الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بينهم.
(1)
وفي قوله: {إِلَّا أَنْ يَخَافَا} على القراءة بالضم (يُخافا)
(2)
فالخوف هنا يرجع لولي الأمر أو أهل الزوجين أو من يقوم بالإصلاح بينهما.
(3)
وهذا يدل كذلك على مسؤولية المجتمع في إقامة حدود الله بينهم.
وهذا ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم مع ثابت بن قيس بن شماس وزوجته رضي الله عنهما، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ثابت ابن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكنى أكره الكفر في الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (فتردين عليه حديقته). قالت: نعم فردت عليه، وأمره ففارقها
(4)
.
•
المطلب الثاني: ثناء الله جل وعلا لمن يقيم حدوده، وذمه للمخالف والمعرض عنها
.
رغب الله تبارك وتعالى وحث على إقامة حدوده التي أمر بها وذلك بالثناء على أهلها ووصفهم بالصفات الحسنة التي وعد من اتصف بها بالثواب الجزيل في الدنيا والآخرة كما ذم المخالفين لأمره ووصفهم بصفات يستحقون عليها العقاب في الدنيا والآخرة.
1.
الثناء على المقيمين للحدود بوصفهم بصفة العلم.
فقد ختم الله الآيات التي بين فيها أحكام العدة والإيلاء والطلاق والرجعة والفدية في سورة البقرة بقوله: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230)} [البقرة: 230].
فأخبر عز وجل أن هذه الحدود التي أنزلها مميزا فيها وفاصلا بين الحلال والحرام إنما ينتفع بها الذين يعلمون لأنهم لما علموا أنها من عند الله صدقوا بها وأدركوا ما فيها من المصالح فعملوا بمقتضاها ولذلك فقد شرفهم الله بوصف العلم وخصهم ببيان هذه الحدود دون غيرهم.
(5)
(1)
انظر: جامع البيان (4/ 563) ، المحرر الوجيز (2/ 281) ، مدارك التنزيل وحقائق التأويل (1/ 128) ، الكشاف (1/ 139) ، التحرير والتنوير (2/ 408). الجامع لأحكام القرآن (4/ 75)
(2)
قرأ بالضم في هذه الآية أبو جعفر ويعقوب وحمزة (انظر: النشر في القراءات العشر 2/ 227).
(3)
انظر: الدر المصون (2/ 446، 447) ، تفسير سورة البقرة للعثيمين (3/ 108).
(4)
أخرجه البخاري في كتاب الطلاق، باب الخلع وكيف الطلاق فيه، برقم (5276).
(5)
انظر: جامع البيان (4/ 399) ، البحر المحيط (2/ 325) ، التحرير والتنوير (2/ 421).
وفي الآية إشارة إلى أن الذين لا يقيمون حدود الله هم من الجاهلين، لأنهم على كثرة ما أمروا به لا يحفظون حدود الله ولا يتعاهدونها بالعمل، وفي ذلك ذم لهم بإعراض الله تبارك وتعالى عن خطابهم وتشريفهم بهذه الأحكام، مع قيام الحجة عليهم
(1)
.
ومن هؤلاء الجهال الذين يتخذون النكاح الذي شرعه الله حيلة للوصول إلى ما حرمه فينكحون المرأة ليحللونها إلى من طلقها، فليس ذلك من إقامة حدود الله في شيء، بل قد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أشد النهي عن ذلك ووصف فاعله بأقبح وصف فقال:(ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا: بلى. يا رسول الله، قال: (هو المحلل، لعن الله المحلل والمحلل له)
(2)
. وذلك أنه لا يقيم شرع الله بهذا النكاح، كما قال ابن القيم رحمه الله:(فسل هذا التيس هل دخل في قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21] وهل دخل في قوله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور: 32] وهل دخل في قوله صلى الله عليه وسلم: (من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج)
(3)
وهل دخل في قوله صلى الله عليه وسلم: (تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة)
(4)
أم حقٌّ على الله لعنته تصديقا لرسوله فيما أخبر عنه، وسله هل يلعن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من يفعل مستحبا أو جائزا أو مكروها أو صغيرة؟ أم لعنته مختصة بمن ارتكب كبيرة أو ما هو أعظم منها)
(5)
، وفي هذا أعظم دلالة على أن نكاح المحلل من الجهل واتخاذ حدود الله في غير ما شرعت له.
(1)
انظر: جامع البيان (4/ 400) ، الجامع لأحكام القرآن (4/ 99).
(2)
أخرجه ابن ماجة في سننه كتاب النكاح، باب المحلل والمحلل له برقم (1936)، والحاكم في المستدرك كتاب الطلاق برقم (2804) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الألباني: إسناده حسن (إرواء الغليل 6/ 310).
(3)
سبق تخريجه (ص 32).
(4)
سيأتي تخريجه (ص 251)
(5)
إعلام الموقعين (ص 561).
وهذه الآية تبين أن المجتمع الذي لا يقيم حدود الله إنما هو مجتمع جاهل، وإن علموا ظاهرا من الحياة الدنيا كما قال تعالى عنهم:{يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7)} [الروم: 7].
2.
الثناء عليهم بصفة الإيمان المستلزم للثواب، وذم المخالفين بوصفهم بالكفر المستحق للعقاب.
فحين بيّن الله تعالى أحكام الظهار، وفصّل في أمر الكفارة قال:{ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (4)} [المجادلة: 4].
والتصديق بالأمر بالكفارة وإقامتها سبب لحصول الإيمان الذي وعد الله عليه بالجنة، فهذا وعد من الله وترغيب للمقيم لهذه الحدود بالجنة والنعيم.
ثم أنذر الله من أعرض عن هذه الحدود فوصفه بالكفر الذي يلزم منه العذاب الأليم في الدنيا والآخرة، فالترغيب والترهيب في الآية داعيان إلى القيام بحدود الله.
والذي يرى حال المجتمعات التي أعرضت عن تطبيق حدود الله، وما هم فيه من التفكك يعلم يقينا أنهم في عذاب، وأما المجتمع الذي يطبق حدود الله فإنه ينعم بالأمن والإيمان بما يقيمه من حدود الله وفرائضه.
3.
ذم من ينتهك حدود الله بالظلم.
كما قال تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)} [البقرة: 229] فأخبر تعالى بعد بيان جملة من أحكام الطلاق وأحواله أن هذه حدود حدها لعباده فمن يتعداها فهو من الظالمين.
وهذا فيه إشعار بالذم والتحقير للمتعدي، كما أن فيه تهديد بالعقوبة، لأن الله أخبر أنه لا يحب الظالمين، وأن النار جزاء الظالمين عياذا بالله.
والخطاب في هذه الآية يشمل جميع المخاطبين رجالا كانوا أو نساءا، وكما أن هذا الظلم الذي وقع منهم يضر بغيرهم فهو راجع عليهم كذلك بالضرر والخسارة، ولذلك فقد أخبر الله تعالى عنهم في سورة الطلاق أن تعديهم على حدود الله ظلم للنفس قبل أن
يكون ظلما للغير فقال: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ}
…
[الطلاق: 1].
وأعظم ظلم للنفس هو بمعصية الله ومخالفة أمره، كما أن هذا الظلم يفوت عليه من المصالح المنطوية في هذه الأحكام الشيء الكثير
(1)
.
وفي ختام هذا المبحث فإن القارئ يلاحظ أن التنبيه على إقامة الحدود إنما ذكر عند آيات العدة والطلاق والظهار ونحوها، وهذا لا يلزم منه أن باقي أحكام النكاح ليست من حدوده جل وعلا، بل هي من الحدود التي يجب إقامتها، لكن لما كانت إقامة هذه الأحكام فيها مخالفة لحظوظ النفس وشهواتها من كظم الغيظ ومخالفة شح النفس؛ ناسبت أن تذكر في مثل هذه المواطن والله تعالى أعلم
(1)
انظر: التفسير الكبير (6/ 111) ، التحرير والتنوير (28/ 305).