المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ المطلب الثاني: ثناء الله جل وعلا لمن يقيم حدوده، وذمه للمخالف والمعرض عنها - الحكم من المعاملات والمواريث والنكاح والأطعمة في آيات القرآن الكريم

[أبو بكر فوزي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌ أهمية هذا الموضوع

- ‌أسباب اختيار الموضوع

- ‌خطة البحث

- ‌شكر وتقدير

- ‌منهج كتابة البحث

- ‌تمهيد

- ‌ تعريف الحكمة

- ‌ علاقة الحكمة بالمقصد والعلة:

- ‌ أقسام الحِكم:

- ‌المبحث الأول: الغاية من تكليف الله تعالى للعبد

- ‌المبحث الثاني: فوائد معرفة الحكم:

- ‌الباب الأول: بناء الفرد المسلم وصلاحه في آيات المعاملات والمواريث والنكاح والأطعمة

- ‌الفصل الأولبناء الفرد المسلم وصلاحه في آيات المعاملات

- ‌المبحث الأول: تقوى الله عز وجل

- ‌ المطلب الأول: التقوى تمنع العبد عن التعامل بالربا

- ‌ المطلب الثاني: تقوى الله تعالى عند الاستدانة وأداء الديْن

- ‌المبحث الثاني: مراقبة الله تعالى

- ‌ المطلب الأول: مراقبة الله تعالى في مال اليتيم

- ‌ المطلب الثاني: مراقبة الله تعالى في أداء الأمانات

- ‌المبحث الثالث: تحقيق الفلاح

- ‌المبحث الرابع: التسليم بقضاء الله وقدره

- ‌المبحث الخامس: تقديم حقوق الله تعالى على مصالح الدنيا

- ‌ المطلب الأول: بيان عقوبة من قدم التجارة على حق الله عز وجل

- ‌ المطلب الثالث: الثناء على من قدّم حق الله على بيعه وتجارته

- ‌المبحث السادس: الحذر من سوء العاقبة

- ‌ المطلب الأول: سوء عاقبة أكل أموال الناس بالباطل

- ‌ المطلب الثاني: سوء عاقبة آكلي الربا

- ‌ المطلب الثالث: سوء عاقبة أكل مال اليتيم

- ‌المبحث الأول: تقوى الله عز وجل

- ‌المبحث الثاني: التفكر في أسماء الله وصفاته

- ‌ المطلب الأول: الحث على مراقبة الله تعالى

- ‌ المطلب الثاني: الحث على التوبة والسعي إلى الإصلاح

- ‌ المطلب الثالث: الرضا بحكم الله وامتثال أمره

- ‌الفصل الثالث: بناء الفرد المسلم وصلاحه في آيات النكاح

- ‌المبحث الأول: تذكر نعمة الله تعالى

- ‌المبحث الثاني: تقوى الله تعالى

- ‌ المطلب الأول: إقامة الحياة الزوجية على مبدأ التقوى بين الرجل والمرأة:

- ‌ المطلب الثالث: تقوى الله تعالى في حال الصلح

- ‌ المطلب الرابع: تقوى الله تعالى عند حصول الطلاق

- ‌ المطلب الخامس: تقوى الله تعالى في إرضاع المولود:

- ‌المبحث الثالث: مراقبة الله عز وجل

- ‌ المطلب الأول: استحضار المراقبة يمنع المطلقة من كتمان ما يتوقف عليه أمر الطلاق

- ‌ المطلب الثاني: استحضار الزوجين للمراقبة حال الخِطبة

- ‌ المطلب الثالث: مراقبة الله تعالى عند رغبة الولي في نكاح اليتيمة التي في حجره

- ‌ المطلب الرابع: استحضار مراقبة الله تعالى حال الخصومة بين الزوجين

- ‌المبحث الرابع: شكر الله عز وجل

- ‌المبحث الخامس: التوكل على الله

- ‌ مطلب: التوكل على الله عند حصول الخلافات أو حدوث الطلاق

- ‌المبحث السادس: التربية على الصبر

- ‌ المطلب الأول: الحث على الصبر عند عدم القدرة على النكاح

- ‌ المطلب الثاني: الصبر عن فتنة الزوجة والأولاد:

- ‌ المطلب الثالث: تربية الزوجة والأولاد على الصبر:

- ‌المبحث السابع: البعد عن قول الزور

- ‌ المطلب الأول: النهي عن قول الزور بين الزوجين

- ‌ المطلب الثاني: النهي عن القذف ورمي المحصنات

- ‌المبحث الثامن: البعد عن العادات السيئة

- ‌ المطلب الأول: التعامل مع المرأة حال الحيض:

- ‌ المطلب الثاني: النهي عن إتيان المرأة في دبرها

- ‌المبحث الأول: تقوى الله عز وجل

- ‌ المطلب الأول: التقوى سبب في تحري الطيب الحلال والبعد عن الحرام

- ‌ المطلب الثاني: التقوى تمنع العبد من الغلو وترك ما أباح الله من الطيبات

- ‌ المطلب الثالث: التقوى باعثة على امتثال أمر الله عز وجل والثبات على دينه

- ‌ المطلب الرابع: تقوى الله تعالى سبب في فتح أبواب الرزق وتسهيل طرقه

- ‌المبحث الثاني: مراقبة الله تعالى

- ‌ المطلب الأول: مراقبة الله عز وجل حال الاضطرار والمخمصة

- ‌ المطلب الثاني: المراقبة توصل العبد إلى محبة الله تعالى، وأهلها مشهود لهم بالفضل والإحسان

- ‌ المطلب الثالث: ابتلاء الله تعالى لعباده بمنعهم نوعا من أنواع الرزق، ليتبين بذلك من يراقبه ممن يخالف أمره

- ‌المبحث الثالث: شكر الله عز وجل

- ‌ المطلب الأول: الأمر بشكر الله على الأكل من الطيبات:

- ‌ المطلب الثاني: بيان منة الله على عباده بنعمة الرزق مع تنوعه، وأن غاية ذلك هو الشكر

- ‌ المطلب الثالث: بيان عاقبة من كفروا بالنعمة ولم يشكروا الله عليها

- ‌المبحث الرابع: تعظيم شعائر الله

- ‌ المطلب الأول: تحريم أكل ما فيه تعظيم لغير الله

- ‌ المطلب الثاني: تغليظ العقوبة لمن تعمد الوقوع في محارم الله

- ‌ المطلب الثالث: ذم عادات الجاهلية في اعتدائهم على الله وإشراك الأصنام معه في قسمة حروثهم وأنعامهم

- ‌المبحث الخامس: اجتناب مسالك الغواية

- ‌ المطلب الأول: اجتناب خطوات الشيطان

- ‌ تحريم ما أحل الله عز وجل

- ‌ الإيحاء بالمعصية والكفر في تحليل ما حرم الله

- ‌ تسمية المحرمات بغير اسمها تزيينا للنفس

- ‌ المطلب الثاني: اجتناب الفسق

- ‌ التحذير من أكل ما يورث الفسق:

- ‌ التحذير من مشابهة الفاسقين

- ‌المبحث الأول: التعامل بالمعروف

- ‌ المطلب الثاني: أخذ الولي الفقير من مال اليتيم بالمعروف

- ‌المبحث الثاني: تحقيق العدل

- ‌ المطلب الثاني: تحقيق العدل في المداينات

- ‌ المطلب الثالث: العدل في الموازين والنهي عن التطفيف فيه

- ‌المبحث الثالث: تعميق مشاعر الأخوة

- ‌ المطلب الثاني: الأمر بكتابة الدَّين

- ‌ المطلب الثالث: التخفيف على الأُجَراء والرحمة بهم

- ‌المبحث الرابع: الحذر من كتمان الشهادة

- ‌المبحث الخامس: حفظ الحقوق

- ‌ المطلب الأول: حفظ المال كحق للأمة بوجه عام

- ‌ المطلب الثاني: حفظ حق الدائن

- ‌ المطلب الثالث: حفظ حق اليتيم والسفيه

- ‌ المطلب الرابع: حفظ حق الكاتب والشهيد

- ‌المبحث الأول: إقامة حدود الله وتعظيم أحكامه

- ‌ المطلب الأول: الوصية بهذه الفرائض، وإضافتها للفظ الجلالة تعظيما لها واهتماما بها

- ‌ المطلب الثاني: بيان عجز العقول عن إدراك ما ينفع العباد ويصلحهم، وتسليم الحكم لله

- ‌ المطلب الثالث: الترغيب في إقامة حدود الله والترهيب من تضييعها

- ‌المبحث الثاني: التكافل الاجتماعي

- ‌ المطلب الأول: قيام التوارث في بداية الأمر على الهجرة:

- ‌ المطلب الثاني: الأمر بإيتاء من حضر القسمة منها، من الأقرباء غير الورثة أو الضعفاء

- ‌المبحث الثالث: صلة الرحم

- ‌ توريث ذوي الأرحام

- ‌ التوريث بالنكاح والولاء

- ‌المبحث الرابع: تحقيق العدل بين الرجل والمرأة

- ‌ المطلب الأول: إبطال وإنكار عادات الجاهلية التي فيها ظلم للمرأة والصغير

- ‌ المطلب الثاني: ما فرضه الله من أن للذكر مثل حظ الأنثيين

- ‌المبحث الخامس: حفظ الحقوق

- ‌ المطلب الأول: حفظ حق الورثة:

- ‌ المطلب الثاني: حفظ حق الدائن:

- ‌ المطلب الثالث: حفظ حق الموصى له:

- ‌ المطلب الرابع: حفظ حق الميت:

- ‌المبحث الأول: إقامة حدود الله وتعظيمها

- ‌ المطلب الأول: مشروعية افتراق الزوجين عند الخشية ألا يقيما حدود الله ولو بالافتداء

- ‌ المطلب الثاني: ثناء الله جل وعلا لمن يقيم حدوده، وذمه للمخالف والمعرض عنها

- ‌المبحث الثاني: بناء الأسرة الصالحة

- ‌ المطلب الأول: تحريم نكاح المشركات وإنكاح المشركين

- ‌ المطلب الثاني: اشتراط اختيار الزوج الصالح البعيد عن الفواحش والفجور رجلا كان أو امرأة

- ‌ المطلب الثالث: التضييق في نكاح الإماء

- ‌المبحث الثالث: التكاثر والتناسل

- ‌ المطلب الأول: التكاثر والتناسل عن طريق النكاح سنة الله في الكون

- ‌ المطلب الثاني: الرد على دعاة تحديد النسل

- ‌المبحث الرابع: الطمأنينة والسكن

- ‌ المطلب الأول: حصول المودة والرحمة بين الزوجين:

- ‌ المطلب الثاني: اطمئنان البيوت

- ‌ المطلب الثالث: الترويح عن النفس وتجديد الهمة

- ‌المبحث الخامس: التعامل بالمعروف

- ‌ المطلب الأول: المعاشرة بالمعروف:

- ‌ المطلب الثاني: التعامل بالمعروف في الطلاق

- ‌ المطلب الثالث: فعل المعروف في زمن العدة وبعد انقضائها

- ‌المبحث السادس: التكافل الاجتماعي

- ‌ المطلب الأول: النكاح أصل النظام البشري في الاجتماع والترابط

- ‌ المطلب الثاني: النكاح مظهر من مظاهر التكافل الاجتماعي

- ‌ المطلب الثالث: قطع كل سبيل يفضي إلى التباغض بين الأقربين

- ‌المبحث السابع: حفظ الأعراض

- ‌ المطلب الأول: وجوب انتساب الذرية للآباء

- ‌ المطلب الثاني: تحريم نكاح المحارم

- ‌ المطلب الثالث: فرض العدة على المطلقة والمتوفى عنها زوجها

- ‌ المطلب الرابع: مشروعية اللعان

- ‌المبحث الثامن: حفظ الحقوق

- ‌ المطلب الأول: حفظ حق الزوج

- ‌ المطلب الثاني: حقوق الزوجة:

- ‌المبحث التاسع: حفظ العفة ومحاربة الرذيلة

- ‌ المطلب الأول: الاستعفاف لمن لا يستطيع النكاح

- ‌ المطلب الثاني: تعدد الزوجات وأثره في عفاف المجتمع

- ‌ المطلب الثالث: نهي المطلقة عن الخروج من بيتها وأثره في عفتها وعفة المجتمع

- ‌ المطلب الرابع: النهي عن إشاعة الفاحشة وعقوبة من يحب ذلك

- ‌المبحث الأول: إقامة شعائر الله

- ‌المبحث الثاني: حفظ الحقوق

- ‌ المطلب الثاني: تحريم ما يفسد العقل والبدن ويؤثر في صحتهما

- ‌المبحث الثالث: تعميق مشاعر الأخوة

- ‌الباب الثالث: التيسير ورفع الحرج على الفرد والمجتمع في آيات المعاملات والمواريث والنكاح والأطعمة

- ‌الفصل الأول التيسير ورفع الحرج في آيات المعاملات

- ‌المبحث الأول: الرفق بالمدين والتخفيف عليه

- ‌المبحث الثاني: التيسير على الأمة فيما يصلح معيشتهم

- ‌ المطلب الأول: الامتنان على العباد بإباحة التكسب لهم على وجه العموم

- ‌ المطلب الثاني: إباحة صنوف المعاملات التي يحصل بها النفع والتيسير على الأمة

- ‌ المطلب الثالث: تنوع طبائع الناس في اختيارهم طرق كسبهم وسبل معاشهم

- ‌ المطلب الرابع: رفع الحرج والإثم عمن تاب من المعاملات المالية المحرمة

- ‌الفصل الثاني التيسير ورفع الحرج في آيات المواريث

- ‌ المطلب الأول: التيسير في أسلوب التبليغ

- ‌ المطلب الثاني: مشروعية الوصية للميت

- ‌ المطلب الثالث: النهي عن الضرر

- ‌الفصل الثالث التيسير ورفع الحرج في آيات النكاح

- ‌المبحث الأول: تيسير أمر النكاح

- ‌ المطلب الأول: تيسير مؤونة النكاح

- ‌ المطلب الثاني: رفع الحرج عن نكاح الأمة عند عدم القدرة على نكاح الحرة

- ‌ المطلب الثالث: رفع الحرج بالتعريض في خطبة من توفي عنها زوجها

- ‌المبحث الثاني: التيسير في إباحة الطلاق

- ‌ المطلب الأول: رفع الجناح عن الطلاق قبل البناء

- ‌ المطلب الثاني: رفع الجناح أن تختلع المرأة من زوجها عند الحاجة

- ‌ المطلب الثالث: إباحة اللعان رفعا للحرج عن الزوج

- ‌المبحث الثالث: التيسير في حل الخلافات والمشاكل الأسرية

- ‌ المطلب الأول: في الإيلاء

- ‌الفصل الرابع التيسير ورفع الحرج في آيات الأطعمة

- ‌المبحث الأول: التيسير في إباحة الطيبات

- ‌ المطلب الأول: عموم الإباحة وحصر المحرمات

- ‌ المطلب الثاني: التقرير بإباحة الطيبات على وجه الثبوت والدوام

- ‌المبحث الثاني: التيسير ورفع الحرج عن المضطر

- ‌الخاتمة

- ‌قائمة المصادر والمراجع

الفصل: ‌ المطلب الثاني: ثناء الله جل وعلا لمن يقيم حدوده، وذمه للمخالف والمعرض عنها

بينهم.

(1)

وفي قوله: {إِلَّا أَنْ يَخَافَا} على القراءة بالضم (يُخافا)

(2)

فالخوف هنا يرجع لولي الأمر أو أهل الزوجين أو من يقوم بالإصلاح بينهما.

(3)

وهذا يدل كذلك على مسؤولية المجتمع في إقامة حدود الله بينهم.

وهذا ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم مع ثابت بن قيس بن شماس وزوجته رضي الله عنهما، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ثابت ابن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكنى أكره الكفر في الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (فتردين عليه حديقته). قالت: نعم فردت عليه، وأمره ففارقها

(4)

.

•‌

‌ المطلب الثاني: ثناء الله جل وعلا لمن يقيم حدوده، وذمه للمخالف والمعرض عنها

.

رغب الله تبارك وتعالى وحث على إقامة حدوده التي أمر بها وذلك بالثناء على أهلها ووصفهم بالصفات الحسنة التي وعد من اتصف بها بالثواب الجزيل في الدنيا والآخرة كما ذم المخالفين لأمره ووصفهم بصفات يستحقون عليها العقاب في الدنيا والآخرة.

1.

الثناء على المقيمين للحدود بوصفهم بصفة العلم.

فقد ختم الله الآيات التي بين فيها أحكام العدة والإيلاء والطلاق والرجعة والفدية في سورة البقرة بقوله: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230)} [البقرة: 230].

فأخبر عز وجل أن هذه الحدود التي أنزلها مميزا فيها وفاصلا بين الحلال والحرام إنما ينتفع بها الذين يعلمون لأنهم لما علموا أنها من عند الله صدقوا بها وأدركوا ما فيها من المصالح فعملوا بمقتضاها ولذلك فقد شرفهم الله بوصف العلم وخصهم ببيان هذه الحدود دون غيرهم.

(5)

(1)

انظر: جامع البيان (4/ 563) ، المحرر الوجيز (2/ 281) ، مدارك التنزيل وحقائق التأويل (1/ 128) ، الكشاف (1/ 139) ، التحرير والتنوير (2/ 408). الجامع لأحكام القرآن (4/ 75)

(2)

قرأ بالضم في هذه الآية أبو جعفر ويعقوب وحمزة (انظر: النشر في القراءات العشر 2/ 227).

(3)

انظر: الدر المصون (2/ 446، 447) ، تفسير سورة البقرة للعثيمين (3/ 108).

(4)

أخرجه البخاري في كتاب الطلاق، باب الخلع وكيف الطلاق فيه، برقم (5276).

(5)

انظر: جامع البيان (4/ 399) ، البحر المحيط (2/ 325) ، التحرير والتنوير (2/ 421).

ص: 232

وفي الآية إشارة إلى أن الذين لا يقيمون حدود الله هم من الجاهلين، لأنهم على كثرة ما أمروا به لا يحفظون حدود الله ولا يتعاهدونها بالعمل، وفي ذلك ذم لهم بإعراض الله تبارك وتعالى عن خطابهم وتشريفهم بهذه الأحكام، مع قيام الحجة عليهم

(1)

.

ومن هؤلاء الجهال الذين يتخذون النكاح الذي شرعه الله حيلة للوصول إلى ما حرمه فينكحون المرأة ليحللونها إلى من طلقها، فليس ذلك من إقامة حدود الله في شيء، بل قد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أشد النهي عن ذلك ووصف فاعله بأقبح وصف فقال:(ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا: بلى. يا رسول الله، قال: (هو المحلل، لعن الله المحلل والمحلل له)

(2)

. وذلك أنه لا يقيم شرع الله بهذا النكاح، كما قال ابن القيم رحمه الله:(فسل هذا التيس هل دخل في قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21] وهل دخل في قوله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور: 32] وهل دخل في قوله صلى الله عليه وسلم: (من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج)

(3)

وهل دخل في قوله صلى الله عليه وسلم: (تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة)

(4)

أم حقٌّ على الله لعنته تصديقا لرسوله فيما أخبر عنه، وسله هل يلعن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من يفعل مستحبا أو جائزا أو مكروها أو صغيرة؟ أم لعنته مختصة بمن ارتكب كبيرة أو ما هو أعظم منها)

(5)

، وفي هذا أعظم دلالة على أن نكاح المحلل من الجهل واتخاذ حدود الله في غير ما شرعت له.

(1)

انظر: جامع البيان (4/ 400) ، الجامع لأحكام القرآن (4/ 99).

(2)

أخرجه ابن ماجة في سننه كتاب النكاح، باب المحلل والمحلل له برقم (1936)، والحاكم في المستدرك كتاب الطلاق برقم (2804) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الألباني: إسناده حسن (إرواء الغليل 6/ 310).

(3)

سبق تخريجه (ص 32).

(4)

سيأتي تخريجه (ص 251)

(5)

إعلام الموقعين (ص 561).

ص: 233

وهذه الآية تبين أن المجتمع الذي لا يقيم حدود الله إنما هو مجتمع جاهل، وإن علموا ظاهرا من الحياة الدنيا كما قال تعالى عنهم:{يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7)} [الروم: 7].

2.

الثناء عليهم بصفة الإيمان المستلزم للثواب، وذم المخالفين بوصفهم بالكفر المستحق للعقاب.

فحين بيّن الله تعالى أحكام الظهار، وفصّل في أمر الكفارة قال:{ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (4)} [المجادلة: 4].

والتصديق بالأمر بالكفارة وإقامتها سبب لحصول الإيمان الذي وعد الله عليه بالجنة، فهذا وعد من الله وترغيب للمقيم لهذه الحدود بالجنة والنعيم.

ثم أنذر الله من أعرض عن هذه الحدود فوصفه بالكفر الذي يلزم منه العذاب الأليم في الدنيا والآخرة، فالترغيب والترهيب في الآية داعيان إلى القيام بحدود الله.

والذي يرى حال المجتمعات التي أعرضت عن تطبيق حدود الله، وما هم فيه من التفكك يعلم يقينا أنهم في عذاب، وأما المجتمع الذي يطبق حدود الله فإنه ينعم بالأمن والإيمان بما يقيمه من حدود الله وفرائضه.

3.

ذم من ينتهك حدود الله بالظلم.

كما قال تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)} [البقرة: 229] فأخبر تعالى بعد بيان جملة من أحكام الطلاق وأحواله أن هذه حدود حدها لعباده فمن يتعداها فهو من الظالمين.

وهذا فيه إشعار بالذم والتحقير للمتعدي، كما أن فيه تهديد بالعقوبة، لأن الله أخبر أنه لا يحب الظالمين، وأن النار جزاء الظالمين عياذا بالله.

والخطاب في هذه الآية يشمل جميع المخاطبين رجالا كانوا أو نساءا، وكما أن هذا الظلم الذي وقع منهم يضر بغيرهم فهو راجع عليهم كذلك بالضرر والخسارة، ولذلك فقد أخبر الله تعالى عنهم في سورة الطلاق أن تعديهم على حدود الله ظلم للنفس قبل أن

ص: 234

يكون ظلما للغير فقال: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ}

[الطلاق: 1].

وأعظم ظلم للنفس هو بمعصية الله ومخالفة أمره، كما أن هذا الظلم يفوت عليه من المصالح المنطوية في هذه الأحكام الشيء الكثير

(1)

.

وفي ختام هذا المبحث فإن القارئ يلاحظ أن التنبيه على إقامة الحدود إنما ذكر عند آيات العدة والطلاق والظهار ونحوها، وهذا لا يلزم منه أن باقي أحكام النكاح ليست من حدوده جل وعلا، بل هي من الحدود التي يجب إقامتها، لكن لما كانت إقامة هذه الأحكام فيها مخالفة لحظوظ النفس وشهواتها من كظم الغيظ ومخالفة شح النفس؛ ناسبت أن تذكر في مثل هذه المواطن والله تعالى أعلم

(1)

انظر: التفسير الكبير (6/ 111) ، التحرير والتنوير (28/ 305).

ص: 235