الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
1169 - محمدُ بن أحمدَ بن أصبَغَ بن هَيْثَم التَّغلَبيّ، غَرْناطيٌّ، أبو عبد الله
.
رَوى عن شيوخ بلدِه، وكان فقيهًا حافظًا، وتوفِّي بالمُنكَّب في صَفَرِ ثلاثٍ وأربعينَ وست مئة.
1170 - محمدُ بن أحمدَ بن باقِ بن أحمدَ الأنصاريُّ، إسْتِجِيٌّ فيما أرى
.
أخَذَ السَّبعَ عن الحاجِّ أبي محمد بن محمد الإسْتِجيِّ ابن الفَخّار؛ وكان مُقرِئًا متصدَرًا مُلتزِمَ الإقراءِ إلى أن توفِّي بإستِجَةَ بعدَ الأربعينَ وست مئة.
1171 -
محمدُ (1) بن أحمدَ بن برد، مَوْلى بني شُهَيْد، قُرطُبيٌّ سكَنَ المَرِيّة.
رَوى عن أبيه أبي حَفْص، وأبي الحَسَن عبد الملِك بن مَرْوانَ بن شُهَيْد وغيرِهما. وكان من بيتِ كتابةٍ ونَباهة، ومحمد هذا هُو والدُ أبي حَفْص بن برد الأصغَر (2)، وفي حياتِه توفِّي ابنُه بالمَرِيّة وثَكِلَه سنةَ خمس وأربعينَ وأربع مئة.
1172 -
محمدُ (3) بن أحمدَ بن جُبَيْر بن محمد بن جُبَيْر بن سَعِيد بن جُبَيْر بن [179 ظ] سَعِيد بن جُبَيْر بن سعِيد بن جُبَيْر بن محمدِ بن مَرْوانَ بن عبد السّلام بن مَرْوانَ بن عبد السّلام بن جُبَيْر الكِنَانيّ الداخِل إلى الأندَلُس في طالعةِ بَلْج بن بِشْر بن عِيَاضٍ القَيْسيّ القُشَيْريّ، وفي محرَّم ثلاث وعشرينَ ومئة، وكان نزولُه
(1) ترجمه ابن الأبار في التكملة (1104).
(2)
انظر ترجمة ابن برد الأصغر في الذخيرة 1/ 374 - 413.
(3)
هو صاحب الرحلة المشهورة المتداولة المنشورة، ترجمه الجم الغفير، منهم: ابن دحية في المطرب 1/ 86، والمنذري في التكملة 2/الترجمة 1550، وابن الشعار في قلائد الجمان 6/ الورقة 63، والتجيبي في زاد المسافر (72)، وابن الأبار في التكملة (1607)، والذهبي في المستملح (249) وتاريخ الإسلام 13/ 417، وسير أعلام النبلاء 22/ 45، ومعرفة القراء الكبار 2/ 604، والعبر 5/ 51، وابن فضل الله في مسالك الأبصار 8/ 311، وابن الخطيب في الإحاطة 2/ 203، وابن الجزري في غاية النهاية 2/ 60، وابن تغري بردي في النجوم 6/ 221، وابن القاضي في جذوة الاقتباس 1/ 277، والمقري في نفح الطيب 2/ 381، وابن العماد في الشذرات 5/ 60، والمراكشي في الإعلام 4/ 175، وغيرهم.
بكُورةِ شذُونة، وهو من وَلَد ضَمْرةَ بن كِنَانةَ بن بكرِ بن عبد مَنَاةَ بن كِنَانةَ بن خُزَيْمةَ بن مُدرِكة بن إلياسَ بن مُضَرَ بن نِزَار بن مَعَدِّ بن عَدْنان؛ بَلَنْسيٌّ نزَلَ أبوه شاطِبةَ، ثم استَوطنَ هو جَيّانَ ثم غَرْناطةَ ثم فاسَ ثم الإسكندَريّة، وأقام أثناءَ ذلك بسَبْته ومالَقةَ وغيرِهما حسبَما اقتَضَتْه الأحوال، أبو الحُسَين، وهُو سِبطُ أبي عِمرانَ بن عبد الرّحمن بن أبي تَليدٍ الشاطِبيّ.
رَوى أبو الحُسَين بالأندَلُس عن أبيه، وأبي الحَسَن بن محمد بن أبي العَيْش، وأبوَيْ عبد الله: ابن أحمدَ بن عَرُوس وابن الأصِيليّ، وأخَذَ العربيّةَ عن أبي الحَجّاج بن يبقى بن يَسْعُون، وبسَبْتَةَ عن أبي عبد الله بن عبد الله بن عيسى التَّميميّ السَّبْتِيِّ؛ وأجازَ له أبو الوليد يوسُفُ بن عبد العزيز ابن الدَّبّاغ.
وله رِحَلٌ ثلاثٌ من الأندَلُس إلى المشرِق حَجَّ في كلِّ واحدةٍ منها. وفَصَلَ عن غَرْناطةَ للرِّحلة الأولى أوّلَ ساعةٍ من يوم الخميس لثمانٍ خَلَوْنَ من شوّالِ ثمانٍ وسبعينَ وخمس مئة صُحبةَ أبي جعفر بن حَسّان، وحَجَّ سنةَ تسع وسبعينَ، وعاد إلى وَطَنِه غَرْناطةَ فوَصَلَ إليها يومَ الخميس لثمانٍ بَقِينَ من محرَّم إحدى وثمانينَ، ولقِيَ في هذه الرِّحلة جماعةً من أعلام العلماءِ وأكابرِ الزُّهّاد والفُضَلاء، منهم بمكّةَ، شرَّفها اللهُ: ضِياءُ الدِّين أبو أحمدَ عبد الوهّاب (1) بن عليّ بن عليّ ابن سُكَيْنةَ، وأبو إبراهيمَ إسحاقُ بن إبراهيمَ بن عبد الله الغَسّانيُّ التونُسيُّ وأبو حَفْص عُمرُ بن عبد المجِيد بن عُمرَ القُرَشيُّ المَيَانجِيُّ نَزيلا مكّةَ، وأبو جعفرٍ أحمدُ بن عليّ القُرطُبيُّ الفَنَكِيُّ وأبو محمد عبدُ اللّطيف بن محمد بن عبد اللّطيف الخُجَنْديُّ رئيسُ الشافعيّةِ بأصبَهانَ، وببغدادَ العالِمُ الواعظُ المُستبحِر أبو الفَرَج -وكَنَاه أبا الفضائل (2) - ابنُ الجَوْزي، وحَضَرَ بعضَ مجالسِه الوَعْظيّة،
(1) في النسخ: "ضياء الدين بن أحمد بن عبد الوهاب"، وهو خطأ ظاهر، فالمقصود هو ضياء الدين عبد الوهاب ويكنى أبا أحمد، وهو بغدادي معروف توفي سنة 607 هـ فينظر تاريخ ابن الدبيثي 4/ 171 والتعليق عليه.
(2)
في م: "أبو الفضل".
وقال فيه (1): فشاهَدْنا رجُلًا (2) ليس من عَمْرٍو ولا زَيْد، وفي جَوْف الفِرَا كلُّ الصَّيد؛ [180 و] وبدمشقَ: أبو الحُسَين أحمدُ بن حمزةَ بن عليّ بن الحُسَين بن الحَسَن بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس السُّلَميُّ ابنُ المَوازِينيّ، وأبو سعيدٍ عبدُ الله بن محمد بن أبي عَصْرونَ، وأبو الطاهر تركاتٌ الخُشُوعيُّ وسَمِعَ عليه، وعمادُ الدِّين أبو عبد الله محمدُ بن محمد بن حامدٍ الأصبَهانيُّ الكاتبُ ابنُ أُله، وأخَذَ عنه بعضَ كلامِه وغيره، وأبو القاسم عبدُ الرّحمن بن الحُسَين بن الخَضِر ابن عَبْدَانَ، وأربوا محمد: عبدُ الرزّاق بن نَصْر بن مُسَلَّم النَّجّار، والقاسمُ بنُ عليّ بن عَساكرَ وسَمِعَ عليه، وأبو الوليد إسماعيلُ بن عليّ بن إبراهيم، والحُسَين بنُ هِبة الله بن محفوظِ بن صِصْرَى الرَّبَعيُّ التَّغْلَبيُّ، وعبدُ الرّحيم بن إسماعيلَ بن أبي سَعْد الصُّوفي، وأجازوا له، وسَمِع على بعضِهم سوى من ذَكَرَ سَماعَه هو عليه منهم؛ والشّيخُ الفاضل أبو عبد الله المُرادِيُّ الإشبِيليُّ نَزيلُ دمشقَ؛ وبحَرَّان: المتكلّمُ الصُّوفيُّ العارِفُ أبو البَرَكات حيّان بن عبد العزيز، وابنُه الحاذي حَذْوَه أبو عليّ عُمر.
وهذه الرِّحلةُ هي التي صنَّفَ وذَكَرَ مَناقلَه فيها وما شاهَدَ من عجائبِ البُلدان وغرائبِ المشاهد وبدائعِ المصانع، وهُو كتابٌ مُمتِع مُؤْنِس مُثيرٌ سواكنَ النفوسِ إلى الوِفادة على تلك المَعالِم المُكرَّمة والمشاهدِ المُعظَّمة، وكان أبو الحَسَن الشارِّيُّ يقولُ: إنّها ليست من تصنيفه وإنّما قَيَّد معانيَ ما تضمَّنَتْه، فتوَلَّى ترتيبَها ونَضْدَها بعضُ الآخِذينَ عنه بناءً على ما تَلقّاهُ منه.
ولمّا وَرَدَ في هذه الرّحلة الإسكندَريّة، متوجِّهًا إلى الحاجِّ في رَكْب عظيم من المَغارِبة، أمَرَ الناظرُ على البلد بالبحثِ عمّا استَصْحَبوهُ من مال على اختلاف أنواعِه، وفُتِّشَ الرِّجالُ والنِّساء، وهُتِكت (3) حُرمةُ الحُرم ولم يكنْ منهم إبقاءٌ
(1) الرحلة (220).
(2)
في الرحلة: "مجلس رجلٍ".
(3)
في م ط: "وهتك".
على أحد، وأحلَفوهم بالأيْمان المُغلَّظة استبراءً لِما قَدَّروا غَيْبتَهم عليه، قال (1): فلمّا جاءَتْني النَّوبةُ وكانت معي حُرَم ذكَّرتُهم بالله ووعَظْتُهم فلم يُعرِّجوا على قولي ولا التفَتُوا إلى كلامي وفتّشُوني كما فتّشوا غيري، فاستخَرْتُ اللهَ تعالى ونظَمتُ هذه القصيدةَ ناصحًا لأميرِ المسلمينَ صلاح الدين بن أيّوبَ ومُذكِّرَا له بالله في حقوقِ المسلمينَ ومادِحًا له، فقلت (2) [180 ظ] [المتقارب]:
أطلَّتْ على أُفْقِكَ الزاهرِ
…
سعودٌ من الفَلَكِ الدائرِ
فأبْشِرْ فإنَّ رقابَ العِدا
…
تُمَدُّ إلى سيفِكَ الباترِ
وعمَّا قليلِ يحُلُّ الرَّدى
…
بكُنْدِهُم (3) الناكثِ (4) الغادرِ
وخصبُ الوَرى يومَ تَسْقي الثَّرى
…
سحائبُ من دمِها الهامرِ
فكم لكَ من فَتْكةِ فيهمُ
…
حَكَتْ فتكةَ الأسَدِ الخادرِ
كسَرْتَ صليبَهمُ عَنْوةَ
…
فلله درُّكَ مِنْ كاسرِ
وغَيَّرْتَ آثارَهمْ كلَّها
…
فليس لها الدهرَ من جابرِ
وأمضَيْتَ جِدَّك في غَزْوِهمْ
…
فتَعْسَا لجَدِّهُم العاثرِ
فأدبَرَ مُلكُهمُ بالشآمِ
…
ووَلَّى كأمسِهمُ الدابرِ
جنودُكَ بالرعبِ منصورةٌ
…
فناجِزْ متى شئتَ أو صابرِ
فكلُّهمُ غَرِقٌ هالكٌ
…
بتيّارِ عَسْكرِك الزاخرِ
ثأَرْتَ لدينِ الهدى في العِدا
…
فآثَرَكَ اللهُ منْ ثائرِ
(1) انظر مقدمة الرحلة (28) نقلًا عن العبدري.
(2)
مقدمة الرحلة (28)، والنفح 2/ 383.
(3)
الكند: هو ما يسمى الكونت count.
(4)
في م: "الناكب".
وقُمْتَ بنصرِ إلهِ الورى
…
فسمَّاكَ بالمَلِكِ الناصرِ
وجاهَدتَ مجُتهِدًا صابِرًا
…
فللهِ دَرُّكَ من صابرِ
تَبِيتُ الملوكُ على فُرْشها
…
وتَرفُلُ في الزَّرَدِ السابِري
وتؤْثرُ جاهدَ عيشِ الجهادِ
…
على طِيبِ عيشِهمُ الناضرِ
وتُسْهِرُ جَفْنَكَ في حقِّ مَنْ
…
سيُرضيكَ في جَفْنِك الساهرِ
فتحتَ المقدَّسَ من أرضِهِ
…
فعادتْ إلى وَصْفِها الطاهرِ
وجئتَ إلى قُدْسِهِ المُرتضَى
…
فخلَّصْتَهُ منْ يدِ الكافرِ
وأعلَيْتَ فيه منارَ الهدى
…
وأحيَيْتَ من رَسْمِهِ الداثرِ
لكمْ ذَخَرَ اللهُ هذي الفُتوحَ
…
منَ الزّمنِ الأوّلِ الغابرِ
وخَصكَ من بَعْدِ ما زُرتَهُ
…
بها لاصطناعِكَ في الآخرِ
محبّتُكمْ أُلقِيَتْ في النفوسِ
…
بذكرٍ لكمْ في الوَرى طائرِ
فكمْ لهمُ عندَ ذكْرِ الملوكِ
…
بمثلِكَ من مَثَلٍ سائرِ
رفعتَ مَغارمَ أهلِ (1) الحجازِ
…
بإنعامِكَ الشَّامِل الهامرِ [181 و]
فكمْ لكَ بالشَّرقِ من حامدٍ
…
وكمْ لكَ بالغَرْبِ من شاكرِ (2)
وكمْ بالدُّعاءِ لكمْ كلَّ عامٍ
…
بمكّةَ منْ مُعلنٍ جاهرِ
وكمْ بَقِيَتْ حِسبةٌ في الظَّلومِ
…
وتلك الذَّخيرةُ للذاخرِ
(1) في النفح: "مغارم مكس".
(2)
في النفح قبل هذا البيت بيتان وهما:
وأمنت أكناف تلك البلاد
…
فهان السبيل على العابر
وسحْب أياديك فياضة
…
على وارد وعلى صادر
يُعَنِّفُ حُجَّاجَ بيتِ الإلهِ
…
ويَسْطو بهمْ سَطْوَةَ الجائرِ
ويكشِفُ عمّا بأيديهِمُ
…
وناهيكَ من مَوقفٍ صاغرِ
وقد وَقَفوا بعدَما كوشِفوا
…
كأنّهمُ في يدِ الآسِرِ
ويُلْزِمُهُمْ حَلِفا باطلاً
…
وعُقْبى اليمينِ على الفاجرِ
وإنْ عَرَضَتْ بينَهمْ حُرمةٌ
…
فليسَ لها عنهُ مِنْ ساترِ
أليس يخافُ غدًا عَرْضَهُ
…
على الملِكِ القادرِ القاهرِ؟!
وليس على حُرَم المسلمينَ
…
بتلك المشاهدِ من غائرِ
ولا حاضرٌ نافع زَجْرهُ
…
فيا ذِلَّةَ الحاضرِ الزاجرِ
ألا ناصحٌ مُبْلِغٌ نُصْحَهُ
…
إلى الملكِ الناصرِ الظافرِ
ظَلومٌ تَضَمَّنَ مالَ الزكاةِ
…
لقد تَعِسَتْ صَفْقَةُ الخاسرِ
يُسِرُّ الخيانةَ في باطني
…
ويُبدي النصيحةَ في ظاهرِ
فأوقعْ به حادثا إنهُ
…
يُقَبِّحُ أُحْدُوثَةَ الذاكرِ
فما للمَناكرِ من زاجرٍ
…
سِواكَ وبالعُرْفِ من آمِر
وحاشاكَ إنْ لم تُزِلْ رَسْمَها
…
فما لكَ في الناسِ من عاذرِ
ورَفْعُكَ أمثالَها موسِعٌ
…
رداءَ فَخارِكَ للناشرِ
وآثارُكَ الغُرُّ تبقَى بها
…
وتلك المآثرُ للآثر
نذَرْتُ النصيحةَ في حقَّكمْ
…
وحُقَّ الوفاءُ على الناذرِ
وحُبُّكَ أَنطقني بالقريضِ
…
وما أبتغي صِلَةَ الشاعرِ
ولا كان فيما مضَى مَكسِبي
…
وبئسَ البضاعةُ للتاجرِ
إذا الشِّعرُ صار شعارَ الفتَى
…
فناهيكَ من لَقَب شاهرِ
وإنْ كان نَظْمي لهُ نادرًا
…
فقد قيل: لا حُكْمَ للنادرِ
ولكنَّها خَطَرَاتُ الهوى
…
تَعِنُّ فتغلِبُ للخاطرِ [181 ظ]
وأمّا وقد زارَ تلك العُلا
…
فقد فازَ بالشَّرفِ الباهرِ
وإنْ كان منكَ قَبُولٌ لهُ
…
فتلك الكرامةُ للزائر
ويكفيه سَمْعُكَ من سامعٍ
…
ويكفيه لَحْظُكَ من ناظرِ
ويُزْهَى على الروضِ غبَّ الحَيَا
…
بما حازَ من ذكْرِكَ العاطرِ (1)
ومن شعره وقد شارَفَ المدينةَ المكرَّمةَ، على ساكنِها الصّلاةُ والسلام (2) [المتقارب]:
أقولُ وآنسْتُ بالليلِ نارا:
…
لعلّ سِرَاج الهدى قد أنارا
وإلّا فما بالُ أُفْقِ الدُّجَى
…
كأنَّ سَنَا البَرْقِ فيه استطارا؟!
ونحن من الليلِ في حِنْدسٍ
…
فما بالهُ قد تجَلّى نهارا
وهذا النَّسيمُ شَذَا المِسكِ قد
…
أُعيرَ أَم المِسكُ منه استَعارا؟
وكانت رواحلُنا تشتكي
…
وَجَاها فقد سابَقتْنا ابتدارا
وكنَّا شكَوْنا عناءَ السُّرى
…
فَعُدْنا نُباري سِراعَ المهارَى
أَظنُّ النفوسَ قد استَشْعَرَتْ
…
بلوغَ هوًى تَخِذَتْهُ شعارا
بشائرُ صُبْحِ السُّرى آذنَت
…
بأنَّ الحبيبَ تَدانَى مَزَارا
جَرَى ذكْرُ طَيْبَةَ ما بينَنا
…
فلا قلبَ في الرَّكْبِ إلّا وطارا
حنينًا إلى أحمدَ المصطفى
…
وشوقًا يَهِيجُ الضلوعَ استعارا
(1) كتب في ح: "هنا بياض"، بعد لفظة "العاطر".
(2)
مقدمة الرحلة (6) نقلًا عن الإحاطة، والإحاطة 2/ 335 ومنها ثلاثة أبيات في النفح 2/ 487 قال المقري: وهي ثلاثة وثلاثون بيتًا من الغرّ.
ولاحَ لنا أُحُدٌ مُشْرِقًا
…
بنُورٍ من الشهداءِ استنارا
فمِن أجلِ ذلك ظلَّ الدُّجَى
…
يُحلُّ عقودَ النجوم انتثارا
ومِن ذلك التُّرْبِ طابَ النَّسيـ
…
ـم نَشْرًا وعمَّ الجَنابَ انتشارا
ومنْ طَرَبِ الرَّكْبِ حَثَّ الخُطا
…
إليها ونادى: البِدَارَ البِدارا
ولمّا حَلَلْنا فِناءَ الرسولِ
…
نزَلْنا بأكرمِ خَلْقٍ جِوارا
وحين دنَوْنا لفَرْضِ السلامِ
…
قَصَرْنا الخُطا ولزِمْنا الوَقارا
فما نُرسلُ اللَّحظَ إلّا اختلاسًا
…
ولا نرفَعُ الطَّرْفَ إلّا انكسارا
ولا نُظْهِرُ الوَجْدَ إلا اكتتامًا
…
ولا نلفُظُ القولَ إلّا سِرارا
سوى أنّنا لم نُطِقْ أعيُنًا
…
بأدمُعِها غلَبَتْنا انفجارا [182 و]
وقَفْنَا برَوْضتِهِ للسّلامِ (1)
…
نُعيدُ السلامَ عليه مِرارا
ولولا مَهابتُهُ في النفوسِ
…
لَثَمْنا الثَّرى والتزَمْنا الجِدارا
قضَيْنا بزَوْرتنا حَجَّنا
…
وبالعُمَرينِ (2) ختَمْنا اعتمارا
إليكَ إليكَ نبيَّ الهُدى
…
ركِبتُ البحارَ وَجُبْتُ القِفارا
وفارَقْتُ أهلي ولا مِنَّةٌ
…
ورُبَّ كلامٍ يجُرُّ اعتذارا
وكيف نمُنُّ على مَن بهِ
…
نُؤَمِّلُ للسيِّئاتِ اغتفارا
دَعاني إليكَ هوً ى كامنٌ
…
أثارَ منَ الشوقِ ما قد أثارا
فنادَيْمتُ: لبَّيْكَ داعي الهوى
…
وما كنتُ عنكَ أُطيقُ اصطبارا
ووطَّنْتُ نَفْسي لحُكْم الهوى
…
عليَّ وقلتُ: رَضِيتُ اختيارا
(1) في الإحاطة: "بروضة دار السلام".
(2)
في الإحاطة: "وبالعمرتين"؛ والعمران: أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.
أَخُوضُ الدُّجَى وأَرُوضُ السُّرى
…
ولا أطْعَمُ النومَ إلّا غِرارا
ولو كنتُ لا أستطيعُ السَّبيلَ
…
لَطِرتُ ولو لم أُصادِفْ مَطارا
وأجدَرُ مَن نال منكَ الرِّضا
…
مُحِبّ ذَراك على البُعدِ زارا
عسى لحظةٌ منكَ لي في غدٍ
…
تُمَهِّدُ لي في الجِنانِ القرارا
فما ضَلَّ مَنْ بهُداكَ اهتدَى
…
ولا ذلَّ مَنْ بِذَراكَ استجارا
ولم يزَلْ دَأْبُه تمنِّيَ الحجِّ إلى بيتِ الله الحَرام وزيارر قبرِ المصطفى عليه أفضلُ الصّلاة والسلام؛ وفي ذلك يقول (1)[المتقارب]:
هنيئًا لمَن حَجَّ بيتَ الهدى
…
وحَطَّ عنِ النفسِ أوزارَها
وإنَّ السعادةَ مضمونةٌ
…
لمَن حَلَّ طَيْبَةَ أو زارها
وفي مثلِه يقولُ (2)[المتقارب]:
إذابلَغَ المرءُ أرضَ الحجازِ
…
فقد نالَ أفضلَ ما أمَّلَهْ
وإنْ زار قبرَ نبيّ الهدى
…
فقد أكملَ اللهُ ما أمَّ لهْ
وله في هذا المعنى كلامٌ كثيرٌ نَظْما ونثرًا، وسيأتي بعضُ ذلك.
ومنه مقالةٌ سَمَّاها: "رسالةَ اعتبارِ الناسِك في ذكْرِ الآثارِ الكريمةِ والمَناسِك" كتَبَ بها إلى وَليِّه أبي الحَسَن بن مَقَصَيْر من فاسَ عند عودتِه إلى المشرِق في ذي قَعْدةِ ثلاث وتسعينَ وخمس مئة. [182 ظ] ولمّا قَفَلَ من هذه الحَجّة ولاحَتْ له وهو على ظهرِ البحرِ جبال داييةَ من جزيرةِ الأندَلُس قال (3)[البسيط]:
لي نحوَ أرضِ المُنى منْ شَرْقِ أندَلُسِ
…
شَوْقٌ يُؤَلّفُ بينَ الماءِ والقَبَسِ
(1) مقدمة الرحلة (8)، والإحاطة 2/ 236.
(2)
المصدران السابقان، والنفح 2/ 488.
(3)
مطلعها في مقدمة الرحلة (20)، والنفح 2/ 489.
لاحتْ لنا من ذُراها الشُّمِّ شاهقةٌ
…
تُدني لِزُهر الدّرَاري كفَّ مُلتمسِ
وقدأغَذَّتْ بنافي اليمِّ جاريةٌ
…
سَوداءُ لا تستطيعُ الجريَ في يَبَسِ
كأنّها وعُبابُ الماءِ يُزعجُها
…
تنُصّ جِيدَ مُراعي اللحظِ مختلسِ
كأنّ بِيضَ نواحيها إذا انتشَرتْ
…
لواءُ صبحٍ بدا في سُدْفَةِ الغَلَسِ
تُنازعُ الريحُ منها صعبَ مِقوَدِها
…
فتَرتمي بعِنانٍ مُسْمِحٍ سَلِسِ
لولا حِذاريَ أن أُذكي لها لَهبًا
…
زَجَّيتُها برياحِ الشوقِ من نَفَسي
يا ليتَ شعريَ والآمالُ مُعوِزةٌ
…
وربّما أَمكَنَتْ يومًا لمُختلسِ
هل يُدْنُوَنَّ مَزارُ الشوقِ إنّ بهِ
…
ما شئتَ من نُهَزٍ للأُنس أو خُلَسِ
وهل تَعُودَنَّ أيامٌ رشَفْتُ بها
…
سُلافةَ العَيْش أحلى من جَنَى اللَّعَسِ
حيث انبسَطْنا مع اللّذاتِ تنقُلُنا
…
أيدي المسَرّاتِ من عيدٍ إلى عُرُسِ
ولمّا (1) شاعَ الخَبرُ المُبهجُ المسلمينَ جميعًا حينئذٍ بفتح بيتِ المقدِس على يدِ السُّلطان الناصِر صَلاح الدِّين أبي المظفَّر يوسُفَ بن أيّوبَ بن بُوري، رحمه الله، وكان يومُ فتحِه يومَ السّبت لثلاثَ عشْرةَ ليلةً بقِيَتْ من رجَبِ ثلاثٍ وثمانينَ وخمس مئة، كان ذلك من أقوى الأسبابِ التي بعثَتْه على الرِّحلة الثانية، فتحرَّك لها من غَرْناطةَ أيضًا يومَ الخميس لتسعٍ خَلَوْنَ من ربيع الأول من سنة خمسٍ وثمانينَ، قال: وقفَى اللهُ برحمتِه لي بالجَمْع بينَ زيارةِ الخليل عليه السلام وزيارةِ المصطفى صلى الله عليه وسلم غَرْناطةَ يومَ المساجدِ الثلاثة في عام واحد متوجّهًا وفي شهرٍ واحد مُنصرِفًا. ووَصلَ إلى غَرْناطةَ يومَ الخميس لثلاثَ عشْرةَ خَلَت من شعبانِ سبع وثمانين.
وفي أثناءِ المُدّة التي بينَ قُفولِه من الرِّحلة الثانية ورحلتِه الثالثة سَكَنَ غَرْناطةَ ثم مالَقةَ ثم فاسَ ثم سَبْتةَ مُنقطِعًا إلى إسماع الحديثِ [183 و] والتصَوُّف وتَرْويةِ ما كان عندَه، وفَضلُه معَ ذلك يزيد ووَرَعُه يتحقَّقُ وأعمالُه الصّالحةُ تَزْكو.
(1) انظر الإحاطة 2/ 232.
وكانت رحلتُه الثالثة من سَبْتةَ بعدَ وفاةِ زوجِه الفاضلة عاتِكةَ المَدْعوّةِ بأُمِّ المَجْد ابنةِ الوزير الحَسِيب أبي جعفبر أحمدَ بن عبد الرّحمن الوَقَّشيِّ بأيام، وكانت وفاتُها يومَ السبت -رحمها اللهُ- لعَشْر خَلَوْنَ من شعبانِ أحدٍ وست مئة، بعدَ زَمانةٍ طاوَلَتْها مُدّة، ودُفِنت يومَ الأحد بعدَه، وهُو اليومُ الحاديَ عشَرَ من الشّهر؛ قال: ومِن عجائبِ اتّفاقاتِ الأقدار الباعثة على الاعتبار، أنْ كان تجهيزُها إليَّ بجَيَّانَ في الحاديَ عشَرَ من شعبانِ سبعينَ وخمس مئة، فوافَقَ تجهيزُ الحياة تجهيزَ الممات، وليلةُ القبر تُنسي ليلةَ العُرْس، فيا لَها من لَوْعةٍ وحُرقة، ولكلِّ اجتماع من خليلَيْنِ فُرقة. قال: وكان مولدُها بمُرْسِيَةَ لاثنتَيْ عشْرةَ ليلةً بقِيَتْ من محرَّم ستٍّ وأربعينَ وخمس مئة.
ووصَلَ إلى مكّةَ شرَّفَها اللهُ أثناء اثنتَيْنِ وست مئة، وجاوَرَ بحَرَم الله الشّريف طويلًا وبيتِ المقدس، ثُم تحوَّل إلى مِصرَ والإسكندَريّة، فأقام بها يحدِّثُ ويؤخَذُ عنه إلى أن لَحِقَ بربِّه.
رَوى عنه أبَوا إسحاقَ: ابنُ مَهِيب وابنُ الواعِظ، وأبو تَمّام بن إسماعيل، وأبَوا الحَسَن: ابنُ أبي نَصْر فاتح بن عبد الله البِجَائي، مُقيمٌ ببعض بلاد المشرِق، وابنُ محمد الشارِّي، وأبو سُليمانَ بن حَوْطِ الله، وأبو زكريّا وأبو بكرٍ يحيى بن عبد الملِك بن أبي الغُصن وأبو عبد الله بن حَسَن بن مُجبر؛ وآباءُ العبّاس: ابنُ عبد المُؤمن والنَّبَاتيُّ وابن محمد بن (1) حَسَن اللَّوَاتيُّ ابن تامتيتَ وابن محمد المَوْرُوريّ، وأبَوا عَمْرو: ابن سالم وعثمانُ بن سُفيانَ بن عثمانَ بن الشّقر التَّميميُّ التونُسيّ؛ وممّن رَوى عنه بالإسكندَرّية: رَشيدُ الدِّين أبو محمدٍ عبدُ الكريم بن عطاءِ الله بن عبد الرّحمن بن عبد الله بن محمد بن عيسى بن الحُسَين الجُذَاميّ، واستجازَهُ أبو إسحاقَ ابنُ الواعِظ لجماعةٍ من أصحابِه برغبتِهم إليه في ذلك، منهم: شيخانا (2): أبو عليّ الحَسَن بن أبي الحَسَن عليّ الماقريُّ الكَفِيف وأبو محمد
(1)"بن": سقطت من م ط.
(2)
في م ط: "شيخنا".
حَسَنُ بن أبي الحَسَن عليّ ابن القَطّان [183 ظ] فأجاز لهم. ولم يزَلْ يُروَى عنه ويُسمَعُ منه ويُستجازُ من البلادِ حيثما حَلّ. وممّن رَوى عنه بمِصرَ: رَشيدُ الدِّين أبو الحُسَين يحيى بنُ عليّ بن عبد الله بن عليّ بن مُفرِّج القُرَشيّ ابنُ العَطّار وفَخْر القُضاة ابنُ الجَبَّاب وابنُه جمالُ القُضاة وعِزُّ القُضاة.
وكان أديبًا بارِعًا كاتبًا بليغًا، شاعزا مُجِيدًا، سَنِيًّا فاضلًا، نزيهَ الهمّة، سرِيَّ النَّفْس، كريمَ الأخلاق، أنيقَ الطريقةِ في الخَطّ، كتَبَ في شَبِيبتِه عن أبي سعيدٍ عثمانَ بن عبد المُؤمن وعن غيرِه من ذوي قَرابتِه، وله فيهم أمداحٌ كثيرة، ثُم نزَعَ عن ذلك وتوَجَّه إلى المشرِق. وكذلك جَرَتْ بينَه وبينَ طائفةٍ كبيرة من أُدباءِ عصرِه مُخاطَباتٌ ظَهَرَت فيها بَراعتُه وإجادتُه.
ونَظْمُه فائقٌ وقَفْتُ منه على مجلَّد متوسِّط يكونُ قدرَ ديوانِ أبي تَمّام حَبِيب ابن أَوْس جَمْعَ أبي بكرٍ الصُّوليِّ أو نحوَ ذلك، ومنه جُزءٌ سمّاه:"نتيجةَ وَجْدِ الجوانح في تأبينِ القَرينِ الصّالح" أودَعَه قِطَعًا وقصائدَ في مَراثي زوجِه أُمِّ المجدِ المذكورة بعدِ وفاتِها والتوجُّع لها أيامَ حياتِها تزيدُ بيوتُه على ثلاث مئة، سوى موشَّحاتٍ خمسٍ جعَلَها قريبًا من آخِرِه؛ ومنه جزءٌ سَمّاه:"نَظْمَ الجُمان في التشَكِّي من إخوانِ الزّمان" يشتملُ على أزيَدَ من مئتَيْ بيتٍ في قِطَع؛ وله ترسيلٌ بديع وحِكَم مستجادةٌ، دُوِّنَ ذلك كلُّه ونُقِل عنه.
فمِن حِكَمِه: قولُه (1): إنْ شَرُفَ الإنسان، فبفضلٍ وإحسان، وإنْ فاق، فبتفَضُّل وإنفاق. ينبغي للإنسانِ أن يحفَظَ لسانَه (2)، كما يحفَظُ الجَفْنُ إنسانَه، فرُبَّ كلِمةٍ تُقال، تُحدِثُ عَثْرة لا تُقال. كمْ كَسَت فَلَتاتُ الألسِنة الحِداد، مَن وراءَها مِن ملابِس الحِداد. نحن في زمنٍ لا يَحظَى فيه بنَفاق، إلّا مَن عامَلَ بِنِفاق. شُغِلَ الناسُ عن طريق الآخِرة بزَخارفِ الأعراض، فلّجُّوا في الصّدودِ عنها والإعراض،
(1) انظر الإحاطة 2/ 237.
(2)
"للإنسان
…
لسانه": سقطت من م ط.
آثَروا دُنيا هي أضغاثُ أحلام، وكم هَفَتْ في حبِّها من أحلام، أطالوا فيها آمالَهم، وقصَّروا أعمالَهم، ما بالُهم لم يتَفرَّغْ لغيرِها بالُهم، ما لهم في غيرِ ميدانِها استنان، ولا [184 و] بسِوى هواها استنان، تالله لو كُشِفَت الأسرار، لَما كان هذا الإصرار؛ ولَسَهِرتِ العيون، وتفَجَّرتْ من شؤونِها العيون، فلو أنّ عينَ البصيرة من سِنَتِها هابّة، لَرَأَتْ أنّ جميعَ ما في الدُّنيا ريحٌ هابّة، ولكنِ استَولَى العمَى على البصائر، ولا يَعلَمُ المرءُ ما هو إليه صائر، أسألُ اللهَ هدايةً لسبيلِه، ورحمةً توردُ في نسيمِ الفِردَوْس وسَلْسَبيلِه، إنهُ الحَنّانُ المَنّان، لا رَبّ سواه.
وقولُه (1): فَلَتاتُ الهِبات، أشبهُ شيءٍ بفَلَتاتِ الشَّهَوات، منها نافعٌ لا يُعْقِبُ نَدَمًا، ومنها ضارٌّ يُبقي في النفْس ألمًا، فضَرَرُ الهِبة وقوعُها عندَ من لا يعتقدُ لحقِّها أداءً، وربّما أثمرَتْ عندَه اعتداءً، وضرَرُ الشّهوة ألّا توافِقَ ابتداءً، فتعودَ لمُستعمِلها داءً، ومَثَلُها كمَثَل السُّكْر يلتَذّ صاحبُه بحُلوِ جَناه، فإذا صَحا تعرَّف قَدْرَ ما جَناه، ومنفعتُها بعكسِ هذه القضيّة، وهي الحالةُ المَرضيّة، فالأسلمُ للمرءِ أن يأتيَ أمرَه على بصيرةٍ من رُشْدِه، مستوضِحًا فيه سبيلَ قَصْدِه، وما التوفيقُ إلّا بالله، وما الخيرُ إلّا من عندِ الله، لا إلهَ إلا هو.
ونَظَمَ معناه فقال [الطويل]:
وكم فَلَتاتٍ للصنائعِ تُتَّقَى
…
عواقبُها إنْ لم تقَعْ في محلِّها
كذا شهَواتُ المرءِ إنْ لم تكنْ لهُ
…
مُوافقةً عادَتْ عليها بِكَلِّها
وقال (2)[الكامل]:
لصنائع المعروفِ فَلْتَةُ غافلِ
…
إن لم تَضَعْها في محلٍّ قابلِ
كالنفْسِ في شَهَواتِها إن لم تكنْ
…
وفْقًا لها عادتْ بضرٍّ عاجلِ
(1) الإحاطة 2/ 238.
(2)
الإحاطة 2/ 237.
وقال يصفُ القلمَ من قصيدة [الكامل]:
قلمٌ به الإقليمُ أصبحَ في حِمى
…
بشَباتِه صَرْفُ الحوادثِ يُصرَفُ
ولئن تقاصَرَ قَدُّه فلقدّهِ
…
ظَلَّتْ لهُ الأسَلُ الطِّوالُ تَقَصَّفُ
هل تُغنِيَنَّ المُرهَفاتُ غَنَاءَهُ
…
وصَليلُها لصريرِهِ يُسْتَضعَفُ؟
حكَتِ الظُّبا والسُّمرَ فعلًا منه لو
…
لاهُ لَعُطّلَ صارمٌ ومُثقَّفُ
طَعْنٌ كمِثلِ النَّقْطِ منضافٌ إلى
…
ضَرْبٍ كما شُكِلَتْ بنقطٍ أحرفُ [184 ظ]
كل يَتيهُ بأنْ حَوَى شَبَهًا لهُ
…
فانظُرْ إلى المحكيّ فهْو الأشرفُ
يكفيه فَخْرًا أنَّ كلَّ مقدَّرٍ
…
يَجري بما قد خطَّه ويُصرَّفُ
وقال في تفضيل الشَّرق (1)[الكامل]:
لايستوي شَرْقُ البلادِ وغربُها
…
الشّرقُ حازَ الفضلَ باسترقاقِ (2)
انظُرْ لحالِ الشمسِ عند طلوعِها
…
زهراءَ تصحَبُ بهجةَ الإشراقِ
وانظُرْ لها عندَ الغروبِ كئيبةً
…
صفراءَ تُعْقِبُ ظلمةَ الآفاقِ
وكفَى بيومِ طلوعِها من غَرْبِها
…
أنْ تؤذِنَ الدُّنيا بوَشْكِ فِراقِ
وقال في ذمِّ الفلاسفة [مخلع البسيط]:
قد ثَبَّتَ (3) الغَيَّ في العبادِ
…
طائفةُ الكونِ والفسادِ
يلعَنُها اللهُ حيثُ كانتْ
…
فإنّها آفةُ العبادِ
(1) مقدمة الرحلة (9) نقلًا عن الإحاطة، والإحاطة 2/ 237.
(2)
كذا في النسخ، وفي الإحاطة:"باستحقاق".
(3)
كذا ولعله: "بثت".
دُهْريَّةٌ لا يَروْنَ رُسْلًا
…
ولا يُقرُّونَ بالمَعادِ
يعتقدونَ الأمورَ دَوْرًا
…
والناسَ كالزَّرع والحَصادِ
وفيه أيضًا [الوافر]:
لأشياعِ الفلاسفةِ اعتقادٌ
…
يَرَوْنَ به عن الشَّرعِ انحلالا
أباحوا كلَّ محظورٍ حرامٍ
…
ورَدُّوهُ لأنفُسِهمْ حلا لا
وما انتَسَبوا إلى الإسلام إلّا
…
لصوْنِ دمائهم أنْ لا تُسالا
فيأتونَ المناكرَ في نشاطٍ
…
ويأتونَ الصلاةَ وهُمْ كُسالى
وفيه أيضًا [المجتث]:
الدينُ يشكو بَلِيّه
…
من فرقةٍ مَنْطِقيّهْ
لا يشهَدونَ صلاةً
…
إلّا لمعنى التّقِيّهْ
ولا تَرى الشّرعَ إلّا
…
سياسةً مدَنيّهْ
ويؤْثِرونَ عليه
…
مذاهبًا فَلْسَفيّهْ
وفيه أيضًا [المجتث]:
قُلْ للزَّناديقِ عنِّي
…
قولًا هُوَ السيفُ أُمضيهْ
أَرسلتُ شعريَ فيكمْ
…
يَغزُوكمُ بقوافيهْ [185 و]
صدَعتُ لله فيه
…
بالحقّ والحقُّ يُرضيهْ
كم ظامئ لكلامي
…
يَرويهِ عُجْبًا فيُرْوِيهْ
وكم غَليلِ فؤادٍ
…
بصحّةِ القول يَشْفيهْ
وراكبٍ لهواهُ
…
عساهُ يومًا سيَثْنِيهْ
لعلّكمْ أنْ تقولوا
…
فإنّكمْ أهلُ تَمويهْ
مَنْ كان جاهلَ شيءٍ
…
فلا يزالُ يُعاديهْ
هيهاتَ بُغْضيَ فيكمْ
…
في الله واللهُ يَدريهْ
وذلك العِلمُ عندي
…
لاخيرَ فيكمْ ولا فيهْ
ولهُ في هذا الغَرَض كثيرٌ، وسيأتي شيءٌ منه في رَسْم أبي الوليد محمد (1) بن أحمدَ بن رُشدٍ إن شاء الله.
ومن وصاياهُ النافعة، وآدابِه الجامعة: قولُه (2)[الطويل]:
عليكَ بكتمانِ المصائبِ واصطبِرْ
…
عليها فما أبقَى الزمانُ شفيقا
كفاكَ من الشكوى إلى الناسِ أنه
…
تَسُرُّ عدُوَّا أو تَسُوءُ صديقا
وقولُه (3)[لطويل]:
منَ الله فاسأَلْ كلَّ شيءٍ تريدُهُ
…
فما يملِكُ الإنسانُ نَفْعًا ولا ضَرّا
ولا تتواضَعْ للوُلاةِ فإنّهمْ
…
من الكِبْرِ في حالٍ تَموجُ بهمْ سُكْرا
وإياكَ ان تَرضَى بتقبيلِ راحةٍ
…
فقد قيل فيها: إنّها السَّجدةُ الصُّغرى
وقال في الوُلاةِ وأحوالِهم [السريع]:
مَنْ كَبُرَتْ عن قَدْرهِ خُطَّةٌ
…
دَاخَلَهُ من أجلِها الكِبْرُ
ومَنْ سمَتْ همَّتُهُ لم يكُنْ
…
لخُطّةٍ في نفسِه قَدْرُ
ولايةُ الإنسانِ سُكرٌ فما
…
دامتْ له دامَ به السُّكرُ
مَغَايظُ الدنيا وأربابِها
…
ليس عليها لامرئ صبرُ
دَعْهُمْ معَ الدهرِ وأحداثِهِ
…
حتّى تَرى ما يصنَعُ الدّهرُ
(1)"محمد": سقطت من م.
(2)
الإحاطة 2/ 237، ومقدمة الرحلة (9).
(3)
النفح 2/ 491.
وقال يُهنِّئُ حجّاجًا اجتمعَ بهم في مكّةَ شرَّفَها اللهُ ويَتشوَقُ إليهم (1)[الرمل]:
يا وفودَ الله فُزتُمْ بالمُنَى
…
فهنيئًا لكمُ أهلَ مِنى [185 ظ]
قد عرَفْنا عرَفاتٍ معَكمْ
…
فلهذا بَرّحَ الشّوقُ بنا
نحن بالمغرِبِ نُجْري ذِكْرَكمْ
…
فغروبُ الدمعِ تجري هُتَّنا
أنتمُ الأحبابُ نشكو بُعدَكمْ
…
هل شَكوْتُمْ بُعْدَنا من بَعْدِنا
علَّنا نلقَى خَيالاً مِنكمُ
…
بلذيذِ الذِّكْرِ وهْنًا علّنا
لو حَنَا الدهرُ علينا لَقضَى
…
باجتماعٍ بكم في المُنحَنى
لاح بَرْقٌ مُوهِنًا من أرضِكمْ
…
فلعَمْري ما هنَا العيشُ هُنا
صَدَعَ اللّيلَ وَميضًا وسَنًا
…
فأبَيْنا أن نَذوقَ الوَسَنا
كم جنَى الشّوقُ علينا من أسًى
…
عاد في مَرضاتِكمْ حلوَ الجَنى
ولكمْ بالخَيْفِ من قلبٍ شَجٍ
…
لم يزَلْ خوفَ النَّوى يشكو الضَّنى
ما ارتضَى جانحةَ الصَّدرِ لهُ
…
سَكَنًا منذُ به قد سَكَنا
فيُناديهِ على شَحْطِ النَّوى
…
مَنْ لنا يومًا بقلبٍ مَلَّنا
سِرْ بنا يا حاديَ العيسِ عسى
…
أنْ نُلاقي يومَ جَمْعٍ سِرْبَنا
ما عَنى داعي النَّوى لمّا دَعَا
…
غيرَ صبًّ شفَّهُ بَرْحُ العَنا
شِمْ لنا البَرْقَ إذا هبَّ وقُلْ:
…
جَمَعَ اللهُ بجُمْعٍ شَمْلَنا
(1) منها أبيات في النفح 2/ 486، والمغرب 2/ 385، ومقدمة الرحلة (18).
وقال وقد تذكَّر طَيبةَ على ساكنِها الصلاةُ والسلام [المجتث]:
يا أهلَ طيْبةَ قلبي
…
عَنْ منهجِ الصبرِ جارا
أشكو إليكمْ زمانًا
…
عليَّ بالبَيْنِ جارا
وبعدَكُم لمستُ أرضى
…
من البرّيةِ جارا
ودمعُ عيني عليكُمْ
…
لأدمُعِ المُزْنِ جارى
وقال متشوقًا لأهل العقيق [مخلع البسيط]:
سُكّانَ وادي العقيقِ شَوْقي
…
إليكمُ في البِعادِ زادا
ونَظْرةٌ منكمُ المُنى لو
…
أهدَيْتُموها إليَّ زادا
عهدٌ لنا عندَكمْ حميدٌ
…
يا ليتَهُ بالوِصالِ عادا
صادقَ فيه الكَرى جُفوني
…
وبعدَكُمْ للجُفونِ عادى
وقال في السَّماع من الصّوتِ الحَسَن [186 و][الطويل]:
زيادةُ حُسْنِ الصوتِ في الخَلْقِ زينةٌ
…
يَروقُ بها لَحْنُ القريضِ المُحبَّرِ
ومن لم يُحرِّكْهُ السَّماعُ بطَيبةٍ
…
فذلك أعمى القلبِ أعمى التصوُّرِ
تُصيخُ إلى الحادي الجِمالُ لَواغبًا
…
فتُوضعُ في بَيْدائها غيرَ حُسَّرِ
ولله في الأرواح عند ارتياحِها
…
إلى اللَّحن سرٌّ للورى غيرُ مُظهَرِ
وكلُّ امرئ عابَ السَّماعَ فإنهُ
…
من الجَهْل في عَشْوائهِ غيرُ مُبصرِ
وأهلُ الحِجا أهلُ الحجازِ وكلُّهمْ
…
رأَوْ مباحًا عندَهمْ غيرَ مُنكرِ
وهام به أهلُ التصوُّفِ رَغبةً
…
لتهييج شَوْقٍ نارُهُ لم تُسعَّرِ (1)
(1) سقط البيت من م ط.
فإنّ رسُولَ الله قد قال: زيِّنوا
…
بأصواتِكمْ آيَ الكتاب المطهَّرِ
وزانَتْ لداودَ النبيِّ زَبُورَهُ
…
مَزامِرُهُ بالنَّوحِ في كلِّ محضَرِ
وفي الخُلدِ إسرافيلُ يُسْمِعُ أهلَهُ
…
فيُسْلِيهمُ المسموعُ عن كلِّ منظرِ
فإن أَكُ مُغْرًى بالسَّماع وحُسنِهِ
…
فحَسْبي اقتداءً بالكريم ابنِ جعفرِ
وقال في حبِّ النبى صلى الله عليه وسلم، وأهلِ بيتِه الكريم (1) وصَحْبِه رضي الله عنهم (2) [الطويل]:
أُحِبُّ النبيَّ المصطفى وابنَ عمِّهِ
…
عليًّا وسِبْطَيْهِ وفاطمةَ الزَّهْرا
هُمُ أهْلُ بيتٍ أَذْهبَ الرِّجْسَ عنهمُ
…
وأطلَعَهم أُفْقُ الهُدى أنجُمًا زُهْرا
مُوالاتُهمْ فرضٌ على كلِّ مسلمٍ
…
وحبُّهمُ أسنَى الذخائِرِ للأُخرى
وما أنا للصَّحبِ الكرام بمُبغِضٍ
…
فإنّي أرى البَغْضاءَ في حقِّهم كُفْرا
هُمُ جاهدوا في الله حقَّ جهادِهِ
…
وهمْ نَصَروا دينَ الهدى بالظُّبا نَصْرا
عليهمْ سلامُ الله ما دام ذكْرُهمْ
…
لدى الملإِ الأعلى وأَكْرِمْ به ذِكْرا
وقال يُحرِّضُ السُّلطانَ صَلاحَ الدِّين على النظرِ فيما ظَهَرتْ (3) من البِدَع بالمدينة، على دَفِينِها الصّلاةُ والسلام [الوافر]:
صلاحَ الدِّينِ أنت لهُ نظامُ
…
فما يُخْشَى لعُروتهِ انفصامُ
فأظهِرْ سُنَّةَ الله احتسابًا
…
فقد ظهَرَت بها البِدَعُ العِظامُ
وفي دينِ الهدى حدَثَت أُمور
…
بها للدِّين حُزنٌ واغتمامُ
جَديرٌ أن يُقامَ لها ارتماضًا
…
مَآتمُ للورى فيها التِدامُ [186 ظ]
(1) في م: "الكرام".
(2)
النفح 2/ 493.
(3)
كذا في الأصول.
وكيف يلَذُّ للأجفانِ نومٌ
…
وللإسلام جَفْن لا ينامُ؟
وكيف تَطِيبُ في الدّنيا حياةٌ
…
وطَيبةُ لا يَطِيبُ بها مُقامُ؟
بتُربتِها رسولُ الله ثاوٍ
…
وليس لأهلِها منهُ احتشامُ
لو احتَرَموهُ أو هابوهُ يومًا
…
لكان لصَحْبِه معَه احترامُ
وهل يَرضَى صلاتَهمُ عليهِ
…
إذا سُبَّتْ صَحابتُهُ الكرامُ؟
بأُمِّ المؤمنينَ قدِ استَهانوا
…
وللصِّدِّيقِ والفاروقِ ذاموا
عَزَوْا بعدَ النبيِّ لهمْ ضلالًا
…
لقد ضَلَّ الغُواةُ وما استقاموا
وسُنَّتُهُ أضاعوها امتهانًا
…
فما لهمُ بواجبِها اهتمامُ
وليس يذِلُّ عندَهُم سوى مَنْ
…
لهُ بجميلِ مذهبِها ارتسامُ
وما يَرعَوْنَ ذِمَّةَ زائريه
…
وللذِّمِّيِّ قد يُرعَى الذّمامُ
ومسجدُهُ المبارَكُ عادَ سُوقًا
…
لهمْ فيها على اللَّهوِ ازدحامُ
يُعيدُ به الصّلاةَ مؤذِّنوهُ
…
وما بإمامِهمْ لهمُ ائتمامُ
إذا قاموا لها قاموا كُسَالَى
…
على كُرْهٍ كأنهمُ نيامُ
يُضيعونَ المواقيتَ اقتصادًا
…
ليُعدَمَ للصّلاة به انتظامُ
وأشنَعُ بِدعةٍ حدَثَت صلاةٌ
…
لسُنِّيًّ بشِيعيًّ تُقامُ
وروضتُهُ المقدَّسةُ استباحوا
…
مهابَتَها فأدمُعُها سِجَامُ
إذا حَفُّوا بها لعِبُوا ازدراءً
…
وكان لهمْ بتُربتِها انتخامُ
وقاموا للسّلام وفيه لَعْنٌ
…
لقد ساءَ الهدى ذاك المقامُ
ويَرقَى فوقَ مِنبَرِهِ خطيبٌ
…
له في الدِّين خَطْبٌ لا يُرامُ
هو القاضي وحَسْبُك من قضاءِ
…
له بالجَوْرِ في الشَّرع احتكامُ
يَعِيبُ على أئمّتِنا هُداها
…
إمَاميُّونَ فُسَّاقٌ لئامُ
يَغُرُّهمُ لفاطمةَ انتسابٌ
…
وما لهمُ بحُرمتِها التئامُ
وهل يُغني انتسابُهمُ إليها
…
وعن دينِ الهُدى لهمُ انصرامُ؟!
ونُوحٌ لابنِه لم يُغْنِ شيئًا
…
ولا أَغناهُ بالجَبَلِ اعتصامُ
أعزَّ اللهُ بالإسلام قومًا
…
فليس له بغيرِهمُ قِوامُ [187 و]
فذلَّتْ فرقةٌ طَعَنَتْ عليهمْ
…
وهيلَ على أُنوفِهمُ الرَّغامُ
وكيف يعِزُّ عند الله قولمٌ
…
ودينُ الله بينَهُم يُضامُ؟
نقومُ إلى الصلاةِ وهم قعودٌ
…
ويَعلو عندَها لهمُ الكلامُ
بِلَعْنٍ صُمَّتِ الآذانُ منه
…
وسَبٍّ للصّحابةِ يُسْتدامُ
وتُقرَأُ بينَ أيديهمْ جِهارًا
…
تَوالِفُ كلُّها زُورٌ سُخامُ
ويَسعَى بينَ أيدينا اعتراضًا
…
لقَطْع صَلاتِنا منهمْ طَغامُ
فلا المأمومُ يَدري ما يُصلِّي
…
ولا يَدري بما صَلّى الإمامُ
تَراهمْ يسخَرونَ بنا احتقارًا
…
وللأحقادِ عندَهُمُ احتدامُ
ويعتقدونَنا نَجَسًا خبيثًا
…
فليس لهمْ لجانبِنا انضمامُ
يرَوْنَ الجَمْعَ للأُختينِ حِلًّا
…
وتُعْطَى البنتُ ما يَرِثُ الغُلامُ
وما التجميعُ عندَهُم بشَرْع
…
لقد تاهُوا بباطِلِهم وهاموا
يُقيمونَ الصّلاةَ وهُمْ فُرادى
…
لقد شَرَدوا كما شرَدَ النَّعامُ
وليسَ لهمْ من الإسلام حظٌّ
…
ولو صَلَّوا مدى الدنيا وصاموا
ومَن قد خالَفَ السَّلَفَ ابتداعًا
…
أَتنفعُهُ الصلاةُ أو الصيامُ؟!
لقد مَرَقوا من الدينِ اعتداء
…
كما مَرَقَتْ من المَرْمى السِّهامُ
لهمْ من أهلِ مذهبِهمْ شيوخٌ
…
أقاموا بين أظهُرِهمْ وداموا
روافضُ أحدَثوا بِدَعًا وشادوا
…
قواعدَها فليس لها انهدامُ
فكم غَمْرٍ أضلُّوا واستَزَلُّوا
…
فَحُمَّ على الضلالِ له الحِمَامُ
وكم غِرٍّ ببَذْلِ المالِ غَرُّوا
…
فكانَ على الحُطامِ له انحطامُ
ومُغوِيهمْ فقيهُ الرفضِ سَيْفٌ
…
أتاه باسمِهِ الموتُ الزُّؤامُ
وفَرَّ إليهمُ منكمْ حُسَينٌ
…
مخافةَ أن يُطَوّقَهُ الحُسامُ
فأضرَمَ بالمدينةِ نارَ غَيًّ
…
ابتْ ألّا يُزالَ لها اضطرامُ
وأوسَعَ أهلَها بِرًّا وبُرًّا
…
فكان لهمْ على الغَيِّ اقتحامُ
فما يُرجَى لهمْ أبدًا فلاحٌ
…
ولا رُشدٌ وهل يُرجى الجَهامُ؟
وما لهمُ إلى خيرٍ مضاءٌ
…
مَدَى الدُّنيا وهل يَمْضي الكَهامُ؟ [187]
لعَمْرُك إنّهمْ داءُ عُضَالٌ
…
وما بسوى الحسامِ له انحسامُ
ومَن لم يَرْضَ حُكمَ الله شَرْعًا
…
فما دَمُهُ لسافِكِهِ حرامُ
إذا انحَطَّ الرَّعيّةُ في هَواها
…
ولم تُرْدَعْ فراعِيها يُلامُ
وإن نشَأَتْ عَوارضُ للأعادي
…
فبَرْقُ السيفِ أوْلى ما يشامُ
فأمضِ الهِمّةَ العُليا إليهمْ
…
وجاهِدْ أيها الملِكُ الهُمَامُ
وأرْضِ المصطفى في صاحِبَيْه
…
بنَصْرٍ لا يُفَلُّ له اعتزامُ
أَتاك رضاهُ عفوًا فاغتنِمْه
…
لِما ترجو وحُقَّ له اغتنامُ
إيُقبَلُ منك عندَ الله عذرٌ
…
وما لكَ من أَعاديه انتقامُ؟
وما نال الحِجازُ بكُمْ صلاحًا
…
وقد نالتْهُ مِصرٌ والشآمُ
ولولا هَيْبةٌ لدفينهِمْ لم
…
تُحَجَّ الكعبةُ البيتُ الحرامُ
فإن أسلَمْتَ دينَ الله فيها
…
على الدنيا وساكنِها السلامُ
وأهدى إليه بعضُ أصحابِه بالقاهرة مَوْزًا فكتَبَ إليه (1)[المجتث]:
يا مُهديَ الموزِ تبقَى
…
وميمُهُ لكَ فاءُ
وزايُهُ عن قريبٍ
…
لمن يُناويكَ تاءُ
وأغراضُه في أشعارِه مُستحسَنة، ولولا خوفُ الإملالِ والخروج بها إلى غير ما لهُ قَصْدُنا لاستكثَرْنا منها؛ إيثارًا لكريم آثارِه، واستطابةً لإيرادِ أخبارِهِ وأشعارِه، وفي بعض ما أورَدْناه منها دِلالةٌ على انطباعِه، وشهادةٌ بكرمِ طِباعِه.
مَولدُه ببَلَنْسِتةَ سنةَ تسع وثلاثين، وقيل: بشاطِبَةَ، سنةَ أربعينَ وخمس مئة (2)، وتوفِّي بالإسكندَريّة رحمه الله ليلةَ الأربعاءِ التاسعةِ والعشرينَ لشعبانِ أربعَ عشْرةَ وست مئة، قاله أبو محمدٍ عيسى بنُ سُليمانَ الرُّنْدي، قال: وكنتُ حينَئذٍ بالبلاد حاضرًا عندَ موتِه؛ وأبو محمدٍ هذا من المتقدِّمينَ في الضَّبطِ والإتقان، وعند أبي القاسم المَلّاحيّ في بعض مَناقلِ أحوالِه ووفاتِه خَلَلٌ كثيرٌ لا ينبغي التعريجُ عليه؛ واللهُ يتجاوَزُ عن سيِّئاتِ الجميع بفضلِه، لا رَبَّ سواه.
1173 -
محمدُ (3) بن أحمدَ بن جُزَيّ [188 و]-بضمِّ الجيم وفَتْح الزاي وتشديدِ الياء- مُرسِيٌّ، أبو عبد الله.
رَوى عن أبي عليّ الصدَفي وأكثَرَ عنه، وكان مُقرِئًا فاضلًا، نفَعَه الله.
(1) النفح 2/ 384.
(2)
في هامش ح: "قال الزكي أبو محمد المنذري: سألته عن مولده فقال: ليلة السبت العاشر من شهر ربيع الأول سنة أربعين وض مئة ببلنسية، قال: وتوفي في السابع والعشرين من شعبان بثغر الإسكندرية ودفن على كوم عمرو بن العاص رضي الله عنه يريد من سنة أربع عشرة"(قلنا: هذا من التكملة 2/ الترجمة 1550).
(3)
ترجمه ابن الأبار في التكملة (1226)، وفي معجم أصحاب الصدفي (88).