الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ) الآية
وقال صاحب كتاب توحيد الخالق في قوله تعالى: (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ).
قال: كما كشف العلم الحديث أن هناك موجاً داخلياً يغشى البحر وهو أطول وأعرض من الموج السطحي، وقد تمكَّن الباحثون من تصوير هذا الموج بالأقمار الصناعية أيضاً، والقرآن يذكر هذه الحقيقة قبل قرون (1).
وقال قبل ذلك: الظلمات التي في البحار العميقة والأمواج التي تغشاها.
كشف العلم الحديث أن في قاع البحار العميقة -كثيرة الماء- (البحر اللجي) ظلمات شديدة، حتى أن المخلوقات الحية تعيش في هذه الظلمات بدون آلات بصرية وإنما تعيش بواسطة السمع، ولا توجد هذه الظلمات الحالكة في ماء البحر الذي يحيط بالجزيرة العربية. انتهى.
(1) توحيد الخالق، (ص344).
وهذا أيضاً من عجائب الإحالات ولا شك أنه تأويل لكلام الله باطل فالله سبحانه لا يخاطب عباده بمثل هذا.
ولقد كاد إبليس هؤلاء بما خاضوا به من هذيان الكفار لِصرف معاني كلام الله عن حقيقتها وصرف التفكر فيها والانتفاع إلى الالتفات إلى الكفار والتعظيم لهم ولعلومهم وازدراء السلف وتنقّصهم.
فهذه الآيات العظيمة ضرب الله فيها مثلاً لأعمال الكفار فوصَفَها بالسراب الذي يظنه رائيه ماءً فإذا وصل إليه لم يجد شيئاً لأن أعمال الكافر حابطة بالكفر.
فهذا مثل والمثل الثاني لأعمال الكفار الظلمات في البحر العميق عظيم الموج فتتّفق ظلمة الليل وظلمة الموج وظلمة السحاب، فهي ظلمات بعضها فوق بعض، وقد خاطب الرب سبحانه عباده بما يعرفونه ويدركونه لا سيما الأمثال فإن المراد من ضَرْبها التفكر والاعتبار والعبور من صورة المثل إلى حقيقة المعنى المراد.
فالذي ذهب إليه صاحب كتاب توحيد الخالق في تفسير القرآن بما يشبه الأحاجي بل بما يُنزّه كلام الله عنه خطره عظيم، وهو لا يُقرّب فهم القرآن بل يصُدّ عن فهمه بتغيير الفطرة التي فطر الله عليها عباده، فهو سبحانه يخاطبهم بما يدركونه بحواسهم ويعرفونه بل ويشتركون في معرفته، وهو يُنزل الله على نبيه قرآناً يُتلى أربعة عشر قرناً معاني آيات
الخلق فيه كالطلاسم والألغاز لا تُعرف حتى جاء هذا العصر فظهرت معانيه على أيدي المعطلة ومقلّديهم؟ هذا منكر من القول وفيه من اسْتهجان السلف وتعظيم الكفار ما هو ضلال مبين.
والذي يُقارن بين ما أذكره من تفسير السلف لكلام الله وما أنقله من تفسير المتأخرين يظهر له الفرق بين الهدى والضلال إلا من فسدت فطرته.
قال قتادة: (لُّجِّيٍّ) هو العميق. (لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا) أي لم يقارب رؤيتها من شدة الظلام، فهذا مثل الكافر الجاهل البسيط المقلّد الذي لا يعرف حال من يقوده ولا يدري أين ذهب بل كما يقال في المثل للجاهل: أين تذهب؟ قال: معهم، قيل: فإلى أين يذهبون؟ قال: لا أدري.
وقال أبي بن كعب في قوله تعالى: (ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ) فهو يتقلب في خمسة من الظُّلَم: فكلامه ظلمه، وعمله ظلمه، ومدخله ظلمه، ومخرجه ظلمة، ومصيره يوم القيامة إلى الظلمات إلى النار. انتهى.
هل يحيل الله عباده إلى هذه الأشياء الدقيقة في فهم كتابه بحيث لا يُفهم القرآن إلا بصواريخ تجوب الفضاء وغوّاصات تذهب في أعماق البحار ومناظير تُقرّب البعيد وتُكَبِّر الصغير ثم يجعل مفاتيح ذلك مع أعدائه يكتشفونه في آخر الأمة؟.
هذا والله من عجائب وقتنا بل ومن ثمار ظلماته موْج في قعر المحيطات العميقة تكتنفه ظلمات، اكتشفه الباحثون ولم يعرفه الأولون، هذا معنى (ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ) أما ما يُرى ويعرف لكل احد وهو أن أعمال الكافر كظلمة ليل بحر مائج يُغطيه السحاب فهذا كأنه لا يبيّن المعنى ولا يفي بالمقصود.
كذلك قوله: (كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء) يوجد فوق الغلاف الجوي فضاء خال من الهواء فالإنسان إذا وصل إليه يجد صعوبة وضيق، فيقال في معنى الآية ببساطة: صفة الكافر في حال سماعه للحق أو انتفاعه به كمن يحاول الصعود إلى السماء فهو ما لا يقدر عليه فهو في ضيق وشدّة وهو على الأرض.
كذلك قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) أحياء لا تُرى بالعين لا تعيش بدون الماء.
يقال: معنى الآية أن أصل الأحياء من الماء، كذلك قوله:(وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ) والحاجز بين البحرين والمجرات وأبعادها خيالية والذرات التي لا تُرى.
وغير ذلك إذا تتبّعتَه وجدتَ إحالات على تقدير صحتها فهي كالطلاسم وهذا لا يليق بكلام الله وفهم معانيه فقد جعله سبحانه هدى وشفاء لا أحاجي وطلاسم مفاتيحها بأيدي معطلة دهرية يخرجون في
آخر الأمة.
إن المقلِّدة يَدَعون الواضح الجلي الهيِّن السهل الصحيح الذي يدركه كل أحد.
إلى شيء على تقدير وجوده خفي صعب باطل لم يرده الله بكلامه لا يُدْرَك إلا بالخيال.
وصاحب كتاب توحيد الخالق يُبالغ بتعظيم هذه العلوم والكشوفات مما جعله ينسب إلى الله وإلى نبيه الباطل فإنه يقول في موج وظلمة بحره المزعوم.
* موج من فوقه موج:
وإلى قبل عام 1900م كان الناس جميعاً لا يعرفون إلا موجاً واحداً في البحار، هو ذلك الموج المشاهد على سطح الأرض فجاء البحارة الإسكندنافيون ليكشفوا للعالم حقيقة كانت مخبوءة في أعماق البحار، تلك الحقيقة هي أنه يوجد في أعماق البحار نوع آخر من الموج، وأنه يقذف بالغائصين فيه كما يقذف الذي فوق بالسابحين عليه، غير أن الله قد أجرى هذه الحقيقة على لسان النبي الأمي صلى الله عليه وسلم الذي لم يعرف بحراً طوال حياته قبل نيف وأربعة عشر قرناً من الزمان.
قال تعالى: (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ)(1).
فتأمل كيف تنص هذه الآية على هذه الحقيقة؟! وكيف تؤكد أنها طبقات بعضها فوق بعض؟ فمن أين لمحمد صلى الله عليه وسلم علم بعلم البحار الذي جهله البشر أجمعون في عهده إلى قبل 76 عاماً؟! ص346. انتهى.
أنظر كيف أن صاحب كتاب توحيد الخالق يقرر أن موجه وظلماته التي في أعماق البحار هي المراد بالآية فهو يقول: (غير أن الله أجرى هذه الحقيقة على لسان النبي الأمي الذي لم يعرف بحراً طوال حياته قبل نيف وأربعة عشر قرناً من الزمان).
وانظر قوله: (فمن أين لمحمد صلى الله عليه وسلم علم بعلم البحار الذي جهله البشر أجمعون من عهده إلى قبل 76 عاماً) فنسب موج وظلمة خيال المعطلة إلى أنه معنى الآية وأن الله أجرى هذه الحقيقة على لسان نبيه، وهذا كذب على الله وعلى رسوله، وقد تقدم أن المراد الموج المشاهد وظلمة الليل وظلمة السحاب بلا تكلف.
(1) النور، آية:40.