الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ) الآية
وذكر الزنداني قوله تعالى: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ). ص113 توحيد الخالق.
جعل صاحب كتاب توحيد الخالق هذا التّزَيُّن للدنيا قبل يوم القيامة وجعل معنى (أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً) قيام الساعة، وليس معنى الآية كما قال بل هي مثل عِدّة آيات ذكرها الله في كتابه أمثالاً لزينة الدنيا فَيُشبِّهها بنبات الأرض وسرعة تغّيره وتحوّله عن حاله النّضِرة مثل قوله تعالى:(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً).
ومثل قوله تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ
وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ) والمراد التزهيد بالدنيا الفانية والترغيب في الدار الآخرة التي نعيمها لا يزول.
أما صاحب كتاب توحيد الخالق فقرأ آية سورة يونس باحثاً عن شيء يوافق ما سماه علماً فضَلّ في فهمه وأضل غيره حيث رأى قوله تعالى: (أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً) فظن أنه وجد ضالته حيث قال: والأمر قدْ وَضَح بعد تقديم العلم وكشف (1) عن السِّر الخفي في هذا التعبير القرآني، فلو قال القرآن: أتاها ليلاً يَصَحّ لأي إنسان أن يقول: إن هذا القرآن من عند محمد صلى الله عليه وسلم. وبالمثل لو قال أتاها أمرنا نهاراً، ذلك لأن الساعة التي ستقع كلمح البصر ستقع على الأرض بأكملها، وقد عرفنا أن الليل والنهار على الأرض دائماً، ففي الوقت الذي يكون عندنا ليل يكون عند غيرنا نهار، وهكذا يأتي أمر الله ليلاً أو نهاراً، ليلاً على الذين عندهم ليل ونهاراً على الذين عندهم النهار، وصدق الله العظيم القائل:(كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ).
أقول: ختم الله الآية بقوله: (كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) التفكر السليم المستقيم كما كان الصحابة رضي الله عنهم والسلف الصالح، أما التفكر على مقتضى علوم الكفار فضلالة اللهم إلا في أشياء نادرة قد سُبقوا إليها بطرق للتفكر سهلة مُيَسّرة بخلاف طرقهم
(1) العبارة هكذا في كتابه (توحيد الخالق)، الطبعة الثالثة والظاهر أنها: بعد تقدم العلم وكشفه عن السر الخفي.
الشّكسة المضلّة.
والمراد أن صاحب كتاب توحيد الخالق قرأ الآية يبحث عن شيء يَدّعي أنه يوافق علوم الكفار وقد أبعد النجعة، وارجع إن شئت إلى كلام المفسرين العلماء الأمناء من السلف تجد كلامهم في هذه الآية وأمثالها كما ذكرت وليس المراد بقوله تعالى:(أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً) ما زعم صاحب كتاب توحيد الخالق وإن كان الليل والنهار على الأرض دائماً.
وارجع الآن إلى ما أعقب الله به من بهجة الحياة الدنيا ونضْرتها وأنها تؤول في الآية الأولى إلى: (فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ) وفي الثانية: (فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ) وفي الثالثة: (ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً) تجد اتّساق المعنى وأن المراد بهذه الأمثال وصْف الدنيا ولا تدل على الساعة وقيامها.
وإنما تدل على زينة الدنيا الخادعة من الأموال والضياع والجاه والرئاسة والملك وأن الإنسان ينخدع ويغتر بها مع أنها كما يرى دائماً من نبات الأرض الذي لا يدوم فإما الموت أو الآفات وتنغيص الحياة، ولذلك قال تعالى بعد آية سورة يونس التي ذكر صاحب كتاب توحيد الخالق:(وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ) الآية فالجنة دار السلام سبحانه وفيها السلامة من جميع عيوب الدنيا وآفاتها.
فالآية لا تدل على الساعة وقيامها، وهذا والله التكلف والقول في القرآن بالرأي وبلا علم.
قال الصديق رضي الله عنه: (أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا قلت في القرآن برأيي أو بما لا أعلم).
إن إقدام المتأخرين على تفسير القرآن ليس نتيجة علم وخشية بل إنه جرأة مصدرها الجهالة والضلالة.
كذلك فلو كان المراد ما ذهب إليه صاحب كتاب توحيد الخالق لقال عز وجل: (أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً) حيث أن الليل والنهار دائمان على الأرض والساعة عامة فتأتي أهل الليل في ليلهم وأهل النهار في نهارهم.