الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، أما بعد
…
فإن إعجاز القرآن مُسَلَّم في اعتقاد المسلمين لا يتطرّق إليه الشك.
وقد ظهر هذا الإعجاز وقت نزوله بأخباره الغيبية الماضية والحاضرة والمستقبلة، وبالتحدّي بالإتيان ولوْ بسورة واحدة من مثله إلى غير ذلك من إعجازه الباهر، القاهر لكل مبطل خاسر.
وليس موضوعنا التفصيل في ذلك فقد كُفيناه حيث كَتَبَ السلف في هذا ما بعضه يكفي.
وإنما المراد هنا الكلام فيما جَدّ وحَدَث في زماننا من الكلام في إعجاز القرآن الذي معناه متابعة ومجاراة الكفار الملاحدة فيما يزعمون أنهم اكتشفوه وعرفوه.
فالمقصود النظر في هذا الإعجاز المزعوم وَوَزنه بميزان الشرع لِتَسْتبين سبيل الحق من الباطل ولأنه صار فتنة عظيمة تهوّك بها من تهوّك على غير هدى بل بضلال مبين لا يرتقي ولا إلى درجة الظن والتخمين.
بل حصل بسببه من جحود الخالق وإنكار وجوده ما لا يُحاط به، يعلم الكثير من ذلك من اسْتقرأ الأمر من بدايته وأصله وتابع تفرّعاته ونتائجه، ولم يغرّه نفخ في صُوَرٍ مَيّتة ممن يُرَوِّجون فاسد البضاعة وكاسدها، بل والله مسمومها، وأعني الذين تَوَلَّوْا ترجمة هذه العلوم. كذلك الذين وجدوها مترجمة ففُتِنوا فيها فضلوا بها وأضلوا من تبعهم بما يكتبون ويؤلفونه تقليداً وتبعية.
وكل هؤلاء أقحموا آيات القرآن قسْراً وقهراً رغم عدم طَوَاعِيّتها والبَوْن البعيد الفارق بينها وبين هذه العلوم الدخيلة، أقحموها بها لِتَساير الركب الضال وهذا يستحيل تحقيقاً وإنْ وُجِدَ تَلْفيقاً.
وإن ترويج هذه العلوم المضلّة بمزجها بعلم الهدى لَنَذير شر وموجب رَدَى.
إن الحق والباطل لا يتفقان على الملائمة ولا يجتمعان إلى على مضادة ومُنافرة وإنما اللبس إذا وقع أظلمت الطريق، فقد الْتبس الحق بالباطل بهذه الأسباب فحصل الضلال.
والمراد من هذا الكتاب النظر في هذا الطوفان الغامر المسمى: (إعجاز القرآن العلمي) بِزَعْم تصديق كلام الله وتصحيحه وتأييده هذه النظريات التي يُطلق عليها اسم العلم التي وَفَدَتْ من ملاحدة أصّلوا علومهم ونظرياتهم على جحود الخالق سبحانه وبحمده، فهل القرآن
حقيقة يُوَافق ذلك أم يخالفه فلننظر (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ).
أما من أقرّ بالخالق منهم فقد أقَرَّ به على مقتضى هذا النظر المحدَث للكون، وهو ضلال من أوله إلى آخره، فكثير منهم غايتهم الربوبية، والإقرار بالخالق لوْ كان على مقتضى الفطرة والنظر الصحيح لما دخل صاحبه في الإسلام فكيف بنظرِ مَنْ سار على نهج هذا العلم الحديث وكشوفاته؟ إنها تبدأ بالضلال وتنتهي إليه، أما من يُرَوِّج هذه البضائع فإما جاهل أو ماكر، وأهل الإسلام في غنى ونعمة من الله حَسَدهم عليها أعداؤهم فأرادوا أن يزاحموها بضلالهم ويفسدوها لتحصل المشاركة، (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ).
وقدس الله روح ابن القيم فهو يقول: فلا تُتعب ذهنك بهذيانات الملحدين فإنها عند من عرفها من هَوَس الشياطين وخيالات المبطلين.
وإذا طلع فجر الهدى وأشرقت النبوّة فعساكر تلك الخيالات والوساوس في أول المنهزمين، (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) انتهى (1).
(1) من مفتاح دار السعادة 1/ 215
اعلم أن الشأن كل الشأن في طلوع هذا الفجر وإشراق هذا النور حتى يكون الأمر في زماننا كما وصف قدس الله روحه.
كتبها
عبد الكريم بن صالح الحميد