الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الأول: تقوى الله عز وجل
تقوى الله عز وجل من الحِكم التي ذكرها الله تعالى وكررها في كتابه الكريم في كثير من الأحوال وذلك لإنها من الأسباب التي تعين على صلاح العبد واستقامته
والتقوى في اللغة بمعنى الاتقاء وهو اتخاذ الوقاية
(1)
، ويراد بها: فعل ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه
(2)
.
ولما كانت المعاملات المالية مظنة لهضم الحقوق أو التحايل أو التعامل فيه بما حرم الله فقد قرن عز وجل تقواه بالآيات التي تحدثت عن هذه المعاملات، وسأبين ذلك من خلال المطالب التالية:
•
المطلب الأول: التقوى تمنع العبد عن التعامل بالربا
.
فأمر الله عز وجل بتقواه في الآيات التي تحدثت عن الربا، فقال:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130)} [آل عمران: 130].
فذكر - جل وعلا - التقوى في هذه الآية والآيات التي تليها ثلاث مرات، فذكّرهم في هذه الآية بتقواه فقال:{وَاتَّقُوا اللَّهَ} ثم حذرهم وأمرهم باتقاء النار فقال في الآية التي تليها: {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131)} [آل عمران: 131] ثم بيّن ما أعدّ للمتقين فقال: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133)} [آل عمران: 133].
فأكّد تعالى أن البعد عن أكل الربا حال كونها أضعافا مضاعفة - وهو ربا الجاهلية- خصلة من خصال التقوى
(3)
وذلك: أن الرجل منهم كان يكون له على الرجل مال إلى
(1)
التعريفات، الجرجاني (1/ 90).
(2)
مجموع الفتاوى 3/ 120.
(3)
انظر: تيسير الكريم الرحمن، ابن سعدي 148
أجل فإذا حل الأجل طلبه من صاحبه فيقول له الذي عليه المال: أخّر عني دينك وأزيدك على مالك فيفعلان ذلك
(1)
.
فالتقوى حينئذ تكون رادعة من الوقوع في هذه المعاملة لأنها من صفات الجاهلية ولذلك جعل العقوبة لمن لم يرتدع النار التي أعدت للكافرين.
كان أبو حنيفة رحمه الله يقول: (هي أخوف آية في القرآن حيث أوعد الله المؤمنين
بالنار المعدة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه).
(2)
وكما أمر الله المؤمنين بتقواه في مبدأ تحريم الربا
(3)
، فقد أمرهم بها كذلك حينما أغلق باب المعذرة في أكله فقال:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278)} [البقرة: 278].
فأمرهم الله بتقواه قبل الأمر بترك الربا لأن تقوى الله هي أصل الامتثال والاجتناب وترك الربا من جملتها
(4)
.
وقد ختم الله هذه الآيات بالأمر بتقواه كذلك فقال: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281)} [البقرة: 281]، فهذه الآية آخر ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما صح عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال:(آخر آية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم آية الربا) وسماها آية الربا لأنها جاءت في ختامها معطوفة عليها فدخلت في حكمها ووصفها
(5)
وجعلت هذه الآية خاتمة لهذه الأحكام والأوامر والنواهي لأن فيها الوعد على الخير والوعيد على فعل الشر
(6)
. فتكرير الأمر بالتقوى في هذه الآيات، تقطع أي طريق للتحايل أو التلاعب، وإن سمي
(1)
جامع البيان 7/ 204
(2)
الكشاف، الزمخشري (1/ 216)
(3)
الظاهر أن هذه الآية نزلت قبل نزول آية سورة البقرة فكانت هذه تمهيدا لتلك ولم يكن النهي فيها بالغا ما في سورة البقرة. انظر التحرير والتنوير (3/ 81)(4/ 85).
(4)
التحرير والتنوير، ابن عاشور (3/ 93).
(5)
رواه البخاري في كتاب التفسير، سورة البقرة، باب (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله) ورقمه (4270).
(6)
تيسير الكريم الرحمن (ص 117)