الفرائض، وإضافتها للفظ الجلالة تعظيما لها واهتماما بها

- ‌ المطلب الثاني: بيان عجز العقول عن إدراك ما ينفع العباد ويصلحهم، وتسليم الحكم لله

- ‌ المطلب الثالث: الترغيب في إقامة حدود الله والترهيب من تضييعها

- ‌المبحث الثاني: التكافل الاجتماعي

- ‌ المطلب الأول: قيام التوارث في بداية الأمر على الهجرة:

- ‌ المطلب الثاني: الأمر بإيتاء من حضر القسمة منها، من الأقرباء غير الورثة أو الضعفاء

- ‌المبحث الثالث: صلة الرحم

- ‌ توريث ذوي الأرحام

- ‌ التوريث بالنكاح والولاء

- ‌المبحث الرابع: تحقيق العدل بين الرجل والمرأة

- ‌ المطلب الأول: إبطال وإنكار عادات الجاهلية التي فيها ظلم للمرأة والصغير

- ‌ المطلب الثاني: ما فرضه الله من أن للذكر مثل حظ الأنثيين

- ‌المبحث الخامس: حفظ الحقوق

- ‌ المطلب الأول: حفظ حق الورثة:

- ‌ المطلب الثاني: حفظ حق الدائن:

- ‌ المطلب الثالث: حفظ حق الموصى له:

- ‌ المطلب الرابع: حفظ حق الميت:

- ‌المبحث الأول: إقامة حدود الله وتعظيمها

- ‌ المطلب الأول: مشروعية افتراق الزوجين عند الخشية ألا يقيما حدود الله ولو بالافتداء

- ‌ المطلب الثاني: ثناء الله جل وعلا لمن يقيم حدوده، وذمه للمخالف والمعرض عنها

- ‌المبحث الثاني: بناء الأسرة الصالحة

- ‌ المطلب الأول: تحريم نكاح المشركات وإنكاح المشركين

- ‌ المطلب الثاني: اشتراط اختيار الزوج الصالح البعيد عن الفواحش والفجور رجلا كان أو امرأة

- ‌ المطلب الثالث: التضييق في نكاح الإماء

- ‌المبحث الثالث: التكاثر والتناسل

- ‌ المطلب الأول: التكاثر والتناسل عن طريق النكاح سنة الله في الكون

- ‌ المطلب الثاني: الرد على دعاة تحديد النسل

- ‌المبحث الرابع: الطمأنينة والسكن

- ‌ المطلب الأول: حصول المودة والرحمة بين الزوجين:

- ‌ المطلب الثاني: اطمئنان البيوت

- ‌ المطلب الثالث: الترويح عن النفس وتجديد الهمة

- ‌المبحث الخامس: التعامل بالمعروف

- ‌ المطلب الأول: المعاشرة بالمعروف:

- ‌ المطلب الثاني: التعامل بالمعروف في الطلاق

- ‌ المطلب الثالث: فعل المعروف في زمن العدة وبعد انقضائها

- ‌المبحث السادس: التكافل الاجتماعي

- ‌ المطلب الأول: النكاح أصل النظام البشري في الاجتماع والترابط

- ‌ المطلب الثاني: النكاح مظهر من مظاهر التكافل الاجتماعي

- ‌ المطلب الثالث: قطع كل سبيل يفضي إلى التباغض بين الأقربين

- ‌المبحث السابع: حفظ الأعراض

- ‌ المطلب الأول: وجوب انتساب الذرية للآباء

- ‌ المطلب الثاني: تحريم نكاح المحارم

- ‌ المطلب الثالث: فرض العدة على المطلقة والمتوفى عنها زوجها

- ‌ المطلب الرابع: مشروعية اللعان

- ‌المبحث الثامن: حفظ الحقوق

- ‌ المطلب الأول: حفظ حق الزوج

- ‌ المطلب الثاني: حقوق الزوجة:

- ‌المبحث التاسع: حفظ العفة ومحاربة الرذيلة

- ‌ المطلب الأول: الاستعفاف لمن لا يستطيع النكاح

- ‌ المطلب الثاني: تعدد الزوجات وأثره في عفاف المجتمع

- ‌ المطلب الثالث: نهي المطلقة عن الخروج من بيتها وأثره في عفتها وعفة المجتمع

- ‌ المطلب الرابع: النهي عن إشاعة الفاحشة وعقوبة من يحب ذلك

- ‌المبحث الأول: إقامة شعائر الله

- ‌المبحث الثاني: حفظ الحقوق

- ‌ المطلب الثاني: تحريم ما يفسد العقل والبدن ويؤثر في صحتهما

- ‌المبحث الثالث: تعميق مشاعر الأخوة

- ‌الباب الثالث: التيسير ورفع الحرج على الفرد والمجتمع في آيات المعاملات والمواريث والنكاح والأطعمة

- ‌الفصل الأول التيسير ورفع الحرج في آيات المعاملات

- ‌المبحث الأول: الرفق بالمدين والتخفيف عليه

- ‌المبحث الثاني: التيسير على الأمة فيما يصلح معيشتهم

- ‌ المطلب الأول: الامتنان على العباد بإباحة التكسب لهم على وجه العموم

- ‌ المطلب الثاني: إباحة صنوف المعاملات التي يحصل بها النفع والتيسير على الأمة

- ‌ المطلب الثالث: تنوع طبائع الناس في اختيارهم طرق كسبهم وسبل معاشهم

- ‌ المطلب الرابع: رفع الحرج والإثم عمن تاب من المعاملات المالية المحرمة

- ‌الفصل الثاني التيسير ورفع الحرج في آيات المواريث

- ‌ المطلب الأول: التيسير في أسلوب التبليغ

- ‌ المطلب الثاني: مشروعية الوصية للميت

- ‌ المطلب الثالث: النهي عن الضرر

- ‌الفصل الثالث التيسير ورفع الحرج في آيات النكاح

- ‌المبحث الأول: تيسير أمر النكاح

- ‌ المطلب الأول: تيسير مؤونة النكاح

- ‌ المطلب الثاني: رفع الحرج عن نكاح الأمة عند عدم القدرة على نكاح الحرة

- ‌ المطلب الثالث: رفع الحرج بالتعريض في خطبة من توفي عنها زوجها

- ‌المبحث الثاني: التيسير في إباحة الطلاق

- ‌ المطلب الأول: رفع الجناح عن الطلاق قبل البناء

- ‌ المطلب الثاني: رفع الجناح أن تختلع المرأة من زوجها عند الحاجة

- ‌ المطلب الثالث: إباحة اللعان رفعا للحرج عن الزوج

- ‌المبحث الثالث: التيسير في حل الخلافات والمشاكل الأسرية

- ‌ المطلب الأول: في الإيلاء

- ‌الفصل الرابع التيسير ورفع الحرج في آيات الأطعمة

- ‌المبحث الأول: التيسير في إباحة الطيبات

- ‌ المطلب الأول: عموم الإباحة وحصر المحرمات

- ‌ المطلب الثاني: التقرير بإباحة الطيبات على وجه الثبوت والدوام

- ‌المبحث الثاني: التيسير ورفع الحرج عن المضطر

- ‌الخاتمة

- ‌قائمة المصادر والمراجع

الفصل: ‌ المطلب الأول: في الإيلاء

‌المبحث الثالث: التيسير في حل الخلافات والمشاكل الأسرية

من سنة الله عز وجل في النكاح أن جعله سكنا وطمأنينة، ولئن تبنى هذه الحياة على المودة والرحمة خير من أن تقام على المشاحنة والمطالبة بالحقوق وهذا مظهر من مظاهر الشريعة السمحة.

ولكن قد تحصل في كثير من البيوت مشاكل وخلافات تؤثر في هذه الحياة الزوجية، فهل يُلجأ مباشرة إلى الطلاق؟

لاشك أن الطلاق يعتبر هو الحل الأخير، وقد جعله الله تبارك وتعالى آخر طرق الإصلاح إذا استنفد ما سواها من الطرق.

ومن تيسير الله جل وعلا أن شرع لعباده طرقا ومخارج لعلاج المشاكل الزوجية حتى ترفع عنهم ما يجدونه من الحرج في ذلك.

ومن أعظم هذه الخلافات التي عالجها القرآن الكريم: الإيلاء والنشوز والظهار، وفيما يلي بيان لمظاهر التيسير في علاج هذه الأمور.

•‌

‌ المطلب الأول: في الإيلاء

.

الإيلاء مظهر من مظاهر حالات الخلاف التي تحدث بين الرجل والمرأة وهو أن يحلف الرجل ألا يجامع امرأته مدة معينة

(1)

.

ولقد كان الرجل إذا حصل له مع زوجته خصومة آلى ألا يقربها السنة والسنتين إضرارا بها، بل إن بعضهم لا يريد امرأته ومع ذلك لا يطلقها زيادة في النكال فيحلف ألا يقربها حتى إن حصل له ندم بعد ذلك يحجزه اليمين عن مراجعتها، فتمكث المرأة تعاني الألم النفسي وألم ما تجد من إهانة ولا حول لها ولا قوة، ولا شك أنها تصبح في حرج شديد فهي معلقة بين النكاح والطلاق، و هذا ظلم لا يرضاه الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم.

(1)

انظر: تفسير القرآن العظيم (1/ 604).

ص: 326

فجاء القرآن مخففا على الزوجة ومراعيا للزوج بقوله: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)} [البقرة: 226 - 227]

وإذا تأملت هذا الحكم الذي شرعه الله علمت يسر الإسلام ومراعاته لكلا الزوجين، فهو لم يحرم الإيلاء مطلقا، لأنه قد يكون علاجا نافعا لبعض حالات الإعراض والاستكبار فقد يحتاجه الرجل حينئذ للتأديب أو أي عارض من سآمة أو غضب فحدد الله له فترة أربعة أشهر يحصل بها مقصوده، ويراجع نفسه فيما أقدم عليه، ويتروى فيما سيقدم عليه من طلاق أو رجعة، ولا شك أن هذا خير من الطلاق الذي قد يندم عليه بعد ذلك

(1)

.

كما أن هذا الحد الذي قدره الله تبارك وتعالى فيه تخفيف على الزوجة المغلوبة على أمرها، و فيه مراعاة لحاجة المرأة الفطرية فإن هذه الفترة تعتبر أقصى فترة تصبر المرأة فيها عن زوجها، وتعتبر هذه الأشهر كذلك ثلث العام والثلث معظم الشيء المقسوم مثل ثلث المال في الوصية

(2)

، فرحم الله المرأة بأن ملّكها أمرها بعد انقضاء الأربعة أشهر فإذا انقضت خير بين الرجعة أو الطلاق، فإن لم يراجع وأبى الطلاق فلولي الأمر أن يطلقها

(3)

.

(1)

انظر: التحرير والتنوير (2/ 385) ، في ظلال القرآن (1/ 244) ، المفصل في أحكام المرأة (8/ 263).

(2)

انظر: تفسير القرآن العظيم (1/ 605) ، التحرير والتنوير (2/ 387)، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله أن الثلث موافق لطباع الإنسان حيث قال في سياق كلامه على حكمة التعدد بأربع:(وكان هذا العدد موافقا لعدد طباعه وأركانه، وعدد فصول سنته، ولرجوعه إلى الواحدة بعد صبر ثلاث عنها، والثلاث أول مراتب الجمع، وقد علق الشارع بها عدة أحكام، ورخص للمهاجر أن يقيم بعد قضاء نسكه بمكة ثلاثا، وأباح للمسافر أن يمسح على خفيه ثلاثا، وجعل حد الضيافة المستحبة أو الموجبة ثلاثا، وأباح للمرأة أن تحد على غير زوجها ثلاثا، فرحم الضرة بأن جعل غاية انقطاع زوجها عنها ثلاثا ثم يعود؛ فهذا محض الرحمة والحكمة والمصلحة) إعلام الموقعين (316).

(3)

وهذا القول هو قول الجمهور من المالكية والشافعية الحنابلة وبه قال ابن عمر وعائشة وسعيد بن المسيب وعروة ومجاهد، وهو ظاهر الآية، أما من قال من الحنفية أن الطلاق يحصل بمجرد انقضاء الأربعة أشهر فقالوا: إن هذه مدة ضربت لاستدعاء الفعل منه وكان ابن مسعود يقرأ: فإن فاؤوا (فيهن) وأجاب الجمهور عليهم بظاهر الآية وأن العزم لا يكون إلا بعد مضي المدة ولو كان كما ذكروا لا حاجة لذكر العزم والله أعلم. (انظر: أحكام القرآن لابن العربي (1/ 180)(المجموع (21/ 63). (المغني 11/ 31 ، 32).

ص: 327

وهكذا نجد القرآن عالج هذه القضية علاجا خفف فيه على المرأة ما كانت تجده قبل ذلك من تعليق النكاح بالإيلاء، وأمهل الرجل مهلة تناسب ما آلى من أجله.

• المطلب الثاني: في النشوز والإعراض من الزوج.

الأصل في الحياة الزوجية أن تقوم على المعاشرة بالمعروف، لكن قد يتخللها بعض المشاكل التي تحصل بين الزوجين ومن هذه الحالات إذا خافت المرأة نشوز زوجها أو إعراضه عنها لسبب من الأسباب، فينصرف عنها إلى غيرها أو يرغب في فراقها خوفا من ظلمها.

ولما كان الأصل تحريم أخذ الرجل من مهر زوجته ووجوب النفقة عليها والعدل لها في القسم جاءت الآيات رافعة الجناح في هذه الحالة بقوله: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128)} [النساء: 128].

فبين الله تعالى أن الصلح خير من الفراق على أية حال، وذلك إذا رضيت المرأة أن تصالح زوجها فتتنازل عن قسمها في المبيت أو عن نفقتها أو على إعطائه مالا إبقاء لهذا العقد الوثيق، واستعطافا له، وإبقاء المودة بينهما.

وهذا من التخفيف فيما فيه مصلحة الزوجين وبقاء النكاح، وقد أشار جل وعلا إلى ذلك بقوله:{وَالصُّلْحُ خَيْرٌ}

(1)

.

ومع هذا التخفيف فقد حث الله تعالى الزوج على الإحسان إلى زوجته في حقها كاملا ومعاشرتها بالمعروف فإن ذلك أكمل، فإن المرأة وإن تنازلت عن حقها فإن نفسها جبلت على الشح والغيرة أن ترى ضرتها خيرا منها فقد ترجع فيما تصالحا عليه، فقد روي أن رافع بن خديج رضي الله عنه تزوج على امرأته الكبيرة شابة فآثر الشابَّة عليها، فأبت الكبيرة أن تَقِرَّ على الأثرة، فطلقها تطليقة وتركها. فلما قارب انقضاء عِدَّتها خيَّرها بين

(1)

انظر: جامع البيان (9/ 268) ، المغني (10/ 262) ، تفسير القرآن العظيم (2/ 426).

ص: 328

الفراق والرجعة والصبر على الأثرة، فاختارت الرجعة والصبر على الأثرة. فراجعها وآثر عليها، فلم تصبر، فطلقها

(1)

، وقد سبقت الإشارة إلى فضيلة ذلك في الباب الأول.

• المطلب الثالث: في الظهار.

الظهار أثر من آثار المشاكل والخلافات بين الزوجين فإن الزوج قد يختلف مع امرأته وقد يصل هذا الخلاف إلى أن يتلفظ الرجل على امرأته في شدة غضبه بكلام يندم عليه ويوقعه في الحرج بأن يحكم على زوجته بأمر يحرمها عليه، وبذلك يتعدى هذا الحرج إلى الزوجة التي هي بعيدة كل البعد عما وصفت به.

وتظهر هذه المشقة جلية في حادثة خولة رضي الله عنها حينما ظاهر منها زوجها أوس بن الصامت فقد جاءت تشتكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما يجدانه من المشقة بسبب التلفظ بهذا اللفظ.

فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (تبارك الذي وسع سمعه كل شيء إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة و يخفى علي بعضه و هي تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تقول: يا رسول الله أكل شبابي و نثرت له بطني حتى إذا كبرت سني و انقطع له ولدي ظاهر مني اللهم إني أشكو إليك) ، وهذه الأوصاف التي وصفت بها نفسها وشكواها إلى الله يدل على المشقة التي وجدتها والمعاناة التي لحقتها إثر كلمة الظهار.

وفي رواية أخرى تبين عظيم ما وجدت هي وزوجها من العناء تقول: (إن زوجي كان تزوّجني، وأنا أحَبّ الناس إليه، حتى إذا كبرتُ ودخلت في السنّ، قال: أنت عليّ مثل ظهر أمي، فتركني إلى غير أحد، فإن كنت تجد لي رُخصة يا رسول الله تنْعَشني وإياه بها فحدثني بها

)

(2)

.

فمن رحمة الله تبارك وتعالى وتخفيفه عليها وعلى زوجها وعلى الأمة أن أنزل صدر سورة المجادلة مبينا فيها عظيم تلك المقولة وشناعتها وما احتوته من الكذب فقال: {الَّذِينَ

(1)

أخرجه الطبري (9/ 283)، والحاكم في المستدرك كتاب التفسير-تفسير سورة النساء برقم (3205) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.

(2)

أخرجه الطبري (23/ 222).

ص: 329

يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2)} [المجادلة: 2] وختم الآية بعفو الله وغفرانه إيذانا بالتخفيف وهو ما شرعه الله من الكفارة بعد هذه الآية بقوله: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (4)} [المجادلة: 3 - 4].

ومع ما روعي من التغليظ في أنواع هذه الكفارة محافظة على العلاقة الزوجية، ومنعا من ظلم المرأة

(1)

، إلا أنه اشتمل على التيسير عند عدم الاستطاعة والقدرة وما أعظمه من تيسير في تيسير.

وما أجمل أن يجتمع التيسير الإلهي مع التيسير النبوي في حال أوس بن الصامت حين قال النبي صلى الله عليه وسلم لخولة: (مريه فليعتق رقبة) قالت: فقلت والله يا رسول الله ما عنده ما يعتق.

قال: (فليصم شهرين متتابعين) قالت: فقلت والله يا رسول الله إنه شيخ كبير ما به من صيام، قال:(فليطعم ستين مسكينا وسقا من تمر) قالت: قلت والله يا رسول الله ما ذاك عنده، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فإنا سنعينه بعرق من تمر) قالت: فقلت وأنا يا رسول الله سأعينه بعرق آخر، قال:(قد أصبت وأحسنت فاذهبي فتصدقي عنه ثم استوصي بابن عمك خيرا)

(2)

. فإعانة النبي صلى الله عليه وسلم له وتوصيته لخولة بزوجها، مع قوله تعالى في الآية:

(1)

انظر: فقه السنة (2/ 268).

(2)

أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم (27360) ، وأبو داود في سننه، كتاب الطلاق، باب في الظهار برقم (2214) ، وابن حبان في صحيحه، كتاب الطلاق باب الظهار برقم (10/ 107) وقال شعيب الأرناؤوط في تعليقه على صحيح ابن حبان: حديث صحيح رجاله كلهم ثقات، وحسنه الألباني (إرواء الغليل 7/ 173).

ص: 330

{وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2)} إشارة إلى أن مراد الله من هذا الحكم التوسعة على الناس كما يدل على أن مقصد الشريعة الإِسلامية أن تدور أحكام الظهار على محور التخفيف والتوسعة

(1)

.

وفي ختام هذا الفصل يتبين ما اشتملت عليه أحكام النكاح من التخفيف ورفع الحرج ولولا فضل الله علينا بهذا التخفيف لتفرقت كثير من الأسر، ولوقعت كثير من المشاحنات والخصومات، فالحمد لله الذي هدانا لهذه الشريعة الغراء، والواجب على الزوجين أن تكون حياتهما قائمة على التيسير فيما بينهما والتخفيف على بعضهما حتى تنعم حياتهما بالود والاطمئنان في ظل الشريعة الإسلامية.

(1)

التحرير والتنوير (28/ 14).

ص: 331