الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الخامس: تقديم حقوق الله تعالى على مصالح الدنيا
جاءت الشريعة الإسلامية بما تَصلُح به حياة البشرية، كيف لا وهي من عند أحكم الحاكمين -جل وعلا- الذي خلق الخلق وهو أعلم بما يصلحهم.
وإن أعظم صلاح للبشرية هو إقامة شرع الله في الأرض وحفظ الدين، إذ به النجاة في الدنيا والآخرة، ولا يتم ذلك إلا بالقيام بحق الله سبحانه وتعالى كما أمر.
وقد جبل الله النفس الإنسانية على حب المال والتكسب، وأمره باتخاذ الطرق الشرعية في ذلك.
ومع بريق الأموال وحب التجارة، وظهور الجشع قد تطغى النفس الأمارة، وتنسى شكر المنعِم المولى، فتضيِّع حق الله تعالى، رغبة في تنمية المال أو خوفا من الخسارة والزوال.
وقد جاءت الآيات في كتاب الله تبين خطر من وقع في هذا المزلق، وممتدحة من قدم حق الله تعالى على تجارته ومعاشه.
•
المطلب الأول: بيان عقوبة من قدم التجارة على حق الله عز وجل
.
أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة، جاء الوعيد الشديد لمن لم يهاجر خوفا من كساد تجارته وضياعها
(1)
(1)
انظر: جامع البيان (14/ 177).
وهذا الوعيد يشمل كل من قدّم تجارته وماله فأصبحت متاجرته ومضاربته في الأموال أحب إليه مما افترضه الله عليه من الواجبات، فإذا رأى العبد من نفسه ميلا ومحبة إلى هذه الملذات على محبة الله ورسوله فليحذر أن يبيع دينه بدنياه فيكون من الفاسقين.
(1)
وعلامة هذه المحبة: أنه إذا عرض عليه أمران، أحدهما يحبه اللّه ورسوله وليس لنفسه فيه هوى، والآخر تحبه نفسه وتشتهيه ولكنه يُفَوِّتُ عليه محبوبًا للّه ورسوله أو ينقصه، فإنه إن قدم ما تهواه نفسه على ما يحبه اللّه، دل ذلك على أنه ظالم، تارك لما يجب عليه.
(2)
فإذا تملكت التجارة والمال قلب العبد فأصبحت شغله الشاغل وألهته عن أوامره الله فليبشر بالتعاسة، فقد أصبح عبداً لتجارته، فإن زادت أمواله فرح واستبشر ، وطغى وتجبر، وإذا خسر في صفقة أو معاملة، حزن واكتأب، وقد تصيبه الأمراض والأوجاع، بل قد يموت حسرة على ذهاب ماله، وقد نسي أنه ضيع حق الله قبل ذلك، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش)
(3)
فأي ربح جناه من قدم التجارة والمضاربات على حقوق الله؟!! بل هو من الخاسرين الذين وصفهم الله بقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9)} [المنافقون: 9].
• المطلب الثاني: معاتبة أهل الإيمان في انصرافهم عن خطبة الجمعة إلى البيع والتجارة.
وقد جاء القرآن معاتبا من انصرف عن خطبة الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب، إلى التجارة والبيع، فقال تعالى:{وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (11)} [الجمعة: 11].
(1)
انظر: تفسير القرآن العظيم (4/ 124) ، التحرير والتنوير (10/ 154).
(2)
تيسير الكريم الرحمن (ص 332).
(3)
رواه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الحراسة في الغزو في سبيل الله، برقم (2730)، والخميصة: كساء أسود له خطوط، وقوله:(شيك فلا انتقش) أي: إِذَا دَخَلَتْ فِيهِ شَوْكَة لَمْ يَجِد مَنْ يُخْرِجهَا بِالْمِنْقَاشِ.
فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: (بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَسَلَّمَ إِذْ أَقْبَلَتْ عِيرٌ تَحْمِلُ طَعَامًا فَالْتَفَتُوا إِلَيْهَا حَتَّى مَا بَقِيَ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ)
(1)
.
ولما كانت التجارة من أعظم ما يشغل العبد عن الصلاة
(2)
، أمرهم الله تعالى كما انفضوا إليها وسعوا لها، أن يسعوا إلى الصلاة فإنها هي الأحق بالسعي والاهتمام وأن يتركوا البيع والشراء، فإن ما عند الله خير من اللهو والتجارة فقال تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (9)} [الجمعة: 9].
وليس المراد بالسعي هنا الإسراع في المشي، وإنما الإسراع بالقلب والنية والعمل، بأن تكون الصلاة هي الشغل الشاغل، وأن يكون العبد متيقظا لأمر الله بالاستجابة لأمره والقيام بحقوقه
(3)
.
فالواجب على العبد أن يقدم حق الله على مصالحه وذلك لأن الله قد تكفل لعباده بالرزق، فمن قدّم حق الله واشتغل بما أمر كفاه الله مؤونة الرزق
(4)
والله خير الرازقين.
(1)
رواه البخاري، كتاب البيوع، بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا} برقم (1953). ومسلم في كتاب الجمعة، بَاب في قَوْلِه تَعَالَى {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا} برقم (863).
(2)
انظر: الجامع لأحكام القرآن (20/ 474).
(3)
انظر: تفسير القرآن العظيم (8/ 119).
(4)
انظر: الموافقات (3/ 222).