المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ المطلب الثاني: بيان منة الله على عباده بنعمة الرزق مع تنوعه، وأن غاية ذلك هو الشكر - الحكم من المعاملات والمواريث والنكاح والأطعمة في آيات القرآن الكريم

[أبو بكر فوزي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌ أهمية هذا الموضوع

- ‌أسباب اختيار الموضوع

- ‌خطة البحث

- ‌شكر وتقدير

- ‌منهج كتابة البحث

- ‌تمهيد

- ‌ تعريف الحكمة

- ‌ علاقة الحكمة بالمقصد والعلة:

- ‌ أقسام الحِكم:

- ‌المبحث الأول: الغاية من تكليف الله تعالى للعبد

- ‌المبحث الثاني: فوائد معرفة الحكم:

- ‌الباب الأول: بناء الفرد المسلم وصلاحه في آيات المعاملات والمواريث والنكاح والأطعمة

- ‌الفصل الأولبناء الفرد المسلم وصلاحه في آيات المعاملات

- ‌المبحث الأول: تقوى الله عز وجل

- ‌ المطلب الأول: التقوى تمنع العبد عن التعامل بالربا

- ‌ المطلب الثاني: تقوى الله تعالى عند الاستدانة وأداء الديْن

- ‌المبحث الثاني: مراقبة الله تعالى

- ‌ المطلب الأول: مراقبة الله تعالى في مال اليتيم

- ‌ المطلب الثاني: مراقبة الله تعالى في أداء الأمانات

- ‌المبحث الثالث: تحقيق الفلاح

- ‌المبحث الرابع: التسليم بقضاء الله وقدره

- ‌المبحث الخامس: تقديم حقوق الله تعالى على مصالح الدنيا

- ‌ المطلب الأول: بيان عقوبة من قدم التجارة على حق الله عز وجل

- ‌ المطلب الثالث: الثناء على من قدّم حق الله على بيعه وتجارته

- ‌المبحث السادس: الحذر من سوء العاقبة

- ‌ المطلب الأول: سوء عاقبة أكل أموال الناس بالباطل

- ‌ المطلب الثاني: سوء عاقبة آكلي الربا

- ‌ المطلب الثالث: سوء عاقبة أكل مال اليتيم

- ‌المبحث الأول: تقوى الله عز وجل

- ‌المبحث الثاني: التفكر في أسماء الله وصفاته

- ‌ المطلب الأول: الحث على مراقبة الله تعالى

- ‌ المطلب الثاني: الحث على التوبة والسعي إلى الإصلاح

- ‌ المطلب الثالث: الرضا بحكم الله وامتثال أمره

- ‌الفصل الثالث: بناء الفرد المسلم وصلاحه في آيات النكاح

- ‌المبحث الأول: تذكر نعمة الله تعالى

- ‌المبحث الثاني: تقوى الله تعالى

- ‌ المطلب الأول: إقامة الحياة الزوجية على مبدأ التقوى بين الرجل والمرأة:

- ‌ المطلب الثالث: تقوى الله تعالى في حال الصلح

- ‌ المطلب الرابع: تقوى الله تعالى عند حصول الطلاق

- ‌ المطلب الخامس: تقوى الله تعالى في إرضاع المولود:

- ‌المبحث الثالث: مراقبة الله عز وجل

- ‌ المطلب الأول: استحضار المراقبة يمنع المطلقة من كتمان ما يتوقف عليه أمر الطلاق

- ‌ المطلب الثاني: استحضار الزوجين للمراقبة حال الخِطبة

- ‌ المطلب الثالث: مراقبة الله تعالى عند رغبة الولي في نكاح اليتيمة التي في حجره

- ‌ المطلب الرابع: استحضار مراقبة الله تعالى حال الخصومة بين الزوجين

- ‌المبحث الرابع: شكر الله عز وجل

- ‌المبحث الخامس: التوكل على الله

- ‌ مطلب: التوكل على الله عند حصول الخلافات أو حدوث الطلاق

- ‌المبحث السادس: التربية على الصبر

- ‌ المطلب الأول: الحث على الصبر عند عدم القدرة على النكاح

- ‌ المطلب الثاني: الصبر عن فتنة الزوجة والأولاد:

- ‌ المطلب الثالث: تربية الزوجة والأولاد على الصبر:

- ‌المبحث السابع: البعد عن قول الزور

- ‌ المطلب الأول: النهي عن قول الزور بين الزوجين

- ‌ المطلب الثاني: النهي عن القذف ورمي المحصنات

- ‌المبحث الثامن: البعد عن العادات السيئة

- ‌ المطلب الأول: التعامل مع المرأة حال الحيض:

- ‌ المطلب الثاني: النهي عن إتيان المرأة في دبرها

- ‌المبحث الأول: تقوى الله عز وجل

- ‌ المطلب الأول: التقوى سبب في تحري الطيب الحلال والبعد عن الحرام

- ‌ المطلب الثاني: التقوى تمنع العبد من الغلو وترك ما أباح الله من الطيبات

- ‌ المطلب الثالث: التقوى باعثة على امتثال أمر الله عز وجل والثبات على دينه

- ‌ المطلب الرابع: تقوى الله تعالى سبب في فتح أبواب الرزق وتسهيل طرقه

- ‌المبحث الثاني: مراقبة الله تعالى

- ‌ المطلب الأول: مراقبة الله عز وجل حال الاضطرار والمخمصة

- ‌ المطلب الثاني: المراقبة توصل العبد إلى محبة الله تعالى، وأهلها مشهود لهم بالفضل والإحسان

- ‌ المطلب الثالث: ابتلاء الله تعالى لعباده بمنعهم نوعا من أنواع الرزق، ليتبين بذلك من يراقبه ممن يخالف أمره

- ‌المبحث الثالث: شكر الله عز وجل

- ‌ المطلب الأول: الأمر بشكر الله على الأكل من الطيبات:

- ‌ المطلب الثاني: بيان منة الله على عباده بنعمة الرزق مع تنوعه، وأن غاية ذلك هو الشكر

- ‌ المطلب الثالث: بيان عاقبة من كفروا بالنعمة ولم يشكروا الله عليها

- ‌المبحث الرابع: تعظيم شعائر الله

- ‌ المطلب الأول: تحريم أكل ما فيه تعظيم لغير الله

- ‌ المطلب الثاني: تغليظ العقوبة لمن تعمد الوقوع في محارم الله

- ‌ المطلب الثالث: ذم عادات الجاهلية في اعتدائهم على الله وإشراك الأصنام معه في قسمة حروثهم وأنعامهم

- ‌المبحث الخامس: اجتناب مسالك الغواية

- ‌ المطلب الأول: اجتناب خطوات الشيطان

- ‌ تحريم ما أحل الله عز وجل

- ‌ الإيحاء بالمعصية والكفر في تحليل ما حرم الله

- ‌ تسمية المحرمات بغير اسمها تزيينا للنفس

- ‌ المطلب الثاني: اجتناب الفسق

- ‌ التحذير من أكل ما يورث الفسق:

- ‌ التحذير من مشابهة الفاسقين

- ‌المبحث الأول: التعامل بالمعروف

- ‌ المطلب الثاني: أخذ الولي الفقير من مال اليتيم بالمعروف

- ‌المبحث الثاني: تحقيق العدل

- ‌ المطلب الثاني: تحقيق العدل في المداينات

- ‌ المطلب الثالث: العدل في الموازين والنهي عن التطفيف فيه

- ‌المبحث الثالث: تعميق مشاعر الأخوة

- ‌ المطلب الثاني: الأمر بكتابة الدَّين

- ‌ المطلب الثالث: التخفيف على الأُجَراء والرحمة بهم

- ‌المبحث الرابع: الحذر من كتمان الشهادة

- ‌المبحث الخامس: حفظ الحقوق

- ‌ المطلب الأول: حفظ المال كحق للأمة بوجه عام

- ‌ المطلب الثاني: حفظ حق الدائن

- ‌ المطلب الثالث: حفظ حق اليتيم والسفيه

- ‌ المطلب الرابع: حفظ حق الكاتب والشهيد

- ‌المبحث الأول: إقامة حدود الله وتعظيم أحكامه

- ‌ المطلب الأول: الوصية بهذه الفرائض، وإضافتها للفظ الجلالة تعظيما لها واهتماما بها

- ‌ المطلب الثاني: بيان عجز العقول عن إدراك ما ينفع العباد ويصلحهم، وتسليم الحكم لله

- ‌ المطلب الثالث: الترغيب في إقامة حدود الله والترهيب من تضييعها

- ‌المبحث الثاني: التكافل الاجتماعي

- ‌ المطلب الأول: قيام التوارث في بداية الأمر على الهجرة:

- ‌ المطلب الثاني: الأمر بإيتاء من حضر القسمة منها، من الأقرباء غير الورثة أو الضعفاء

- ‌المبحث الثالث: صلة الرحم

- ‌ توريث ذوي الأرحام

- ‌ التوريث بالنكاح والولاء

- ‌المبحث الرابع: تحقيق العدل بين الرجل والمرأة

- ‌ المطلب الأول: إبطال وإنكار عادات الجاهلية التي فيها ظلم للمرأة والصغير

- ‌ المطلب الثاني: ما فرضه الله من أن للذكر مثل حظ الأنثيين

- ‌المبحث الخامس: حفظ الحقوق

- ‌ المطلب الأول: حفظ حق الورثة:

- ‌ المطلب الثاني: حفظ حق الدائن:

- ‌ المطلب الثالث: حفظ حق الموصى له:

- ‌ المطلب الرابع: حفظ حق الميت:

- ‌المبحث الأول: إقامة حدود الله وتعظيمها

- ‌ المطلب الأول: مشروعية افتراق الزوجين عند الخشية ألا يقيما حدود الله ولو بالافتداء

- ‌ المطلب الثاني: ثناء الله جل وعلا لمن يقيم حدوده، وذمه للمخالف والمعرض عنها

- ‌المبحث الثاني: بناء الأسرة الصالحة

- ‌ المطلب الأول: تحريم نكاح المشركات وإنكاح المشركين

- ‌ المطلب الثاني: اشتراط اختيار الزوج الصالح البعيد عن الفواحش والفجور رجلا كان أو امرأة

- ‌ المطلب الثالث: التضييق في نكاح الإماء

- ‌المبحث الثالث: التكاثر والتناسل

- ‌ المطلب الأول: التكاثر والتناسل عن طريق النكاح سنة الله في الكون

- ‌ المطلب الثاني: الرد على دعاة تحديد النسل

- ‌المبحث الرابع: الطمأنينة والسكن

- ‌ المطلب الأول: حصول المودة والرحمة بين الزوجين:

- ‌ المطلب الثاني: اطمئنان البيوت

- ‌ المطلب الثالث: الترويح عن النفس وتجديد الهمة

- ‌المبحث الخامس: التعامل بالمعروف

- ‌ المطلب الأول: المعاشرة بالمعروف:

- ‌ المطلب الثاني: التعامل بالمعروف في الطلاق

- ‌ المطلب الثالث: فعل المعروف في زمن العدة وبعد انقضائها

- ‌المبحث السادس: التكافل الاجتماعي

- ‌ المطلب الأول: النكاح أصل النظام البشري في الاجتماع والترابط

- ‌ المطلب الثاني: النكاح مظهر من مظاهر التكافل الاجتماعي

- ‌ المطلب الثالث: قطع كل سبيل يفضي إلى التباغض بين الأقربين

- ‌المبحث السابع: حفظ الأعراض

- ‌ المطلب الأول: وجوب انتساب الذرية للآباء

- ‌ المطلب الثاني: تحريم نكاح المحارم

- ‌ المطلب الثالث: فرض العدة على المطلقة والمتوفى عنها زوجها

- ‌ المطلب الرابع: مشروعية اللعان

- ‌المبحث الثامن: حفظ الحقوق

- ‌ المطلب الأول: حفظ حق الزوج

- ‌ المطلب الثاني: حقوق الزوجة:

- ‌المبحث التاسع: حفظ العفة ومحاربة الرذيلة

- ‌ المطلب الأول: الاستعفاف لمن لا يستطيع النكاح

- ‌ المطلب الثاني: تعدد الزوجات وأثره في عفاف المجتمع

- ‌ المطلب الثالث: نهي المطلقة عن الخروج من بيتها وأثره في عفتها وعفة المجتمع

- ‌ المطلب الرابع: النهي عن إشاعة الفاحشة وعقوبة من يحب ذلك

- ‌المبحث الأول: إقامة شعائر الله

- ‌المبحث الثاني: حفظ الحقوق

- ‌ المطلب الثاني: تحريم ما يفسد العقل والبدن ويؤثر في صحتهما

- ‌المبحث الثالث: تعميق مشاعر الأخوة

- ‌الباب الثالث: التيسير ورفع الحرج على الفرد والمجتمع في آيات المعاملات والمواريث والنكاح والأطعمة

- ‌الفصل الأول التيسير ورفع الحرج في آيات المعاملات

- ‌المبحث الأول: الرفق بالمدين والتخفيف عليه

- ‌المبحث الثاني: التيسير على الأمة فيما يصلح معيشتهم

- ‌ المطلب الأول: الامتنان على العباد بإباحة التكسب لهم على وجه العموم

- ‌ المطلب الثاني: إباحة صنوف المعاملات التي يحصل بها النفع والتيسير على الأمة

- ‌ المطلب الثالث: تنوع طبائع الناس في اختيارهم طرق كسبهم وسبل معاشهم

- ‌ المطلب الرابع: رفع الحرج والإثم عمن تاب من المعاملات المالية المحرمة

- ‌الفصل الثاني التيسير ورفع الحرج في آيات المواريث

- ‌ المطلب الأول: التيسير في أسلوب التبليغ

- ‌ المطلب الثاني: مشروعية الوصية للميت

- ‌ المطلب الثالث: النهي عن الضرر

- ‌الفصل الثالث التيسير ورفع الحرج في آيات النكاح

- ‌المبحث الأول: تيسير أمر النكاح

- ‌ المطلب الأول: تيسير مؤونة النكاح

- ‌ المطلب الثاني: رفع الحرج عن نكاح الأمة عند عدم القدرة على نكاح الحرة

- ‌ المطلب الثالث: رفع الحرج بالتعريض في خطبة من توفي عنها زوجها

- ‌المبحث الثاني: التيسير في إباحة الطلاق

- ‌ المطلب الأول: رفع الجناح عن الطلاق قبل البناء

- ‌ المطلب الثاني: رفع الجناح أن تختلع المرأة من زوجها عند الحاجة

- ‌ المطلب الثالث: إباحة اللعان رفعا للحرج عن الزوج

- ‌المبحث الثالث: التيسير في حل الخلافات والمشاكل الأسرية

- ‌ المطلب الأول: في الإيلاء

- ‌الفصل الرابع التيسير ورفع الحرج في آيات الأطعمة

- ‌المبحث الأول: التيسير في إباحة الطيبات

- ‌ المطلب الأول: عموم الإباحة وحصر المحرمات

- ‌ المطلب الثاني: التقرير بإباحة الطيبات على وجه الثبوت والدوام

- ‌المبحث الثاني: التيسير ورفع الحرج عن المضطر

- ‌الخاتمة

- ‌قائمة المصادر والمراجع

الفصل: ‌ المطلب الثاني: بيان منة الله على عباده بنعمة الرزق مع تنوعه، وأن غاية ذلك هو الشكر

ومما يدل على وجوب الشكر في هذه الآية تعليق التوحيد والعبادة به، لأن الشكر لا يصح إلا بالتوحيد، واختصاص الله جل وعلا بالعبودية سبب للشكر، وهذا يدل على ارتفاع الأمرين بارتفاع أحدهما، وأن من لم يشكر الله لم يعبده وحده، وان من شكره فقد عبده ووحّده.

(1)

ولما كان العمل الصالح من الشكر كما قال تعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا} [سبأ: 13] فقد أمر الله الرسل به كما أمر به عباده المؤمنين فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51)} [المؤمنون: 51].

وهذا يدل على أن كل رسول أمر في زمنه بالأكل من الحلال وبالعمل الصالح.

وأمر الله جل وعلا بالشكر بعد الأكل من الطيبات؛ لأن الشكر يحفظ النعم الموجودة ويجلب النعم المفقودة.

(2)

•‌

‌ المطلب الثاني: بيان منة الله على عباده بنعمة الرزق مع تنوعه، وأن غاية ذلك هو الشكر

(3)

.

امتن الله على عباده بما سخر لهم من المطعومات والمشروبات مع تعددها وتنوعها، فمرة يمتن عليهم بما خرج من الأرض، وتارة يمتن عليهم بما سخر لهم من الأنعام وتارة بما سخر لهم من صيد البحر وطعامه، وتارة يذكرهم بأنه هو المتفرد بالإطعام سبحانه دون غيره والمتكفل بجعله طيبا للآكلين، والآيات في هذا كثيرة، وسأذكر في هذا المقام بإذن الله من الآيات ما يدل على نظائرها من الآيات الأخرى، فمن ذلك قوله تعالى:{قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14)} [الأنعام: 14].

(1)

انظر: نظم الدرر (1/ 315) ، تيسير الكريم الرحمن، (ص 81).

(2)

المصدر السابق (ص 81).

(3)

انظر: مدارج السالكين (2/ 251).

ص: 141

فقوله تبارك وتعالى: {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ} أي هو الرازق لهم من غير احتياج إليهم جل وعلا

(1)

.

وخص الإطعام في هذه الآية دون غيرها من النعم، لأن الحاجة إليها أمس، ولا غنى للخلق عنها.

(2)

وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بعد الطعام، ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: دعا رجل من الأنصار من أهل قباء النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فانطلقنا معه، فلما طعم النبي صلى الله عليه وسلم وغسل يديه قال:(الحمد لله الذي يُطعِم ولا يَطْعَم، ومَنَّ علينا فهدانا، وأطعمنا وسَقانا وكلّ بَلاء حَسَن أبلانا، الحمد لله غير مُودّع ولا مكافَأ ولا مكفور ولا مُسْتَغْنًى عنه، الحمد لله الذي أطعمنا من الطعام، وسقانا من الشراب، وكسانا من العري، وهدانا من الضلال، وبَصَّرنا من العَمَى، وفَضَّلنا على كثير ممن خلق تفضيلا الحمد لله رب العالمين).

(3)

وهذا من شكر النبي صلى الله عليه وسلم لربه، وثنائه عليه بهذه النعم التي تفرد بها جل وعلا.

(4)

وقد بين الله سبحانه في هذه الآية أن الإشراك، كفران للنعمة وليس شكرا لها، لأن الشكر يستلزم التوحيد والعبادة، وقد قرن الله بين العبادة والشكر عند طلب الرزق في قوله تعالى: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ

(1)

تفسير القرآن العظيم (3/ 243).

(2)

انظر: الجامع لأحكام القرآن (8/ 333) ، روح المعاني (7/ 110).

(3)

رواه النسائي في السنن الكبرى، كتاب عمل اليوم والليلة، باب ما يقول إذا غسل يديه برقم (10133)(6/ 82) ، وأبو نعيم في الحلية، من حديث بشر بن منصور (6/ 242). وابن حبان في صحيحه، (12/ 22) ، والحاكم في المستدرك (1/ 731) ، وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وصححه الشيخ أحمد شاكر، انظر: عمدة التفسير (1/ 765).

(4)

حمد النبي صلى الله عليه وسلم يعتبر شكرا، ومعلوم أن الحمد والشكر بينهما عموم وخصوص، فالشكر أخص من الحمد من جهة متعلقه وهي النعم، والحمد يشمل النعم وغيرها، والحمد أخص من جهة أسبابه ووقوعه فإنه يقع بالقلب واللسان، والشكر يشمل الجوارح جميعها، قال ابن القيم رحمه الله:(فكل ما يتعلق به الشكر يتعلق به الحمد من غير عكس، وكل ما يقع به الحمد يقع به الشكر من غير عكس)(مدارج السالكين 2/ 580).

ص: 142

لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (17)} [العنكبوت:17].

فجاءت هذه الآيات لتذكر العباد بنعمة الر زق وغيرها من النعم التي تقود العبد لحقيقة الشكر وهي التوحيد لله جل وعلا والاعتراف بالعبودية له دون غيره من الكائنات حيث لا يصح أن يعبد إلا من يرزق الخلق لأن أكلهم رزقه، وعبادتهم غيره كفر ظاهر.

(1)

• نعمة إحياء الأرض وإخراج النبات.

ومن الآيات التي بين الله فيها فضل هذه النعمة وعظمتها قوله تعالى: {وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (35)}

[يس: 33 - 35].

فبين الله سبحانه أنه هو الذي أحيا الأرض وقد كانت مواتا وأخرج منها النبات والحب، وجعل فيها الحدائق والثمار، كل هذا ليأكل العباد مما أنبت لهم وأنشأ جل وعلا، وما سخر لهم وأعانهم عليه من الحرث والغرس، أما إنضاجه وإخراجه فليس لهم فيه حول ولا قوة، وهذا كله يستحق شكر المنعم المطعِم جل وعلا.

(2)

وهذه الآيات وإن كانت للاستدلال على البعث ففيها إدماج للامتنان ضمن الاستدلال ولذلك فرع عليه {فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ} وفرع عليه {أَفَلَا يَشْكُرُونَ} .

(3)

وبين الله تعالى أن نعمة الأكل تسبقها نِعَم، وهي إحياء الأرض وشق الحب وإخراجه وإنشاء الجنات التي تخرج منها الثمار والفواكه، ثم يأتي الأكل منها بعد كل هذه النعم.

(1)

انظر: أضواء البيان (2/ 174).

(2)

انظر: جامع البيان (20/ 514 ،515).

(3)

التحرير والتنوير (23/ 13).

ص: 143

وقد جاء في سورة عبس ما يفصل هذه المراحل ويبينها حتى تكون أدعى لتذكر النعمة وشكر المنعم، قال تعالى:{فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (32)} [عبس: 24 - 32].

فهذا أمر من الله سبحانه لكل إنسان مكلف أن ينظر ويتأمل في طعامه كالخبز الذي يأكله ويعيش به من خلق الماء الذي كان سبباً لنباته. هل يقدر أحد غير الله أن يخلقه؟

(1)

.

وجيء بالمضارع في قوله {أَفَلَا يَشْكُرُونَ} : مبالغة في تكرار الشكر وإيقاعه على الدوام بسبب هذه النعم العظيمة.

(2)

• نعمة تسخير لحوم الأنعام للأكل.

وكما ذكّر الله عباده بنعمة ما يطعمونه من نبات الأرض فقد ذكرهم بنعمة الأنعام وأنه خلقها لهم وأباح لهم الأكل منها فقال في سورة النعم

(3)

: {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5)} [النحل: 5].فلما أخبر الله قبل هذه الآية أنه خلق الإنسان، أخبر في هذه الآية ما امتن به عليه من خلق الأنعام

(4)

فقال: {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ} أي: ما خلقها إلا لكم يا جنس الإنسان

(5)

.

ومن جملة النعم التي امتن الله بها على خلقه، الأكل من هذه الأنعام فقال:

{وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5)} وتقديم الجار والمجرور هنا إنما هو بيان للاهتمام بهذه النعمة العظيمة

(1)

أضواء البيان (5/ 11)، وانظر: نظم الدرر (6/ 260).

(2)

انظر: نظم الدرر (6/ 261) ، التحرير والتنوير (23/ 15).

(3)

تسمى سورة النحل: سورة النعم بسبب ما عدد الله فيها من النعم على عباده (الجامع لأحكام القرآن (12/ 266).

(4)

انظر: الجامع لأحكام القرآن (12/ 271) ، تفسير القرآن العظيم (4/ 557) ، التحرير والتنوير (14/ 104).

(5)

مدارك التنزيل وحقائق التأويل للنسفي (1/ 674). وقدر رجح أبو حيان في تفسيره أن (لكم) في قوله: (لكم فيها دفء) مستأنفة وليست متعلقة بما قبلها (البحر المحيط 5/ 607) ، وعلى كلا القولين فالآية سيقت للامتنان.

ص: 144

التي هي من أعظم المنافع المتكررة من الخلق، ولذلك جاء التعبير بالمضارع لاستمرار هذا الفعل وتجدده من العباد، ورغبتهم الشديدة في الأكل من هذه اللحوم

(1)

.

وقد ختم الله هذه الآيات بما يوجب على العباد شكره والثناء عليه فقال: {إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (7)} [النحل: 7] ، لأن من رحمته جل وعلا أن خلق هذه الأنعام وسخر لنا فيها هذه النعم العظيمة التي من أعظمها نعمة الطعام، فهي تعليل لقوله تعالى:

{وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ}

(2)

.

وقد جاء في آيات أخرى ما يوجب الشكر صراحة كما في قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (71) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (72) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (73)} [يس: 71 - 73].

ومن لطيف رحمة الله عز وجل وعظيم رأفته، أن نوع لعباده ما يطعمونه من اللحوم فكما أن لكل أهل بلد ما يناسبهم حسب طبيعة أرضهم وما يوجد فيها من الرزق، فقد نوع لعباده الطيبات من اللحوم فكما أحل صيد البر، وأحل بهيمة الأنعام، فقد أحل لعباده كذلك صيد البحر رحمة منه جل وعلا وفضلاً، وحتى يحصل للعباد التلذذ والتفكه بتنوع الأكل من هذه الطيبات، وهذه من النعم العظيمة التي تستحق الشكر للمولى المنعِم جل وعلا، فامتن الله على الخلق بهذه النعمة حتى يؤدوا شكرها على ما أمر فقال سبحانه:{وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14)} [النحل: 14] وقال: {وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ

(1)

انظر: البحر المحيط (5/ 608) ، التحرير والتنوير (14/ 105).

(2)

انظر: جامع البيان (17/ 171) ، تفسير القرآن العظيم (4/ 557) ، التحرير والتنوير (14/ 107).

ص: 145

شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12)} [فاطر: 12].

فامتن الله جل جلاله على عباده في هاتين الآيتين بأن سخر لهم البحر، والتسخير: هو التذليل

(1)

، وهذه من أعظم النعم أن مكّن لعباده هذا البحر العظيم المتلاطم، وتلك اللجج التي تغشاها الظلمة، فجعلهم يغوصون في أعماقه، ويركبون على أمواجه

(2)

.

فهيأ لهم هذا التسخير، لعدة منافع، ومن أولها وأعظمها ما قال عز وجل عنه:

{لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا} فجعل الله جل وعلا من تسخير البحر نعمة استخراج اللحم.

وفي وصف اللحم بالطري مزيد فائدة فإن السمك مع مكوثه في البحر الشديد الملوحة إلا أن لحمه في غاية العذوبة، فسبحان الخالق الرازق الذي أخرج الضد من الضد

(3)

.

ولما بين الله جل وعلا لعباده منافع تسخير البحر لهم، ختم الآية بحكمة من حكم هذا التسخير وهي شكر الله عز وجل بالاعتراف بعبوديته واستعمال هذه النعم في طاعته فقال:{وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} .

(4)

• التفكر في هذه النعم لو سلبت من العباد، كيف يكون حالهم؟

وكما عدد الله تبارك وتعالى هذه النعم على عباده مع تنوعها حتى يشكروه، فقد أمرهم بالتفكر فيما لو سلب هذه النعم حلاوتها وعذوبتها ونفعها، فجعل النبات يابسا والماء غائرا مالحا، وماذا لو جعل اللحم يابسا لا يلين إذا استنضج بالنار؟!

فأمرنا الله بالتفكر في هذه النعم لحكمة عظيمة، ألا وهي شكره على تسخير هذه المطعومات بما يجعله نافعا لنا، فقال تعالى: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ

(1)

انظر: لسان العرب (4/ 352).

(2)

انظر: الجامع لأحكام القرآن (12/ 295) ، أضواء البيان (2/ 125).

(3)

انظر: التفسير الكبير (20/ 5).

(4)

انظر: التحرير والتنوير (14/ 120) ، أضواء البيان (2/ 136).

ص: 146